الموسوعة العقدية

 الحَيَاءُ وَالاسْتِحْيَاءُ

صِفةٌ للهِ عزَّ وجلَّ ثابتةٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ، و(الحَيِيُّ) مِن أسمائِه تعالى.
الدَّليلُ مِن الكِتابِ:
1- قولُه تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا [البقرة: 26] .
2- قولُه تعالى: وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ [الأحزاب: 53] .
قال ابنُ جُزَيٍّ [2025] يُنظر: ((تفسير ابن جزي)) (1/ 77). : (لَا يَسْتَحْيِي تأوَّلَ قومٌ أنَّ معناه لا يَترُكُ؛ لأنَّهم زَعَموا أنَّ الحياءَ مُستحيلٌ على اللهِ؛ لأنَّه عندهم انكِسارٌ يمنَعُ مِن الوقوعِ في أمرٍ. وليس كذلك، وإنَّما هو كَرَمٌ وفضيلةٌ تمنَعُ مِن الوقوعِ فيما يُعابُ، ويَرُدُّ عليهم قولَه صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم: ((إنَّ اللهَ حَيِيٌّ كريمٌ يَستَحْيِي من العبدِ إذا رَفَع إليه يَدَيه أن يَرُدَّهما صِفرًا )) [2026] [ضعيف]
وقال الألوسيُّ: (الآيةُ تُشعِرُ بصِحَّةِ نِسبةِ الحَياءِ إليه تعالى؛ لأنَّه في العُرفِ لا يُسلَبُ الحياءُ إلَّا عَمَّن هو شأنُه، على أنَّ النَّفيَ داخِلٌ على كلامٍ فيه قَيدٌ، فيَرجِعُ إلى القيدِ، فيُفيدُ ثبوتَ أصلِ الفِعلِ أو إمكانَه لا أقَلَّ، وأمَّا في الأحاديثِ فقد صَرَّح بالنِّسبةِ، وللنَّاسِ في ذلك مذهبانِ؛ فبَعضٌ يَقولُ بالتَّأويلِ؛ إذ الانقِباضُ النَّفسانيُّ ممَّا لا يحومُ حولَ حظائرِ قُدْسِه سُبحانَه، فالمرادُ بالحياءِ عِندَه التَّركُ اللَّازِمُ للانقِباضِ، وجُوِّز جَعْلُ ما هنا بخصوصِه من بابِ المقابَلةِ لِما وَقَع في كلامِ الكَفَرةِ، بناءً على ما رُوِيَ أنَّهم قالوا: ما يَسْتَحي ربُّ محمَّدٍ أن يَضرِبَ الأمثالَ بالذُّبابِ والعَنكَبوتِ! وبعضٌ -وأنا والحَمدُ للهِ منهم- لا يَقولُ بالتَّأويلِ، بل يُمِرُّ هذا وأمثالَه ممَّا جاء عنه سُبحانَه في الآياتِ والأحاديثِ على ما جاءت، ويَكِلُ عِلْمَها بعد التَّنزيهِ عَمَّا في الشَّاهِدِ إلى عالمِ الغَيبِ والشَّهادةِ) [2027] يُنظر: ((تفسير الألوسي)) (1/ 208). .
الدَّليلُ من السُّنَّةِ:
1- حديثُ أبي واقدٍ اللَّيثيِّ رَضِيَ اللهُ عنه مرفوعًا: ((... وأمَّا الآخَرُ فاستَحْيَا؛ فاستَحْيَا اللهُ منه، وأمَّا الآخَرُ فأعرَضَ؛ فأعرَضَ اللهُ عنه )) [2028] أخرجه البخاري (66)، ومسلم (1405). .
2- حديثُ سَلْمانَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((... إنَّ ربَّكم حَيِيٌّ كريمٌ، يستحيِي مِن عبدِه إذا رفَعَ إليه يدَيْهِ أن يرُدَّهما صِفرًا خائبتينِ )) [2029] [ضعيف]
وممَّن أثبَت صفةَ الاستحياءِ مِن السَّلَفِ: أبو الحسَنِ مُحمَّدُ بنُ عبدِ الملِكِ الكَرجيُّ، فيما نقَلَه عنه ابنُ تيميَّةَ مُوافِقًا له [2030] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (4/181). .
وقال ابنُ القيِّمِ:
(وَهُو الحَيِيُّ فَلَيْسَ يَفْضَحُ عَبْدَهُ             عِنْدَ التَّجَاهُرِ مِنْهُ بِالعِصْيَانِ
لَكِنَّهُ يُلقِي عَلَيْهِ سَتْرَهُ              فَهُوَ السَّتِيرُ وَصَاحِبُ الغُفْرَانِ) [2031] يُنظر: ((الكافية الشافية)) (3/716). .
قال محمد خليل هرَّاس في شرحِ البيْتَيْن: (حياؤُه تعالى وصفٌ يَليقُ به، ليس كحياءِ المخلوقينَ الَّذي هو تغيُّرٌ وانكِسارٌ يعتري الشَّخصَ عند خوفِ ما يُعابُ أو يُذَمُّ، بل هو تركُ ما ليس يتناسَبُ مع سَعةِ رحمتِه، وكمالِ جُودِه وكرَمِه، وعظيمِ عَفوِه وحِلمِه؛ فالعبدُ يُجاهِرُه بالمعصيةِ مع أنَّه أفقرُ شيءٍ إليه وأضعَفُه لديه، ويستعينُ بنِعمِه على معصيتِه، ولكنَّ الرَّبَّ سُبحانَه مع كمالِ غِناهُ وتمامِ قدرتِه عليه يستحي مِن هَتْكِ سِترِه وفضيحتِه، فيستُرُه بما يُهيِّئُه له مِن أسبابِ السَّترِ، ثمَّ بعد ذلك يعفو عنه ويغفِرُ) [2032] يُنظر: ((شرح القصيدة النونية)) (2/80). .
وقال الأزهريُّ: (قال اللَّيثُ: الحياءُ مِن الاستحياءِ، ممدودٌ... قلتُ: وللعربِ في هذا الحرفِ لغتانِ: يُقال: استحَى فلانٌ يَستحِي، بياءٍ واحدةٍ، واستَحْيَا فلانٌ يستَحْيِي، بياءَيْنِ، والقُرآنُ نزَل باللُّغةِ التَّامَّةَ، يعني الثَّانيةَ) [2033] يُنظر: ((تهذيب اللغة)) (5/288). .
قال ابنُ عُثَيمين في شَرحِه لحديثِ أبي واقدٍ اللَّيثيِّ: (في هذا الحديثِ إثباتُ الحياءِ للهِ عزَّ وجلَّ، ولكنَّه ليس كحياءِ المخلوقينَ، بل هو حياءُ الكمالِ، يَليقُ باللهِ عزَّ وجلَّ، وقد قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ اللهَ حَيِيٌّ كريمٌ))، وقال اللهُ تعالى: وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ [الأحزاب: 53] ، واللهُ سُبحانَه وتعالى يوصَفُ بهذه الصِّفةِ، لكنْ ليس مِثْلَ المخلوقينَ) [2034] يُنظر: ((شرح رياض الصالحين)) (5/535). .
وعلَّقَ البرَّاكُ على تأويلِ ابنِ حجَرٍ لهذه الصِّفةِ في (فتحِ الباري) بقَولِه: (القولُ في الاستحياءِ والإعراضِ كالقَولِ في سائرِ ما أثبَته اللهُ عزَّ وجلَّ لنَفْسِه، وأثبَته له رسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن الصِّفاتِ، والواجبُ في جميعِ ذلك هو الإثباتُ مع نفيِ مماثلةِ المخلوقاتِ) [2035] يُنظر: ((فتح الباري)) (1/157). .
وقد أقرَّ ابنُ باز تَعليقَ عليٍّ الشِّبلِ في قَولِه تَعقيبًا على تأويلِ ابنِ حجَرٍ: (يوصَفُ ربُّنا سُبحانَه وتعالى بالاستِحياءِ والإعراضِ -كما في النُّصوصِ الشَّرعيَّةِ- على وجهٍ لا نَقْصَ فيه، بل على الوَجهِ اللَّائقِ، مِن غيرِ تكييفٍ ولا تعطيلٍ، ولا تحريفٍ ولا تمثيلٍ، ولا يجوزُ تأويلُهما بغيرِ معناهما الظَّاهرِ مِن لوازِمهما، وغيرِ ذلك) [2036] يُنظر: ((التَّنبيه على المُخالفات العَقَديَّة في فتح الباري)) (ص: 72). .
وممَّن أثبَتَ اسمَ (الحَيِيِّ) للهِ عزَّ وجلَّ: البيهقيُّ [2037] يُنظر: ((الأسماء والصفات)) (1/219). ، والقُرطبيُّ [2038] يُنظر: ((الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى)) (1/533). ، وابنُ القيِّمِ [2039] كما تقدَّم في البيتِ السَّابقِ. ، وابنُ عُثَيمين [2040] يُنظر: ((القواعِد المُثْلَى)) (ص: 19). .

انظر أيضا: