الموسوعة الفقهية

المَبحَثُ الثالث: حُكمُ صَلاةِ الجُمُعةِ لِمَنْ صَلَّى العِيدَ


اختَلَفَ أهلُ العِلمِ فيمَن صلَّى العيدَ؛ هل تسقُطُ عنه الجُمُعةُ إذا كانَا في يومٍ واحدٍ؛ على قولين:
القولُ الأوَّل: أنَّها لا تَسقُطُ، وهو مذهبُ الجمهور: الحَنَفيَّة ((الدر المختار للحصكفي وحاشية ابن عابدين)) (2/166)، وينظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) للطحاوي (1/346). ، والمالِكيَّة ((منح الجليل)) لعليش (1/ 453)، ويُنظر: ((شرح مختصر خليل)) للخرشي (2/92)، ((الذخيرة)) للقرافي (2/355). ، والشافعيَّة لكن الشافعيَّة يقولون بوجوب الجُمعة على أهل البلد، وسقوطِها عن أهل القرى الذين يَبلُغهم النداء؛ قال النوويُّ: (مذهبنا وجوبُ الجمعة على أهل البلد، وسقوطُها عن أهل القرى، وبه قال عثمانُ بنُ عفَّان، وعمرُ بن عبد العزيز، وجمهورُ العلماء) ((المجموع)) (4/491، 492)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (1/278). ، وبه قال أكثرُ الفُقهاءِ قال ابنُ قُدامَة: (قال أكثرُ الفقهاء: تجِب الجُمعةُ؛ لعمومِ الآية، والأخبارِ الدالَّةِ على وجوبها) ((المغني)) (2/265). ، واختارَه ابنُ المنذرِ قال ابنُ المنذر: (أجمَعَ أهلُ العلم على وجوبِ صلاة الجُمُعة، ودلَّتِ الأخبارُ الثابتة عن رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على أنَّ فرائض الصلوات خمسٌ، وصلاة العيدين ليست من الخَمس، وإذا دلَّ الكتاب والسُّنة والاتِّفاق على وجوبِ صلاة الجمعة، ودلَّت الأخبار عن رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على أنَّ فرائض الصلواتِ الخمسُ، وصلاة العيدين ليست من الخَمس، وإذا دلَّ الكتاب والسُّنة والاتِّفاق على وجوبِ صلاة الجمعة، ودلَّت الأخبار عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على أنَّ صلاةَ العيدِ تطوُّع، لم يَجُزْ تركُ فرضٍ بتطوُّع) ((الأوسط)) (4/334). ، وابنُ حَزمٍ قال ابنُ حزم: (إذا اجتمَع عيدٌ في يوم جُمُعة: صُلِّي للعيد, ثم للجمعة، ولا بدَّ, ولا يصحُّ أثرٌ بخلاف ذلك) ((المحلى)) (3/303). ، وابنُ عبدِ البَرِّ قال ابنُ عبد البَرِّ: (إذا احتمَلَتْ هذه الآثار من التأويل ما ذكَرنا لم يَجُز لمسلمٍ أن يذهب إلى سقوطِ فرض الجمعة عمَّن وجبَتْ عليه؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ **الجمعة: 9** ولم يخصَّ اللهُ ورسوله يومَ عيدٍ من غيره من وجهٍ تجب حُجَّته؛ فكيف بمن ذهب إلى سقوطِ الجمعةِ والظهرِ المجتمَع عليهما في الكتاب والسُّنَّة والإجماعِ بأحاديثَ ليس منها حديثٌ إلَّا وفيه مطعنٌ لأهل العلمِ بالحديثِ؟!... وإنْ كان الإجماعُ في فرضها يُغني عمَّا سواه، والحمد لله) ((التمهيد)) (10/277).
الأدلَّة:
أولًا: من الكِتاب
قال الله تعالى: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعة فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّه [الجُمُعة: 9]
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّه لم يَخُصَّ يومَ عيدٍ من غيرِه ((مختصر اختلاف العلماء)) للطحاوي (1/347).
ثانيًا: مَنَ الآثارِ
قال أبو عُبَيدٍ: ثمَّ شهدتُ مع عُثمانَ بنِ عَفَّانَ، فكان ذلك يومَ الجُمُعةِ، فصلَّى قبْل الخُطبةِ، ثم خطَبَ فقال: يا أيُّها الناسُ، إنَّ هذا يومٌ قد اجتمَعَ لكم فيه عِيدانِ؛ فمَن أحبَّ أن يَنتظِرَ الجُمُعةَ مِن أهلِ العوالي فليَنتظرْ، ومَن أحبَّ أنْ يَرجِع فقدْ أَذِنْتُ له رواه البخاري (5571).
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّه إنَّما خصَّ أهلَ العاليةِ؛ لأنَّه ليس عليهم جُمُعةٌ ((مختصر اختلاف العلماء)) للطحاوي (1/347).
ثالثًا: أنَّ الجُمُعةَ فرضٌ، والعيدَ تطوُّعٌ, والتطوُّعُ لا يُسقِطُ الفَرضَ ((المحلى)) لابن حزم (3/304).
رابعًا: أنَّهما صلاتانِ واجبتانِ، فلمْ تَسقُطْ إحداهما بالأخرى، كالظهرِ مع العِيدِ ((المغني)) لابن قدامة (2/265).
القول الثاني: أنَّه يَسقُطُ وجوبُ حضورِ الجُمُعةِ لِمَن حضَرَ صلاةَ العِيدِ، وإنْ كان يجِبُ على الإمامِ إقامتُها، وهذا مذهبُ الحَنابلةِ ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/40)، ويُنظر: ((المغني)) لابن قدامة (2/265). ، وبه قالتْ طائفةٌ مِن السَّلَفِ قال ابنُ قُدامَة: (وإنِ اتّفق عيد في يوم جمعة، سقَط حضورُ الجمعة عمَّن صلَّى العيد، إلا الإمام؛ فإنَّها لا تسقط عنه إلَّا أن لا يجتمع له مَن يُصلِّي به الجمعة. وقيل: في وجوبها على الإمام رِوايتان، وممَّن قال بسقوطها: الشَّعْبيُّ، والنَّخَعي، والأوزاعي. وقيل: هذا مذهبُ عُمر، وعثمان، وعلي، وسعيد، وابن عمر، وابن عبَّاس، وابن الزبير) ((المغني)) (2/265). ، واختارَه ابنُ تيميَّة قال ابنُ تيميَّة: (إذا وقَع العيد يوم الجُمعة فاجتُزي بالعيد وصلَّى ظهرًا، جاز، إلَّا للإمام، وهو مذهبُ أحمد) ((الاختيارات الفقهية)) (ص: 440). ، وابنُ باز سُئل ابن باز: أفيدونا عن صلاةِ العيد إذا وافقتْ يومَ الجمعة؛ هل تُجزئ عن صلاة الجمعة؟ ج: نعم، إذا وافقتْ صلاة العيد وصلَّى مع الناس صلاةَ العيد لا تلزمه الجمعةُ، كما نصَّ عليه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، لكن يُصلِّي ظهرًا، عليه أنْ يُصلِّي ظهرًا إن تيسَّر جماعة صلَّاها جماعة، وإلا صلاها وَحْدَه، وإنْ صلى الجمعة مع الناس، فهو أفضل، فإذا وافق يومُ الجمعة يومَ العيد، وصار ممَّن حضَر صلاة العيد مع الناس سقطتْ عنه الجمعةُ وصلَّاها ظهرًا، وإنْ صلَّى مع الناسِ الجُمعة؛ فإنَّ الأئمَّة عليهم أن يُقيموا الجمعة، على أهل المساجد أن يُقيموا الجمعة لِمَن حضَر، ومَن لم يصلِّ معهم صلَّى ظهرًا. ((فتاوى نور على الدرب)) (13/354). ، وابنُ عُثيمين قال ابن عثيمين: (إذا صادفَ يومُ الجمعةِ يومَ العيدِ فإنَّه لا بدَّ أن تقام صلاةُ العيد، وتقامَ صلاةُ الجمعةِ، كما كان النبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلامُ يفعل، ثم إنَّ من حضَرَ صلاةَ العيد فإنَّه يُعفَى عنه حضورُ صلاةِ الجُمُعة، ولكنْ لا بدَّ أن يصلِّي الظُّهْرَ؛ لأنَّ الظُّهْرَ فَرْضُ الوقتِ، ولا يمكِنُ تَرْكُها) ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (16/171). ، وحُكِي الإجماعُ على ذلك قال ابنُ تيميَّة: (والقول الثالث- وهو الصَّحيح-: أنَّ من شهِدَ العيدَ سقطَتْ عنه الجمعةُ، لكن على الإمامِ أن يُقيم الجمعةَ؛ ليشهدَها مَن شاء شهودَها ومَن لم يشهَدِ العيدَ. وهذا هو المأثورُ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابِه، كعُمر، وعثمانَ، وابن مسعود، وابن عباس، وابن الزبير، وغيرهم. ولا يُعرَف عن الصحابة في ذلك خلافٌ) ((مجموع الفتاوى)) (24/211).
الأدلَّة:
أولًا: من السُّنَّة
عن إياسِ بنِ أبي رَملةَ الشاميِّ، قال: شهدتُ معاويةَ بنَ أبي سُفيانَ وهو يَسألُ زيدَ بن أرقمَ، قال: أشهدتَ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عِيدَينِ اجتمعَا في يوم؟ قال: نعمْ، قال: فكيفَ صنَعَ؟ قال: صلَّى العِيدَ ثمَّ رخَّصَ في الجُمُعةِ، فقال: ((مَن شاءَ أنْ يُصلِّيَ، فليصلِّ )) رواه أبو داود (1070)، والنسائي (3/194)، وابن ماجه (1310) جوَّد إسنادَه عليُّ بن المَديني كما في ((الاستذكار)) لابن عبد البرِّ (2/373)، وحسَّن إسنادَه النوويُّ في ((الخلاصة)) (2/816)، وصحَّحه أحمد شاكر في تحقيق ((المحلى)) (5/89)، والألبانيُّ في ((صحيح سنن أبي داود)) (1070). لكن قال ابنُ المنذر: (هذا الحديثُ لا يثبُت، وإياسُ بن أبي رملة- راويه عن زيد- مجهولٌ) نقلًا عن ((التلخيص الحبير)) (2/178)، وقال ابنُ خزيمة: (باب الرخصة لبعض الرعية في التخلف عن الجمعة إذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد، إن صح الخبر فإني لا أعرف إياس بن أبي رملة بعدالة ولا جرح) ((صحيح ابن خزيمة)) (2/359)
ثانيًا: أنَّ الجُمُعةَ إنَّما زادتْ عن الظُّهرِ بالخُطبة، وقد حصَل سماعُها في العيدِ، فأجزأَ عن سماعِها ((المغني)) لابن قدامة (2/266).
ثالثًا: أنَّ وقتَ الجُمُعةِ والعِيد واحدٌ عند الحَنابِلَةِ؛ فسقطَتْ إحداهما بالأُخرى، كالجُمُعةِ مع الظُّهرِ ((المغني)) لابن قدامة (2/266).

انظر أيضا: