الموسوعة العقدية

 الحِجَابُ

للهِ عزَّ وجلَّ حجابٌ بل حُجُبٌ، عن خَلْقِه، ثابتةٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ.
الدَّليلُ مِن الكِتابِ:
1- قولُه تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الشورى: 51].
قال ابنُ جَريرٍ: (يَقولُ تعالى ذِكْرُه: وما ينبغي لبَشَرٍ مِن بني آدَمَ أن يكَلِّمَه رَبُّه إلَّا وحًيا يُوحي اللهُ إليه كيف شاء، أو إلهامًا، وإمَّا غيرَه أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الشورى: 51] يَقولُ: أو يكَلِّمَه بحيث يَسمَعُ كلامَه ولا يراه، كما كَلَّم موسى نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) [1903] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/ 540). .
2- قَولُه: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: 15].
قال البَغَويُّ: (قال قَتادةُ: هو ألَّا يَنظُرَ إليهم ولا يُزَكِّيَهم. وقال أكثَرُ المفَسِّرينَ: عن رُؤيتِه. قال الحَسَنُ: لو عَلِمَ الزَّاهِدونَ العابِدونَ أنَّهم لا يَرَونَ رَبَّهم في المعادِ لزَهِقَت أنفُسُهم في الدُّنيا. قال الحُسَينُ بنُ الفَضلِ: كما حجَبَهم في الدُّنيا عن توحيدِه حَجَبَهم في الآخِرةِ عن رُؤيتِه. وسُئِلَ مالِكٌ عن هذه الآيةِ، فقال: لَمَّا حَجَب أعداءَه فلم يَرَوه، تجَلَّى لأوليائِه حتى رَأَوه. وقال الشَّافعيُّ رَضِيَ اللهُ عنه: في قَولِه: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المططفين: 15] دَلالةٌ على أنَّ أولياءَ اللهِ يَرَونَ اللهِ عِيانًا) [1904] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (5/ 225). .
الدَّليلُ من السُّنَّةِ:
1- حديثُ أبي موسى الأشعريِّ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قام فينا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بخَمسِ كلماتٍ فقال: ((إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لا ينامُ، ولا ينبغي له أن ينامَ، يخفِضُ القِسطَ ويرفَعُه، يُرفَعُ إليه عمَلُ اللَّيلِ قبْلَ عمَلِ النَّهارِ، وعمَلُ النَّهارِ قبْلَ عمَلِ اللَّيلِ، حجابُه النُّورُ -وفي روايةِ أبي بكرٍ: النَّارُ- لو كشَفَه لأحرَقَتْ سُبُحاتُ وَجْهِه ما انتهى إليه بصَرُه مِن خَلْقِه )) [1905] أخرجه مسلم (179). .
2- حديثُ صُهَيبِ بنِ سِنانٍ رَضِيَ اللهُ عنه مرفوعًا: ((إذا دخَل أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ، قال: يَقولُ اللهُ تبارَك وتعالى: تُريدونَ شيئًا أَزيدُكم؟ فيَقولُونَ: ألَمْ تُبيِّضْ وجوهَنا؟ ألَمْ تُدخِلْنا الجنَّةَ وتُنجِّنا مِن النَّارِ؟ قال: فيكشِفُ الحِجابَ، فما أُعطُوا شيئًا أحَبَّ إليهم مِن النَّظرِ إلى ربِّهم عزَّ وجلَّ، وفي روايةٍ: وزاد: ثمَّ تلا هذه الآيةَ: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: 26] )) [1906] أخرجه مسلم (181). .
قال أبو سعيدٍ الدَّارميُّ: (بابٌ: الحُجُبُ الَّتي احتجَبَ اللهُ بها عن خَلْقِه)، ثمَّ قال: (احتَجَبَ اللهُ بهذه النَّارِ عن خَلْقِه بقُدرتِه وسُلطانِه) [1907] يُنظر: ((نقض الدارمي على المريسي)) (2/ 752). .
وقال ابنُ تَيميَّةَ: (أخبَرَ أنَّه حُجِب عنِ المخلوقاتِ بحِجابِه النُّورِ؛ أن تُدرِكَها سُبُحاتُ وَجْهِه، وأنَّه لو كشَفَ ذلك الحِجابَ لأحرَقَتْ سُبُحاتُ وَجْهِه ما أدرَكَه بصَرُه مِن خَلْقِه، فهذا الحِجابُ عن إحراقِ السُّبُحاتِ يُبيِّنُ ما يَرِدُ في هذا المَقامِ) [1908] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (6/396). .
وقال أيضًا: (هذا الحديثُ فيه ذِكرُ حِجابِه؛ فإنَّ تردُّدَ الرَّاوي في لفظِ النَّارِ والنُّورِ لا يمنَعُ ذلك؛ فإنَّ مِثلَ هذه النَّارِ الصَّافيةِ الَّتي كلَّمَ بها موسى يُقالُ لها: نارٌ ونورٌ، كما سمَّى اللهُ نارَ المِصباحِ نورًا، بخلافِ النَّارِ المُظلِمةِ كنارِ جهنَّمَ، فتلك لا تُسمَّى نورًا) [1909] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (6/387). .
وقال المباركفوريُّ: ( ((فيَكشِفُ الحِجابَ)) وزاد مُسلِمٌ: فيَنظُرونَ إلى وَجهِ اللهِ، والظَّاهرُ أنَّ المرادَ بالحِجابِ حِجابُ النُّورِ الذي وَقَع في حديثِ أبي موسى عند مُسلمٍ: ولفظُه: حِجابُه النورُ لو كشَفَه لأحرَقَت سُبُحاتُ وَجْهِه ما انتهى إليه بَصَرُه مِن خَلْقِه. قال الطِّيبيُّ: في شَرحِ حديثِ أبي موسى هذا: إنَّ فيه إشارةً إلى أنَّ حِجابَه خلافُ الحُجُبِ المعهودةِ، فهو محتجِبٌ عن الخَلْقِ بأنوارِ عِزِّه وجَلالِه وأشعَّةِ عظمتِه وكبريائِه، وذلك هو الحِجابُ الذي تَدهَشُ دونَه العقولُ، وتُبهَتُ الأبصارُ، وتتحَيَّرُ البصائِرُ، فلو كشَفَه فتجَلَّى لِما وراءَه بحقائِقِ الصِّفاتِ وعَظَمةِ الذَّاتِ، لم يَبْقَ مخلوقٌ إلَّا احتَرَق، ولا منظورٌ إلَّا اضمَحَلَّ. وأصلُ الحِجابِ السِّترُ الحائِلُ بيْن الرَّائي والمرئيِّ، والمرادُ به هنا مَنْعُ الأبصارِ مِن الرُّؤيةِ له بما ذُكِرَ، فقام ذلك المنعُ مقامَ السِّترِ الحائِلِ، فعَبَّرَ به عنه، وقد ظَهَر مِن نُصوصِ الكِتابِ والسُّنَّةِ أنَّ الحالةَ المشارَ إليها في هذا الحديثِ هي في دارِ الدُّنيا المعَدَّةِ للفَناءِ دونَ دارِ الآخِرةِ المعَدَّةِ للبقاءِ، والحِجابُ في هذا الحديثِ وغَيرِه يرجِعُ إلى الخَلْقِ؛ لأنَّهم هم المحجوبونَ عنه) [1910] يُنظر: ((تحفة الأحوذي)) (7/ 226). .
وقال عبدُ اللهِ الغُنيمانُ: (النُّصوصُ في إثباتِ الحُجُبِ للهِ تعالى كثيرةٌ، يؤمِنُ بها أتباعُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ويعلَمونَ بما ورِثوه مِن نورِ النُّبوةِ أنَّ اللهَ تعالى احتجَبَ بالنُّورِ، وبالنَّارِ، وبما شاء مِن الحُجُبِ، وأنَّه لو كشَفَ عن وجهِه الكريمِ الحِجابَ لَمَا قام لنورِه شيءٌ مِن الخَلْقِ، بل يحترقُ، ولكنَّه تعالى في الدَّارِ الآخرةِ يُكمِلُ خَلْقَ المُؤمنينَ ويُقوِّيهم على النَّظرِ إليه تعالى، فيُنعَّمونَ بذلك، بل هو أعلى نعيمِهم يومَ القيامةِ) [1911] يُنظر: ((شرح كتاب التوحيد)) (2/ 155). .

انظر أيضا: