الموسوعة الحديثية


- أنه كان على عهدِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رجلٌ يكثرُ شربَها يدعى حمارًا ، وكان كلما أتي به النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ جلدَه ، فأتي به إليه ليجلدَه فقال رجلٌ : لعنه اللهُ ما أكثرَ ما يؤتى به النبيَّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقال النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : لا تلعنْه فإنه يحبُّ اللهَ ورسولَه
الراوي : - | المحدث : ابن تيمية | المصدر : مجموع الفتاوى | الصفحة أو الرقم : 4/474 | خلاصة حكم المحدث : صحيح
لا يَنبَغي لأحدٍ أنْ يَشهَدَ لواحدٍ بعَينِه أنَّه في النَّارِ؛ لإمكانِ أنْ يَتوبَ، أو يَغفِرَ اللهُ له بحَسناتٍ ماحِيةٍ، أو مَصائبَ مُكفِّرةٍ، أو شَفاعةٍ مَقبولةٍ، أو يَعفُوَ اللهُ عنه، أو غيرِ ذلك.
وفي هذا الحَديثِ "أنَّه كان على عَهدِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رَجُلٌ يُكثِرُ شُربَها" أيْ: يُكثِرُ مِن شُربِ الخَمرِ، "يُدعى حِمارًا" أيْ: كان لَقَبُه حِمارًا، وفي رِوايةِ البُخاريِّ: اسمُه عَبدُ اللهِ، وكان يُضحِكُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قال: "وكان كلَّما أُتِيَ به النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جلَدَه"، وقد ورَدَ أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قد أمَرَ بضَربِه بالنِّعالِ، ويَحتمِلُ أنَّه جُلِدَ على الحَقيقةِ؛ "فأُتِيَ به إليه ليَجلِدَه"، أيْ: عندَما تَكرَّرَ منه شُربُ الخَمرِ، "فقال رَجُلٌ: لعَنَه اللهُ" واللَّعنُ دُعاءٌ بالطَّردِ مِن رَحمةِ اللهِ، "ما أكثَرَ ما يُؤتَى به النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ!"، لأنَّه يُؤتَى به كَثيرًا إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ليَحُدَّه في شُربِ الخَمرِ ولا يَرتدِعُ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "لا تَلعَنْه؛ فإنَّه يُحِبُّ اللهَ ورَسولَه!"؛ فشهِدَ له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالإيمانِ وهو ثَمِلٌ! فلا يَنبغي أن يَحقِرَ أحدٌ أحدًا، ولا يَيْئسَنَّ مِن هِدايةِ أحدٍ، ولعلَّ النَّهيَ عن اللَّعنِ حتى لا يكونَ هذا السَّبُّ عَونًا للشَّيطانِ عليه، والأحْرى أنْ يَدعُوَ النَّاسُ له بالهِدايةِ ليَنجذِبَ إلى طَريقِ الخيرِ، وخاصَّةً لمَن عُلِمَ منه إمكانيَّةُ صَلاحِ الحالِ.
وفي الحَديثِ: أنْ لا تَنافيَ بيْنَ ارتِكابِ النَّهيِ وثُبوتِ مَحبَّةِ اللهِ ورَسولِه في قَلبِ المُرتكِبِ؛ لأنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أخبَرَ بأنَّ المَذكورَ يُحِبُّ اللهَ ورَسولَه مع وُجودِ ما صدَرَ منه، وأنَّ مَن تَكرَّرَتْ منه المَعصيةُ لا تُنزَعُ منه مَحبَّةُ اللهِ ورَسولِه، ويُؤخَذُ منه تَأكيدُ ما تَقدَّمَ أنَّ نَفيَ الإيمانَ عن شارِبِ الخَمرِ لا يُرادُ به زَوالُه بالكُلِّيَّةِ، بل المرادُ نَفيُ كَمالِه.
وفيه: النهيُ عن لَعنِ المُعيَّنِ؛ لأنَّ اللَّعنَ دُعاءٌ بالطَّردِ مِن عَفوِ اللهِ تَعالى والبُعدِ مِن رَحمتِه وربَّما تاب، وخاصَّةً إذا قصَدَ به اللَّاعِنُ مَحضَ السَّبِّ .