موسوعة اللغة العربية

المَبحَثُ الثَّاني: ما تُقاسُ عليه الفُصحى


من المتَّفَقِ عليه أنَّ اللُّغةَ العَرَبيَّةَ الفُصحى قد استُمِدَّت من الباديةِ ومن العَرَبِ القُدامى الموثوقِ بهم، الذين لم يأخُذوا هذه اللَّهجةَ إلَّا من القبائِلِ التي يُعرَفُ عنها فصاحتُها وبلاغتُها، وعُلَماءُ المعاجِمِ قد تركوا لنا تسجيلًا للُّغةِ من القبائِلِ التي دَخَل على لُغتِها لغاتٌ أُخرى وأثَّرت فيها، وأيضًا القبائِلِ التي اختلَطَت وعاصَرَت الأُمَمَ الأُخرى، وقواعِدُ اللُّغةِ وطُرُقُ الأداءِ من العوامِلِ المؤثِّرةِ، ومثالٌ على ذلك أهلُ الحَضَرِ؛ فلغةُ قُرَيشٍ أفصَحُ اللُّغاتِ وأبلَغُها؛ وذلك لابتعادِهم عن الاختلاطِ بالأعاجِمِ وببلادِهم، وإن خالطت قُرَيشٌ بعضَ الحَضَرِ، وتأثَّرت ببلادِ الفُرسِ والرُّومِ، لكِنْ كما نعلَمُ أنَّ الحافِظَ الأقوى لِلَهجةِ  قُرَيشٍ هو القرآنُ الكريمُ الذي نزَل بلسانِهم، وهم أفصَحُ العَرَبِ، فلُغةُ قُرَيشٍ قد امتازت وانفرَدت بأنَّها اللُّغةُ التي نُقِلت بها إلينا أخبارُ العَرَبِ وشِعرُهم وخُطَبُهم، وقيل: إنَّ لُغةَ القُرآنِ الكريمِ هي لُغةُ قُرَيشٍ والحِجازِ [127] يُنظر: ((دراسات في فقه اللغة)) لصبحي الصالح (ص: 111) .
فتسَبَّب البُعدُ المكانيُّ للَهجةِ قُرَيشٍ في تفرُّدِها عن باقي اللَّهَجاتِ التي اختلَطَت بممالِكَ أُخرى، وقد نَقَل السُّيوطيُّ قولًا عن أبي نصرٍ الفارابيِّ، قال فيه: (كانت قُرَيشٌ أجوَدَ العَرَبِ انتِقاءً للأفصَحِ منَ الألفاظِ، وأسهَلِها على اللِّسانِ عِندَ النُّطقِ، والذينَ عنهم نُقِلَتِ اللُّغةُ العَرَبيَّةُ، وبِهم اقتُدي، وعَنهم أُخِذَ اللِّسانُ العَرَبيُّ من بَينِ قَبائِلِ العَرَبِ: هم: قَيسٌ وتَميمٌ وأسَدٌ؛ فإنَّ هؤُلاءِ همُ الذينَ عنهم أكثَرُ ما أُخِذَ ومُعظَمُه، وعليهمُ اتُّكِلَ في الغَريبِ، ثمَّ هُذَيلٌ وبَعضُ كِنانةَ وبَعضُ الطَّائيِّينَ، ولم يُؤخَذْ عن غَيرِهم من سائِرِ قَبائِلِهم) [128] ((المزهر في علوم اللغة وأنواعها)) للسيوطي (1/ 167). .
فعِندَ أخذِ اللُّغةِ العَرَبيَّةِ الفُصحى تحتَّم على عُلَماءِ المعاجِمِ توخِّي الحَذَرِ، والأخذُ بمقاييسِ الفُصحى الدَّقيقةِ ومعاييرِها دونَ أن تتسَرَّبَ الألفاظُ الدَّخيلةُ إلى اللُّغةِ العَرَبيَّةِ؛ فإنَّ ذلك قد حَفِظ لها شخصيَّتَها ومكانتَها ومنزِلَتَها بين السَّاميَّاتِ، وهذه العُزلةُ نتَج عنها مُحافَظةُ العَرَبيَّةِ على ظَواهرَ كثيرةٍ؛ أهمُّها: ظاهرةُ الإعرابِ، وأنَّ الحُروفَ تناسِبُ المعانيَ المُرادةَ، وثَباتُ أصَواتِها على سَعةِ مَدْرجِها، وتَنَوُّعُ صَرفِها واشتِقاقِها، وتَعَدُّدُ أبنِيَتِها وصيَغِها، وكَثرةُ مَصادِرِها وجُموعِها، وغِنى مُفرَداتِها بالاشتِراكِ والتَّرادُفِ والتَّضادِّ، واستِعدادُها الذَّاتيُّ للتَّوليدِ والنَّحتِ والتَّعريبِ [129] يُنظر ((دراسات في فقه اللغة)) لصبحي الصالح (ص: 116:115) .

انظر أيضا: