الموسوعة الفقهية

الفرع الثَّالث: الصَّيْدُ بدَلالةِ المُحْرِمِ وإشارتِه


يَحْرُمُ على المُحْرِمِ الدَّلالةُ أوِ الإشارةُ [49] قال الزَّيْلعيُّ: (والفرقُ بيْن الإشارةِ والدَّلالةِ: أنَّ الإشارةَ تَقتَضي الحضرةَ، والدَّلالةُ تَقتَضي الغَيبةَ). ((تبيين الحقائق)) (2/12). أوِ الإعانةُ على قتْلِ الصَّيْدِ، وذلك باتِّفاقِ المذاهبِ الفِقهيَّةِ الأربعةِ [50] وقد اختَلَفوا في هذه الحالةِ: هل عليه الجَزاءُ أمْ لا؟ وهل يأكلُ منه أمْ لا؟. : الحَنَفيَّةِ [51] ((تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق )) للزَّيْلعي (2/12)، ((البحر الرائق شرح كنز الدقائق)) لابن نُجَيْم (2/348)، ويُنظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (2/197). ، والمالِكيَّةِ [52] ((التاج والإكليل)) للموَّاق (3/176)، ((مواهب الجليل)) للحَطَّاب (4/259). ، والشَّافعيَّةِ [53] ((المجموع)) للنَّووي (7/324)، ((تحفة المحتاج)) للهَيْتَمي (4/186)، ((الغرر البهية)) لزكريا الأنصاري (2/363). ، والحنابلةِ [54] ((الإقناع)) للحَجَّاوي (1/360)، ((شرح منتهى الإرادات)) للبُهُوتي (1/543)، ويُنظر: ((المغني)) لابن قُدامةَ (3/288).
الأدلَّة:
أولًا: مِنَ السُّنَّةِ
1- عن عبدِ اللهِ بنِ أبي قَتادةَ السُّلَميِّ، عن أبيه رضيَ اللهُ عنه، قال: ((كنتُ يومًا جالِسًا مع رجالٍ من أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في منزِلٍ، في طريقِ مكَّةَ، ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ نازِلٌ أمامَنا، والقَومُ مُحْرِمون، وأنا غيرُ مُحْرِمٍ، فأَبْصَروا حِمارًا وَحْشِيًّا، وأنا مشغولٌ أَخْصِفُ نَعْلي، فلَمْ يُؤْذِنوني بهِ، وأَحَبُّوا لو أنِّي أَبصَرْتُه... )) [55] أخرجه البخاري (2570)، ومسلم (1196).
وجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ هذا يَدُلُّ على أنَّهُمُ اعتَقَدوا تحريمَ الدَّلالةِ عليهِ [56] ((المغني)) لابن قُدامةَ (3/288).
2- عن عبدِ اللهِ بنِ أبي قَتادةَ، ((أنَّ أَباه أَخبَرَه، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ خَرَج حاجًّا، فخَرَجوا معه، فصَرَف طائفةً منهم فيهم أبو قَتادةَ، فقال: خُذوا ساحلَ البحرِ حتَّى نَلتَقيَ. فأَخَذوا ساحلَ البحرِ، فلمَّا انصَرَفوا، أَحرَموا كلُّهُم، إلَّا أبو قَتادةَ لم يُحْرِمْ، فبيْنما هُم يَسيرون إذْ رأوْا حُمُرَ وَحْشٍ، فحَمَل أبو قَتادةَ على الحُمُرِ، فعَقَر منها أتانًا، فنَزَلوا فأَكَلوا مِن لحْمِها، وقالوا: أَنأْكُلُ لحمَ صَيْدٍ ونحن مُحْرِمون؟ فحَمَلْنا ما بَقيَ مِن لحمِ الأتانِ. فلمَّا أَتَوْا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالوا: يا رسولَ اللهِ، إنَّا كنَّا أَحْرَمْنا، وقد كان أبو قَتادةَ لم يُحْرِمْ، فرَأَيْنا حُمُرَ وَحْشٍ، فحَمَل عليها أبو قَتادةَ، فعَقَر منها أتانًا، فنَزَلْنا، فأَكَلْنا مِن لحمِها، ثُمَّ قُلْنا: أَنأْكُلُ لحمَ صَيْدٍ ونحن مُحْرِمون؟ فحَمَلْنا ما بَقيَ مِن لحمِها، قال: أمِنكُم أَحَدٌ أَمَرَه أنْ يَحْمِلَ عليها، أو أشار إليها؟، قالوا: لا، قال: فكُلوا ما بَقيَ مِن لحمِها )) [57] أخرجه البخاري (1824)، ومسلم (1196).
وجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ سؤالَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لهم: ((هَلْ مِنكُم أَحَدٌ أَمَرَه أنْ يَحْمِلَ عليها، أو أشارَ إليها؟)) يَدُلُّ على تعلُّقِ التَّحريمِ بذلك لو وُجِدَ منهم [58] ((المغني)) لابن قُدامةَ (3/288). وكذا لا يَحِلُّ له الإعانةُ على قَتْلِه؛ لأنَّ الإعانةَ فَوقَ الدَّلالَةِ والإشارةِ، وتحريمُ الأَدْنَى تحريمُ الأعلَى مِن طريقِ الأَوْلى [59] ((بدائع الصنائع)) للكاساني (2/197).
ثانيًا: أنَّه تَسبَّبَ إلى مُحرَّمٍ عليهِ؛ فحَرُمَ، كنَصْبِه الأُحْبُولَةَ للصَّيْدِ [60] ((المغني)) لابن قُدامةَ (3/288).
ثالثًا: أنَّ الدَّلالةَ والإشارةَ سببٌ إلى القتلِ، وتحريمُ الشَّيْءِ تحريمٌ لأسبابِه [61] ((بدائع الصنائع)) للكاساني (2/197).
رابعًا: أنَّ ما حَرُمَ قَتْلُه حَرُمَتِ الإعانةُ على قَتْلِه، كالآدَميِّ [62] ((المجموع)) للنَّووي (7/294).
خامسًا: أنَّ المُحْرِمَ قدِ التَزمَ بالإحرامِ أنْ لا يَتعرَّضَ للصَّيْدِ بما يُزيلُ أَمْنَه، والأمرُ به والإشارةُ إليه يُزيلُ الأمنَ عنه؛ فيَحْرُمُ [63] ((تبيين الحقائق)) للزَّيْلعي (2/12).

انظر أيضا: