الموسوعة الحديثية

نتائج البحث

1 - لمَّا كانتِ اللَّيلةُ الَّتي وُلِدَ فيها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ارتجسَ إيوانُ كسرى وسقَطت منْهُ أربعَ عشرةَ شُرفةً وغاضت بحيرةُ ساوةَ وخمَدت نارُ فارسٍ ولم تخمَد قبلَ ذلِكَ بألفِ عامٍ ورأى الموبذانُ إبِلًا صعابًا تقودُ خيلًا عِرابًا قد قطَعت دجلةَ وانتشرت في بلادِها فلمَّا أصبحَ كسرى أفزعَهُ ما رأى من شأنِ إيوانِهِ فصبرَ عليْهِ تشجُّعًا ثمَّ رأى أن لا يسترَ ذلِكَ عن وزرائِهِ ومرازبتِهِ فلبسَ تاجَهُ وقعدَ على سريره وجمعهم فلمَّا اجتمعوا عندَهُ قالَ: أتدرونَ فيمَ بعثتُ إليْكم قالوا: لا إلَّا أن يخبرنا الملِكُ فبينا هم على ذلِكَ إذ وردَ عليْهم كتابٌ بخُمودِ النَّارِ فازدادَ غمًّا إلى غمِّهِ فقالَ الموبذانُ وأنا قد رأيتُ- أصلحَ اللَّهُ الملِكَ- في هذِهِ اللَّيلةِ رؤيا ثمَّ قصَّ عليْهِ رؤياهُ فقالَ: أيَّ شيءٍ يَكونُ هذا يا موبذانُ؟ قالَ: حدثٌ يَكونُ في ناحيةِ العَربِ وَكانَ أعلمَهم في أنفسِهم فَكتبَ كسرى عندَ ذلِكَ من كِسرى ملِكِ الملوكِ إلى النُّعمانِ بنِ المنذرِ أمَّا بعدُ فوجِّه إليَّ برجلٍ عالمٍ بما أريدُ أن أسألَهُ عنْه. فوجَّهَ إليه بعبدِ المسيحِ بن حيَّانِ بنِ بقيلةَ الغسَّانيِّ فلمَّا قدمَ عليْهِ قالَ لَهُ ألَكَ علمٌ بما أريدُ أن أسألَكَ عنْهُ قالَ: ليَسألني الملِكُ فإن كانَ عندي علمٌ إلَّا أخبرتُهُ بمن يعلمُهُ فأخبرَهُ بما رأى فقالَ: عِلمُ ذلِكَ عندَ خالٍ لي يسْكنُ مشارفَ الشَّامِ يقالُ لَهُ سَطيحٌ قالَ فائتِهِ فسلْهُ عمَّا سألتُكَ وائتني بجوابِهِ فرَكِبَ حتَّى أتى على سطيحٍ وقد أشفَى على الموتِ فسلَّمَ عليْهِ وحيَّاهُ فلم يحر سطيحٌ جوابًا فأنشأَ عبدُ المسيحِ يقولُ أصمُّ أم يسمعُ غِطريفُ اليمَنْ... أم فادَ فازلمَّ بِهِ شأوُ العنَنَ يا فاصلَ الخطَّةِ أعيَت مَن ومَن... أتاكَ شيخُ الحيِّ من آلِ سنَنَ وأمُّهُ من آلِ ذئبِ بنِ حجَن... أزرقُ نَهمُ النَّابِ صرَّارُ الأذن أبيضُ فضفاضُ الرِّداءِ والبدنْ... رسولُ قَيلِ العُجمِ يسري للوسَنْ تجوبُ بي الأرضَ علنداةٌ شزَنْ... ترفعُني وجنًا وتَهوي بي وجن لا يرْهبُ الرَّعدَ ولا ريبَ الزَّمَن... كأنَّما أخرجَ من جوفٍ ثَكن حتَّى أتى عاريَ الجاجي والقطَن... تلفُّهُ في الرِّيحِ بوغاءُ الدِّمن فقالَ: سطيحٌ عبدُ المسيحِ جاءَ إلى سطيحٍ وقد أوفى على الضِّريحِ بعثَكَ ملِكُ بني ساسانَ لارتجاسِ الإيوانِ وخمودِ النِّيران ورؤيا الموبِذانِ رأى إبلًا صعابًا تقودُ خيلًا عرابًا قد قطعت دجلةَ وانتشرت في بلادِها يا عبدَ المسيحِ إذا كثُرتِ التِّلاوةُ وظَهرَ صاحبُ الْهراوةِ وفاضَ وادي السَّماوةِ وخمدت نارُ فارسَ فليسَ الشَّامُ لسطيحٍ شاما يملِكُ منهم ملوكٌ وملكاتٌ على عددِ الشُّرفاتِ وَكلُّ ما هوَ آتٍ آتٍ. ثمَّ قضى سطيحٌ مَكانَهُ وسارَ عبدُ المسيحِ إلى رحلِهِ وَهوَ يقولُ شمِّر فإنَّكَ ماضي الْهمِّ شمِّيرُ... لا يفزعنَّكَ تفريقٌ وتغييرُ إن يمسِ ملْكُ بني ساسانَ أفرطَهم... فإنَّ ذا الدَّهرَ أطوارٌ دَهاريرُ فربَّما ربَّما أضحوا بمنزلةٍ... تَهابُ صولَهمُ الأسدُ المَهاصيرُ منْهم أخو الصَّرحِ بَهرامٌ وإخوتُهُ... والْهرمزانِ وسابورٌ وسابورُ والنَّاسُ أولادُ علَّاتٍ فمن علِموا... أن قد أقلَّ فمحقورٌ ومَهجورُ وَهم بنو الأمِّ إمَّا إن رأوا نشبًا... فذاكَ بالغيبِ محفوظٌ ومنصورُ والخيرُ والشَّرُّ مصفودانِ في قرنٍ... فالخيرُ متَّبعٌ والشَّرُّ محذورُ فلمَّا قدِمَ على كسرى أخبرَهُ بقولِ سطيحٍ فقالَ كسرى: إلى متى يملِكُ منَّا أربعةَ عشرَ ملِكًا تَكونُ أمورٌ فملَكَ منْهم عشرةٌ أربعَ سنينَ وملَكَ الباقونَ إلى آخرِ خلافةِ عثمانَ رضيَ اللَّهُ عنْهُ

2 - قدِم الجارودُ بنُ عبدِ اللهِ وكان سيِّدًا في قومِه مطاعًا عظيمًا في عشيرتِه مطاعَ الأمرِ رفيعَ القدرِ عظيمَ الخطرِ ظاهرَ الأدبِ شامخَ الحسبِ بديعَ الجمالِ حسنَ الفِعالِ ذا منْعةٍ ومالٍ في وفدِ عبدِ القيسِ من ذَوِي الأخطارِ والأقدارِ والفضلِ والإحسانِ والفصاحةِ والرُّهبانِ كان رجلٌ منهم كالنَّخلةِ السَّحوقِ على ناقةٍ كالفحلِ العتيقِ قد جنَبوا الجيادَ وأعدُّوا للجِلادِ مُجدِّين في مسيرِهم حازمين في أمرِهم يسيرون ذميلًا يقطعون ميلًا فميلًا حتَّى أناخوا عند مسجدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأقبل الجارودُ على قومِه والمشايخِ من بني عمِّه فقال يا قومِ هذا محمَّدٌ الأغرُّ سيِّدُ العربِ وخيرُ ولدِ عبدِ المطَّلبِ فإذا دخلتم عليه ووقفتم بين يدَيْه فأحسِنوا عنده السَّلامَ وأقلُّوا عنده الكلامَ فقالوا بأجمعِهم أيُّها الملكُ الهمامُ والأسدُ الضُّرغامُ لن نتكلَّمَ إذا حضرتَ ولن نُجاوزَ ما أمرتَ فقُلْ ما شئتَ فإنَّا سامعون اعمَلْ ما شئتَ فإنَّا تابعون وقال الصَّابونيُّ مُبايعون فنظر الجارودُ في كلِّ كَمِيٍّ صِنديدٍ قد دوَّموا العمائمَ وتزيُّوا بالصَّوارمِ يجرُّون أسيافَهم ويستحِبون أذيالَهم يتناشدون الأشعارَ ويتذاكرون مناقبَ الأخيارِ لا يتكلَّمون طويلًا ولا يسكُتون عِيًّا إن أمرهم ائتَمروا وإن زجرهم ازدجروا وقال الصَّابونيُّ انزجروا كأنَّهم أُسدٌ يقدُمُها ذو لبْدةٍ مهولٌ حتَّى مثُلوا بين يديِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فلمَّا دخل القومُ المسجدَ وأبصرهم أهلُ المشهدِ دلَف الجارودُ أمامَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وحسَر لِثامَه وأحسن سلامَه ثمَّ أنشأ يقولُ يا نبيَّ الهدَى أتتك رجالٌ قطعت فدْفدًا وآلًا فآلًا وقال البيهقيُّ مهمهًا وطوت نحوَك الصَّحاصِحَ طُرًّا لا تخالُ الكِلالَ قبلُ كِلالًا كلُّ دهماءَ يقصُرُ الطَّرفُ عنها أرقَلتها قِلاصُنا إرقالًا وطوتها الجيادُ تُحمْحِمُ فيها بكُماةٍ كأنجُمٍ تتلالا تبتغي دفعَ بأسِ يومٍ عبوسٍ أوجَلِ القلبِ ذِكرُه ثمَّ هالا فلمَّا سمِع النَّبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فرِح فرحًا شديدًا وقرَّبه وأدناه ورفع مجلسَه وحيَّاه وأكرمه وقال يا جارودُ لقد تأخَّر بك وبقومِك الموعِدُ وطال بكم الأمَدُ قال واللهِ يا رسولَ اللهِ لقد أخطأ من أخطأك قصدَه وعدِم رُشدَه وتلك أيمُ اللهِ أكبرُ خيبةٍ وأعظمُ حويَةٍ والرَّائدُ لا يكذبُ أهلَه ولا يغُشُّ نفسَه لقد جئتَ بالحقِّ ونطقتَ بالصِّدقِ والَّذي بعثك بالحقِّ نبيًّا واختارك للمؤمنين وليًّا لقد وجدتُ وصفَك في الإنجيلِ ولقد بشَّر بك ابنُ البتولِ فطوَّل التَّحيَّةَ لك والشُّكرَ لمن أكرمك وأرسلك لا أثرَ بعد عينٍ ولا شكَّ بعد يقينٍ مُدَّ يدَك فأنا أشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّك محمَّدٌ رسولُ اللهِ قال فآمن الجارودُ وآمن من قومِه كلُّ سيِّدٍ فسُرَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سرورًا وابتهج حُبورًا وقال يا جارودُ هل في جماعةِ وفدِ عبدِ القيسِ من يعرِفُ لنا قَسًّا قال كلُّنا نعرفُه يا رسولَ اللهِ وأنا من بين قومي كنتُ أقفو أثرَه وأطلب خبرَه كان قَسٌّ سبطًا من أسباطِ العربِ صحيحَ النَّسبِ فصيحًا إذا خطب ذا شيبةٍ حسنةٍ عُمِّر سبعَمائةِ سنةٍ يتقفَّرُ القِفارَ لا تُكِنُّه دارٌ ولا يُقرُّه قرارٌ يتحسَّى في تقفُّرِه بيضَ النَّعامِ ويأنسُ بالوحشِ والهوامِّ يلبسُ المُسوحَ ويتبَعُ السِّياحَ على منهاجِ المسيحِ لا يفتُرُ من الرَّهبانيَّةِ يُقرُّ للهِ تعالَى بالوحدانيَّةِ يُضرَبُ بحكمتِه الأمثالُ ويُكشفُ به الأهوالُ وتتبعه الأبدالُ أدرك رأسَ الحواريِّين سمعانَ فهو أوَّلُ من تألَّه من العربِ وأعبدُ من تعبَّد في الحِقَبِ وأيقَن بالبعثِ والحسابِ وحذَّر سوءَ المُنقَلَبِ والمآبِ ووعَظ بذِكرِ الموتِ وأمر بالعملِ قبل الفوْتِ الحسنِ الألفاظِ الخاطبِ بسوقِ عُكاظٍ العالمِ بشرقٍ وغربٍ ويابسٍ ورطْبٍ أُجاجٍ وعذبٍ كأنِّي أنظرُ إليه والعربُ بين يدَيْه يُقسِمُ بالرَّبِّ الَّذي هو له ليبلغنَّ الكتابُ أجلَه وليوفينَّ كلُّ عاملٍ عملَه وأنشأ يقولُ هاج للقلبِ من جَواه ادِّكار وليالٍ خلالَهنَّ نهارُ ونجومٌ يحُثُّها قمرُ اللَّيلِ وشمسٌ في كلِّ يومٍ تُدارُ ضوؤُها يطمِسُ العيونَ وإرعادٌ شديدٌ في الخافقَيْن مُطارُ وغلامٌ وأشمطُ ورضيعٌ كلُّهم في التُّرابِ يومًا يُزارُ وقصورٌ مشيدةٌ حوَت الخيرَ وأخرَى خلت لهنَّ قِفارُ وكثيرٌ ممَّا يقصُرُ عنه جوسةُ النَّاظرِ الَّذي لا يحارُ والَّذي قد ذكرتُ دلَّ على اللهِ نفوسًا لها هدًى واعتبارُ فقال النَّبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ على رِسلِك يا جارودُ فلستُ أنساه بسوقِ عُكاظٍ على جملٍ له أورقَ وهو يتكلَّمُ بكلامٍ مُوثَّقٌ ما أظنُّ أنِّي أحفظُه فهل فيكم يا معشرَ المهاجرين والأنصارِ من يحفَظُ لنا منه شيئًا وقال الصَّابونيُّ يحفظُه فوثب أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضِي اللهُ تعالَى عنه قائمًا فقال يا رسولَ اللهِ إنِّي أحفظُه وكنتُ حاضرًا ذلك اليومَ بسوقِ عُكاظٍ حين خطب فأطنب ورغَّب ورهَّب وحذَّر وأنذَر وقال في خطبتِه أيُّها النَّاسُ اسمعوا وعُوا وإذا وعيتم فانتفعوا إنَّه من عاش مات ومن مات فات وكلُّ ما هو آتٍ آتٍ نباتٌ ومطرٌ وأرزاقٌ وأقواتٌ وآباءٌ وأمَّهاتٌ وأحياءٌ وأمواتٌ جميعٌ وأشتاتٌ وآياتٌ بعد آياتٍ إنَّ في السَّماءِ لخبرًا وإنَّ في الأرضِ لعِبرًا ليلٌ داجٍ وسماءٌ ذاتُ أبراجٍ وأرضٌ ذاتُ ارتياجٍ وبحارٌ ذاتُ أمواجٍ ما لي أرَى النَّاسَ يذهبون فلا يرجعون أرضوا بالمقامِ فأقاموا أم تُرِكوا هناك فناموا أُقسِمُ قسمًا حقًّا لا حانثًا فيه ولا آثمًا إنَّ للهِ دينًا هو أحبُّ إليه من دينِكم الَّذي أنتم عليه ونبيًّا قد حان حينُه وأظلَّكم زمانُه وأدرككم إبَّانُه فطوبَى لمن آمن به فهداه فويلٌ لمن خالفه وعصاه ثمَّ قال تبًّا لأربابِ الغفلةِ من الأممِ الخاليةِ والقرونِ الماضيةِ يا معشرَ إيادٍ من الأبِ والأجدادِ من المريضِ والعُوَّادِ وأين الفراعنةُ الشِّدادُ أين من بنا وشيَّد وزخرف وجدَّد وغرَّه المالُ والولَدُ أين من طغَى وبغَى وجمع فأوعَى وقال أنا ربُّكم الأعلَى ألم يكونوا أكثرَ منكم أموالًا وأبعدَ منكم آمالًا وأطولَ منكم آجالًا طحنهم الثَّرَى بكَلْكَلِه ومزَّقهم بتطاوُلِه فبلت عِظامَهم باليةٌ وبيوتُهم خاليةٌ وعمَرتها الذِّيابُ العاديةُ وقال أبو صالحٍ العاويةُ كلَّا بل هو اللهُ الواحدُ المعبودُ ليس بوالدٍ ولا مولودٍ ثمَّ أنشأ يقولُ في الذَّاهبين الأوَّلين من القرونِ لنا بصائرُ لمَّا رأيتُ مواردَ للموتِ ليس لها مصادرُ ورأيتُ قومي نحوَها تُمضِي الأصاغرَ الأكابرُ لا يرجعُ الماضي إليَّ ولا من الباقين غابرٌ أيقنتُ أنِّي لا محالةَ حيث يصيرُ القومُ صائرٌ قال فجلس ثمَّ قام رجلٌ زاد أبو عبدِ اللهِ من الأنصارِ بعده كأنَّه قطعةُ جبلٍ ثمَّ اتَّفقا فقالا ذو هامةٍ عظيمةٍ وقامةٍ جسيمةٍ قد دوَّم عِمامتَه وأرخَى ذؤابتَه منيفٌ أنوفٌ أشدقُ حسَنُ الصَّوتِ فقال يا سيِّدَ المرسلين وصفوةَ ربِّ العالمين لقد رأيتُ من قَسٍّ عجبَا وشهِدتُ منه مرغبًا فقال وما الَّذي رأيتَه منه وحفِظتَه عنه فقال خرجتُ في الجاهليَّةِ أطلُبُ بعيرًا لي شرد منِّي أقفو أثرَه وأطلُبُ خبرَه في تنائِفَ وقال الصَّابونيُّ وإسماعيلُ في فيافي وقالا حقائفَ ذاتِ دعادعَ وزعازعَ وليس بها الرَّكبُ وقال إسماعيلُ ليس للرَّكبِ فيها مقيلٌ ولا لغيرِ الجنِّ سبيلٌ وإذا بموئلٍ مهولٍ في طودٍ عظيمٍ ليس به إلَّا البُومُ وأدركني اللَّيلُ فولجتُه مذعورًا لا آمنُ فيه حتفي ولا أركنُ إلى غيرِ سيفي فبِتُّ بليلٍ طويلٍ كأنَّه بليلٍ موصولٍ أرقبُ الكوكبَ وأرمُقُ الغيْهبَ حتَّى إذا عسعس اللَّيلُ وكان الصُّبحُ أن يتنفَّسَ هتَف بي هاتفٌ يقولُ : يا أيُّها الراقدُ في اللَّيلِ الأحمْ قد بعث اللهُ نبيًّا في الحرمْ من هاشمٍ أهلِ الوفاءِ والكرمْ يجلو دجِناتِ الدَّياجي والبُهُمْ قال فأدرتُ طرفي فما رأيتُ له شخصًا ولا سمِعتُ له فَحْصًا فأنشأتُ أقولُ : يا أيُّها الهاتفُ في داجي الظُّلَمْ أهلًا وسهلًا بك من طيْفٍ ألمّ بيِّنْ هداك اللهُ في لحنِ الكَلِمْ ماذا الَّذي تدعو إليه يُغتنَمْ قال فإذا أنا بنحنحةٍ وقائلٍ يقولُ ظهر النُّورُ وبطُل الزُّورُ وبعث اللهُ تبارك وتعالَى محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالخيرِ صاحبِ النَّجيبِ الأحمرِ والتَّاجِ والمِغفرِ والوجهِ الأزهرِ والحاجبِ الأقمرِ والطَّرْفِ الأحوَرِ صاحبِ قولِ شهادةِ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ فذلك محمَّدٌ المبعوثُ إلى الأسوَدِ والأبيضِ أهلِ المدَرِ والوبَرِ ثمَّ أنشأ يقولُ : الحمدُ للهِ الَّذي لم يخلُقْ الخلقَ عبثْ لم يُخلِنا حينًا سُدًى من بعد عيسَى واكترثْ أرسل فينا محمَّدًا خيرَ نبيٍّ قد بُعِث صلَّى عليه اللهُ ما حجَّ له ركْبٌّ وحَثْ قال فذُهِلتُ عن البعيرِ وألبسني السُّرورُ ولاح الصَّباحُ واتَّسع الإيضاحُ فتركتُ الموْرَ وأخذتُ الجبلَ فإذا أنا بالعتيقِ يُشقشِقُ إلى النُّوقِ فأخذتُ بخطامِه وعلوتُ سِنامَه فمرح طاعةً وهززتُه ساعةً حتَّى إذا لغَب وذلَّ منه ما صعُب وحَمِيت الوسادةُ وبرَدت المزادةُ فإذا الزَّادُ قد هشَّ له الفؤادُ برَّكتُه فبرِك وأذِنتُ له فترك في روضةٍ خضِرةٍ نضِرةٍ عطِرةٍ ذاتِ حوذانٍ وقُربانٍ وعُنقرانٍ وعَبَيْثرانِ زاد إسماعيلُ نعنعٌ وشيحٌ وقالا وحَلْيٌ وأقاحٌ وجثْجاثٌ وبِرارٌ وشقائقُ وبُهارٌ كأنَّما قد مات الجوُّ بها مطيرًا أو باكرها المُزنُ بُكورًا فخلا لها شجرٌ وقرارُها نهرٌ فجعل يرتعُ أبًّا وأصِيدُ ضبًّا حتَّى إذا أكل وأكلتُ ونهلتُ ونهل وعلَلتُ وعلَّ وحَللتُ عَقالَه وعلوتُ جلالَه وأوسعتُ مجالَه فاغتنم الحملةَ ومرَّ كالنَّبلةِ يسبِقُ الرِّيحَ ويقطعُ عرضَ الفسيحِ حتَّى أشرف بي على وادٍ وشجرٍ من شجرِ عادٍ مُورِقةٌ مُونِقةٌ قد تهدَّل أغصانُها كأنَّها بريرُها حبُّ فُلفُلٍ فدنوْتُ فإذا أنا بقَسِّ بنِ ساعدةَ في ظلِّ شجرةٍ بيدِه قضيبٌ من أراكٍ ينكُتُ به الأرضَ وهو يترنَّمُ ويُشعِرُ زاد البيهقيُّ وأبو صالحٍ وهو يقولُ يا ناعيَ الموتِ والملْحودَ في جدَثٍ علِّمْهم من بقايا بَزِّهم خرَقُ دَعْهم فإنَّ لهم يومًا يُصاحُ لهم فهم إذا انتبهوا من يومِهم فِرَقُ حتَّى يعودوا بحالٍ غيرِ حالِهم خلقًا جديدًا كما من قبلِه خُلِقوا منهم عراةٌ ومنهم في ثيابِهم منها الجديدُ ومنها المنهجُ الخَلِقُ، قال فدنوْتُ منه فسلَّمتُ عليه فردَّ عليَّ السَّلامَ وإذا أنا بعينِ خرَّارةٍ في الأرضِ خوَّارةٍ ومسجدٍ بين قبرَيْن وأسدَيْن عظيمَيْن يلوذان به ويتمسَّحان بأبوابِه وإذا أحدُهما سبق الآخرَ إلى الماءِ فتبِعه الآخرُ يطلبُ الماءَ فضربه بالقضيبِ الَّذي في يدِه وقال ارجَعْ ثكِلتك أمُّك حتَّى يشربَ الَّذي ورد قبلك على الماءِ قال فرجع ثمَّ ورد بعده فقلتُ له ما هذان القبران فقال هذان قبرا أخوَيْن لي كانا يعبدان اللهَ تبارك وتعالَى في هذا المكانِ لا يُشرِكان باللهِ تبارك وتعالَى شيئًا فأدركهما الموتُ فقبرتُهما وها أنا بين قبرَيْهما حقٌّ ألحقُ بهما ثمَّ نظر إليهما فتغرغرت عيناه بالدُّموعِ وانكبَّ عليهما وجعل يقولُ : ألم تريا أنِّي بسَمْعان مُفرَدُ وما لي فيها من خليلٍ سواكما خليليَّ هُبَّا طال ما قد رقدتما أجدُكما لا تقضيان كراكما ألم تريا أنِّي بشَمعانَ مُفرَدُ وما لي فيها من خليلٍ سواكما مقيمٌ على قبرَيْكما لستُ بارحًا طُوالَ اللَّيالي أو يُجيبُ صداكما أبكيكُما طُولَ الحياةِ وما الَّذي يردُّ على ذي عولةٍ إن بكاكما كأنَّكما والموتَ أقربُ غائبٍ بروحي في قبرَيْكما قد أتاكما أمن طُولِ نومٍ لا تُجيبان داعيًا كأنَّ الَّذي يَسقي العقارَ سقاكما فلو جُعِلت نفسٌ لنفسٍ وِقايةً لجُدتُ بنفسي أن تكونَ فِداكما فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رحِمُ اللهُ قَسًّا إنِّي أرجو أن يبعثَه اللهُ عزَّ وجلَّ أمَّةً وحدَه

3 - عن سلمانَ الخيرِ، أنه قال: لمَّا سأل الحواريُّونَ عيسى ابنَ مريمَ عليه السَّلامُ المائدةَ، كرِهَ ذلك جدًّا، وقال: اقنَعوا بما رزقكُمُ اللهُ في الأرضِ، ولا تسألوا المائدةَ مِنَ السَّماءِ؛ فإنها إنْ نزلتْ عليكم كانتْ آيةً من ربِّكم، وإنما هلَكَتْ ثمودُ حينَ سألوا نبيَّهم آيةً؛ فابتُلوا بها حتى كان بَوارُهم فيها، فأبَوْا إلَّا أن يأتيَهم بها؛ فلذلك قالوا: {نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا...} [المائدة: 113] الآيةَ، فلمَّا رأى عيسى عليه السَّلامُ أنْ قد أبَوْا إلَّا أنْ يدعوَ لهم بها، قام فألقى عنه الصُّوفَ، ولبِسَ الشَّعرَ الأسودَ وجُبَّةً من شعرٍ وعَباءةً من شَعرِ، وتوضَّأَ واغتسَلَ ودخل مُصلَّاهُ ، فصلَّى ما شاء اللهُ، فلمَّا قضى صلاتَه قام قائمًا مُستقبِلَ القِبلةِ، وصَفَّ قدمَيْهِ حتى استويتا، فألصَقَ الكعبَ بالكعبِ، وحاذى الأصابعَ، ووضع يدَه اليمنى على اليسرى فوقَ صدرِهِ، وغضَّ بصرَه، وطأطأ رأسَه خشوعًا، ثم أرسل عينَيْهِ بالبكاءِ، فما زالتْ دموعُه تَسيلُ على خدَّيْهِ، وتقطُرُ من أطرافِ لحيتِه، حتى ابتلَّتِ الأرضُ حِيَالِ وجهِهِ؛ من خشوعِهِ، فلمَّا رأى ذلك دعا اللهَ، فقال: {اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} [المائدة: 114]؛ فأنزل اللهُ عليهم سُفْرةً حمراءَ بينَ غَمامتَيْنِ؛ غَمامةٍ فوقَها، وغَمامةٍ تحتَها، وهم ينظرونَ إليها في الهواءِ مُنْقَضَّةً من فَلَكِ السَّماءِ تَهْوي إليهم، وعيسى عليه السَّلامُ يبكي؛ خوفًا للشروطِ التي أخذها اللهُ عليهم فيها؛ أنه يُعذِّب مَن يكفُرُ بها منهم بعدَ نزولِها عذابًا لم يُعذِّبْه أحدًا مِنَ العالَمينَ، وهو يدعو اللهَ مِن مكانِه، ويقولُ: اللَّهمَّ اجعلْها رحمةً، إلهي لا تجعلْها عذابًا، إلهي كم مِن عجيبةٍ سألتُكَ فأعطيتَني، إلهي اجعلْنا لك شكَّارينَ، إلهي أعوذُ بك أنْ تكونَ أنزلتَها غضبًا وجزاءً، إلهي اجعلْها سلامةً وعافيةً، ولا تجعلْها فتنةً ومَثُلَةً، فما زال يدعو حتى استقرَّتِ السُّفرةُ بين يدَيْ عيسى عليه السَّلامُ والحواريِّينَ، وأصحابُه حولَه يجدونَ رائحةً طيِّبةً لم يجدوا فيما مضى رائحةً مِثلَها قطُّ، وخرَّ عيسى عليه السَّلامُ والحواريُّونَ للهِ سُجَّدًا؛ شكرًا بما رزقهم مِن حيثُ لم يحتسِبوا، وأراهم فيه آيةً عظيمةً ذاتَ عَجَبٍ وعِبرةٍ، وأقبلتِ اليهودُ ينظرونَ؛ فرأَوْا أمرًا عجيبًا أورثهم كَمَدًا وغمًّا، ثم انصرَفوا بغيظٍ شديدٍ، وأقبل عيسى عليه السَّلامُ والحواريُّونَ وأصحابُه حتى جلَسوا حولَ السُّفرةِ، فإذا عليها مِنديلٌ مُغطًّى، قال عيسى عليه السَّلامُ: مَن أجرؤُنا على كشفِ المِنديلِ عن هذه السُّفرةِ، وأوثقُنا بنفسِه، وأحسنُنا بلاءً عند ربِّه، فَلْيكشِفْ عن هذه الآيةِ حتى نراها ونحمَدَ ربَّنا، ونذكُرَ باسمِه، ونأكُلَ من رزقِه الذي رزقَنا، فقال الحواريُّونَ: يا رُوحَ اللهِ وكلمتَهُ، أنتَ أَوْلانا بذلك، وأحقُّنا بالكشفِ عنها؛ فقام عيسى عليه السَّلامُ واستأنَفَ وضوءًا جديدًا، ثم دخل مُصلَّاهُ ، فصلَّى لذلك رَكَعاتٍ، ثم بكى بكاءً طويلًا، ودعا اللهَ أنْ يأذَنَ له في الكشفِ عنها، ويجعلَ له ولقومِه فيها بركةً ورزقًا، ثم انصرَفَ فجلَسَ إلى السُّفرةِ، وتناوَلَ المِنديلَ وقال: بسمِ اللهِ خيرِ الرازقينَ، وكشف عَنِ السُّفرةِ، فإذا هو عليها سمكةٌ ضخمةٌ مشويةٌ ليس عليها بواسيرُ، وليس في جوفِها شوكٌ، يسيلُ السَّمْنُ منها سيلًا قد نُضِّدَ حولَها بُقولٌ من كلِّ صِنفٍ غيرِ الكُرَّاثِ، وعند رأسِها خلٌّ، وعند ذَنَبِها مِلحٌ، وحولَ البُقولِ الخمسةِ أرغِفةٌ على واحد منها زيتونٌ، وعلى الآخَرِ تَمَراتٌ، وعلى الآخَرِ خمسُ رُمَّاناتٍ، فقال شمعونُ رأسُ الحواريِّينَ لعيسى عليه السَّلامُ: يا رُوحَ اللهِ وكلمتَهُ، أمِنْ طعامِ الدُّنيا هذا أم من طعامِ الجنَّةِ، فقال: أَمَا آنَ لكم أنْ تَعتبِروا بما تَرَوْنَ مِنَ الآياتِ ، وتنتهوا عن تنقيرِ المسائلِ؟ ما أخوَفَني عليكم أن تُعاقَبوا في سببِ هذه الآيةِ، فقال شمعونُ: وإلهِ إسرائيلَ، ما أردتُ بها سؤالًا يا بنَ الصِّدِّيقةِ، فقال عيسى عليه السَّلامُ: ليس شيءٌ ممَّا ترَوْنَ مِن طعامِ الجنَّةِ ولا مِن طعامِ الدُّنيا، إنما هو شيءٌ ابتدَعه اللهُ في الهواءِ بالقدرةِ العاليةِ القاهرةِ، فقال له: كُنْ؛ فكان أسرعَ من طَرْفةِ عينٍ، فكُلوا ممَّا سألتُمُ اللهَ واحمَدوا عليه ربَّكم يُمِدَّكم منه ويَزِدْكم؛ فإنه بديعٌ قادرٌ شاكرٌ، فقالوا: يا رُوحَ اللهِ وكلمتَهُ، إنَّا نُحِبُّ أنْ تُرِيَنا آيةً في هذه الآيةِ، فقال عيسى عليه السَّلامُ: سُبحانَ اللهِ! أَمَا اكتفَيْتُم بما رأيتُم في هذه الآيةِ حتى تسألوا فيها آيةً أخرى؟! ثم أقبل عيسى عليه السَّلامُ على السَّمكةِ، فقال: يا سمكةُ، عودي بإذنِ اللهِ حيَّةً كما كنتِ؛ فأحياها اللهُ بقدرتِهِ، فاضطربتْ وعادتْ بإذنِ اللهِ حيَّةً طريَّةً تَلَمَّظَ كما يتلمَّظُ الأسدُ، تدورُ عيناها، لها بصيصٌ، وعادتْ عليها بواسيرُها؛ ففزِعَ القومُ منها وانحازوا، فلمَّا رأى عيسى عليه السَّلامُ ذلك منهم قال: ما لكم تسألونَ الآيةَ، فإذا أراكموها ربُّكم كرِهتموها؟! ما أخوَفَني عليكم أنْ تُعاقَبوا بما تصنعونَ! يا سمكةُ، عودي بإذنِ اللهِ كما كنتِ؛ فعادتْ بإذنِ اللهِ مشويَّةً كما كانتْ في خلقِها الأوَّلِ، فقالوا لعيسى عليه السَّلامُ: كُنْ أنتَ يا رُوحَ اللهِ الذي تبدأُ الأكلَ منها، ثم نحنُ بَعدُ، فقال عيسى عليه السَّلامُ: مَعاذَ اللهِ مِن ذلك، يبدأُ بالأكلِ مَن طلَبَها، فلمَّا رأى الحواريُّونَ وأصحابُهم امتناعَ نبيِّهم منها، خافوا أن يكونَ نزولُها سَخْطَةً، وفي أكلِها مَثُلَةً؛ فتحامَوْها، فلمَّا رأى ذلك عيسى عليه السَّلامُ دعا لها الفقراءَ والزَّمْنى، وقال: كُلوا من رزقِ ربِّكم ودعوةِ نبيِّكم، واحمَدوا اللهَ الذي أنزلها لكم؛ فيكون مهنؤُها لكم وعقوبتُها على غيرِكم، وافتتِحوا أكلَكم بسمِ اللهِ، واختِموه بحمدِ اللهِ؛ ففعلوا، فأكَلَ منها ألفٌ وثلاثُمئةِ إنسانٍ بينَ رجلٍ وامرأةٍ يَصدُرونَ عنها كلُّ واحدٍ منهم شبعانُ يتجشَّأُ، ونظَرَ عيسى عليه السَّلامُ والحواريُّونَ، فإذا ما عليها كهيئتِهِ إذْ أُنزِلَتْ مِنَ السَّماءِ، لم يَنْتَقِصْ منها شيءٌ، ثم إنها رُفِعَتْ إلى السَّماءِ وهم ينظرونَ، فاستغنى كلُّ فقيرٍ أكَلَ منها، وبَرِئَ كلُّ زَمِنٍ أكَلَ منها، فلَمْ يزالوا أغنياءَ صِحاحًا حتَّى خرَجوا مِنَ الدُّنيا، وندِمَ الحواريُّونَ وأصحابُهم الذين أبَوْا أن يأكُلوا منها نَدامةً سالتْ منها أشفارُهم، وبَقِيَتْ حسرتُها في قلوبِهم إلى يومِ المماتِ، قال: فكانَتِ المائدةُ إذا نزلتْ بعدَ ذلك أقبلتْ بنو إسرائيلَ إليها مِن كلِّ مكانٍ يسعَوْنَ، يُزاحِمُ بعضُهم بعضًا؛ الأغنياءُ والفقراءُ، والصِّغارُ والكِبارُ والأصِحَّاءُ والمرضى، يركَبُ بعضُهم بعضًا، فلمَّا رأى ذلك جعلها نوائبَ تنزِلُ يوما ولا تنزِلُ يومًا، فلَبِثوا في ذلك أربعينَ يومًا تنزِلُ عليهم غِبًّا عِندَ ارتفاعِ الضُّحى، فلا تزالُ موضوعةً يؤكَلُ منها، حتى إذا قاموا ارتفعتْ عنهم بإذنِ اللهِ إلى جوِّ السماءِ وهم ينظرونَ إلى ظِلِّها في الأرضِ حتى تَوارى عنهم، قال: فأوحى اللهُ إلى نبيِّهِ عيسى عليه السَّلامُ أَنِ اجْعلْ رزقي في المائدةِ لليتامى والفقراءِ والزَّمْنى، دونَ الأغنياءِ مِنَ الناسِ، فلمَّا فعَلَ ذلك ارتابَ بها الأغنياءُ مِنَ الناسِ، وغَمَطوا ذلك، حتَّى شكُّوا فيها في أنفسِهم وشكَّكوا فيها النَّاسَ، وأذاعوا في أمرِها القبيحَ والمنكَرِ، وأدرَكَ الشيطانَ منهم حاجتَهُ، وقذَفَ وَسواسَهُ في قلوبِ المُرتابينَ حتَّى قالوا لعيسى عليه السَّلامُ: أخبِرْنا عَنِ المائدةِ ونزولِها مِنَ السَّماءِ أحقٌّ؟ فإنه قَدِ ارتابَ بها بشَرٌ مِنَّا كثيرٌ، فقال عيسى عليه السَّلامُ: هلَكْتُم وإلهِ المسيحِ، طلبتُمُ المائدةَ إلى نبيِّكم أنْ يطلُبَها لكم إلى ربِّكم، فلمَّا أنْ فعَلَ وأنزلَها عليكم رحمةً ورزقًا، وأراكم فيها الآياتِ والعِبَرَ كذَّبْتم بها وشكَّكْتم فيها؛ فأَبشِروا بالعذابِ، فإنه نازلٌ بكم إلَّا أنْ يرحمَكُمُ اللهُ، وأوحى اللهُ إلى عيسى عليه السَّلامُ: إني آخِذُ المُكذِّبينَ بشرطي، فإني مُعذِّبٌ منهم مَن كفَرَ بالمائدةِ بعدَ نُزولِها عذابًا لا أُعذِّبُه أحدًا مِنَ العالَمينَ، قال: فلمَّا أمسى المُرتابونَ بها، وأخذوا مَضاجِعَهم في أحسنِ صورةٍ مع نسائِهم آمِنينَ، فلما كان في آخِرِ اللَّيلِ مسَخَهُمُ اللهُ خنازيرَ؛ فأصبَحوا يتَّبِعونَ الأقذارَ في الكُناساتِ.
خلاصة حكم المحدث : غريب جدا
الراوي : عبدالرحمن بن مل النهدي أبو عثمان | المحدث : ابن كثير | المصدر : تفسير القرآن العظيم
الصفحة أو الرقم : 3/223
التصنيف الموضوعي: أدعية وأذكار - أذكار الطعام أطعمة - ما جاء في المائدة أنبياء - عيسى تفسير آيات - سورة المائدة فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - معجزات النبي
| أحاديث مشابهة |أصول الحديث

4 - - كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَخْمًا مُفَخَّمًا، يتلألأُ وجهُهُ تَلألُؤَ القَمرِ ليلةَ البدرِ، أطوَلَ مِنَ المَرْبوعِ ، وأقصرَ مِنَ المُشَذَّبِ، عظيمَ الهامَةِ ، رَجِلَ الشَّعرِ ، إنِ انفَرَقَتْ عقيقتُه فَرَقَها، وإلَّا فلا يُجاوِزُ شَعرُهُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ إذا هو وفَّرَهُ، أَزْهَرَ اللَّونِ، واسعَ الجَبينِ ، أَزَجَّ الحواجبِ، سَوابغَ في غيرِ قَرَنٍ، بينَهُما عِرْقٌ يُدِرُّهُ الغضبُ، أَقْنَى العِرْنِينِ، له نورٌ يَعْلوهُ، يَحسَبُهُ مَن لم يَتأمَّلْهُ أَشَمَّ، كَثَّ اللِّحيةِ ، سَهْلَ الخَدَّيْنِ، ضَليعَ الفَمِ ، مُفَلَّجَ الأسنانِ، دَقيقَ المَسْرُبةِ ، كأنَّ عُنُقَهُ جِيدُ دُمْيَةٍ، في صَفاءِ الفِضَّةِ، مُعتدِلَ الخَلْقِ، بادِنٌ مُتماسِكٌ، سَواءُ البطنِ والصَّدرِ، عريضُ الصَّدرِ، بَعيدُ ما بينَ المَنْكِبَيْنِ، ضَخْمُ الكَراديسِ ، أَنْوَرُ المُتَجَرَّدِ، مَوْصولُ ما بينَ اللَّبَّةِ والسُّرَّةِ بشَعرٍ يجري كالخَطِّ، عاري الثَّدْيَيْنِ والبطنِ ممَّا سوى ذلك، أَشْعَرُ الذِّراعَيْنِ والمَنْكِبَيْنِ وأعالي الصَّدْرِ، طويلُ الزَّنْدَيْنِ، رَحْبُ الرَّاحةِ، شَثْنُ الكَفَّيْنِ والقدمَيْنِ، سائِلُ الأطرافِ -أوْ قال: شائِلُ الأطرافِ-، خُمصانُ الأَخْمَصَيْنِ، مَسيحُ القدمَيْنِ يَنْبُو عنهمُا الماءُ، إذا زال زال قِلْعًا، يَخْطو تَكَفِّيًا، ويمشي هَوْنًا، ذَريعُ المِشْيَةِ، إذا مَشَى كأنَّما يَنْحَطُّ مِن صَبَبٍ ، وإذا الْتَفَتَ الْتَفَتَ جميعًا، خافِضُ الطَّرْفِ ، نَظَرُهُ إلى الأرضِ أَطْوَلُ مِن نَظَرِهِ إلى السَّماءِ، جُلُّ نَظَرِهِ المُلاحَظةُ، يَسوقُ أصحابَهُ، ويَبْدُرُ مَن لَقِيَ بالسَّلامِ، قال: فقلتُ: صِفْ لي مَنْطِقَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قال: كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُتواصِلَ الأحزانِ، دائمَ الفكرةِ، ليست له راحةٌ، طويلَ السَّكْتِ، لا يتكلَّمُ في غيرِ حاجةٍ، يَفتتِحُ الكلامَ ويَختِمُهُ باسمِ اللهِ تعالى، ويتكلَّمُ بجوامعِ الكَلِمِ، كلامُهُ فَصْلٌ، لا فُضولَ ولا تقصيرَ، ليس بالجافي ولا المَهِينِ، يُعَظِّمُ النِّعمةَ وإنْ دَقَّتْ، لا يذُمُّ منها شيئًا، غيرَ أنَّه لم يَكُنْ يذُمُّ ذَواقًا ولا يمدحُهُ، ولا تُغْضِبُهُ الدُّنيا ولا مكانَ لها، فإذا تُعُدِّيَ الحقُّ لم يَقُمْ لغضبِهِ شيءٌ حتَّى ينتصِرَ له، ولا يغضبُ لنفْسِهِ، ولا ينتصِرُ لها، إذا أشار أشار بكَفِّهِ كُلِّها، وإذا تعجَّبَ قلَّبَها، وإذا تَحدَّثَ اتَّصَل بها، وضرب براحَتِهِ اليُمنى بَطْنَ إبهامِهِ اليُسرى، وإذا غَضِبَ أعرَضَ وأشاحَ، وإذا فَرِحَ غَضَّ طَرْفَهُ ، جُلُّ ضَحِكِهِ التَّبَسُّمُ، يَفْتَرُّ عن مِثْلِ حَبِّ الغَمامِ، قال الحَسنُ: فكتمتُها الحُسَيْنَ زمانًا، ثم حَدَّثْتُهُ، فوجدْتُهُ قد سَبَقَني إليهِ فسأله عمَّا سألتُهُ عنه، ووجدْتُهُ قد سأل أباهُ عن مَدْخَلِهِ ومَخرَجِهِ وشَكْلِهِ، فلَمْ يَدَعْ منه شيئًا، قال الحُسَيْنُ: فسألتُ أبي عن دُخولِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال: كان إذا أَوَى إلى منزلِهِ جَزَّأَ دُخولَهُ ثلاثةَ أجزاءٍ: جُزءًا للهِ، وجُزءًا لأهلِهِ، وجزءًا لنفْسِهِ، ثم جزَّأَ جُزْأَهُ بينَه وبينَ النَّاسِ، فيَرُدُّ ذلكَ بالخاصَّةِ على العامَّةِ، ولا يَدَّخِرُ عنهم شيئًا، وكان مِن سيرتِهِ في جُزءِ الأُمَّةِ إيثارُ أهْلِ الفضلِ بإذنِهِ، وقَسْمُهُ على قَدْرِ فضْلِهِم في الدِّينِ، فمنهم ذو الحاجةِ، ومنهم ذو الحاجتَيْنِ، ومنهم ذو الحَوائِجِ، فيَتَشاغَلُ بهمِ، ويَشْغَلُهُم فيما يُصْلِحُهم والأُمَّةَ مِن مُسألتِهم عنه، وإخبارِهم بالذي ينبغي لهم، ويقولُ: لِيُبَلِّغِ الشَّاهدُ منكُمُ الغائِبَ، وأَبلِغوني حاجةَ مَن لا يستطيعُ إبلاغَها؛ فإنَّهُ مَن أَبلَغَ سُلطانًا حاجةَ مَن لا يستطيعُ إبلاغَها ثَبَّتَ اللهُ قدمَيْهِ يومَ القيامةِ، لا يُذكَرُ عندَهُ إلَّا ذلكَ، ولا يُقْبَلُ مِن أَحَدٍ غَيْرِه، يدخُلونَ رُوَّادًا، ولا يفترِقونَ إلَّا عن ذَواقٍ، ويخرجونَ أَدِلَّةً -يعني: على الخيرِ-، قال: فسألتُهُ عن مَخرَجِهِ، كيف كان يَصنَعُ فيه؟ قال: كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَخْزُنُ لِسانَهُ إلَّا فيما يَعنيهِ، ويُأَلِّفُهم ولا يُنَفِّرُهم، ويُكْرِمُ كريمَ كلِّ قومٍ ويُوَلِّيهِ عليهم، ويَحْذَرُ النَّاسَ ويَحتَرِسُ منهم مِن غيرِ أنْ يَطْوِيَ عن أَحَدٍ مِنهم بِشْرَهُ وخُلُقَهُ، ويتفقَّدُ أصحابَهُ، ويسألُ النَّاسَ عمَّا في النَّاسِ، ويُحَسِّنُ الحَسَنَ ويُقَوِّيهِ، ويُقَبِّحُ القَبيحَ ويُوَهِّيهِ. مُعتدِلُ الأمرِ غيرُ مُختلِفٍ، لا يَغْفُلُ مخافةَ أنْ يَغْفُلوا أو يَمَلُّوا، لكلِّ حالٍ عِندَهُ عَتادٌ، لا يُقَصِّرُ عن الحقِّ ولا يُجاوِزُهُ، الذين يَلُونَهُ مِنَ النَّاسِ خيارُهم، أفضلُهم عِندَهُ أَعَمُّهُم نصيحةً، وأعظمُهم عِندَهُ مَنزلةً أحسنُهم مواساةً ومُؤَازَرةً، قال: فسألتُهُ عن مَجْلِسِهِ، فقال: كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لا يقومُ ولا يجلسُ إلَّا على ذِكْرٍ، وإذا انتهى إلى قومٍ جلس حيثُ ينتهي به المجلسُ، ويأمُرُ بذلك، يُعطي كلَّ جُلسائِهِ بنصيبِهِ، لا يَحسَبُ جليسُهُ أنَّ أحدًا أكرَمَ عليه مِنهُ، مَن جالَسهُ أوْ فاوَضهُ في حاجةٍ صابَرَهُ حتَّى يكونَ هو المُنصَرِفَ عنه، ومَن سألَهُ حاجةً لم يَرُدَّهُ إلَّا بها، أوْ بمَيْسورٍ مِنَ القولِ، قد وَسِعَ النَّاسَ بَسْطُهُ وخُلُقُهُ؛ فصار لهمُ أَبًا، وصاروا عِندَهُ في الحقِّ سواءً، مجلِسُهُ مجلِسُ عِلْمٍ وحِلْمٍ وحياءٍ وأمانةٍ وصبْرٍ، لا تُرْفَعُ فيه الأصواتُ، ولا تُؤْبَنُ فيه الحُرَمُ، ولا تُنْثَى فَلَتاتُهُ، مُتعادِلينَ، بل كانوا يتفاضَلونَ فيه بالتَّقوى، متواضعينَ، يُوَقِّرونَ فيه الكبيرَ، ويرحمونَ فيه الصَّغيرَ، ويُؤْثِرونَ ذا الحاجةِ، ويحفظونَ الغريبَ، قال الحُسَيْنُ: سألتُ أبي عن سيرةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في جُلسائِهِ، فقال: كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ دائمَ البِشْرِ، سَهْلَ الخُلُقِ، لَيِّنَ الجانبِ، ليس بفَظٍّ ولا غليظٍ، ولا صَخَّابٍ، ولا فَحَّاشٍ، ولا عَيَّابٍ، ولا مَدَّاحٍ، يتغافَلُ عمَّا لا يَشْتَهي، ولا يُؤَيِّسُ منه راجِيهِ، ولا يُخَيِّبُ فيهِ، قد ترَكَ نفْسَهُ مِن ثلاثٍ: المِراءِ، والإكثارِ، وما لا يَعْنيهِ، وترَكَ النَّاسَ مِن ثلاثٍ: كان لا يذُمُّ أحدًا، ولا يَعيبُهُ، ولا يطلُبُ عَوْرَتَه، ولا يتكلَّمُ إلَّا فيما رَجَا ثوابَهُ، وإذا تكلَّمَ أَطْرَقَ جُلساؤُه كأنَّما على رُؤوسِهِمُ الطَّيرُ، فإذا سكَتَ تكلَّموا، لا يتنازَعونَ عِندَهُ الحديثَ، ومَن تكلَّمَ عِندَهُ أنصَتوا له حتَّى يَفْرُغَ، حديثُهم عِندَهُ حديثُ أَوَّلِهم، يضحَكُ ممَّا يضحَكونَ مِنه، ويتعجَّبُ ممَّا يتعجَّبونَ منه، ويَصْبِرُ للغريبِ على الجَفوةِ في مَنطِقِهِ ومسألتِهِ، حتَّى إنْ كان أصحابُهُ لَيَسْتَجْلِبونَهم، ويقولُ: إذا رأيتُمْ طالِبَ حاجةٍ يطلُبُها فأَرْفِدوهُ، ولا يقبَلُ الثَّناءَ إلَّا مِن مُكافِئٍ، ولا يقطَعُ على أحدٍ حديثَهُ حتَّى يَجُوزَ؛ فيقطَعُهُ بنَهْيٍ أو قيامٍ.
 

1 - لمَّا كانتِ اللَّيلةُ الَّتي وُلِدَ فيها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ارتجسَ إيوانُ كسرى وسقَطت منْهُ أربعَ عشرةَ شُرفةً وغاضت بحيرةُ ساوةَ وخمَدت نارُ فارسٍ ولم تخمَد قبلَ ذلِكَ بألفِ عامٍ ورأى الموبذانُ إبِلًا صعابًا تقودُ خيلًا عِرابًا قد قطَعت دجلةَ وانتشرت في بلادِها فلمَّا أصبحَ كسرى أفزعَهُ ما رأى من شأنِ إيوانِهِ فصبرَ عليْهِ تشجُّعًا ثمَّ رأى أن لا يسترَ ذلِكَ عن وزرائِهِ ومرازبتِهِ فلبسَ تاجَهُ وقعدَ على سريره وجمعهم فلمَّا اجتمعوا عندَهُ قالَ: أتدرونَ فيمَ بعثتُ إليْكم قالوا: لا إلَّا أن يخبرنا الملِكُ فبينا هم على ذلِكَ إذ وردَ عليْهم كتابٌ بخُمودِ النَّارِ فازدادَ غمًّا إلى غمِّهِ فقالَ الموبذانُ وأنا قد رأيتُ- أصلحَ اللَّهُ الملِكَ- في هذِهِ اللَّيلةِ رؤيا ثمَّ قصَّ عليْهِ رؤياهُ فقالَ: أيَّ شيءٍ يَكونُ هذا يا موبذانُ؟ قالَ: حدثٌ يَكونُ في ناحيةِ العَربِ وَكانَ أعلمَهم في أنفسِهم فَكتبَ كسرى عندَ ذلِكَ من كِسرى ملِكِ الملوكِ إلى النُّعمانِ بنِ المنذرِ أمَّا بعدُ فوجِّه إليَّ برجلٍ عالمٍ بما أريدُ أن أسألَهُ عنْه. فوجَّهَ إليه بعبدِ المسيحِ بن حيَّانِ بنِ بقيلةَ الغسَّانيِّ فلمَّا قدمَ عليْهِ قالَ لَهُ ألَكَ علمٌ بما أريدُ أن أسألَكَ عنْهُ قالَ: ليَسألني الملِكُ فإن كانَ عندي علمٌ إلَّا أخبرتُهُ بمن يعلمُهُ فأخبرَهُ بما رأى فقالَ: عِلمُ ذلِكَ عندَ خالٍ لي يسْكنُ مشارفَ الشَّامِ يقالُ لَهُ سَطيحٌ قالَ فائتِهِ فسلْهُ عمَّا سألتُكَ وائتني بجوابِهِ فرَكِبَ حتَّى أتى على سطيحٍ وقد أشفَى على الموتِ فسلَّمَ عليْهِ وحيَّاهُ فلم يحر سطيحٌ جوابًا فأنشأَ عبدُ المسيحِ يقولُ أصمُّ أم يسمعُ غِطريفُ اليمَنْ... أم فادَ فازلمَّ بِهِ شأوُ العنَنَ يا فاصلَ الخطَّةِ أعيَت مَن ومَن... أتاكَ شيخُ الحيِّ من آلِ سنَنَ وأمُّهُ من آلِ ذئبِ بنِ حجَن... أزرقُ نَهمُ النَّابِ صرَّارُ الأذن أبيضُ فضفاضُ الرِّداءِ والبدنْ... رسولُ قَيلِ العُجمِ يسري للوسَنْ تجوبُ بي الأرضَ علنداةٌ شزَنْ... ترفعُني وجنًا وتَهوي بي وجن لا يرْهبُ الرَّعدَ ولا ريبَ الزَّمَن... كأنَّما أخرجَ من جوفٍ ثَكن حتَّى أتى عاريَ الجاجي والقطَن... تلفُّهُ في الرِّيحِ بوغاءُ الدِّمن فقالَ: سطيحٌ عبدُ المسيحِ جاءَ إلى سطيحٍ وقد أوفى على الضِّريحِ بعثَكَ ملِكُ بني ساسانَ لارتجاسِ الإيوانِ وخمودِ النِّيران ورؤيا الموبِذانِ رأى إبلًا صعابًا تقودُ خيلًا عرابًا قد قطعت دجلةَ وانتشرت في بلادِها يا عبدَ المسيحِ إذا كثُرتِ التِّلاوةُ وظَهرَ صاحبُ الْهراوةِ وفاضَ وادي السَّماوةِ وخمدت نارُ فارسَ فليسَ الشَّامُ لسطيحٍ شاما يملِكُ منهم ملوكٌ وملكاتٌ على عددِ الشُّرفاتِ وَكلُّ ما هوَ آتٍ آتٍ. ثمَّ قضى سطيحٌ مَكانَهُ وسارَ عبدُ المسيحِ إلى رحلِهِ وَهوَ يقولُ شمِّر فإنَّكَ ماضي الْهمِّ شمِّيرُ... لا يفزعنَّكَ تفريقٌ وتغييرُ إن يمسِ ملْكُ بني ساسانَ أفرطَهم... فإنَّ ذا الدَّهرَ أطوارٌ دَهاريرُ فربَّما ربَّما أضحوا بمنزلةٍ... تَهابُ صولَهمُ الأسدُ المَهاصيرُ منْهم أخو الصَّرحِ بَهرامٌ وإخوتُهُ... والْهرمزانِ وسابورٌ وسابورُ والنَّاسُ أولادُ علَّاتٍ فمن علِموا... أن قد أقلَّ فمحقورٌ ومَهجورُ وَهم بنو الأمِّ إمَّا إن رأوا نشبًا... فذاكَ بالغيبِ محفوظٌ ومنصورُ والخيرُ والشَّرُّ مصفودانِ في قرنٍ... فالخيرُ متَّبعٌ والشَّرُّ محذورُ فلمَّا قدِمَ على كسرى أخبرَهُ بقولِ سطيحٍ فقالَ كسرى: إلى متى يملِكُ منَّا أربعةَ عشرَ ملِكًا تَكونُ أمورٌ فملَكَ منْهم عشرةٌ أربعَ سنينَ وملَكَ الباقونَ إلى آخرِ خلافةِ عثمانَ رضيَ اللَّهُ عنْهُ
خلاصة حكم المحدث : منكر غريب
الراوي : هانئ المخزومي | المحدث : الذهبي | المصدر : تاريخ الإسلام
الصفحة أو الرقم : 1/35 التخريج : أخرجه ابن قتيبة الدينوري في ((أعلام رسول الله)) (ص193)، وابن جرير الطبري في ((تاريخ الرسل والملوك)) (2/ 166)، والبيهقي في ((دلائل النبوة))، بلفظ مقارب.
التصنيف الموضوعي: فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - ميلاد النبي فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - أول أمره وإرضاعه فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - اعتراف القدماء بأعلام نبوته صلى الله عليه وسلم فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - ما كان عند أهل الكتاب في أمر نبوته صلى الله عليه وسلم
| أحاديث مشابهة |أصول الحديث

2 - قدِم الجارودُ بنُ عبدِ اللهِ وكان سيِّدًا في قومِه مطاعًا عظيمًا في عشيرتِه مطاعَ الأمرِ رفيعَ القدرِ عظيمَ الخطرِ ظاهرَ الأدبِ شامخَ الحسبِ بديعَ الجمالِ حسنَ الفِعالِ ذا منْعةٍ ومالٍ في وفدِ عبدِ القيسِ من ذَوِي الأخطارِ والأقدارِ والفضلِ والإحسانِ والفصاحةِ والرُّهبانِ كان رجلٌ منهم كالنَّخلةِ السَّحوقِ على ناقةٍ كالفحلِ العتيقِ قد جنَبوا الجيادَ وأعدُّوا للجِلادِ مُجدِّين في مسيرِهم حازمين في أمرِهم يسيرون ذميلًا يقطعون ميلًا فميلًا حتَّى أناخوا عند مسجدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأقبل الجارودُ على قومِه والمشايخِ من بني عمِّه فقال يا قومِ هذا محمَّدٌ الأغرُّ سيِّدُ العربِ وخيرُ ولدِ عبدِ المطَّلبِ فإذا دخلتم عليه ووقفتم بين يدَيْه فأحسِنوا عنده السَّلامَ وأقلُّوا عنده الكلامَ فقالوا بأجمعِهم أيُّها الملكُ الهمامُ والأسدُ الضُّرغامُ لن نتكلَّمَ إذا حضرتَ ولن نُجاوزَ ما أمرتَ فقُلْ ما شئتَ فإنَّا سامعون اعمَلْ ما شئتَ فإنَّا تابعون وقال الصَّابونيُّ مُبايعون فنظر الجارودُ في كلِّ كَمِيٍّ صِنديدٍ قد دوَّموا العمائمَ وتزيُّوا بالصَّوارمِ يجرُّون أسيافَهم ويستحِبون أذيالَهم يتناشدون الأشعارَ ويتذاكرون مناقبَ الأخيارِ لا يتكلَّمون طويلًا ولا يسكُتون عِيًّا إن أمرهم ائتَمروا وإن زجرهم ازدجروا وقال الصَّابونيُّ انزجروا كأنَّهم أُسدٌ يقدُمُها ذو لبْدةٍ مهولٌ حتَّى مثُلوا بين يديِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فلمَّا دخل القومُ المسجدَ وأبصرهم أهلُ المشهدِ دلَف الجارودُ أمامَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وحسَر لِثامَه وأحسن سلامَه ثمَّ أنشأ يقولُ يا نبيَّ الهدَى أتتك رجالٌ قطعت فدْفدًا وآلًا فآلًا وقال البيهقيُّ مهمهًا وطوت نحوَك الصَّحاصِحَ طُرًّا لا تخالُ الكِلالَ قبلُ كِلالًا كلُّ دهماءَ يقصُرُ الطَّرفُ عنها أرقَلتها قِلاصُنا إرقالًا وطوتها الجيادُ تُحمْحِمُ فيها بكُماةٍ كأنجُمٍ تتلالا تبتغي دفعَ بأسِ يومٍ عبوسٍ أوجَلِ القلبِ ذِكرُه ثمَّ هالا فلمَّا سمِع النَّبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فرِح فرحًا شديدًا وقرَّبه وأدناه ورفع مجلسَه وحيَّاه وأكرمه وقال يا جارودُ لقد تأخَّر بك وبقومِك الموعِدُ وطال بكم الأمَدُ قال واللهِ يا رسولَ اللهِ لقد أخطأ من أخطأك قصدَه وعدِم رُشدَه وتلك أيمُ اللهِ أكبرُ خيبةٍ وأعظمُ حويَةٍ والرَّائدُ لا يكذبُ أهلَه ولا يغُشُّ نفسَه لقد جئتَ بالحقِّ ونطقتَ بالصِّدقِ والَّذي بعثك بالحقِّ نبيًّا واختارك للمؤمنين وليًّا لقد وجدتُ وصفَك في الإنجيلِ ولقد بشَّر بك ابنُ البتولِ فطوَّل التَّحيَّةَ لك والشُّكرَ لمن أكرمك وأرسلك لا أثرَ بعد عينٍ ولا شكَّ بعد يقينٍ مُدَّ يدَك فأنا أشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّك محمَّدٌ رسولُ اللهِ قال فآمن الجارودُ وآمن من قومِه كلُّ سيِّدٍ فسُرَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سرورًا وابتهج حُبورًا وقال يا جارودُ هل في جماعةِ وفدِ عبدِ القيسِ من يعرِفُ لنا قَسًّا قال كلُّنا نعرفُه يا رسولَ اللهِ وأنا من بين قومي كنتُ أقفو أثرَه وأطلب خبرَه كان قَسٌّ سبطًا من أسباطِ العربِ صحيحَ النَّسبِ فصيحًا إذا خطب ذا شيبةٍ حسنةٍ عُمِّر سبعَمائةِ سنةٍ يتقفَّرُ القِفارَ لا تُكِنُّه دارٌ ولا يُقرُّه قرارٌ يتحسَّى في تقفُّرِه بيضَ النَّعامِ ويأنسُ بالوحشِ والهوامِّ يلبسُ المُسوحَ ويتبَعُ السِّياحَ على منهاجِ المسيحِ لا يفتُرُ من الرَّهبانيَّةِ يُقرُّ للهِ تعالَى بالوحدانيَّةِ يُضرَبُ بحكمتِه الأمثالُ ويُكشفُ به الأهوالُ وتتبعه الأبدالُ أدرك رأسَ الحواريِّين سمعانَ فهو أوَّلُ من تألَّه من العربِ وأعبدُ من تعبَّد في الحِقَبِ وأيقَن بالبعثِ والحسابِ وحذَّر سوءَ المُنقَلَبِ والمآبِ ووعَظ بذِكرِ الموتِ وأمر بالعملِ قبل الفوْتِ الحسنِ الألفاظِ الخاطبِ بسوقِ عُكاظٍ العالمِ بشرقٍ وغربٍ ويابسٍ ورطْبٍ أُجاجٍ وعذبٍ كأنِّي أنظرُ إليه والعربُ بين يدَيْه يُقسِمُ بالرَّبِّ الَّذي هو له ليبلغنَّ الكتابُ أجلَه وليوفينَّ كلُّ عاملٍ عملَه وأنشأ يقولُ هاج للقلبِ من جَواه ادِّكار وليالٍ خلالَهنَّ نهارُ ونجومٌ يحُثُّها قمرُ اللَّيلِ وشمسٌ في كلِّ يومٍ تُدارُ ضوؤُها يطمِسُ العيونَ وإرعادٌ شديدٌ في الخافقَيْن مُطارُ وغلامٌ وأشمطُ ورضيعٌ كلُّهم في التُّرابِ يومًا يُزارُ وقصورٌ مشيدةٌ حوَت الخيرَ وأخرَى خلت لهنَّ قِفارُ وكثيرٌ ممَّا يقصُرُ عنه جوسةُ النَّاظرِ الَّذي لا يحارُ والَّذي قد ذكرتُ دلَّ على اللهِ نفوسًا لها هدًى واعتبارُ فقال النَّبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ على رِسلِك يا جارودُ فلستُ أنساه بسوقِ عُكاظٍ على جملٍ له أورقَ وهو يتكلَّمُ بكلامٍ مُوثَّقٌ ما أظنُّ أنِّي أحفظُه فهل فيكم يا معشرَ المهاجرين والأنصارِ من يحفَظُ لنا منه شيئًا وقال الصَّابونيُّ يحفظُه فوثب أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضِي اللهُ تعالَى عنه قائمًا فقال يا رسولَ اللهِ إنِّي أحفظُه وكنتُ حاضرًا ذلك اليومَ بسوقِ عُكاظٍ حين خطب فأطنب ورغَّب ورهَّب وحذَّر وأنذَر وقال في خطبتِه أيُّها النَّاسُ اسمعوا وعُوا وإذا وعيتم فانتفعوا إنَّه من عاش مات ومن مات فات وكلُّ ما هو آتٍ آتٍ نباتٌ ومطرٌ وأرزاقٌ وأقواتٌ وآباءٌ وأمَّهاتٌ وأحياءٌ وأمواتٌ جميعٌ وأشتاتٌ وآياتٌ بعد آياتٍ إنَّ في السَّماءِ لخبرًا وإنَّ في الأرضِ لعِبرًا ليلٌ داجٍ وسماءٌ ذاتُ أبراجٍ وأرضٌ ذاتُ ارتياجٍ وبحارٌ ذاتُ أمواجٍ ما لي أرَى النَّاسَ يذهبون فلا يرجعون أرضوا بالمقامِ فأقاموا أم تُرِكوا هناك فناموا أُقسِمُ قسمًا حقًّا لا حانثًا فيه ولا آثمًا إنَّ للهِ دينًا هو أحبُّ إليه من دينِكم الَّذي أنتم عليه ونبيًّا قد حان حينُه وأظلَّكم زمانُه وأدرككم إبَّانُه فطوبَى لمن آمن به فهداه فويلٌ لمن خالفه وعصاه ثمَّ قال تبًّا لأربابِ الغفلةِ من الأممِ الخاليةِ والقرونِ الماضيةِ يا معشرَ إيادٍ من الأبِ والأجدادِ من المريضِ والعُوَّادِ وأين الفراعنةُ الشِّدادُ أين من بنا وشيَّد وزخرف وجدَّد وغرَّه المالُ والولَدُ أين من طغَى وبغَى وجمع فأوعَى وقال أنا ربُّكم الأعلَى ألم يكونوا أكثرَ منكم أموالًا وأبعدَ منكم آمالًا وأطولَ منكم آجالًا طحنهم الثَّرَى بكَلْكَلِه ومزَّقهم بتطاوُلِه فبلت عِظامَهم باليةٌ وبيوتُهم خاليةٌ وعمَرتها الذِّيابُ العاديةُ وقال أبو صالحٍ العاويةُ كلَّا بل هو اللهُ الواحدُ المعبودُ ليس بوالدٍ ولا مولودٍ ثمَّ أنشأ يقولُ في الذَّاهبين الأوَّلين من القرونِ لنا بصائرُ لمَّا رأيتُ مواردَ للموتِ ليس لها مصادرُ ورأيتُ قومي نحوَها تُمضِي الأصاغرَ الأكابرُ لا يرجعُ الماضي إليَّ ولا من الباقين غابرٌ أيقنتُ أنِّي لا محالةَ حيث يصيرُ القومُ صائرٌ قال فجلس ثمَّ قام رجلٌ زاد أبو عبدِ اللهِ من الأنصارِ بعده كأنَّه قطعةُ جبلٍ ثمَّ اتَّفقا فقالا ذو هامةٍ عظيمةٍ وقامةٍ جسيمةٍ قد دوَّم عِمامتَه وأرخَى ذؤابتَه منيفٌ أنوفٌ أشدقُ حسَنُ الصَّوتِ فقال يا سيِّدَ المرسلين وصفوةَ ربِّ العالمين لقد رأيتُ من قَسٍّ عجبَا وشهِدتُ منه مرغبًا فقال وما الَّذي رأيتَه منه وحفِظتَه عنه فقال خرجتُ في الجاهليَّةِ أطلُبُ بعيرًا لي شرد منِّي أقفو أثرَه وأطلُبُ خبرَه في تنائِفَ وقال الصَّابونيُّ وإسماعيلُ في فيافي وقالا حقائفَ ذاتِ دعادعَ وزعازعَ وليس بها الرَّكبُ وقال إسماعيلُ ليس للرَّكبِ فيها مقيلٌ ولا لغيرِ الجنِّ سبيلٌ وإذا بموئلٍ مهولٍ في طودٍ عظيمٍ ليس به إلَّا البُومُ وأدركني اللَّيلُ فولجتُه مذعورًا لا آمنُ فيه حتفي ولا أركنُ إلى غيرِ سيفي فبِتُّ بليلٍ طويلٍ كأنَّه بليلٍ موصولٍ أرقبُ الكوكبَ وأرمُقُ الغيْهبَ حتَّى إذا عسعس اللَّيلُ وكان الصُّبحُ أن يتنفَّسَ هتَف بي هاتفٌ يقولُ : يا أيُّها الراقدُ في اللَّيلِ الأحمْ قد بعث اللهُ نبيًّا في الحرمْ من هاشمٍ أهلِ الوفاءِ والكرمْ يجلو دجِناتِ الدَّياجي والبُهُمْ قال فأدرتُ طرفي فما رأيتُ له شخصًا ولا سمِعتُ له فَحْصًا فأنشأتُ أقولُ : يا أيُّها الهاتفُ في داجي الظُّلَمْ أهلًا وسهلًا بك من طيْفٍ ألمّ بيِّنْ هداك اللهُ في لحنِ الكَلِمْ ماذا الَّذي تدعو إليه يُغتنَمْ قال فإذا أنا بنحنحةٍ وقائلٍ يقولُ ظهر النُّورُ وبطُل الزُّورُ وبعث اللهُ تبارك وتعالَى محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالخيرِ صاحبِ النَّجيبِ الأحمرِ والتَّاجِ والمِغفرِ والوجهِ الأزهرِ والحاجبِ الأقمرِ والطَّرْفِ الأحوَرِ صاحبِ قولِ شهادةِ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ فذلك محمَّدٌ المبعوثُ إلى الأسوَدِ والأبيضِ أهلِ المدَرِ والوبَرِ ثمَّ أنشأ يقولُ : الحمدُ للهِ الَّذي لم يخلُقْ الخلقَ عبثْ لم يُخلِنا حينًا سُدًى من بعد عيسَى واكترثْ أرسل فينا محمَّدًا خيرَ نبيٍّ قد بُعِث صلَّى عليه اللهُ ما حجَّ له ركْبٌّ وحَثْ قال فذُهِلتُ عن البعيرِ وألبسني السُّرورُ ولاح الصَّباحُ واتَّسع الإيضاحُ فتركتُ الموْرَ وأخذتُ الجبلَ فإذا أنا بالعتيقِ يُشقشِقُ إلى النُّوقِ فأخذتُ بخطامِه وعلوتُ سِنامَه فمرح طاعةً وهززتُه ساعةً حتَّى إذا لغَب وذلَّ منه ما صعُب وحَمِيت الوسادةُ وبرَدت المزادةُ فإذا الزَّادُ قد هشَّ له الفؤادُ برَّكتُه فبرِك وأذِنتُ له فترك في روضةٍ خضِرةٍ نضِرةٍ عطِرةٍ ذاتِ حوذانٍ وقُربانٍ وعُنقرانٍ وعَبَيْثرانِ زاد إسماعيلُ نعنعٌ وشيحٌ وقالا وحَلْيٌ وأقاحٌ وجثْجاثٌ وبِرارٌ وشقائقُ وبُهارٌ كأنَّما قد مات الجوُّ بها مطيرًا أو باكرها المُزنُ بُكورًا فخلا لها شجرٌ وقرارُها نهرٌ فجعل يرتعُ أبًّا وأصِيدُ ضبًّا حتَّى إذا أكل وأكلتُ ونهلتُ ونهل وعلَلتُ وعلَّ وحَللتُ عَقالَه وعلوتُ جلالَه وأوسعتُ مجالَه فاغتنم الحملةَ ومرَّ كالنَّبلةِ يسبِقُ الرِّيحَ ويقطعُ عرضَ الفسيحِ حتَّى أشرف بي على وادٍ وشجرٍ من شجرِ عادٍ مُورِقةٌ مُونِقةٌ قد تهدَّل أغصانُها كأنَّها بريرُها حبُّ فُلفُلٍ فدنوْتُ فإذا أنا بقَسِّ بنِ ساعدةَ في ظلِّ شجرةٍ بيدِه قضيبٌ من أراكٍ ينكُتُ به الأرضَ وهو يترنَّمُ ويُشعِرُ زاد البيهقيُّ وأبو صالحٍ وهو يقولُ يا ناعيَ الموتِ والملْحودَ في جدَثٍ علِّمْهم من بقايا بَزِّهم خرَقُ دَعْهم فإنَّ لهم يومًا يُصاحُ لهم فهم إذا انتبهوا من يومِهم فِرَقُ حتَّى يعودوا بحالٍ غيرِ حالِهم خلقًا جديدًا كما من قبلِه خُلِقوا منهم عراةٌ ومنهم في ثيابِهم منها الجديدُ ومنها المنهجُ الخَلِقُ، قال فدنوْتُ منه فسلَّمتُ عليه فردَّ عليَّ السَّلامَ وإذا أنا بعينِ خرَّارةٍ في الأرضِ خوَّارةٍ ومسجدٍ بين قبرَيْن وأسدَيْن عظيمَيْن يلوذان به ويتمسَّحان بأبوابِه وإذا أحدُهما سبق الآخرَ إلى الماءِ فتبِعه الآخرُ يطلبُ الماءَ فضربه بالقضيبِ الَّذي في يدِه وقال ارجَعْ ثكِلتك أمُّك حتَّى يشربَ الَّذي ورد قبلك على الماءِ قال فرجع ثمَّ ورد بعده فقلتُ له ما هذان القبران فقال هذان قبرا أخوَيْن لي كانا يعبدان اللهَ تبارك وتعالَى في هذا المكانِ لا يُشرِكان باللهِ تبارك وتعالَى شيئًا فأدركهما الموتُ فقبرتُهما وها أنا بين قبرَيْهما حقٌّ ألحقُ بهما ثمَّ نظر إليهما فتغرغرت عيناه بالدُّموعِ وانكبَّ عليهما وجعل يقولُ : ألم تريا أنِّي بسَمْعان مُفرَدُ وما لي فيها من خليلٍ سواكما خليليَّ هُبَّا طال ما قد رقدتما أجدُكما لا تقضيان كراكما ألم تريا أنِّي بشَمعانَ مُفرَدُ وما لي فيها من خليلٍ سواكما مقيمٌ على قبرَيْكما لستُ بارحًا طُوالَ اللَّيالي أو يُجيبُ صداكما أبكيكُما طُولَ الحياةِ وما الَّذي يردُّ على ذي عولةٍ إن بكاكما كأنَّكما والموتَ أقربُ غائبٍ بروحي في قبرَيْكما قد أتاكما أمن طُولِ نومٍ لا تُجيبان داعيًا كأنَّ الَّذي يَسقي العقارَ سقاكما فلو جُعِلت نفسٌ لنفسٍ وِقايةً لجُدتُ بنفسي أن تكونَ فِداكما فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رحِمُ اللهُ قَسًّا إنِّي أرجو أن يبعثَه اللهُ عزَّ وجلَّ أمَّةً وحدَه
خلاصة حكم المحدث : غريب
الراوي : عبدالله بن عباس | المحدث : ابن عساكر | المصدر : تاريخ دمشق
الصفحة أو الرقم : 3/428 التخريج : أخرجه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (2/105)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (3/428) واللفظ له
التصنيف الموضوعي: فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - بعثته للناس كافة فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - صفة النبي وأمته في كتب أهل الكتاب فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - فضل نسب النبي مناقب وفضائل - فضائل القبائل مناقب وفضائل - قس بن ساعدة الإيادي
| أحاديث مشابهة |أصول الحديث

3 - عن سلمانَ الخيرِ، أنه قال: لمَّا سأل الحواريُّونَ عيسى ابنَ مريمَ عليه السَّلامُ المائدةَ، كرِهَ ذلك جدًّا، وقال: اقنَعوا بما رزقكُمُ اللهُ في الأرضِ، ولا تسألوا المائدةَ مِنَ السَّماءِ؛ فإنها إنْ نزلتْ عليكم كانتْ آيةً من ربِّكم، وإنما هلَكَتْ ثمودُ حينَ سألوا نبيَّهم آيةً؛ فابتُلوا بها حتى كان بَوارُهم فيها، فأبَوْا إلَّا أن يأتيَهم بها؛ فلذلك قالوا: {نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا...} [المائدة: 113] الآيةَ، فلمَّا رأى عيسى عليه السَّلامُ أنْ قد أبَوْا إلَّا أنْ يدعوَ لهم بها، قام فألقى عنه الصُّوفَ، ولبِسَ الشَّعرَ الأسودَ وجُبَّةً من شعرٍ وعَباءةً من شَعرِ، وتوضَّأَ واغتسَلَ ودخل مُصلَّاهُ ، فصلَّى ما شاء اللهُ، فلمَّا قضى صلاتَه قام قائمًا مُستقبِلَ القِبلةِ، وصَفَّ قدمَيْهِ حتى استويتا، فألصَقَ الكعبَ بالكعبِ، وحاذى الأصابعَ، ووضع يدَه اليمنى على اليسرى فوقَ صدرِهِ، وغضَّ بصرَه، وطأطأ رأسَه خشوعًا، ثم أرسل عينَيْهِ بالبكاءِ، فما زالتْ دموعُه تَسيلُ على خدَّيْهِ، وتقطُرُ من أطرافِ لحيتِه، حتى ابتلَّتِ الأرضُ حِيَالِ وجهِهِ؛ من خشوعِهِ، فلمَّا رأى ذلك دعا اللهَ، فقال: {اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} [المائدة: 114]؛ فأنزل اللهُ عليهم سُفْرةً حمراءَ بينَ غَمامتَيْنِ؛ غَمامةٍ فوقَها، وغَمامةٍ تحتَها، وهم ينظرونَ إليها في الهواءِ مُنْقَضَّةً من فَلَكِ السَّماءِ تَهْوي إليهم، وعيسى عليه السَّلامُ يبكي؛ خوفًا للشروطِ التي أخذها اللهُ عليهم فيها؛ أنه يُعذِّب مَن يكفُرُ بها منهم بعدَ نزولِها عذابًا لم يُعذِّبْه أحدًا مِنَ العالَمينَ، وهو يدعو اللهَ مِن مكانِه، ويقولُ: اللَّهمَّ اجعلْها رحمةً، إلهي لا تجعلْها عذابًا، إلهي كم مِن عجيبةٍ سألتُكَ فأعطيتَني، إلهي اجعلْنا لك شكَّارينَ، إلهي أعوذُ بك أنْ تكونَ أنزلتَها غضبًا وجزاءً، إلهي اجعلْها سلامةً وعافيةً، ولا تجعلْها فتنةً ومَثُلَةً، فما زال يدعو حتى استقرَّتِ السُّفرةُ بين يدَيْ عيسى عليه السَّلامُ والحواريِّينَ، وأصحابُه حولَه يجدونَ رائحةً طيِّبةً لم يجدوا فيما مضى رائحةً مِثلَها قطُّ، وخرَّ عيسى عليه السَّلامُ والحواريُّونَ للهِ سُجَّدًا؛ شكرًا بما رزقهم مِن حيثُ لم يحتسِبوا، وأراهم فيه آيةً عظيمةً ذاتَ عَجَبٍ وعِبرةٍ، وأقبلتِ اليهودُ ينظرونَ؛ فرأَوْا أمرًا عجيبًا أورثهم كَمَدًا وغمًّا، ثم انصرَفوا بغيظٍ شديدٍ، وأقبل عيسى عليه السَّلامُ والحواريُّونَ وأصحابُه حتى جلَسوا حولَ السُّفرةِ، فإذا عليها مِنديلٌ مُغطًّى، قال عيسى عليه السَّلامُ: مَن أجرؤُنا على كشفِ المِنديلِ عن هذه السُّفرةِ، وأوثقُنا بنفسِه، وأحسنُنا بلاءً عند ربِّه، فَلْيكشِفْ عن هذه الآيةِ حتى نراها ونحمَدَ ربَّنا، ونذكُرَ باسمِه، ونأكُلَ من رزقِه الذي رزقَنا، فقال الحواريُّونَ: يا رُوحَ اللهِ وكلمتَهُ، أنتَ أَوْلانا بذلك، وأحقُّنا بالكشفِ عنها؛ فقام عيسى عليه السَّلامُ واستأنَفَ وضوءًا جديدًا، ثم دخل مُصلَّاهُ ، فصلَّى لذلك رَكَعاتٍ، ثم بكى بكاءً طويلًا، ودعا اللهَ أنْ يأذَنَ له في الكشفِ عنها، ويجعلَ له ولقومِه فيها بركةً ورزقًا، ثم انصرَفَ فجلَسَ إلى السُّفرةِ، وتناوَلَ المِنديلَ وقال: بسمِ اللهِ خيرِ الرازقينَ، وكشف عَنِ السُّفرةِ، فإذا هو عليها سمكةٌ ضخمةٌ مشويةٌ ليس عليها بواسيرُ، وليس في جوفِها شوكٌ، يسيلُ السَّمْنُ منها سيلًا قد نُضِّدَ حولَها بُقولٌ من كلِّ صِنفٍ غيرِ الكُرَّاثِ، وعند رأسِها خلٌّ، وعند ذَنَبِها مِلحٌ، وحولَ البُقولِ الخمسةِ أرغِفةٌ على واحد منها زيتونٌ، وعلى الآخَرِ تَمَراتٌ، وعلى الآخَرِ خمسُ رُمَّاناتٍ، فقال شمعونُ رأسُ الحواريِّينَ لعيسى عليه السَّلامُ: يا رُوحَ اللهِ وكلمتَهُ، أمِنْ طعامِ الدُّنيا هذا أم من طعامِ الجنَّةِ، فقال: أَمَا آنَ لكم أنْ تَعتبِروا بما تَرَوْنَ مِنَ الآياتِ ، وتنتهوا عن تنقيرِ المسائلِ؟ ما أخوَفَني عليكم أن تُعاقَبوا في سببِ هذه الآيةِ، فقال شمعونُ: وإلهِ إسرائيلَ، ما أردتُ بها سؤالًا يا بنَ الصِّدِّيقةِ، فقال عيسى عليه السَّلامُ: ليس شيءٌ ممَّا ترَوْنَ مِن طعامِ الجنَّةِ ولا مِن طعامِ الدُّنيا، إنما هو شيءٌ ابتدَعه اللهُ في الهواءِ بالقدرةِ العاليةِ القاهرةِ، فقال له: كُنْ؛ فكان أسرعَ من طَرْفةِ عينٍ، فكُلوا ممَّا سألتُمُ اللهَ واحمَدوا عليه ربَّكم يُمِدَّكم منه ويَزِدْكم؛ فإنه بديعٌ قادرٌ شاكرٌ، فقالوا: يا رُوحَ اللهِ وكلمتَهُ، إنَّا نُحِبُّ أنْ تُرِيَنا آيةً في هذه الآيةِ، فقال عيسى عليه السَّلامُ: سُبحانَ اللهِ! أَمَا اكتفَيْتُم بما رأيتُم في هذه الآيةِ حتى تسألوا فيها آيةً أخرى؟! ثم أقبل عيسى عليه السَّلامُ على السَّمكةِ، فقال: يا سمكةُ، عودي بإذنِ اللهِ حيَّةً كما كنتِ؛ فأحياها اللهُ بقدرتِهِ، فاضطربتْ وعادتْ بإذنِ اللهِ حيَّةً طريَّةً تَلَمَّظَ كما يتلمَّظُ الأسدُ، تدورُ عيناها، لها بصيصٌ، وعادتْ عليها بواسيرُها؛ ففزِعَ القومُ منها وانحازوا، فلمَّا رأى عيسى عليه السَّلامُ ذلك منهم قال: ما لكم تسألونَ الآيةَ، فإذا أراكموها ربُّكم كرِهتموها؟! ما أخوَفَني عليكم أنْ تُعاقَبوا بما تصنعونَ! يا سمكةُ، عودي بإذنِ اللهِ كما كنتِ؛ فعادتْ بإذنِ اللهِ مشويَّةً كما كانتْ في خلقِها الأوَّلِ، فقالوا لعيسى عليه السَّلامُ: كُنْ أنتَ يا رُوحَ اللهِ الذي تبدأُ الأكلَ منها، ثم نحنُ بَعدُ، فقال عيسى عليه السَّلامُ: مَعاذَ اللهِ مِن ذلك، يبدأُ بالأكلِ مَن طلَبَها، فلمَّا رأى الحواريُّونَ وأصحابُهم امتناعَ نبيِّهم منها، خافوا أن يكونَ نزولُها سَخْطَةً، وفي أكلِها مَثُلَةً؛ فتحامَوْها، فلمَّا رأى ذلك عيسى عليه السَّلامُ دعا لها الفقراءَ والزَّمْنى، وقال: كُلوا من رزقِ ربِّكم ودعوةِ نبيِّكم، واحمَدوا اللهَ الذي أنزلها لكم؛ فيكون مهنؤُها لكم وعقوبتُها على غيرِكم، وافتتِحوا أكلَكم بسمِ اللهِ، واختِموه بحمدِ اللهِ؛ ففعلوا، فأكَلَ منها ألفٌ وثلاثُمئةِ إنسانٍ بينَ رجلٍ وامرأةٍ يَصدُرونَ عنها كلُّ واحدٍ منهم شبعانُ يتجشَّأُ، ونظَرَ عيسى عليه السَّلامُ والحواريُّونَ، فإذا ما عليها كهيئتِهِ إذْ أُنزِلَتْ مِنَ السَّماءِ، لم يَنْتَقِصْ منها شيءٌ، ثم إنها رُفِعَتْ إلى السَّماءِ وهم ينظرونَ، فاستغنى كلُّ فقيرٍ أكَلَ منها، وبَرِئَ كلُّ زَمِنٍ أكَلَ منها، فلَمْ يزالوا أغنياءَ صِحاحًا حتَّى خرَجوا مِنَ الدُّنيا، وندِمَ الحواريُّونَ وأصحابُهم الذين أبَوْا أن يأكُلوا منها نَدامةً سالتْ منها أشفارُهم، وبَقِيَتْ حسرتُها في قلوبِهم إلى يومِ المماتِ، قال: فكانَتِ المائدةُ إذا نزلتْ بعدَ ذلك أقبلتْ بنو إسرائيلَ إليها مِن كلِّ مكانٍ يسعَوْنَ، يُزاحِمُ بعضُهم بعضًا؛ الأغنياءُ والفقراءُ، والصِّغارُ والكِبارُ والأصِحَّاءُ والمرضى، يركَبُ بعضُهم بعضًا، فلمَّا رأى ذلك جعلها نوائبَ تنزِلُ يوما ولا تنزِلُ يومًا، فلَبِثوا في ذلك أربعينَ يومًا تنزِلُ عليهم غِبًّا عِندَ ارتفاعِ الضُّحى، فلا تزالُ موضوعةً يؤكَلُ منها، حتى إذا قاموا ارتفعتْ عنهم بإذنِ اللهِ إلى جوِّ السماءِ وهم ينظرونَ إلى ظِلِّها في الأرضِ حتى تَوارى عنهم، قال: فأوحى اللهُ إلى نبيِّهِ عيسى عليه السَّلامُ أَنِ اجْعلْ رزقي في المائدةِ لليتامى والفقراءِ والزَّمْنى، دونَ الأغنياءِ مِنَ الناسِ، فلمَّا فعَلَ ذلك ارتابَ بها الأغنياءُ مِنَ الناسِ، وغَمَطوا ذلك، حتَّى شكُّوا فيها في أنفسِهم وشكَّكوا فيها النَّاسَ، وأذاعوا في أمرِها القبيحَ والمنكَرِ، وأدرَكَ الشيطانَ منهم حاجتَهُ، وقذَفَ وَسواسَهُ في قلوبِ المُرتابينَ حتَّى قالوا لعيسى عليه السَّلامُ: أخبِرْنا عَنِ المائدةِ ونزولِها مِنَ السَّماءِ أحقٌّ؟ فإنه قَدِ ارتابَ بها بشَرٌ مِنَّا كثيرٌ، فقال عيسى عليه السَّلامُ: هلَكْتُم وإلهِ المسيحِ، طلبتُمُ المائدةَ إلى نبيِّكم أنْ يطلُبَها لكم إلى ربِّكم، فلمَّا أنْ فعَلَ وأنزلَها عليكم رحمةً ورزقًا، وأراكم فيها الآياتِ والعِبَرَ كذَّبْتم بها وشكَّكْتم فيها؛ فأَبشِروا بالعذابِ، فإنه نازلٌ بكم إلَّا أنْ يرحمَكُمُ اللهُ، وأوحى اللهُ إلى عيسى عليه السَّلامُ: إني آخِذُ المُكذِّبينَ بشرطي، فإني مُعذِّبٌ منهم مَن كفَرَ بالمائدةِ بعدَ نُزولِها عذابًا لا أُعذِّبُه أحدًا مِنَ العالَمينَ، قال: فلمَّا أمسى المُرتابونَ بها، وأخذوا مَضاجِعَهم في أحسنِ صورةٍ مع نسائِهم آمِنينَ، فلما كان في آخِرِ اللَّيلِ مسَخَهُمُ اللهُ خنازيرَ؛ فأصبَحوا يتَّبِعونَ الأقذارَ في الكُناساتِ.
خلاصة حكم المحدث : غريب جدا
الراوي : عبدالرحمن بن مل النهدي أبو عثمان | المحدث : ابن كثير | المصدر : تفسير القرآن العظيم
الصفحة أو الرقم : 3/223 التخريج : أخرجه الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) (142) بنحوه، ابن أبي حاتم في ((التفسير)) (7017) مختصرا ببعضه.
التصنيف الموضوعي: أدعية وأذكار - أذكار الطعام أطعمة - ما جاء في المائدة أنبياء - عيسى تفسير آيات - سورة المائدة فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - معجزات النبي
| أحاديث مشابهة |أصول الحديث

4 - كان الجارودُ بنُ المُعلَّى بنِ حنشِ بنِ مُعلَّى العبديُّ نصرانيًّا حسنَ المعرفةِ بتفسير الكتبِ وتأويلِها عالمًا بسِيَرِ الفرسِ وأقاويلِها بصيرًا بالفلسفةِ والطبِّ ظاهرَ الدّهاءِ والأدبِ كاملَ الجمالِ ذا ثروةٍ ومالٍ وأنه قدم على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وافدًا في رجالٍ من عبدِ القَيس ِذوي آراءَ وأسنانَ وفصاحةٍ وبيانٍ وحُجَجٍ وبرهانٍ فلما قدم على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وقف بين يدَيه وأشار إليه وأنشأ يقول يا نبيَّ الهدى أتتك رجالٌ قطَعْتَ فَدْفدًا وآلًا فآلا وطوتْ نحوَك الصَّحاصحَ تَهوي لا تُعدُّ الكلالَ فيك كلالا كلُّ بهماءَ قصَّر الطرفُ عنها أرقلتْها قلاصُنا إرقالًا وطوتها العِتاقُ يجمح فيها بكماةٍ كأنجُمٍ تتلالا تبتغي دفعَ بأسِ يومٍ عظيمٍ هائلٍ أوجعَ القلوبَ وهالا ومزادًا لمحشرِ الخلقِ طُرًّا وفراقًا لمن تمادى ضلالًا نحو نورٍ من الإله وبرهانٍ وبرٍّ ونعمةٍ أن تنالا خصَّك اللهُ يا ابنَ آمنةَ الخيرَ بها إذا أتت سِجالا سِجالا فاجعلِ الحظَّ منك يا حُجَّةَ اللهِ جزيلًا لا حظَّ خلَّف أحالا قال فأدناه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وقرَّب مجلسَه وقال له يا جارودُ لقد تأخَّر الموعودُ بك وبقومِك فقال الجارودُ فداك أبي وأمي أما من تأخر عنك فقد فاته حظُّه وتلك أعظمُ حُوبةً وأغلظُ عقوبةً وما كنتُ فيمن رآك أو سمِع بك فعدَاك واتَّبع سواك وإني الآنَ على دينٍ قد علمتَ به قد جئتُك وها أنا تارِكٌه لدِينك أفذلك مما يُمحِّصُ الذنوبَ والمآثمَ والحوبَ ويرضي الربَّ عن المربوب ِفقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنا ضامنٌ لك ذلك وأخلصِ الآن لله بالوحدانيةِ ودَعْ عنك دِينَ النصرانيةِ فقال الجارودُ فداك أبي وأمي مُدَّ يدَك فأنا أشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له وأشهدُ أنك محمدٌ عبدُه ورسولُه قال فأسلَم وأسلم معه أناسٌ من قومه فسُرَّ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بإسلامِهم وأظهر من إكرامِهم ما سُرُّوا به وابتهجوا به ثم أقبل عليهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال أفيكم من يعرفُ قُسَّ بنَ ساعدةَ الإياديَّ فقال الجارودُ فداك أبي وأمي كلُّنا نعرفُه وإني من بينهم لعالِمٌ بخبرِه واقفٌ على أمره كان قُسُّ يا رسولَ اللهِ سبطًا من أسباطِ العربِ عُمِّر ستمائةِ سنةٍ تقفرُ منها خمسةُ أعمارٍ في البراري والقِفارِ يضجُّ بالتَّسبيحِ على مثالِ المَسيحِ لا يُقِرُّه قرارٌ ولا تُكنُّه دارٌ ولا يَستمتِع به جارٌ كان يلبسُ الأمساحَ ويفوق السُّياحَ ولا يفتُر من رهبانيتِه يتحسَّى في سياحتِه بيضَ النعامِ ويأنسُ بالهوامِّ ويستمتِع بالظلامِ يبصر فيعتبِرْ ويُفكِّرُ فيختبِرْ فصار لذلك واحدًا تُضرب بحكمتِه الأمثالُ وتكشفُ به الأهوالُ أدرك رأسَ الحواريِّين سمعانَ وهو أولُ رجلٍ تألَّه من العربِ ووحَّد وأقر وتعبّد وأيقنَ بالبعث والحسابِ وحذَّر سوءَ المآبِ وأمر بالعمل قبل الفوتِ ووعظ بالموتِ وسلَّم بالقضا على السُّخطِ والرِّضا وزار القبورَ وذكر النشورَ وندب بالأشعارِ وفكر في الأقدارِ وأنبأ عن السماءِ والنماءِ وذكر النجومَ وكشف الماءَ ووصف البحارَ وعرف الآثارَ وخطب راكبًا ووعظ دائبًا وحذَّر من الكربِ ومن شدة الغضبِ ورسَّل الرسائلَ وذكَّر كل هائلٍ وأرغَم في خُطَبِه وبين في كتبِه وخوَّف الدهرَ وحذِرَ الأزْرَ وعظَّم الأمرَ وجنَّب الكفرَ وشوَّقَ إلى الحنيفيةِ ودعا إلى اللاهوتيَّةِ وهو القائلُ في يومِ عكاظ ٍشرقٌ وغربٌ ويتمٌ وحزبٌ وسلمٌ وحربٌ ويابسٌ ورطبٌ وأجاجٌ وعذبٌ وشموسٌ وأقمارٌ ورياحٌ وأمطارٌ وليلٌ ونهارٌ وإناثٌ وذكورٌ وبرارٌ وبحورٌ وحبٌّ ونباتٌ وآباءٌ وأمهاتٌ وجمعٌ وأشتاتٌ وآياتٌ في إثرِها آياتٌ ونورٌ وظلامٌ ويسرٌ وإعدامٌ وربٌّ وأصنامٌ لقد ضلَّ الأنامَ نشوُ مولودٍ ووأدُ مفقودٍ وتربيةُ محصودٍ وفقيرٌ وغنيٌّ ومحسنٌ ومسيءٌ تبًّا لأربابِ الغفلةِ ليصلحنَّ العاملُ عملَه وليفقدَنَّ الآملُ أملَه كلا بل هو إلهٌ واحدٌ ليس بمولودٌ ولا والدٍ أعاد وأبدَى وأمات وأحيا وخلق الذكرَ والأنثى ربُّ الآخرةِ والأولى أما بعدُ فيا معشر إيادٍ أين ثمودُ وعادٌ وأين الآباءُ والأجدادُ وأين العليلُ والعُوَّادُ كلٌّ له معادٌ يُقسِم قُسٌّ بربِّ العبادِ وساطحِ المهادِ لتحشرنّ على الانفرادِ في يومِ التَّنادِ إذا نُفِخ في الصورِ ونُقِر في الناقورِ وأشرقت الأرضُ ووعظ الواعظُ فانتبذ القانطُ وأبصر اللاحظُ فويلٌ لمن صدف عن الحقِّ الأشهرِ والنورِ الأزهرِ والعرضِ الأكبرِ في يوم الفصلِ وميزانِ العدلِ إذا حكم القديرُ وشهد النذيرُ وبعد النصيرُ وظهرَ التقصيرُ ففريقٌ في الجنةِ وفريقٌ في السَّعيرِ وهو القائلُ ذكَّرَ القلبَ من جواه ادِّكارٌ, وليالٌ خلا لهن نهارٌ وسجالٌ هواطلٌ من غمامٍ ثُرْن ماءً وفي جُواهن نارٌ ضوءُها يطمس العيونَ وأرعادٌ شدادٌ في الخافقَين تطارُ, وقصورٌ مُشيَّدةٌ حوَت الخير َوأخرى خلَت بهن قِفارٌ,وجبالٌ شوامخٌ راسياتٌ وبحارٌ مياههن غزارٌ, ونجومٌ تلوح في ظُلَمِ الليلِ نراها في كلِّ يومٍ تُدارُ ثم شمسٌ يحثُّها قمرُ الليلِ وكلُّ متابعٍ مُوارٍ وصغيرٌ وأشمظُ وكبيرٌ كلُّهم في الصعيدِ يومًا مزارٌ,وكبيرٌ مما يقصر عنه حدسِه الخاطرُ الذي لا يحارُ فالذي قد ذكرتُ دلَّ على اللهِ نفوسًا لها هديٌ واعتبارٌ. قال فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مهما نسيتُ فلستُ أنساه بسوقِ عكاظٍ واقفًا على جملٍ أحمرَ يخطب الناسَ اجتمعوا فاسمَعوا وإذا سمعتُم فعُوا وإذا وعَيتُم فانتفِعوا وقولوا وإذا قلتُم فاصدُقوا من عاش مات ومن مات فات وكلُّ ما هو آتٍ آتٍ مطرٌ ونباتٌ وأحياءٌ وأمواتٌ ليلٌ داج ٍوسماءٌ ذا أبراجٍ ونجومٌ تزهرُ وبحار ٌتزخرُ وضوءٌ وظلامٌ وليلٌ وأيامٌ وبرٌّ وآثامٌ إنَّ في السماء خبرًا وإنَّ في الأرض عِبَرًا يحارُ فيهنَّ البصرَا مهادٌ موضوعٌ وسقفٌ مرفوعٌ ونجومٌ تغورُ وبحارٌ لا تفورُ ومَنايا دوانٍ ودهرٌ خوَّانٌ كحدِّ النِّسطاسِ ووزنِ القُسطاسِ أقسمَ قُسُّ قسمًا لا كاذبًا فيه ولا آثمًا لئن كان في هذا الأمرِ رِضى ليكونن سخطٌ ثم قال أيها الناسُ إنَّ لله دينًا هو أحبُّ إليه من دينِكم هذا الذي أنتم عليه وهذا زمانُه وأوانه ثم قال ما لي أرى الناسَ يذهبون فلا يرجِعون أرَضُوا بالمقام فأقاموا أم تُرِكوا فناموا والتفت رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى بعض أصحابِه فقال أيكم يروي شعرَه لنا فقال أبو بكرٍ الصديقُ فداك أبي وأمي أنا شاهدٌ له في ذلك اليومِ حيث يقول في الذَّاهِبِينَ الأوَّلِينَ... من القرون لنا بصائرْ لما رأيت مصارعا... للقوم ليس لها مصادرْ ورأيت قومي نحوها... يمضي الأكابر والأصاغرْ أَيْقَنْتُ أَنِّي لَا مَحَالَةَ... حَيْثُ صَارَ الْقَوْمُ صَائِرْ قال فقام إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ شيخٌ من عبدِ القَيسِ عظيمُ الهامة ِطويلُ القامةِ بعيدُ ما بين المنكبَينِ فقال فداك أبي وأمي وأنا رأيتُ من قُسٍّ عجبًا فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما الذي رأيتَ يا أخا بني عبدِ القَيسِ فقال خرجتُ في شبيبتي أربعُ بعيرًا لي ندَّ عني أقْفوا أثرَه في تنَائِفَ قَفَافٍ، ذاتِ ضَغابِيسَ، وعَرَصاتِ جَثْجاثٍ بينَ صُدورِ جُذعان، وغميرِ حَوذانٍ، ومَهَمهٍ ظَلمانِ، وَرصِيعِ أيْهُقانِ، فَبَينا أنا في تِلك الفَلوات أَجولُ بِسَبسَبِها، وأرنُقُ فَدْفَدها، إِذا أَنا بهضبة فِي نَشَزاتِها أَراكٌ كَباثٌ مُخْضَوْضِلَةٌ وَأَغصانُها مُتَهَدِّلَةٌ، كأنَّ بَرِيرَها حَبُّ الفُلْفُلِ وبواسِقُ أُقْحُوانٍ، وإذا بعينٍ خَرَّارَةٍ ورَوْضةٍ مُدْهامَّةٍ، وشجرةٍ عارِمةٍ، وإذا أنا بقُسِّ بنِ ساعِدَةَ في أصلِ تلك الشَّجَرةِ وبِيده قضِيبٌ، فدنوتُ منه وَقُلتُ لهُ: أَنعِمْ صَباحًا. فقال: وأَنت فنعِمَ صَبَاحُك. وقد وَردَتِ العَينَ سِباعٌ كثيرةٌ، فكان كلما ذهب سَبعٌ منها يشربُ من العينِ قبل صاحبِه ضربه قُسُّ بالقضيبِ الَّذي بيدِه. وقال: اصبِرْ حَتى يشربَ الَّذي قبلك. فَذُعِرْتُ من ذلك ذُعْرًا شديدًا، ونظر إليَّ فقال:لا تخَفْ. وإذا بقبرَينِ بينهما مَسجِدٌ، فقلتُ: مَا هذان القَبرانِ؟ قال: قبرَا أخَوينِ كانا يعبُدانِ اللَّهَ عزَّ وجلَّ بهذا المَوضِعِ. فأنا مُقيمٌ بين قبرَيهما أعبدُ اللهَ بين قبرَيهما أعبدُ اللَّهَ حتَّى ألحَقَ بهما. فقلتُ له: أفلا تَلحَقُ بِقَومِكَ فَتكونَ مَعهُم في خَيرِهم وَتُبايِنَهُم عَلَى شَرِّهِم؟ فَقَالَ لِي: ثكلتْك أمُّك! أَو ما عَلِمتَ أَنَّ وَلَدَ إِسماعِيلَ تَرَكوا دِينَ أبيهمْ وَاتَّبَعوا الأضدادَ وعظَّمُوا الْأَندادَ؟ ثم أقبل على القبرَينِ وأنشأَ يقول: خلِيلَيَّ هبَّا طالما قد رقدتُما * أجِدَّكما لا تقضِيانِ كراكما أرى النَّومَ بين الجلدِ والعظمِ منكما * كأنَّ الَّذي يَسقي العُقارَ سقاكما أَمِنْ طُولِ نَوْمٍ لَا تُجِيبَانِ دَاعِيًا * كَأَنَّ الَّذِي يَسْقِي الْعُقَارَ سَقَاكُمَا ألم تعلما أنى بِنَجْرَان مُفردا * ومالى فيه من حبيبٍ سِواكما مُقيمٌ على قبرَيكما لستُ بارِحًا * إِيابَ اللَّيالِي أو يجيبَ صدَاكما أبكيكما طُولَ الحياةِ وما الَّذي * يَرُدُّ على ذِي لَوعةٍ أَنْ بَكاكما فلو جُعِلَتْ نفسٌ لنفسِ امرئٍ فِدًى * لَجُدتُ بنفسي أن تكون فِداكما كأنَّكما والموتُ أقرَبُ غايَةٍ * بروحي في قبرَيكما قد أتاكما قال فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رحم اللهُ قُسًّا أما إنه سيُبعثُ يومَ القيامةِ أمَّةً وحده
خلاصة حكم المحدث : غريب جدا من هذا الوجه وهو مرسل إلا أن يكون الحسن سمعه من الجارود [وروي] من وجه آخر وله طرق على ضعفها تتعاضد لإثبات أصل القصة
الراوي : الحسن البصري | المحدث : ابن كثير | المصدر : البداية والنهاية
الصفحة أو الرقم : 2/215 التخريج : أخرجه الطبري في ((التاريخ)) (3/301)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (5/328) مختصرا بنحوه، وابن كثير في ((البداية والنهاية)) (3/302) باختلاف يسير
التصنيف الموضوعي: آداب الكلام - فصاحة اللسان رقائق وزهد - الزهد في الدنيا مناقب وفضائل - قس بن ساعدة الإيادي شعر - استماع النبي للشعر وإنشاده في المسجد علم - سعة العلم
|أصول الحديث

5 - - كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَخْمًا مُفَخَّمًا، يتلألأُ وجهُهُ تَلألُؤَ القَمرِ ليلةَ البدرِ، أطوَلَ مِنَ المَرْبوعِ ، وأقصرَ مِنَ المُشَذَّبِ، عظيمَ الهامَةِ ، رَجِلَ الشَّعرِ ، إنِ انفَرَقَتْ عقيقتُه فَرَقَها، وإلَّا فلا يُجاوِزُ شَعرُهُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ إذا هو وفَّرَهُ، أَزْهَرَ اللَّونِ، واسعَ الجَبينِ ، أَزَجَّ الحواجبِ، سَوابغَ في غيرِ قَرَنٍ، بينَهُما عِرْقٌ يُدِرُّهُ الغضبُ، أَقْنَى العِرْنِينِ، له نورٌ يَعْلوهُ، يَحسَبُهُ مَن لم يَتأمَّلْهُ أَشَمَّ، كَثَّ اللِّحيةِ ، سَهْلَ الخَدَّيْنِ، ضَليعَ الفَمِ ، مُفَلَّجَ الأسنانِ، دَقيقَ المَسْرُبةِ ، كأنَّ عُنُقَهُ جِيدُ دُمْيَةٍ، في صَفاءِ الفِضَّةِ، مُعتدِلَ الخَلْقِ، بادِنٌ مُتماسِكٌ، سَواءُ البطنِ والصَّدرِ، عريضُ الصَّدرِ، بَعيدُ ما بينَ المَنْكِبَيْنِ، ضَخْمُ الكَراديسِ ، أَنْوَرُ المُتَجَرَّدِ، مَوْصولُ ما بينَ اللَّبَّةِ والسُّرَّةِ بشَعرٍ يجري كالخَطِّ، عاري الثَّدْيَيْنِ والبطنِ ممَّا سوى ذلك، أَشْعَرُ الذِّراعَيْنِ والمَنْكِبَيْنِ وأعالي الصَّدْرِ، طويلُ الزَّنْدَيْنِ، رَحْبُ الرَّاحةِ، شَثْنُ الكَفَّيْنِ والقدمَيْنِ، سائِلُ الأطرافِ -أوْ قال: شائِلُ الأطرافِ-، خُمصانُ الأَخْمَصَيْنِ، مَسيحُ القدمَيْنِ يَنْبُو عنهمُا الماءُ، إذا زال زال قِلْعًا، يَخْطو تَكَفِّيًا، ويمشي هَوْنًا، ذَريعُ المِشْيَةِ، إذا مَشَى كأنَّما يَنْحَطُّ مِن صَبَبٍ ، وإذا الْتَفَتَ الْتَفَتَ جميعًا، خافِضُ الطَّرْفِ ، نَظَرُهُ إلى الأرضِ أَطْوَلُ مِن نَظَرِهِ إلى السَّماءِ، جُلُّ نَظَرِهِ المُلاحَظةُ، يَسوقُ أصحابَهُ، ويَبْدُرُ مَن لَقِيَ بالسَّلامِ، قال: فقلتُ: صِفْ لي مَنْطِقَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قال: كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُتواصِلَ الأحزانِ، دائمَ الفكرةِ، ليست له راحةٌ، طويلَ السَّكْتِ، لا يتكلَّمُ في غيرِ حاجةٍ، يَفتتِحُ الكلامَ ويَختِمُهُ باسمِ اللهِ تعالى، ويتكلَّمُ بجوامعِ الكَلِمِ، كلامُهُ فَصْلٌ، لا فُضولَ ولا تقصيرَ، ليس بالجافي ولا المَهِينِ، يُعَظِّمُ النِّعمةَ وإنْ دَقَّتْ، لا يذُمُّ منها شيئًا، غيرَ أنَّه لم يَكُنْ يذُمُّ ذَواقًا ولا يمدحُهُ، ولا تُغْضِبُهُ الدُّنيا ولا مكانَ لها، فإذا تُعُدِّيَ الحقُّ لم يَقُمْ لغضبِهِ شيءٌ حتَّى ينتصِرَ له، ولا يغضبُ لنفْسِهِ، ولا ينتصِرُ لها، إذا أشار أشار بكَفِّهِ كُلِّها، وإذا تعجَّبَ قلَّبَها، وإذا تَحدَّثَ اتَّصَل بها، وضرب براحَتِهِ اليُمنى بَطْنَ إبهامِهِ اليُسرى، وإذا غَضِبَ أعرَضَ وأشاحَ، وإذا فَرِحَ غَضَّ طَرْفَهُ ، جُلُّ ضَحِكِهِ التَّبَسُّمُ، يَفْتَرُّ عن مِثْلِ حَبِّ الغَمامِ، قال الحَسنُ: فكتمتُها الحُسَيْنَ زمانًا، ثم حَدَّثْتُهُ، فوجدْتُهُ قد سَبَقَني إليهِ فسأله عمَّا سألتُهُ عنه، ووجدْتُهُ قد سأل أباهُ عن مَدْخَلِهِ ومَخرَجِهِ وشَكْلِهِ، فلَمْ يَدَعْ منه شيئًا، قال الحُسَيْنُ: فسألتُ أبي عن دُخولِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال: كان إذا أَوَى إلى منزلِهِ جَزَّأَ دُخولَهُ ثلاثةَ أجزاءٍ: جُزءًا للهِ، وجُزءًا لأهلِهِ، وجزءًا لنفْسِهِ، ثم جزَّأَ جُزْأَهُ بينَه وبينَ النَّاسِ، فيَرُدُّ ذلكَ بالخاصَّةِ على العامَّةِ، ولا يَدَّخِرُ عنهم شيئًا، وكان مِن سيرتِهِ في جُزءِ الأُمَّةِ إيثارُ أهْلِ الفضلِ بإذنِهِ، وقَسْمُهُ على قَدْرِ فضْلِهِم في الدِّينِ، فمنهم ذو الحاجةِ، ومنهم ذو الحاجتَيْنِ، ومنهم ذو الحَوائِجِ، فيَتَشاغَلُ بهمِ، ويَشْغَلُهُم فيما يُصْلِحُهم والأُمَّةَ مِن مُسألتِهم عنه، وإخبارِهم بالذي ينبغي لهم، ويقولُ: لِيُبَلِّغِ الشَّاهدُ منكُمُ الغائِبَ، وأَبلِغوني حاجةَ مَن لا يستطيعُ إبلاغَها؛ فإنَّهُ مَن أَبلَغَ سُلطانًا حاجةَ مَن لا يستطيعُ إبلاغَها ثَبَّتَ اللهُ قدمَيْهِ يومَ القيامةِ، لا يُذكَرُ عندَهُ إلَّا ذلكَ، ولا يُقْبَلُ مِن أَحَدٍ غَيْرِه، يدخُلونَ رُوَّادًا، ولا يفترِقونَ إلَّا عن ذَواقٍ، ويخرجونَ أَدِلَّةً -يعني: على الخيرِ-، قال: فسألتُهُ عن مَخرَجِهِ، كيف كان يَصنَعُ فيه؟ قال: كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَخْزُنُ لِسانَهُ إلَّا فيما يَعنيهِ، ويُأَلِّفُهم ولا يُنَفِّرُهم، ويُكْرِمُ كريمَ كلِّ قومٍ ويُوَلِّيهِ عليهم، ويَحْذَرُ النَّاسَ ويَحتَرِسُ منهم مِن غيرِ أنْ يَطْوِيَ عن أَحَدٍ مِنهم بِشْرَهُ وخُلُقَهُ، ويتفقَّدُ أصحابَهُ، ويسألُ النَّاسَ عمَّا في النَّاسِ، ويُحَسِّنُ الحَسَنَ ويُقَوِّيهِ، ويُقَبِّحُ القَبيحَ ويُوَهِّيهِ. مُعتدِلُ الأمرِ غيرُ مُختلِفٍ، لا يَغْفُلُ مخافةَ أنْ يَغْفُلوا أو يَمَلُّوا، لكلِّ حالٍ عِندَهُ عَتادٌ، لا يُقَصِّرُ عن الحقِّ ولا يُجاوِزُهُ، الذين يَلُونَهُ مِنَ النَّاسِ خيارُهم، أفضلُهم عِندَهُ أَعَمُّهُم نصيحةً، وأعظمُهم عِندَهُ مَنزلةً أحسنُهم مواساةً ومُؤَازَرةً، قال: فسألتُهُ عن مَجْلِسِهِ، فقال: كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لا يقومُ ولا يجلسُ إلَّا على ذِكْرٍ، وإذا انتهى إلى قومٍ جلس حيثُ ينتهي به المجلسُ، ويأمُرُ بذلك، يُعطي كلَّ جُلسائِهِ بنصيبِهِ، لا يَحسَبُ جليسُهُ أنَّ أحدًا أكرَمَ عليه مِنهُ، مَن جالَسهُ أوْ فاوَضهُ في حاجةٍ صابَرَهُ حتَّى يكونَ هو المُنصَرِفَ عنه، ومَن سألَهُ حاجةً لم يَرُدَّهُ إلَّا بها، أوْ بمَيْسورٍ مِنَ القولِ، قد وَسِعَ النَّاسَ بَسْطُهُ وخُلُقُهُ؛ فصار لهمُ أَبًا، وصاروا عِندَهُ في الحقِّ سواءً، مجلِسُهُ مجلِسُ عِلْمٍ وحِلْمٍ وحياءٍ وأمانةٍ وصبْرٍ، لا تُرْفَعُ فيه الأصواتُ، ولا تُؤْبَنُ فيه الحُرَمُ، ولا تُنْثَى فَلَتاتُهُ، مُتعادِلينَ، بل كانوا يتفاضَلونَ فيه بالتَّقوى، متواضعينَ، يُوَقِّرونَ فيه الكبيرَ، ويرحمونَ فيه الصَّغيرَ، ويُؤْثِرونَ ذا الحاجةِ، ويحفظونَ الغريبَ، قال الحُسَيْنُ: سألتُ أبي عن سيرةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في جُلسائِهِ، فقال: كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ دائمَ البِشْرِ، سَهْلَ الخُلُقِ، لَيِّنَ الجانبِ، ليس بفَظٍّ ولا غليظٍ، ولا صَخَّابٍ، ولا فَحَّاشٍ، ولا عَيَّابٍ، ولا مَدَّاحٍ، يتغافَلُ عمَّا لا يَشْتَهي، ولا يُؤَيِّسُ منه راجِيهِ، ولا يُخَيِّبُ فيهِ، قد ترَكَ نفْسَهُ مِن ثلاثٍ: المِراءِ، والإكثارِ، وما لا يَعْنيهِ، وترَكَ النَّاسَ مِن ثلاثٍ: كان لا يذُمُّ أحدًا، ولا يَعيبُهُ، ولا يطلُبُ عَوْرَتَه، ولا يتكلَّمُ إلَّا فيما رَجَا ثوابَهُ، وإذا تكلَّمَ أَطْرَقَ جُلساؤُه كأنَّما على رُؤوسِهِمُ الطَّيرُ، فإذا سكَتَ تكلَّموا، لا يتنازَعونَ عِندَهُ الحديثَ، ومَن تكلَّمَ عِندَهُ أنصَتوا له حتَّى يَفْرُغَ، حديثُهم عِندَهُ حديثُ أَوَّلِهم، يضحَكُ ممَّا يضحَكونَ مِنه، ويتعجَّبُ ممَّا يتعجَّبونَ منه، ويَصْبِرُ للغريبِ على الجَفوةِ في مَنطِقِهِ ومسألتِهِ، حتَّى إنْ كان أصحابُهُ لَيَسْتَجْلِبونَهم، ويقولُ: إذا رأيتُمْ طالِبَ حاجةٍ يطلُبُها فأَرْفِدوهُ، ولا يقبَلُ الثَّناءَ إلَّا مِن مُكافِئٍ، ولا يقطَعُ على أحدٍ حديثَهُ حتَّى يَجُوزَ؛ فيقطَعُهُ بنَهْيٍ أو قيامٍ.
خلاصة حكم المحدث : ضعيف جداً
الراوي : هند بن أبي هالة وعلي بن أبي طالب | المحدث : الألباني | المصدر : مختصر الشمائل
الصفحة أو الرقم : 6 التخريج : أخرجه العقيلي في ((الضعفاء الكبير)) (3/197)، وابن حبان في ((الثقات)) (2/145) واللفظ له، والطبراني (22/155) (414)
التصنيف الموضوعي: آداب الطريق - آداب المشي آداب الكلام - الصمت وقلة الكلام فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - أخلاق النبي فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - صفة خلقة النبي فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - فصاحة النبي صلى الله عليه وسلم
| الصحيح البديل | أحاديث مشابهة |أصول الحديث