الموسوعة الفقهية

المَطْلَبُ الثَّاني: حُكْمُ بَيْعِ العَرَايا وهذا النوعُ مِن البَيْع يَندُر وجودُه حاليًّا بسَببِ تَوفُّرِ النُّقودِ


يَجوزُ بَيْعُ العَرَايا، وهو مَذْهَبُ الجُمهورِ: المالِكيَّةِ بناءً على تعريفِهم. ((التاج والإكليل)) للموَّاق (4/502)، ((مِنَح الجليل)) لعُلَيش (5/296). ، والشَّافِعيَّةِ ((مغني المحتاج)) للشربيني (2/93). ، والحَنابِلةِ ((الإنصاف)) للمرداوي (5/27)، ((كشَّاف القناع)) للبُهُوتي (3/258). ، وبعضِ الحَنَفيَّةِ يُنظر: ((البحر الرائق)) لابن نُجَيم (6/83). ، والظَّاهريَّةِ قال ابنُ حَزمٍ: (يَجوزُ بَيْعُ الزَّهْوِ والرُّطَبِ بكلِّ شَيءٍ يَحِلُّ بَيعُه -حاشا ما ذَكَرْنا- نقْدًا وبالدَّراهمِ والدَّنانيرِ، نقْدًا ونَسيئةً، حاشا العَرَايا في الرُّطَبِ وحْدَه. ومعناها: أنْ يَأتِيَ الرُّطَبُ ويكونَ قَومٌ يُرِيدون ابتياعَ الرُّطَبِ للأكلِ، فأُبِيحَ لهم أنْ يَبْتاعوا رُطَبًا في رُؤوسِ النَّخلِ بخَرْصِها تَمْرًا فيما دونَ خَمْسةِ أَوسُقٍ، يَدفَعُ التَّمرَ إلى صاحبِ الرُّطَبِ، ولا بُدَّ، ولا يَحِلُّ بتَأخيرٍ، ولا في خَمْسةِ أَوسُقٍ فصاعدًا، ولا بأقلَّ مِن خَرْصِها تَمْرًا ولا بأكثَرَ) ((المحلى)) (7/389). ونسَبه الشَّوكانيُّ للظَّاهريةِ. يُنظر: ((نيل الأوطار)) (5/ 239). ، واخْتارَهُ ابنُ تَيمِيَّةَ قال ابنُ تَيميَّةَ: (يَجوزُ للحاجةِ ما لا يَجوزُ بدُونِها، كما جاز بَيْعُ العَرَايا) ((مجموع الفتاوى)) (29/480). ، وابنُ القَيِّمِ قال ابنُ القيِّمِ: (حرَّمَ عليهم بَيْعَ الرُّطَبِ بالتَّمرِ، وأباح لهمْ منه العَرَايا) ((إعلام الموقعين)) (2/113). وقال: (فأخَذْنا بحَديثِ النَّهيِ عن بَيْعِ التَّمرِ بالتَّمرِ مُتفاضِلًا، وأخَذْنا بحَديثِ النَّهيِ عن بَيْعِ الرُّطَبِ بالتَّمرِ مُطلَقًا، وأخَذْنا بحَديثِ العَرَايا وخصَّصْنا به عُمومَ حَديثِ النَّهيِ عن بَيْعِ الرُّطَبِ بالتَّمرِ) ((إعلام الموقعين)) (2/237). ، والصَّنعانيُّ قال الصَّنعانيُّ -في شَرحِه لحديثِ "رُخِّصَ في العَرِيَّةِ يَأخُذُها أهلُ البيتِ بخَرْصِها تَمْرًا، يَأكُلونها رُطَبًا"-: (التَّرخيصُ في الأصلِ: التَّسهيلُ والتَّيسيرُ، وفي عُرفِ المتشرِّعةِ: ما شُرِعَ مِن الأحكامِ لعُذرٍ، مع بَقاءِ دَليلِ الإيجابِ والتَّحريمِ لوْلا ذلك العُذرُ، وهذا دَليلٌ على أنَّ حُكمَ العَرَايا مُخرَجٌ مِن بيْن المحرَّماتِ مَخصوصٌ بالحُكمِ، وقدْ صُرِّحَ باسْتِثنائِه في حَديثِ جابرٍ عندَ البُخاريِّ بلَفظِ: «نَهى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن بَيْعِ الثَّمرِ حتَّى يَطِيبَ، ولا يُباعُ شَيءٌ منه إلَّا بالدَّنانيرِ والدَّراهمِ، إلَّا العَرَايا»، وفي قولِه: «في العَرَايا» مُضافٌ مَحذوفٌ، أي: في بَيْعِ ثَمَرِ العَرَايا؛ لأنَّ العَرِيَّةَ هي النَّخلةُ) ((سبل السلام)) (2/62). وقال: (وقَعَ اتِّفاقُ الجُمهورِ على جَوازِ رُخْصةِ العَرَايا، وهو بَيْعُ الرُّطَبِ على رُؤوسِ النَّخْلِ بقَدْرِ كَيْلِه مِن التَّمْرِ خَرْصًا فيما دُونَ خَمْسةِ أَوْسُقٍ بشَرْطِ التَّقابضِ، وإنَّمَا قُلْنا فيما دُونَ خَمْسةِ أَوْسُقٍ؛ لِحَديثِ أبي هُرَيرةَ) ((سبل السلام)) (2/63). ، والشَّوكانيُّ قال الشَّوكانيُّ -في التَّعليقِ على حَديثِ " رُخِّصَ في العَرِيَّةِ يَأخُذُها أهلُ البيتِ بخَرْصِها تَمْرًا، يَأكُلونها رُطَبًا" -: (فهذا جائزٌ، والَّذي أخبَرَنا بتَحريمِ الرِّبا ومَنَعَنا مِن المُزابَنةِ؛ هو الَّذي رخَّصَ لنا في العَرَايا، والكلُّ حقٌّ، وشَريعةٌ واضحةٌ، وسُنَّةٌ قائمةٌ، ومَن مَنَع مِن ذلك فقدْ تَعرَّضَ لرَدِّ الخاصِّ بالعلمِ، ولرَدِّ الرُّخصةِ بالعَزيمةِ، ولرَدِّ السُّنَّةِ بمُجرَّدِ الرَّأيِ، وهكذا مَن منَعَ مِن البَيْعِ وجَوَّزَ الهِبةَ، كما رُوِي عن أبي حَنيفةَ، ولكنَّ هذه الرُّخصةَ مُقيَّدةٌ بأنْ يكونَ الشِّراءُ بالوَسْقِ والوَسْقينِ، والثَّلاثةِ والأربعةِ، كما وقَعَ في حَديثِ جابرٍ عندَ الشَّافعيِّ وأحمَدَ، وصحَّحه ابنُ خُزَيمةَ وابنُ حِبَّانَ والحاكمُ، فلا يَجوزُ الشِّراءُ بزِيادةٍ على ذلك) ((السيل الجرار)) (ص: 514). وقال: (المرادُ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رخَّصَ للفُقراءِ الَّذين لا نخْلَ لهم أنْ يَشترُوا مِن أهلِ النَّخلِ رُطَبًا يَأكُلونه في شَجَرِه بخَرْصِه تَمْرًا، والعَرَايا جمْعُ عَرِيَّةٍ، وهي في الأصلِ عَطيَّةُ ثَمرِ النَّخلِ دونَ الرَّقبةِ، وقدْ ذهَبَ إلى ذلك الجُمهورُ، ومَن خالَفَ فالأحاديثُ تَرُدُّ عليه) ((الدراري المضية)) (2/262). ، وابنُ بازٍ قال ابنُ بازٍ: (العَرَايا: كونُ الإنسانِ يَحتاجُ إلى رُطَبٍ، وليْس عندَه دَراهمُ، فيَشْتري بالتَّمرِ الَّذي عِنده النَّخيلَ -الثَّمرةَ- بخَرْصِها تمرًا، ويُعطِيه التَّمرَ يَدًا بيَدٍ، هذه رُخصةٌ خاصَّةٌ؛ لحاجةِ النَّاسِ إلى الرُّطَبِ، إذا كان ليْس عِندهم نُقودٌ، فيَأخُذُها بخَرْصِها تمْرًا، والمشْتري يَأكُلُه رُطَبًا، على أنْ تكونَ الثَّمرةُ خمْسةَ أَوسُقٍ فأقلَّ؛ يعني: أقلَّ مِن خمْسةِ أَوسُقٍ؛ لأنَّ الشَّكَّ يَقْتضي عدَمَ حِلِّ الخمسةِ، والوسْقُ سِتُّون صاعًا، [فالعَرَايا تكونُ] في أقلَّ مِن ثَلاثِ مائةِ صاعٍ، لا بأْسَ بذلك، واحدُها: عَرِيَّةٌ، والعَرِيَّةُ هي هذه، هي الَّتي تُشترى بخَرْصِها تمرًا، والتَّمرُ في رُؤوسِ النَّخلِ) ((الموقع الرسمي للشيخ ابن باز)). ، وابنُ عُثَيمينَ قال ابنُ عُثَيمينَ: (أجاز الشَّرعُ بعضَ المسائلِ الرِّبويَّةِ مِن أجْلِ المصلحةِ، مِثلُ بَيْعِ العَرَايا) ((الشرح الممتع)) (6/115). وقال: (العَرَايا هي أنْ يكونَ عندَ إنسانٍ تمْرٌ مِن العامِ الماضي، وجاء الرُّطَبُ هذا العامَ، وأراد أنْ يَتفكَّهَ بالرُّطَبِ، لكنَّه ليْس عنده دَراهمُ، وليْس عنده إلَّا تمْرٌ يابسٌ مِن العامِ الماضي؛ فهنا رَخَّصَ الشَّرعُ بجَوازِ شِراءِ الرُّطَبِ بالتَّمرِ، وسُمِّيَت عَرايا؛ لعُروِّها عن الثَّمنِ، فيَأتي هذا الرَّجلُ الفقيرُ الَّذي عنده تمْرٌ مِن العامِ الماضي إلى صاحبِ البُستانِ، ويقولُ: بِعْني تمْرَ هذه النَّخلةِ -الَّذي هو الآنَ رُطَبٌ- بالتَّمرِ، فهذا جائزٌ؛ لدُعاءِ الحاجةِ إليه؛ فإنَّ هذا الفقيرَ يُريدُ أنْ يَتفكَّهَ كما يَتفكَّهُ النَّاسُ، وليْس عِنده دَراهمُ، فيَشْتري الرُّطَبَ على رُؤوسِ النَّخلِ بالتَّمرِ، لكنْ بشُروطٍ؛ هي: الشَّرطُ الأوَّلُ: ألَّا يَجِدَ ما يَشْتري به سِوى هذا التَّمرِ، فإنْ وَجَد ما يَشْتري به سِوى هذا التَّمرِ -كالدَّراهمِ والثِّيابِ، والحيوانِ وما أشبَهَ ذلك- فإنَّه لا يَجوزُ أنْ يَشترِيَ رُطَبًا بتَمرٍ. الشَّرطُ الثَّاني: أنْ تكونَ مِن خَمسةِ أَوسُقٍ فأقلَّ، والوسْقُ سِتُّونَ صاعًا، فتكونُ خَمْسةُ الأوسُقِ ثَلاثَ مائةِ صاعٍ. الشَّرطُ الثَّالثُ: أنْ يكونَ مآلُ هذا الرُّطَبِ بقدْرِ التَّمرِ، أي: أنْ يَأتيَ الخَرَّاصُ الماهرُ العارفُ، ويقولَ: هذا الرُّطَبُ إذا جَفَّ يكونُ مُساوِيًا للتَّمرِ الَّذي اشتُرِيَ به. فإنْ قال: إنَّ الرُّطَبَ إذا جَفَّ سيَكونُ أكثَرَ مِن هذا التَّمرِ أو أقلَّ؛ فإنَّه لا يَجوزُ، فلا بُدَّ أنْ يكونَ مُساوِيًا. وهنا اكتُفِيَ بالمساواةِ خَرْصًا؛ مِن أجْلِ دفْعِ حاجةِ الفقيرِ. الشَّرطُ الرَّابعُ: أنْ يكونَ مُحتاجًا للرُّطَبِ، بمعنى أنَّه يُريدُه للأكْلِ والتَّفكُّهِ، لا يُريدُ أنْ يُبقِيَه إلى أنْ يُتْمِرَ؛ لأنَّه قدْ يقولُ: أنا أُريدُ أنْ أشْترِيَ الرُّطَبَ وأُبْقِيَه حتَّى يكونَ تَمْرًا؛ ليَكونَ هذا التَّمرُ تمْرَ هذا العامِ، وهو أجَدُّ مِن تَمْرِ العامِ الماضي، فنقولُ: لا بُدَّ أنْ تكونَ مُحتاجًا إلى الرُّطَبِ لتَأكُلَه، ولهذا قال العُلَماءُ: لوْ أنَّه اشْترى عَرِيَّةً رُطَبًا، ثمَّ أتْمَرَت؛ بطَلَ البيعُ؛ لأنَّ الشَّرطَ الَّذي مِن أجْلِه جاز هذا فُقِدَ. الشَّرطُ الخامسُ: أنْ يكونَ الرُّطَبُ على رُؤوسِ النَّخلِ، فإنْ كان في أوانٍ -بمعنى أنَّ صاحبَ البُستانِ خَرَفَ النَّخلَ، وجَعَله في أوانٍ وعَرَضَه للبيع- فجاء إنسانٌ فَقيرٌ، فقال: ليْس مَعي دَراهمُ، لكنْ عِندي تمْرٌ، فاخْرُصْ هذا الإناءَ مِن الرُّطَبِ، وأُعطِيك بمِثلِ خَرْصِه تَمرًا؛ فهذا لا يَجوزُ) ((الشرح الممتع)) (8/419). ، وهو قَوْلُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ قال ابنُ المُنذِرِ: (فقال أكثرُ أهلِ العلمِ: بَيعُه جائزٌ، جَعَلوه مُستثنًى مِن جُملةِ نَهيِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن بَيْعِ التَّمرِ بالتَّمرِ، وعن بَيْعِ الرُّطَبِ بالتَّمرِ، وعن المُزابَنةِ. كذلك قال مالكُ بنُ أنسٍ رَحِمه اللهُ فيمَن تَبِعَه مِن أهلِ المَدينةِ، وبه قال الأوْزاعيُّ فيمَن وافَقَه مِن أهلِ الشَّامِ، وكذلك قال الشَّافعيُّ وأصحابُه، وبه قال أحمَدُ بنُ حَنبلٍ، وإسحاقُ بنُ راهَوَيْه، وأبو عُبيدٍ، ومَن تَبِعَه مِن أهلِ العلمِ) ((الأوسط)) (10/75، 76)، ويُنظر: ((المغني)) لابن قدامة (4/45).
الأدِلَّةُ:
أوَّلًا: مِنَ السُّنَّةِ
عن سَهلِ بنِ أبي حَثْمةَ رَضِي اللهُ عنه: ((أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نَهى عن بَيْعِ الثَّمرِ بالتَّمرِ، ورخَّصَ في العَريَّةِ أنْ تُباعَ بخَرْصِها، يَأكُلُها أهْلُها رُطَبًا )) أخرجه البخاري (2191) واللفظ له، ومسلم (1540).
وَجْهُ الدَّلالةِ:
أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أرخَصَ في العَرَايا، والرُّخصةُ استِباحةُ المحْظورِ مع وُجودِ السَّببِ الحاظِرِ، فلو منَعَ وُجودُ السَّببِ مِن الاستباحةِ، لم يَبْقَ لنا رُخصةٌ بحالٍ يُنظر: ((المغني)) لابن قُدَامة (4/45).
ثانيًا: لو قُدِّرَ تَعارضُ حَديثِ النَّهيِ عن بَيْعِ الثَّمرِ بالثَّمرِ، مع حَديثِ التَّرخيصِ في العَرَايا؛ وجَبَ تَقديمُ حَديثِ التَّرخيصِ في العَرَايا لخُصوصِه، جمْعًا بيْن الحَديثَينِ، وعمَلًا بكِلَا النَّصَّينِ يُنظر: ((المغني)) لابن قُدَامة (4/45).

انظر أيضا: