الموسوعة الفقهية

المطلب الثالث: مُضيُّ الحَوْلِ


الفرع الأوَّل: اشتراطُ مرورِ الحَوْلِ في وجوبِ الزَّكاةِ
يُشتَرَط حَوَلانُ الحَوْلِ المعتبَر شرعًا في الزَّكاة هو الحَوْلُ القَمريُّ، قال القرطبي: (قال الله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا **التوبة: 36** هذه الآية تدلُّ على أنَّ الواجِبَ تعليقُ الأحكامِ مِنَ العباداتِ وغيرِها؛ إنما يكون بالشُّهور والسِّنينَ التي تعرِفُها العَرَب، دون الشُّهورِ التي تعتَبِرُها العَجَم والرُّوم والقِبْط، وإن لم تَزِدْ على اثنَي عَشَرَ شهرًا؛ لأنَّها مختلفةُ الأعدادِ، منها ما يزيد على ثلاثين، ومنها ما ينقُص، وشهورُ العرب لا تَزيد على ثلاثينَ، وإن كان منها ما ينقص). ((تفسير القرطبي)) (8/133). وقال ابنُ تيميَّة: (قال الله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ **البقرة: 189** فأخبر أنَّها مواقيتُ للنَّاس، وهذا عامٌّ في جميعِ أمورهم، وخصَّ الحجَّ بالذكِّر تمييزًا له... فجعل اللهُ الأهلَّةَ مواقيتَ للناس في الأحكام الثابتة بالشرع ابتداءً، أو سببًا من العبادة، وللأحكامِ التي تثبُتُ بشروط العَبدِ. فما ثبت من المؤقتاتِ بشرع أو شرط فالهلالُ ميقاتٌ له، وهذا يدخُلُ فيه الصيام والحجُّ، ومدةُ الإيلاءِ والعدَّة، وصومُ الكفَّارة... وكذلك صوم النذر وغيره. وكذلك الشروط من الأعمال المتعلِّقة بالثَّمن ودَين السَّلَم، والزَّكاة، والجِزية، والعقل، والخيار، والأيمان، وأجَل الصَّداق، ونجومُ الكتابة، والصُّلح عن القِصاص، وسائر ما يُؤجَّلُ منِ دَين وعَقدٍ وغيرهما). ((مجموع الفتاوى)) (25/133، 134). ونقل ابنُ حزمٍ عدمَ الخلاف على ذلك، فقال: (أمَّا قولُنا: أن يكون الحَوْلُ عربيًّا فلا خلاف بين أحدٍ من الأمَّة في أنَّ الحول اثنا عشر شهرًا، وقال الله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ **التوبة: 36**. والأشهُر الحُرُم لا تكون إلا في الشهور العربية، وقال الله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ **البقرة: 189**، وقال الله تعالى: لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ **يونس: 5**، ولا يُعَدُّ بالأهلَّة إلَّا العام العربي؛ فصحَّ أنه لا تجب شريعةٌ مؤقَّتة بالشُّهورِ أو بالحول إلَّا بشهور العرب، والحول العربي). ((المحلى)) (4/76). ، في زكاةِ النَّقْدينِ، والأنعامِ، وعُرُوضِ التِّجارة.
الأدلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الآثارِ
1- عن عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّه قال: (ليس في المالِ زكاةٌ حتى يحولَ عليه الحَوْلُ ) أخرجه أحمد (1265)، وعبد الرزاق في ((المصنف)) (7023)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (10214)، والدارقطني (1892). قال ابن حزم في ((المحلى)) (6/39): ثابت، وصحح إسناده أحمد شاكر في تعليقِه على المسند (2/311)، وحسن إسناده ابن باز في ((حاشية بلوغ المرام)) (377).
2- عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: (مَن استفادَ مالًا فلا زكاةَ فيه حتى يحولَ عليه الحَوْلُ عند ربِّه ) رواه الترمذي (632)، وعبد الرزاق في ((المصنف)) (7030)، والدارقطني (1895)،  والبيهقي (4/104) (7572). قال الترمذي: (هذا أصحُّ من حديث عبد الرحمن بن زيد [يعني المرفوع]، وقال البيهقي في ((السنن الصغير)) (2/48): (رُوي من وجهٍ آخَرَ ضعيفٍ مرفوعًا)، وصصحه المباركفوري في ((تحفة الأحوذي)) (3/27)، وصحَّح إسنادَه موقوفًا الألبانيُّ في ((صحيح سنن الترمذي)) (632): وقال: (وهو في حُكم الرفع).
ثانيًا: مِنَ الإجماعِ
نقل الإجماعَ على اشتراطِ مرورِ الحَوْلِ في وجوبِ الزَّكاةِ: ابنُ المُنْذِر قال ابنُ المُنْذِر: (وأجمعوا على أنَّ المالَ إذا حال عليه الحَوْلُ أنَّ الزَّكاةَ تجب فيه). ((الإجماع)) لابن المُنْذِر (ص: 47). وقال أيضًا: (أجمعوا على أنَّ الزَّكاة تجب في المال بعد دخول الحَوْلِ، فمن أدَّى ذلك بعد وجوبِه عليه؛ أنَّ ذلك يُجزئ عنه). ((الإجماع)) لابن المُنْذِر (ص: 47). ، وابنُ حزمٍ قال ابنُ حزم: (ولإجماعِ الأمَّة على وجوبها عند الحَوْلِ، ولم يُجمعوا على وجوبِها قبله). ((المحلى)) (4/215) رقم (693). وقال أيضًا: (اتَّفقوا على أنَّ الزَّكاة تتكرَّر في كلِّ مالٍ عند انقضاء كلِّ حول، حاشا الزَّرع والثِّمار؛ فإنهم اتَّفقوا أنْ لا زكاةَ فيها إلَّا مرةً في الدهرِ فقط). ((مراتب الإجماع)) (ص: 38). ، وابنُ عَبدِ البَرِّ قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: (أمَّا زكاة الزرع والثمار والحبوب؛ فيجب أداؤها في حين الحَصادِ والجَذاذِ بعد الدَّرس والذَّرِّ، ويُعتَبَر وجوب ذلك فيمن مات عن زَرعِه أو باعه، أو عن نَخْلِه بالإزهاءِ وبُدُوِّ الصَّلاحِ في التَّمر، وبالاستحصادِ واليبس والاستغناء عن الماء في الزَّرع، وهذا إجماع من العلماء لا خلاف فيه إلَّا شذوذٌ. وأمَّا زكاة الإبل والبقر والغَنَم فتجب أيضًا بتمامِ استكمال الحولِ والنِّصاب، وعلى هذا جماعةُ العلماء إلَّا ما رُوي عن مالكٍ أنه قال: إنما تجب بمرورِ الساعي مع تمام الحَوْلِ، وهذا معناه عند أهل الفهم أنَّ الساعيَ كان لا يَخرُج إلَّا بعد تمامِ مرور الحَوْل، فكان علامةً لاستكمالِ الحَوْل. وأمَّا الذهب والورِق فلا تجب الزَّكاةُ في شيءٍ منها إلَّا بعد تمام الحَوْلِ أيضًا، وعلى هذا جمهورُ العلماء، والخلافُ فيه شذوذ لا أعلَمُه إلا شيءٌ رُوي عن ابنِ عبَّاس ومعاوية؛ أنهما قالا: مَن مَلَك النِّصاب من الذَّهَب والورِق وجَبَت عليه الزَّكاة في الوقت، وهذا قولٌ لم يعرِّج عليه أحدٌ مِنَ العلماء، ولا قال به أحدٌ من أئمَّة الفتوى إلَّا رواية عن الأوزاعي) ((التمهيد)) (20/155). ، وابنُ رُشد قال ابنُ رشد: (وأمَّا وقتُ الزَّكاةِ؛ فإنَّ جمهورَ الفُقهاءِ يشترطون في وجوبِ الزَّكاة في الذَّهَب والفِضَّة والماشية الحَوْلَ؛ لثبوت ذلك عن الخلفاء الأربعة، ولانتشاره في الصَّحابة رَضِيَ اللهُ عنهم، ولانتشارِ العَمَل به، ولاعتقادِهم أنَّ مِثلَ هذا الانتشارِ من غير خلاف، ولا يجوز أن يكون إلَّا عن توقيفٍ. وقد رُوي مرفوعًا من حديثِ ابنِ عُمَرَ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال: ((لا زكاةَ في مالٍ حتى يحولَ عليه الحَوْلُ))، وهذا مُجمَع عليه عند فقهاء الأمصار). ((بداية المجتهد)) (1/270). ، وابنُ قُدامةَ قال ابنُ قدامة: (فإنَّ الأموالَ الزكاتيَّة خمسةٌ: السَّائمةُ من بهيمةِ الأنعامِ، والأثمانُ؛ وهي الذهب والفضَّة، وقِيَمُ عُروضِ التِّجارة، وهذه الثلاثة الحَوْلُ شرطٌ في وجوبِ زكاتِها. لا نعلم فيه خلافًا). ((المغني)) (2/467). ، ووُصِفَ القولُ بعدمِ اشتراطِه بالشُّذوذِ ((التمهيد)) لابن عبدِ البَرِّ (20/155)، ((بداية المجتهد)) لابن رشد (1/270)، ((المجموع)) للنووي (5/361).
مسألة: إذا ادَّعى أنَّه لم يَحُلْ عليه الحولُ 
صاحبُ المالِ مُصدَّقٌ إذا ادَّعى أنَّه لم يَحُلْ عليه الحولُ، أو أنَّه أدَّى الزَّكاةَ، إلَّا إذا كان متَّهمًا.
الدَّليلُ مِنَ الإجماعِ:  
نقلَ الإجماعَ على ذلك ابنُ عبدِ البَرِّ [185] قال ابن عبد البَرِّ: (وقد أجمع العُلماء على أنَّه مُصدَّق فيما يدَّعيه من نُقصان الحول إذا قال لهم: لم أستفدْ هذا المالَ إلَّا منذ أشهر، ولم يحُلْ عليَّ فيه حولٌ، وكذلك إذا قال: قد أديتُ، لم يُحلَّف، إلَّا أن يُتَّهم). ((الاستذكار)) (3/166).
الفرع الثاني: إذا تعسَّر الحَوْلُ القَمَريُّ
 إذا تعسَّر مراعاةُ الحَوْلِ القَمريِّ- بسببِ ربْط ميزانيَّة الشَّرِكة أو المؤسَّسة بالسَّنةِ الشَّمسيَّة- فإنَّه يجوزُ مراعاةُ السَّنة الشمسيَّة، وتزدادُ النِّسبةُ المذكورةُ بنسبة عددِ الأيَّامِ التي تزيد بها السَّنةُ الشَّمسيَّة على القمريَّةِ، فتكون النِّسبةُ عندئذ (2.577 في المائة)، وبهذا صدرَ قرارُ نَدَوات قضايا الزَّكاةِ المعاصِرةِ ((أحكام وفتاوى الزَّكاة والنذور والكفارات)) - بيت الزَّكاة الكويتي (ص 20).
الفرع الثالث: المالُ المستفادُ أثناءَ الحَوْل 
المسألة الأولى: تعريفُ المالِ المُستفادِ
المالُ المُستفادُ: هو المالُ الذي يدخُلُ في مِلكيَّة الشَّخصِ بعد أنْ لم يكنْ، سواءٌ كان من النَّقْدَين، أو من العَقارِ، أو من النَّعَمِ، أو غير ذلك، وهو يشمَلُ الدَّخلَ المنتظِمَ للإنسانِ مِن راتبٍ أو أجْرٍ، كما يشمَلُ المكافآتِ والأرباحَ العارضةَ، والهباتِ والإرثَ، ونحوَ ذلك ((فقه الزَّكاة)) للقرضاوي (1/164).
المسألة الثانية: حُكمُ زكاةِ المالِ المُستفادِ
أوَّلًا: إذا كان المالُ المُستفادُ نِصابًا أو بلغ ما معه بالمُستفادِ نِصابًا
إذا كان المالُ المُستفادُ نِصابًا ولا مال له سواه، أو كان له مالٌ مِن جِنْسِه لا يبلغُ نِصابًا فبَلَغَ بالمستفاد ِنِصابًا، فهذا ينعقِدُ عليه الحَوْلُ مِن هذا الوقتِ، فإذا تمَّ الحَوْلُ وَجَبَت الزَّكاةُ فيه ((المغني)) لابن قدامة (2/467).
الأدلَّة:
أوَّلًا: من السُّنَّة
عن أبي سعيدٍ الخدريِّ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ((ليس فيما دون خَمْسِ أواقٍ صدقةٌ، وليس فيما دون خمْسِ ذَودٍ صدقةٌ، وليس فيما دون خمْسِ أوسُقٍ صدقةٌ )) رواه البخاري (1405)، ومسلم (979).
وجه الدَّلالة:
أنَّه قبل أن يستفيدَ المالَ لم يملِكْ نِصابًا، فلم تجِبْ عليه الزَّكاةُ، فإذا استفاد المالَ، وبلغ مالُه نِصابًا؛ فإنَّها تجِبُ عليه الزَّكاة حينئذٍ، ويبدأ انعقادُ حَولِه.
ثانيًا: مِنَ الإجماعِ
نقَلَ الإجماعَ على ذلك: ابنُ المُنْذِر قال ابنُ المُنْذِر: (أجمع كلُّ مَن نحفظ عنه من أهل العِلم على أنَّ الرجل إذا استفاد مالًا ممَّا يُعتَبَر له الحَوْل، ولا مالَ له سواه، وكان نِصابًا، أو كان له مالٌ مِن جِنْسِه لا يبلغ نِصابًا فبلغ بالمستفادِ نِصابًا، انعقد عليه حولُ الزَّكاةِ مِن حينئذٍ، فإذا تمَّ الحَوْلُ وجبت عليه الزَّكاة). ((الإشراف)) (3/53). وابنُ رُشْدٍ قال ابنُ رُشْدٍ: (فإنَّهم أجمعوا على أنَّ المالَ إذا كان أقلَّ من نِصابٍ واستُفيدَ إليه مالٌ مِن غيرِ ربحِه، يَكْمُلُ من مجموعِهما نِصَابٌ: أنَّه يستقبلُ به الحَوْلَ مِن يومِ كَمُل). ((بداية المجتهد)) (1/271).
ثانيًا: أن يملِكَ نِصابًا مِن غيرِ المالِ المُستفادِ
فهذا المالُ المُستفادُ له ثلاثُ صُوَرٍ:
الصورةُ الأولى: أن يكونَ المالُ المستفادُ مِن نَماءِ المالِ الذي معه، كرِبْحِ التِّجارة، ونِتاجِ السَّائمةِ، فهذا يضمُّه إلى أصلِه، ويَعتَبِرُ حولَه حولَ الأصْلِ.
الأدلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الإجماعِ
نقَلَ الإجماعَ على ذلك: ابنُ المُنْذِر قال ابنُ المُنْذِر: (أجمع أهل العِلم أنَّ الرَّجلَ إذا كان عنده نِصابٌ، ويكون المستفادُ مِن نَمائِه كربحِ مالِ التِّجارة ونتائِجِ السائمة، يجب ضمُّه إلى ما عنده مِن أصلِه، فيَعتَبِر حولًا بحَوْلِه). ((الإشراف)) (3/53). والبَغَويُّ قال البغويُّ: (واتَّفقوا على أنَّ النِّتاجَ يُضمُّ إلى الأصلِ في الحَوْلِ، وكذلك حولُ الرِّبحِ يبتني على حولِ الأصلِ في زكاة التِّجارة، فإذا تمَّ حولُ الأصلِ فعليه أن يزكِّيَ عن الكلِّ). ((شرح السنة)) (6/29). ، والكاسانيُّ قال الكاسانيُّ: (فإن كان متفرِّعًا من الأصل أو حاصلًا بسببه، يُضمُّ إلى الأصلِ، ويزكَّى بحولِ الأصلِ بالإجماع). ((بدائع الصنائع)) (2/13). ، وابنُ قُدامةَ قال ابنُ قدامة: (أن يكون المستفادُ مِن نَمائِه كربحِ مال التِّجارة ونِتاجِ السائمة، فهذا يجب ضمُّه إلى ما عندَه من أصله، فيعتبر حَوله بِحَوْلِه. لا نعلمُ فيه خلافًا). ((المغني)) (2/468). ، والقرطبيُّ قال القرطبي: (ولا يُراعى كمالُ النِّصابِ في أوَّل الحَوْل، وإنَّما يُراعى عند آخِرِ الحَوْلِ؛ لاتِّفاقهم أنَّ الرِّبحَ في حُكم الأصلِ). ((تفسير القرطبي)) (8/124). وقال أيضًا: (وكذلك اتَّفقوا أنَّه لو كان له أربعونَ مِنَ الغنم، فتوالدت له رأسَ الحَوْلِ، ثم ماتت الأمهاتُ إلَّا واحدةً منها، وكانت السِّخالُ تتمَّةَ النِّصابِ؛ فإنَّ الزَّكاةَ تخرج عنها) ((تفسير القرطبي)) (8/124). ، والعينيُّ قال العينيُّ: (المستفاد على نوعين؛ الأوَّل: أن يكون مِن جِنْسِه، كما إذا كانت له إبِلٌ فاستفاد إبِلًا في أثناء الحَوْل؛ يضمُّ المستفادَ إلى الذي عنده فيزكِّي عن الجميعِ، والثاني: أن يكون مِن غيرِ جِنْسِه كما إذا كان له إبِلٌ واستفاد بَقَرًا أو غنمًا في أثناء الحَوْلِ، لا يضمُّ إلى الذي عنده بالاتِّفاقِ، بل يُستأنَفُ له نوعٌ آخَرُ. والنوع الأوَّل على نوعين أيضًا؛ أحدهما: أن يكون المستفادُ مِنَ الأصلِ كالأولادِ والأرباحِ؛ فإنَّه يُضَمُّ بالإجماع. والثاني: أن يكون مُستفادًا بسببٍ مقصودٍ؛ كالموروثِ والمشترَى والموهوبِ ونحوها، فإنَّه يُضمُّ عندنا). ((البناية شرح الهداية)) (3/353).
ثانيًا: أنه تبَعٌ له مِن جِنسِه، فأشبَهَ النَّماءَ المتَّصِلَ ((المغني)) لابن قدامة (2/468)، ((حاشية ابن عابدين)) (2/288).
ثالثًا: أنَّه مِن نَماءِ النِّصابِ وفوائِدِه، فلم يتفرَّدَ بالحَوْل ((المجموع)) للنووي (5/370)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (1/378).
رابعًا: أنَّ السَّائمةَ يختلفُ وقتُ وِلادَتِها، فإفرادُ كلٍّ بحولٍ يشقُّ، فجُعِلَت تبعًا لأُمَّاتِها أُمَّات جمع أمٍّ، وتُجمَع أيضًا على أُمَّهاتٍ؛ وقيلَ: الأُمَّهاتُ للنَّاسِ، و (الأُمَّاتُ) للبَهَائِم. انظر: ((الصحاح)) للجوهري (5/1863)، ((تاج العروس)) للزبيدي (31/231)، ((مختار الصحاح)) للرازي (ص: 22). ، كما تَبِعَتْها في المِلْك ((شرح منتهى الإرادات)) للبهوتي (1/395).
خامسًا: أنَّ المستفادَ مِن ربحِ التِّجارة ممَّا يكثُرُ وجودُه؛ لكثرةِ أسبابِه، فيعسُرُ اعتبارُ الحَوْل لكلِّ مُستفادٍ.
سادسًا: أنَّ المسلمينَ مِن عَهدِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يأخذونَ زَكاةَ العُروضِ والسَّائمةِ دونَ السُّؤالِ عن وقتِ حُدوثِ المُستفادِ.
الصورة الثانية: أن يكون المالُ المُستفادُ مِن غيرِ جِنسِ مالِه
إذا كان المالُ المستفادُ مِن غيرِ جِنْسِ المالِ الذي عنده، كأنْ يكونَ مالُه إبلًا فيستفيد ذَهَبًا أو فضَّةً؛ فهذا النَّوعُ لا يُزكَّى عند حَوْلِ الأصلِ، بل ينعقِدُ حَولُه يومَ استفادَتِه إن كانَ نِصابًا، وهذا باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقهيَّة الأربَعةِ: الحنفيَّة ((العناية شرح الهداية)) للعيني (2/195)، ويُنظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (2/13). ، والمالكيَّة (((حاشية الدسوقي)) (1/432)، ويُنظر: (شرح مختصر خليل)) للخرشي (2/149). ، والشافعيَّة ((المجموع)) للنووي (5/365)، ويُنظر: ((الحاوي الكبير)) للماوردي (3/118). ، والحَنابِلَة ((كشاف القناع)) للبُهوتي (2/178)، ويُنظر: ((المغني)) لابن قدامة (2/468). ، وبه قال عامَّةُ أهلِ العِلم قال ابنُ قدامة: (أن يكون المستفادُ مِن غيرِ جِنس ما عنده، فهذا له حُكمُ نفْسِه، لا يُضمُّ إلى ما عنده في حَولٍ ولا نِصاب، بل إنْ كان نِصابًا استقبَلَ به حولًا وزكَّاه، وإلَّا فلا شيءَ فيه. وهذا قولُ جمهور العلماء. ورُوي عن ابن مسعودٍ وابن عباس ومعاوية أنَّ الزَّكاةَ تجب فيه حين استفادَه. قال أحمد عن غيرِ واحدٍ: يزكِّيه حين يستفيدُه. وروى بإسنادِه عن ابن مسعود، قال: كان عبدُ الله يُعطينا ويزكِّيه. وعن الأوزاعي فيمَن باع عبدَه أو دارَه، أنَّه يزكِّي الثَّمَن حين يقع في يدِه إلَّا أن يكونَ له شَهْرٌ يُعلَمُ، فيؤخِّره حتى يزكِّيَه مع ماله. وجمهورُ العلماء على خلافِ هذا القول؛ منهم أبو بكر وعمرُ وعثمانُ وعليٌ رَضِيَ اللهُ عنهم). ((المغني)) (2/468). ، وحُكيَ فيه عدم الخلاف قال الكاسانيُّ: (جملةُ الكلامِ في المستفاد أنَّه لا يخلو إمَّا إن كان مستفادًا في الحَوْل، وإمَّا إن كان مستفادًا بعد الحَوْل، والمستفادُ في الحَوْلِ لا يخلو إمَّا إن كان من جنسِ الأصل، وإمَّا إن كان من خلافِ جِنسِه؛ فإن كان من خلافِ جنْسِه كالإبل مع البقر، والبقر مع الغنم، فإنَّه لا يُضمُّ إلى نِصاب الأصل، بل يستأنِفُ له الحَوْلَ بلا خلافٍ). ((بدائع الصنائع)) (2/13). قال البابرتيُّ: (المستفاد على ضربين: من جنس الأصلِ، ومن خلافِ جنسه، والثاني لا يُضمُّ بالاتِّفاقِ، كما إذا كان له إبلٌ فاستفاد في أثناء الحَوْل بَقَرًا أو غنمًا، وإنما يُستأنَفُ له حولٌ بذاتِه). ((العناية شرح الهداية)) (2/195). قال الخرشيُّ: (ثم إنَّ ضمَّ الفائدةِ للنِّصابِ مقيَّدٌ بما إذا كانت مِن جِنْسِه، أمَّا لو كانت بخلافِ جِنْسِه، كإبل وغنم؛ لكان كلُّ مالٍ على حَولِه اتفاقًا). ((شرح مختصر خليل)) (2/149). قال الدسوقيُّ: (ثم إنَّ ضمَّ الفائدةِ للنِّصابِ مقيَّد بما إذا كانت من جنسه، وأمَّا لو كانت مِن غير جِنسه، كإبلٍ وغَنَمٍ؛ لكان كلٌّ على حَولِه اتِّفاقًا). ((حاشية الدسوقي)) (1/432).
وذلك للآتي:
أوَّلًا: أنَّه قَولُ الخُلَفاءِ الرَّاشدينَ الأربعةِ: أبي بكرٍ، وعُمَرَ، وعثمانَ، وعليٍّ- رَضِيَ اللهُ عنهم أجمعينَ ((المغني)) لابن قدامة (2/468).
ثانيًا: أنَّ المالَ المستفادَ مُخالِفٌ لِمَا عِندَه من المال حقيقةً وحُكمًا، فكان لكلِّ مالٍ نِصابُه الخاصُّ به وحَوْلُه ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/178).
الصورة الثالثة: أن يكون عنده نقودٌ بلَغَتِ النِّصابَ وحالَ عليها الحَوْلُ، واستفاد نقودًا أخرى بلغَتِ النِّصابَ أيضًا، بسببٍ مستقلٍّ، كهبةٍ أو مكافأةِ نهايةِ الخِدمةِ مكافأةُ نهايةِ الخِدمة: هي مبلغ ماليٌّ مقطوعٌ يستحقُّه العامِلُ على ربِّ العَمَل في نهاية خِدمَتِه، بمقتضى القوانينِ والأنظمة، إذا توافَرِتِ الشروط المحدَّدة فيها. ((ندوات قضايا الزَّكاة المعاصرة - الندوة الخامسة)) (ص: 504). ؛ فهذا يزكِّي المالَ الأوَّلَ لحَوْلِه، ويزكِّي المالَ الثَّانيَ لحَوْلِه، وهذا مَذهَبُ الجُمهورِ: المالكيَّة ((منح الجليل شرح مختصر خليل)) لمحمد عليش (2/5)، ((الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي)) (1/432). ، والشافعيَّة ((المجموع)) للنووي (5/367)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (1/379). ، والحَنابِلَة ((شرح منتهى الإرادات)) للبهوتي (1/395)، ويُنظر: ((المغني)) لابن قدامة (2/468).  أمَّا إنْ كان المستفادُ شهريًّا كالرَّواتبِ والإيجاراتِ؛ فله أن يزكِّي جميعَ ما يملِكُه من النقودِ حينما يحولُ الحَوْلُ على أوَّلِ نِصابٍ مَلَكَه منها. ينظر: ((فتاوى اللَّجنة الدَّائمة)) (9/280).
وذلك للآتي:
أوَّلًا: أنَّ الضمَّ في الحَوْلِ: إمَّا لأنَّه متولِّدٌ مِن مالِه، فيَتبَعُه في الحَوْلِ؛ لأنَّه مُلِك بمِلْكِ الأصلِ وتولَّد منه فيَتبَعُه؛ كالسِّخال المستولَدةِ في أثناء الحَوْلِ؛ وإمَّا لأنَّه متفرِّعٌ منه، كرِبْحِ مالِ التِّجارة. والمستفادُ بمِلْكٍ جديدٍ ليس مملوكًا بما مَلَكَ به ما عنده، ولا تفرَّعَ عنه؛ فلم يُضَمَّ إليه في الحَوْلِ ((المجموع)) للنووي (5/367)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (1/379).
ثانيًا: سببُ الضمِّ في النِّصابِ أنَّ كِليهما دخَلَ في ذمَّةٍ واحدةٍ، فصار صاحِبُها بهما غنيًّا، والنِّصابُ يتبَعُ الغِنَى؛ لأنَّ مقصودَه أن يبلُغَ المالُ حدًّا يحتمِلُ المواساةَ، وهو بكثرةِ المال، بخلافِ الحَوْلِ؛ فإنَّ مقصودَه إرفاقُ المالِك ((المجموع)) للنووي (5/367)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (1/379).
الفرع الخامس: التصرُّفُ في المالِ قَبل الحَول
يجوزُ التَّصرُّفُ في المالِ كيفما شاءَ بيعًا أو هِبةً، أو غيرَ ذلك قَبل حلولِ الحَول، ما لم يكُن حيلةً لإسقاط الزَّكاة.
الدَّليلُ مِنَ الإجماعِ:  
نقَلَ الإجماعَ على ذلك ابنُ بطَّالٍ [216] قال ابنُ بطَّال: (أجمع العلماءُ أنَّ للرجُل قبل حلولِ الحول التصرُّفَ في مالِه بالبيع، والهِبة، والذَّبح، إذا لم ينوِ الفرارَ من الصَّدقة). ((شرح صحيح البخاري)) (8/314). وينظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (12/331). ، والقُرطبيُّ [217] قال القرطبيُّ: (أجمع العلماءُ على أنَّ للرجُل قَبل حلول الحول التصرُّفَ في مالِه بالبيع والهِبة، إذا لم ينوِ الفرارَ من الصدقة). ((تفسير القرطبي)) (9/236). ، والعَينيُّ [218] قال العينيُّ: (وقد قام الإجماعُ على جوازِ التصرُّف قبل دخولِ الحولِ كيف شاء). ((عمدة القاري شرح صحيح البخاري)) (24/110).

انظر أيضا: