trial

الموسوعة الفقهية

المَطلَبُ الأوَّلُ: إحدادُ المَرأةِ المُسلِمةِ البالِغةِ


يجِبُ الإحدادُ على المرأةِ التي تُوفِّيَ عنها زَوجُها [342]     قال ابنُ قدامة: (لا إحدادَ على غيرِ الزَّوجاتِ، كأمِّ الولَدِ إذا مات سَيِّدُها. قال ابنُ المنذِرِ: لا أعلَمُهم يختَلِفون في ذلك. وكذلك الأمَةُ التي يطَؤُها سَيِّدُها إذا مات عنها، ولا الموطوءةُ بشُبهةٍ، والمَزنيُّ بها). ((المغني)) (8/155). .
الأدِلَّةُ:
أوَّلًا: مِنَ السُّنَّةِ
1- عَنْ أمِّ حَبيبةَ زَوجِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالت: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((لا يَحِلُّ لامرأةٍ تُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ تُحِدُّ على مَيِّتٍ فَوقَ ثلاثٍ إلَّا على زَوجٍ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا )) [343]     أخرجه البخاري (1281) واللفظ له، ومسلم (1486). .
وَجهُ الدَّلالةِ:
الحديثُ نَصٌّ في وُجوبِ إحدادِ الزَّوجةِ على الزَّوجِ المُتوَفَّى: أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا [344]     ((شرح النووي على مسلم)) (10/112). .
2 - عن أمِّ سَلَمةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالت: ((جاءت امرأةٌ إلى رَسولِ اللَّه صلَّى الله عليه وسلَّم، فقالت: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ ابنَتي تُوفِّيَ عنها زَوجُها وقد اشتَكَت عَينَها، أفتَكْحُلُها؟ فقال رَسولُ اللَّه صلَّى الله عليه وسلَّم: لا -مرَّتينِ أو ثلاثًا- كلُّ ذلك يقولُ: لا، ثمَّ قال رَسولُ الله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم: إنَّما هي أربعةُ أشهُرٍ وعَشرٌ، وقد كانت إحداكُنَّ في الجاهليَّةِ تَرمي بالبَعَرةِ على رأسِ الحَولِ [345]     معنى تَرمي بالبَعرةِ على رأسِ الحَولِ: أنَّه كان من عاداتِ الجاهليَّةِ: أنَّ المرأةَ إذا تُوفِّيَ عنها زوجُها دخلت بيتًا ضَيِّقًا، ولَبِسَت شَرَّ ثيابِها، ولم تَمَسَّ طِيبًا ولا شيئًا فيه زينةٌ حتى تمُرَّ عليها سَنةٌ، ثمَّ يؤتى بدابَّةٍ؛ حمارٍ أو شاةٍ أو طيرٍ، فتَكسِرُ بها ما كانت فيه مِنَ العِدَّة؛ بأن تمسَحَ بها قُبُلَها، ثم تخرُجُ فتُعطى بَعَرةً فترمي بها، وتنقَطِعُ بذلك عِدَّتُها! يُنظر: ((صحيح مسلم)) رقم الحديث (1489)، ((تحفة الأبرار)) للبيضاوي (2/413). !)) [346]     أخرجه البخاري (5336)، ومسلم (1488). .
وَجهُ الدَّلالةِ:
في قَولِه: ((لا، إنَّما هي أربعةُ أشهُرٍ وعَشرٌ)) دَلالةٌ على وُجوبِ الإحدادِ والامتِناعِ مِنَ الزِّينةِ [347]     ((إكمال المُعْلِم بفوائد مسلم)) للقاضي عياض (5/68). .
ثانيًا: مِنَ الإجماعِ
نَقَل الإجماعَ على ذلك [348]     خالف في ذلك الحَسَنُ البَصريُّ، والشَّعبيُّ، وخِلافُهما شاذٌّ لا يَنقُضُ الإجماعَ. قال ابنُ قدامة عن قول الحسن: (فإنه قال: لا يجِبُ الإحدادُ. وهو قولٌ شَذَّ به عن أهلِ العِلمِ وخالف به السُّنَّةَ، فلا يُعَرَّجُ عليه). ((المغني)) (8/154). وقال الماوردي: (فأما المُعتَدَّةُ التي يجِبُ الإحدادُ عليها فالمُتوَفَّى عنها زوجُها، ويجِبُ الإحدادُ عليها، قاله جميعُ الفقهاء إلَّا ما حُكِيَ عن الحسن البصري والشعبي: أنَّ الإحدادَ غيرُ واجبٍ عليها). ((الحاوي الكبير)) (11/273). وقال القرطبي: (قال ابنُ المنذِرِ: كان الحسَنُ البصريُّ مِن بين سائر أهلِ العِلمِ لا يرى الإحدادَ، وقال: المُطَلَّقةُ ثلاثًا والمُتوَفَّى عنها زَوجُها تكتَحِلانِ وتَختَضِبانِ وتصنعانِ ما شاءا. وقد ثبتت الأخبارُ عن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالإحدادِ، وليس لأحدٍ بلغَتْه إلَّا التسليمُ، ولعَلَّ الحسَنَ لم تبلُغْه، أو بلَغَتْه فتأوَّلها بحديثِ أسماءَ بنتِ عُمَيسٍ: أنَّها استأذنت النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن تُحِدَّ على جَعفرٍ وهى امرأتُه، فأذِنَ لها ثلاثةَ أيامٍ ثمَّ بعث إليها بعد ثلاثةِ أيامٍ: أنْ تطَهَّري واكتَحِلي. قال ابنُ المنذِرِ: وقد دفع أهلُ العِلمِ هذا الحديثَ بوجوهٍ، وكان أحمد بن حنبل يقول: هذا الشاذُّ مِنَ الحديثِ لا يؤخَذُ به). ((تفسير القرطبي)) (3/181). وقال النووي: (حكى القاضي قولًا عن الحسن البصري أنَّه لا يجِبُ الإحدادُ على المُطَلَّقةِ ولا على المُتوَفَّى عنها، وهذا شاذٌّ غريبٌ). ((شرح صحيح مسلم)) (10/112). : الماوَرديُّ [349]     قال الماوردي: (فأمَّا المُعتَدَّةُ التي يجِبُ الإحدادُ عليها فالمُتوَفَّى عنها زوجُها، ويجِبُ الإحدادُ عليها، قاله جميعُ الفُقَهاءِ إلَّا ما حُكِيَ عن الحسن البصري والشعبي: أنَّ الإحدادَ غيرُ واجبٍ عليها). ((الحاوي الكبير)) (11/273). ، وابنُ عبدِ البَرِّ [350]     قال ابنُ عبدِ البَرِّ: (أجمعوا أنَّ الإحدادَ واجِبٌ على ما ذكَرْنا إلَّا الحسن البصري؛ فإنَّه قال: ليس الإحدادُ بواجِبٍ). ((التمهيد)) (17/321). ، وابنُ العَربيِّ [351]     قال ابنُ العربي: (الإحدادُ فَرضٌ على المُتوَفَّى بإجماعٍ مِنَ الأمَّةِ). ((عارضة الأحوذي)) (5/138). ، وابنُ رُشدٍ [352]     قال ابنُ رشد: (أجمع المسلِمونَ على أنَّ الإحدادَ واجِبٌ على النِّساءِ الحرائرِ المسلِماتِ في عِدَّةِ الوفاةِ، إلَّا الحَسَنَ وَحْدَه). ((بداية المجتهد)) (3/141). ، وابنُ قُدامةَ [353]     قال ابنُ قدامة: (هذا يُسمَّى الإحدادَ، ولا نعلَمُ بين أهلِ العِلمِ خِلافًا في وُجوبِه على المُتوَفَّى عنها زَوجُها، إلَّا عن الحسَنِ). ((المغني)) (8/154). ، والقُرطبيُّ [354]     قال القرطبي: (أجمع النَّاسُ على وجوبِ الإحدادِ على المُتوَفَّى عنها زَوجُها، إلَّا الحسنَ؛ فإنَّه قال: ليس بواجِبٍ). ((تفسير القرطبي)) (3/181). ، والنَّوويُّ [355]     قال النووي: («لا يحِلُّ لامرأةٍ تؤمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ تُحِدُّ على مَيِّتٍ فوقَ ثلاثٍ إلَّا على زَوجٍ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا»: فيه دَليلٌ على وُجوبِ الإحدادِ على المُعتَدَّةِ مِن وفاةِ زَوجِها، وهو مُجمَعٌ عليه في الجُملةِ، وإن اختلفوا في تفصيلِه). ((شرح صحيح مسلم)) (10/112). ، وابنُ القَيِّمِ [356]     قال ابنُ القيم: (فالإحدادُ على الزَّوجِ عزيمةٌ، وعلى غَيرِه رُخصةٌ، وأجمعت الأمَّةُ على وُجوبِه على المُتوَفَّى عنها زَوجُها، إلَّا ما حُكِيَ عن الحَسَنِ والحَكَمِ بنِ عُتَيبةَ). ((زاد المعاد)) (5/618). .

انظر أيضا: