أصلُ دَعوةِ الرُّسُلِ -عليهمُ السَّلامُ- تَوحيدُ اللهِ تَعالى، وإثباتُ الكَمالِ له، وتَنزيهُه عَنِ الشَّريكِ والصَّاحِبةِ والولَدِ، وأنَّه سُبحانَه هو المُتَصَرِّفُ في الكَونِ؛ فلا يَخرُجُ شَيءٌ عَن مَشيئَتِه وقُدرَتِه، وأنَّه سُبحانَه كما بَدَأ الخَلقَ فهو قادِرٌ على إرجاعِهم مَرَّةً أُخرى.
وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- عَنِ اللهِ تَعالى أنَّه قال: "كَذَّبَني ابنُ آدَمَ"، وهذا عُمومٌ يُرادُ به الخُصوصُ، والإشارةُ إلى الكُفَّارِ الذينَ يَقولونَ هذه المَقالاتِ()، أي: خالَفَ في القَولِ والاعتِقادِ ما قُلتُ وأرسَلتُ به رُسُلي مِنَ الأخبارِ بإحياءِ الخَلقِ بَعدَ المَوتِ للحِسابِ والجَزاءِ()، "ولَم يَكُنْ له ذلك"، أي: ولَم يَكُنْ ذلك التَّكذيبُ حَقًّا وصِدقًا وصَوابًا له، بَل كانَ خَطَأً وعِصيانًا مِنهُ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى أنعَمَ على العِبادِ وتَفَضَّلَ بأنواعِ النِّعَمِ التي لا تُعَدُّ ولا تُحصى، فتَكذيبُ العِبادِ رَبَّهم وخالِقَهم ووليَّ نِعَمِهم وحافِظَهم مِنَ الآفاتِ يَكونُ أمرًا في غايةِ القُبحِ، بَل لَو خالَفَ عَبدٌ سَيِّدَه مِنَ المَخلوقاتِ، أو خادِمٌ مَخدومَه، يَكونُ ذلك قَبيحًا على غايةِ القُبحِ عِندَ النَّاسِ، فكَيفَ لا تَكونُ مُخالَفةُ العَبدِ الرَّبَّ قَبيحةً؟(). "وشَتَمَني ولَم يَكُنْ له ذلك". الشَّتمُ: رَميُ أحَدٍ أحَدًا بكَلامٍ قَبيحٍ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبحانَه ما هو التَّكذيبُ والشَّتمُ الذي يَقَعُ مِنِ ابنِ آدَمَ، فقال: "فأمَّا تَكذيبُه إيَّايَ فقَولُه: لَن يُعيدَني كما بَدَأني"، أي: لَن يُحييَني بَعدَ مَوتي كما خَلَقَني، "وليس أوَّلُ الخَلقِ بأهونَ عليَّ مِن إعادَتِه"، أي: ليس أوَّلُ خَلقِ الخَلقِ بأسهَلَ عليَّ مِن إعادَتِه، بَلِ الإعادةُ أسهَلُ مِن أوَّلِ الخَلقِ، والكُلُّ على اللهِ تَعالى سَهلٌ هَيِّنٌ، فإذا كُنتُ قادِرًا على خَلقِ الخَلقِ مِن غَيرِ أن كانَ مِنهُم أثَرٌ ومِثالٌ، فكَيفَ لا أكونُ قادِرًا على خَلقِهم بَعدَ أن يَكونَ مِنهُم أثَرٌ مِنَ العِظامِ أوِ اللَّحمِ أو مِن تُرابِهم؟ "وأمَّا شَتمُه إيَّايَ فقَولُه: اتَّخَذَ اللهُ ولَدًا"، أرادَ به ما قالتِ اليَهودُ والنَّصارى، وقَولَ بَعضِ المُشرِكينَ: "المَلائِكةُ بَناتُ اللهِ"، وقَولَ بَعضِهم: "الأصنامُ بَناتُ اللهِ"، وإنَّما سَمَّاه شَتمًا لِما فيه مِنَ التَّنقيصِ؛ لأنَّ الولَدَ إنَّما يَكونُ عَن والِدةٍ تَحمِلُه ثُمَّ تَضَعُه، ويَستَلزِمُ ذلك سَبقَ النِّكاحِ، والنَّاكِحُ يَستَدعي باعِثًا له على ذلك، واللهُ سُبحانَه مُنَزَّهٌ عَن كُلِّ ذلك()، "وأنا الأحَدُ"، أي: الواحِدُ المُتَفَرِّدُ بالذَّاتِ والصِّفاتِ، "الصَّمَدُ" هو السَّيِّدُ الذي ليس فوقَه أحَدٌ بحَيثُ يَصمُدُه كُلُّ أحَدٍ، أي: يَقصِدُه لقَضاءِ الحَوائِجِ، فالمَخلوقاتُ يَحتاجونَ إلَيه ويَقصِدونَه للتَّعَبُّدِ وقَضاءِ حَوائِجِهم، وهو لا يَحتاجُ إلى أحَدٍ، والصَّمَدُ كَذلك الكامِلُ في ذاتِه وصِفاتِه، "لَم ألِدْ"، أي: لَم ألِدْ ولَدًا قَطُّ؛ لأنِّي مُنَزَّهٌ ومُقدَّسٌ عَنِ الاحتياجِ إلى الزَّوجِ والولَدِ، "ولَم أولَدْ"، أي: ليس لي أبٌ ولا أُمٌّ؛ لأنَّه لَو كانَ لي أبٌ وأُمٌّ لَكُنتُ خَلقًا مِثلَكُم، وإذا كُنتُ خَلقًا مِثلَكُم لَم يَكُنْ لي قُدرةٌ على الخَلقِ والإيجادِ والإفناءِ وإيصالِ الرِّزقِ إلى كُلِّ مَرزوقٍ، والعِلمِ بالسِّرِّ والعَلانيةِ، "ولَم يَكُنْ لي كُفُؤًا أحَدٌ". الكُفُؤُ: الشِّبهُ والمِثلُ، والتَّقديرُ: ولَم يَكُنْ أحَدٌ كُفوًا لي، أي: ليس لي شِبهٌ ومِثلٌ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}
[الشورى: 11] {هَلْ تَعْلَمُ لهُ سَمِيًّا}
[مريم: 65] .
وفي الحَديثِ إثباتُ صِفةِ الكَلامِ للهِ تَعالى.
وفيه إثباتُ كَمالِ قُدرةِ اللهِ على إعادةِ الخَلقِ.
وفيه إثباتُ البَعثِ.
وفيه إثباتُ الإلَهيَّةِ والوحدانيَّةِ للهِ تَعالى.
وفيه بَيانُ حِلمِ اللهِ تَعالى على خَلقِه ().