الموسوعة الفقهية

المَبحَثُ الثَّالِثُ: صِلةُ الرَّحِمِ الكافِرةِ


تجوزُ صِلةُ الرَّحِمِ الكافِرةِ، وذلك باتِّفاقِ المذاهِبِ الفِقهيَّةِ الأربَعةِ: الحَنَفيَّةِ [1348]   ((البحر الرائق)) لابن نجيم (8/232)، ((الفتاوى الهندية)) (5/347). ، والمالِكيَّةِ [1349]   نصَّ المالِكيَّةُ على أنَّ صِلةَ الكُفَّارِ الواجبةِ مُنحَصِرةٌ في الوالِدَينِ، أمَّا غيرُ الوالِدَينِ من القراباتِ، فظاهِرُ كلامِهم الجوازُ، ما لم يؤَدِّ إلى مودَّتِهم. ((الرسالة)) للقيرواني (ص: 153)، ((حاشية العدوي على كافية الطالب الرباني)) (2/427). ويُنظر: ((الفواكه الدواني)) للنفراوي (2/292، 293). ، والشَّافِعيَّةِ [1350]   قال الشَّافِعيَّةُ: تجِبُ صِلةُ الوالِدَينِ، وتُسَنُّ صِلةُ الأقارِبِ، لكِنْ إذا وصَلَهم يحرُمُ عليه قَطعُها بعد ذلك، ولم يُفَرِّقوا بين المسلمِ والكافرِ. ((المجموع)) للنووي (6/241)، ((نهاية المحتاج للرملي مع حاشية الشرواني)) (6/313، 314)، ((أسنى المطالب)) لزكريا الأنصاري (4/446)، ((حاشية البجيرمي على شرح المنهج)) (1/501). ويُنظر: ((الحاوي الكبير)) للماوردي (3/393). ، والحَنابِلةِ [1351]   أجاز الحَنابِلةُ الوصيَّةَ والصَّدَقةَ مِن المسلِمِ للكافِرِ، وهذا نوعٌ من البِرِّ والصِّلةِ. ((الإنصاف)) للمرداوي (3/190)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (4/353)، ((مطالب أولي النهى)) للرحيباني (2/163).
الأدِلَّةُ:
أوَّلًا: مِنَ الكِتابِ
قَولُه تعالى: لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الممتحنة: 8، 9]
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ اللهَ تعالى لم ينهَنَا عن بِرِّ وصِلةِ الكُفَّارِ غيرِ المحارِبينَ، يستوي في ذلك الأقارِبُ وغَيرُهم [1352]   ((تفسير السعدي)) (ص: 856).
ثانيًا: مِنَ السُّنَّةِ
1- عن أسماءَ رَضِيَ اللهُ عنها قالت: ((أتَتْني أمِّي راغبةً، في عَهدِ رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فسألتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أصِلُها؟ قال: نعم )) [1353]   أخرجه البخاري (2620)، ومسلم (1003).
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أذِنَ لأسماءَ أن تَصِلَ أمَّها، ولم تكنْ مسلمةً [1354]   ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (7/89)، ((عون المعبود)) للعظيم آبادي (5/59).
2- عن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رضي الله عنه: ((أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رأى حُلَّةَ سِيَراءَ [1355]   حُلَّةَ سِيَراءَ: أي: ثَوبًا مُخطَّطًا بالحريرِ، وقيل: إنَّها حريرٌ مَحضٌ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (14/ 38)، ((الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم)) للهرري (21/ 319). -يعني: تباعُ عند بابِ المسجدِ- فقال: يا رَسولَ اللهِ، لو اشتريتَ هذه فلَبِسْتَها يومَ الجُمُعةِ وللوَفدِ إذا قَدِموا عليك! فقال رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّما يَلبَسُ هذه مَن لا خلاقَ له في الآخِرةِ. ثمَّ جاءت رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم منها حُلَلٌ، فأعطى عُمَرَ حُلَّةً، فقال عُمَرُ: كَسَوْتَنيها يا رَسولَ اللهِ، وقد قُلْتَ في حُلَّةِ عُطارِدٍ ما قُلْتَ؟! فقال رَسولُ اللهِ: إنِّي لم أكْسُكَها لِتَلْبَسَها، فكساها عُمَرُ أخًا له مُشرِكًا بمكَّةَ )) [1356]   أخرجه البخاري (886)، ومسلم (2068).
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه وَصَل بالحُلَّةِ مُشرِكًا، وهذا دليلٌ على جَوازِ صِلةِ غيرِ المسلِمِ [1357]   ((التمهيد)) لابن عبد البر (14،262)، ((المُعْلِم بفوائد مسلم)) للمازَري (3/129).


انظر أيضا: