الموسوعة العقدية

 السُّكُوتُ

يُوصَفُ ربُّنا عزَّ وجلَّ بالسُّكوتِ كما يليقُ به سُبحانَهُ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11]، وهذا ثابتٌ بالسُّنَّةِ الصَّحيحَةِ، وهو صفةٌ فعليَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَشيئَتِه سُبحانَه وتَعالَى.
الدَّليلُ:
عنِ ‌ابنِ ‌َعَّباسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: كان أهلُ الجاهِلِيَّةِ يأكُلونَ أشياءَ ويَتْرُكون أشياءَ تَقَذُّرًا، فبَعَث اللهُ عزَّ وجَلَّ نَبيَّه -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- وأنزل كِتابَه، وأحَلَّ حَلالَه وحَرَّم حرامَه؛ ‌فما ‌أَحَلَّ ‌فهو ‌حلالٌ، وما حَرَّم فهو حرامٌ، وما سَكَت عنه فهو عَفْوٌ، وتلا: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا إلى آخِرِ الآيةِ [الأنعام: 145] [2279] أخرجه أبو داود (3800)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (2/228)، والحاكم (7113). صحح إسناده الحاكم، وابن كثير في ((إرشاد الفقيه)) (1/367)، والألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (3800)، والوادعي في ((الصحيح المسند)) (650)، وشعيب الأرناؤوط في تخريج ((سنن أبي داود)) (3800)، وحسنه النووي في ((المجموع)) (9/25). .
قال ابنُ رَسلانَ في شَرحِ الحديثِ: («وما سَكَتَ عنه» فلم يُبَيِّنْ تحريمَه؛ رحمةً لكم غيرَ نِسيانٍ، «فهو عَفْوٌ» أي: ما أمسَكَ عن ذِكْرِه فلم يُوجِبْ عليكم فيه حُكمًا، فهو مَعْفُوٌّ عنه، أي: عُفِيَ عن الحَرَجِ في أكلِه؛ تسهيلًا عليكم، فيُباحُ لكم أكلُه) [2280] يُنظر: ((شرح سنن أبي داود)) (15/ 423). .
قال ابنُ تَيميَّةَ: (قالَ شَيْخُ الإسلامِ يعني: أبا إسماعيلَ الأَنْصارِيَّ: فطارَ لتِلك الفِتْنَةِ يعني: الَّتي وَقَعَتْ بيْن الْإِمامِ أبي بَكْرِ بنِ خُزَيْمَةَ وأَصْحابِه ذاك الإمامُ أبو بكرٍ، فلم يَزَلْ يَصِيحُ بتشويهِها، ويُصنِّفُ في رَدِّها، كأنَّه مُنذِرُ جَيْشٍ، حتى دُوِّنَ في الدَّفَاتِرِ، وتَمَكَّنَ في السَّرَائِرِ، ولُقِّنَ في الكَتاتِيبِ، ونُقِشَ في المَحاريبِ: إنَّ اللهَ مُتَكَلِّمٌ، إنْ شاءَ تَكَلَّمَ، وإنْ شَاءَ سكَت؛ فَجَزَى اللهُ ذاكَ الإمَامَ وأولئِكَ النَّفَرَ الْغُرَّ عن نُصْرَةِ دِينِه، وتَوقيرِ نبيِّه خَيْرًا، ... ويَقولُ الفُقَهاءُ في دَلالةِ المنطوقِ والمسكوتِ، وهو ما نَطَق به الشَّارعُ -وهو اللهُ ورسولُه- وما سكَت عنه: تارةً تكون دلالةُ السُّكوتِ أَوْلى بالحُكمِ من المنطوقِ، وهو مفهومُ الموافَقَةِ، وتارةً تخالِفُه، وهو مفهومُ المخالَفَةِ، وتارةً تشبِهُه، وهو القياسُ المحضُ.
فثبَت بالسُّنَّةِ والإجماعِ أنَّ اللهَ يُوصَف بالسُّكوتِ، لكنَّ السُّكوتَ يكونُ تارةً عن التكلُّمِ، وتارةً عن إظهارِ الكلامِ وإعلامِه) [2281] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (6/178). .

انظر أيضا: