الموسوعة الفقهية

المَطْلَبُ الأوَّلُ: حُكْمُ البَيْعِ وَقْتَ النِّداءِ لصَلاةِ الجُمُعةِ


الفَرْعُ الأوَّلُ: حُكْمُ البَيْعِ وَقْتَ النِّداءِ الأوَّلِ لصَلاةِ الجُمُعةِ
يَجوزُ البَيْعُ بَعْدَ النِّداءِ الأوَّلِ، وهو مَذْهَبُ الجُمهورِ [1361] قال ابنُ قُدامةَ: (اللهُ تَعالَى أمرَ بِالسَّعيِ، ونَهَى عَنِ البَيعِ بعدَ النَّداءِ، بِقَولِه سُبحانَه: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة: 9] ، والنِّداءُ الَّذي كانَ على عَهدِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هوَ النِّداءُ عَقيبَ جُلوسِ الإمامِ على المِنبَرِ، فتَعَلَّقَ الحُكْمُ بِه دونَ غَيرِه، ولا فرقَ بينَ أن يَكونَ ذلك قَبلَ الزَّوالِ أو بعدَه) ((المغني)) (2/220). : المالِكيَّةِ [1362] ((الكافي)) لابن عبد البر (1/250)، ((الشرح الكبير)) للدردير (1/388). ، والشَّافِعيَّةِ [1363] ((المجموع)) للنووي (4/500)، ((روضة الطالبين)) للنووي (2/47). ، والحَنابِلةِ [1364] ((كشاف القناع)) للبهوتي (3/180)، ((مطالب أولي النهى)) للرحيباني (3/49).
الدَّليلُ مِنَ السُّنَّةِ
عنِ السَّائِبِ بنِ يَزيدَ قال: كانَ النِّداءُ يَومَ الجُمُعةِ أوَّلُه إذا جَلَسَ الإمامُ على المِنبَرِ على عَهدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأبي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ الله عنهُما، فلَمَّا كانَ عُثمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وكَثُرَ النَّاسُ، زادَ النِّداءَ الثَّالِثَ على الزَّوراءِ [1365] أخرجه البخاري (912). قال أبو عَبدِ اللهِ: الزَّوراءُ مَوضِعٌ بالسُّوقِ بالمَدينةِ.
وَجْهُ الدَّلالةِ:
أنَّ النِّداءَ الثَّانيَ هو الَّذي بَينَ يَدَيِ المِنبَرِ؛ لأنَّه الَّذي كانَ على عَهدِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فتَعَلَّقَ الحُكْمُ به، وأمَّا الأوَّلُ فحَدَثَ في زَمَنِ عُثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه [1366] ((المغني)) لابن قدامة (2/220)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (3/180).
الفَرْعُ الثَّاني: حُكْمُ البَيْعِ وَقْتَ النِّداءِ الثَّاني لصَلاةِ الجُمُعةِ
يَحْرُمُ البَيْعُ وَقْتَ النِّداءِ الثَّاني لصَلاةِ الجُمُعةِ.
الأدِلَّةُ:
أوَّلًا: مِنَ الكِتابِ
قَولُه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الجُمُعة: 9]
ثانيًا: مِنَ الإجماعِ
نَقَل الإجْماعَ على ذلك: إسحاقُ بنُ راهَوَيهِ قال ابنُ رَجَبٍ: (حَكَى إسحاقُ بنُ راهَوَيه الإجماعَ على تَحريمِ البَيعِ بعدَ النِّداءِ) ((فتح الباري)) (8/194). ، وابنُ رُشدٍ قال ابنُ رُشدٍ: (إنَّما ورَدَ في الشَّرعِ في وقتِ وُجوبِ المَشيِ إلَى الجُمُعةِ فقَط؛ لِقَولِه تعالى: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة: 9] ، وهَذا أمرٌ مُجْمَعٌ عليه فيما أحسَبُ، "أعني: مَنعَ البَيعِ عِندَ الأذانِ الَّذي يَكونُ بعدَ الزَّوالِ والإمامُ على المِنبَرِ) ((بداية المجتهد)) (3/186). ، وابنُ العَرَبيِّ قال ابنُ العَرَبيِّ: (قَولُه تعالَى: وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجُمُعة: 9]: وهَذا مُجْمَعٌ على العَمَلِ بِه، ولا خِلافَ في تَحريمِ البَيعِ) ((أحكام القرآن)) (4/249). ، والطَّحطاويُّ قال الطَّحطاويُّ: ("ويَجِبُ تَركُ البَيعِ" فيُكرَهُ تَحريمًا مِنَ الطَّرَفَينِ على المَذْهَبِ، وصَحَّ إطلاقُ الحَرامِ عليه... فهذه المَكروهاتُ كُلُّها تَحريميَّةٌ لا نَعلَمُ خِلافًا في الإثمِ بِها) ((حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح)) (ص: 335).
ثالِثًا: لأنَّ فيه إخلالًا بالواجِبِ، وهو السَّعيُ إلى صَلاةِ الجُمُعةِ، بأنْ قَعَدَا للبَيعِ أو وقَفَا له ((تبيين الحقائق)) للزيلعي (4/68).
الفَرْعُ الثَّالثُ: حُكْمُ صِحَّةِ البَيْعِ وَقْتَ النِّداءِ الثَّاني لصَلاةِ الجُمُعةِ
يَصِحُّ البَيْعُ وَقْتَ النِّداءِ الثَّاني لصَلاةِ الجُمُعةِ مع كَونِه يَحْرُمُ يُنظَرُ في حُكمِ تحريمِه: المسألةُ السَّابقةُ. ، وهو مَذهَبُ الحَنَفيَّةِ ((الهداية)) للمَرْغِيناني (3/54)، ((البحر الرائق)) لابن نجيم (2/169). ، والشَّافِعيَّةِ ((المجموع)) للنووي (4/500)، ((روضة الطالبين)) للنَّوَوي (2/47). ، وقَولٌ للمالِكيَّةِ ((بداية المجتهد)) لابن رشد (2/169) ((القوانين الفقهية)) لابن جُزَيٍّ (1/57). ، وروايةٌ عند الحَنابِلةِ ((الإنصاف)) للمرداوي (4/234). ، ونُسِبَ لعامَّةِ أهلِ العِلْمِ قال الزَّمَخشَريُّ: (عامَّةُ العُلَماءِ على أنَّ ذلك لا يوجِبُ فسادَ البَيعِ؛ قالوا: لِأنَّ البَيعَ لَم يُحَرَّمُ لِعَينِه، ولَكِن لِما فيه مِنَ الذُّهولِ عَنِ الواجِبِ، فهوَ كالصَّلاةِ في الأرضِ المَغصوبةِ والثَّوبِ المَغصوبِ، والوُضوءِ بِماءٍ مَغصوبٍ) ((تفسير الزمخشري)) (4/536)، وينظر: ((تفسير القرطبي)) (18/108).
الأدِلَّةُ:
أوَّلًا: مِنَ الكِتابِ
قَولُه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة: 9]
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّ النَّهْيَ لا يختَصُّ بالعَقْدِ، فلم يَمنَعْ صِحَّتَه، كالصَّلاةِ في الأرضِ المغصوبةِ ((المجموع)) للنووي (4/500).
ثانيًا: لأنَّ النَّهيَ عن البَيْعِ ليس نهيًا عنه لذاتِه بل لوَقْتِه ((فتح الباري)) لابن رجب (5/433).
الفَرْعُ الرَّابعُ: حُكْمُ تبايُعِ مَن لا تلزَمُهما الجُمُعةُ عِنْدَ النِّداءِ
لا يَحْرُمُ تبايُعُ مَن لا تلزَمُهما الجُمُعةُ عند النِّداءِ، وذلك باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقْهيَّةِ الأربعةِ: الحَنَفيَّةِ ((حاشية الطحطاوي)) (ص 335)، ((حاشية ابن عابدين)) (5/101). ، والمالِكيَّةِ عِندَ المالِكيَّةِ: المُعتَمَدُ في المَذْهَبِ الكَراهةُ. ((شرح الزرقاني على مختصر خليل)) (2/114)، ((الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي)) (1/386)، ((منح الجليل)) لعُلَيش (1/446). ، والشَّافِعيَّةِ ((المجموع)) للنووي (4/500)، ((حاشيتا قليوبي وعميرة)) (1/335). ، والحَنابِلةِ ((الإنصاف)) للمرداوي (4/234)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (3/180).
أوَّلًا: مِنَ الكِتابِ
قَولُه تعالى: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة: 9]
وَجْهُ الدَّلالةِ:
أنَّ اللهَ تعالى إنَّما نَهى عنِ البَيعِ مَن أمَرَه بالسَّعْيِ، فغَيرُ المُخاطَبِ بالسَّعْيِ لا يَتناوَلُه النَّهيُ ((المغني)) لابن قدامة (2/220)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (3/180).
ثانيًا: لأنَّ تَحريمَ البَيعِ مُعَلَّلٌ بما يَحصُلُ به مِنَ الِاشتِغالِ عنِ الجُمُعةِ، وهَذا مَعدومٌ في حَقِّهم ((المغني)) لابن قدامة (2/220).

انظر أيضا: