موسوعة اللغة العربية

المَبْحَثُ السَّابعُ: الرُّجوعُ


وهُو: "أنْ يتكلَّمَ الشَّاعرُ أوِ الأدِيبُ بشيءٍ ثمَّ يَرجِعَ عليه بالنَّقضِ لنُكتَةٍ بَلاغيَّة".
فمنه قولُ زُهَيرِ بنِ أبي سُلْمى: البسيط
قفْ بالدِّيار الَّتي لم يَعْفُها القِدَمُ
بَلَى، وغيَّرها الأرْواحُ والدِّيَمُ
فالشَّاعِرُ هنا بعدَ أنْ وقَف أمامَ الدِّيارِ تسلَّطتْ عليه كآبةٌ أذْهلَتْه، فأخبَرَ بما لم يَتحقَّقْ، وهو أنَّ الدِّيارَ باقِيةٌ كما هي لم تَتغيَّرْ، ثمَّ ثاب إليه عقْلُه، وأفاق بعضَ الإفاقَةِ، فتَدارَك كَلامَه السَّابِقَ قائلًا: بلى، عَفاها القِدَمُ، وغيَّرها الأرْواحُ والدِّيَمُ، والدِّيَمُ: جمْعُ دِيمَةٍ، وهِي المَطرُ الَّذي يَدومُ طَويلًا [392] ينظر: ((العين)) للخليل (8/ 86)، ((جمهرة اللغة)) لابن دريد (2/ 685). .
ومنه قولُ أبي نُواسٍ: الرجز
ولِيُّ عهدٍ ما لهُ قَرينُ
ولا له شِبْهٌ ولا خَدينُ
أسْتَغفرُ اللهَ، بلَى هارونُ
يا خيرَ مَنْ كانَ ومَنْ يكونُ
إلَّا النبيُّ المُصْطفَى المَيمونُ
ذلَّت بك الدُّنيا وعزَّ الدِّينُ
فلمَّا تَمدَّحَ أبو نُواسٍ في ولِيِّ عهْدِ هارونَ الرَّشيدِ -وهُو ولَدُه الأمينُ- ذكَر أنَّه لا شَبيهَ له ولا قَرينَ، ثمَّ رجَع عن ذلك لمَّا ظنَّ أنَّه ربما يكونُ ذلك تَعْريضًا بالخَليفةِ الرَّشيدِ، فاسْتَثناه مِن هذا الحكْمِ، ثمَّ أثْبَت أنَّه خيْرُ النَّاسِ جميعًا، مَنْ كان ومَنْ يكونُ، ثمَّ اسْتَثنى منهم النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
ومنه قولُ بشَّارِ بنِ بُرْدٍ: الكامل
نُبِّئتُ فاضِحَ أُمِّه يَغْتابُني
عندَ الأميرِ وهل عليَّ أمِيرُ؟
يَذكُرُ الشَّاعرُ أنَّ رجُلًا مِن قومِه ذكَرَه بسُوءٍ عندَ الأميرِ، ثمَّ يَرجِعُ الشَّاعرُ ويَذكُرُ أنْ ليس على مِثلِه أميرٌ؛ فهُو سيِّدٌ في قومِه، وله كَلمةٌ فيهم، لا قوَّةَ عليه مِن أميرٍ ولا وَزيرٍ.
ومنه قولُ الشَّاعِرِ: الطويل
أليْس قليلًا نَظرةٌ إنْ نظَرتُها
إليكِ وكلَّا ليس منكِ قَليلُ
فالشَّاعِرُ بعدَ أنِ اسْتقلَّ نظْرةً مِن مَحْبوبتِه، فهِي شيءٌ يَسيرٌ قليلٌ هيِّنٌ عليها، رجَع فذكَر أنَّه لا شيءَ منها قَليلٌ، فقَليلُها لا يُقالُ له: قَليلٌ.
وقولُ دُرَيدِ بنِ الصِّمَّةِ: البسيط
عَيْرُ الفوارِسِ مَعْروفٌ بشِكَّتِه
كافٍ إذا لم يكنْ في كَربِه كافي
وقد قتَلْتُ بهِ عَبْسًا وإخْوتَها
حتَّى شُفيتُ وهل قلْبي به شافي
يذكُرُ الشَّاعرُ في البيتِ الثَّاني أنَّه قد قتَل مِن بَني عبْسٍ وحُلفائِهم على فرسِه حتَّى شفَى قلْبَه وغَيْظَه، ثمَّ رجَع فقال: وهل قلْبي به شافي؟ أي: لم يَشفَ بعدُ، وما زال في قلْبِه ضَغِينةٌ لا يُزيلُها إلَّا المَزيدُ مِنَ الدِّماءِ المَسفوكَةِ.
ومنه قولُهم: "ما معَك مِن العقْلِ شيءٌ، بلى مِقدارُ ما تَجبُ الحُجَّةُ به عليك، والنَّارُ لك"؛ فبعدَ أنْ نفَى عنه العقْلَ والفَهْمَ، رجَع فأثْبَت له مِنه شيئًا، وهُو ما تَقومُ به الحُجَّةُ عليه أمامَ ربِّه، ويَقعُ على عاتِقِه به التَّكليفُ، خِلافًا للمَجنونِ [393] ينظر: ((البديع في البديع)) لابن المعتز (ص: 154)، ((الصناعتين: الكتابة والشعر)) لأبي هلال العسكري (ص: 395). .

انظر أيضا: