الموسوعة العقدية

الفَرعُ السَّادِسُ: مِن شُروطِ لا إلهَ إلَّا اللهُ: الإخلاصُ

الإخلاصُ هو تصفيةُ العَمَلِ بصَالحِ النِّيَّةِ عن جَميِع شوائِبِ الشِّرْكِ [735] ينظر: ((التعريفات)) للجرجاني (ص: 13)، ((معارج القبول)) (2/ 423). .
قال اللهُ تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: 145-146] .
إنَّ المُنافِقين في قَعرِ جهنَّمَ وأسفلِ طَبَقاتِها يومَ القيامة؛ جَزاءً على كُفرِهم الغَليظِ، ولنْ تجِدَ لهؤلاء المنافِقينَ -يا محمَّدُ- ناصِرًا يَنصُرُهم مِن اللهِ تعالى، فيُنقِذُهم مِن عَذابِه، ويَدفَعُ عنهم أليمَ عِقابِه، إلَّا التَّائبين مِن نِفاقِهم الَّذين رجَعوا للحَقِّ، ونَدِموا على سَيِّئاتِهم، وأصلَحوا أعمالَهم الظَّاهِرةَ والباطِنةَ، فعَمِلوا بما أمَرهم اللهُ تعالى به، وانتَهَوا عمَّا نهاهم عنه، وأصلَحوا ما أفسَدوه، واعتَصَموا برَبِّهم في جَميعِ أمورِهم، والْتَجَؤوا إليه في جَلْبِ مَنافعِهم ودَفْعِ المضارِّ عنهم، وقَصَدوا وجهَ اللهِ تعالى بأعمالِهم الظَّاهرةِ والباطِنةِ، وسَلِمُوا من الرِّياءِ والنِّفاقِ؛ فهؤلاء المُنافِقونَ بَعْدَ تَوبتِهم وإصلاحِهم واعتِصامِهم باللهِ تعالى وإخلاصِهم له: مع المؤمِنينَ في الدُّنيا والآخِرةِ، يَكونونَ في زُمرتِهم يومَ القيامةِ، ويَدخُلونَ معهم الجنَّةَ، وسوفَ يُعطي اللهُ تعالى المؤمِنينَ ثَوابًا عظيمًا، لا يعلَمُ كُنْهَهُ إلَّا اللهُ عزَّ وجَلَّ؛ ممَّا لا عينٌ رأَتْ، ولا أُذُنٌ سمِعَتْ، ولا خطَرَ على قَلْبِ بشَرٍ [736] يُنظر: ((التفسير المحرر - سورة النساء)) (ص: 685). .
قال ابنُ جريرٍ: (وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ يقولُ: وأخلَصوا طاعَتَهم وأعمالَهم التي يَعمَلونَها للهِ، فأرادُوه بها، ولم يَعمَلوها رئاءَ النَّاسِ، ولا على شَكٍّ منهم في دينِهم وامتراءٍ منهم في أنَّ اللهَ مُحْصٍ عليهم ما عَمِلوا؛ فيجازي المحسِنَ بإحسانِه، والمُسيءَ بإساءتِه، ولكِنَّهم عَمِلوها على يقينٍ منهم في ثوابِ المحسِنِ على إحسانِه، وجَزاءِ المُسيءِ على إساءتِه، أو يتفَضَّلُ عليه رَبُّه فيعفو، متقَرِّبينَ بها إلى اللهِ مُريدينَ بها وَجْهَ اللهِ؛ فذلك معنى إخلاصِهم للهِ دينَهم) [737] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/ 622). .
وقال السَّمعاني: (شَرْطُ الإخلاصِ بالقَلْبِ؛ لأنَّ الآيةَ في المنافِقينَ، والنِّفاقُ: كُفرُ القَلبِ، فزَوالُه بالإخلاصِ) [738] يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (1/ 495). .
وقال الشَّوكانيُّ: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا استِثناءٌ مِن المنافِقينَ، أي: إلَّا الذين تابُوا عن النِّفاقِ، وَأَصْلَحُوا ما أفسَدوا من أحوالِهم، وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ أي: جَعَلوه خالِصًا له، غَيرَ مَشوبٍ بطاعةِ غَيرِه) [739] يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (1/ 611). .
وعن عِتْبانَ بنِ مالِكٍ رَضِي اللهُ عنه عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((فإنَّ اللهَ قد حرَّم على النَّارِ مَن قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ، يبتغي بذلك وَجْهَ اللهِ )) [740] أخرجه البخاري (1186) واللَّفظُ له، ومسلم (33). .
معنى الحديثِ: أنَّ العبدَ إذا قالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، يَبْتَغِي بذلكَ وجهَ اللهِ، يَطْلُبُ رِضا اللهِ سُبحانَه، ولم يقُلْهَا لينالَ حظًّا من حظوظِ الدُّنيا، كمَغْنَمٍ، أوِ اتِّقاءَ القَتلِ، أو رياءً وسُمعةً؛ حرَّم اللهُ عليهِ النَّارَ [741] يُنظر: ((زاد العباد)) (ص: 67). .
قال البربهاريُّ: (إنَّ شهادةَ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ لا تُقبَلُ من صاحبِها إلا بصِدقِ النيَّةِ، وخالِصِ اليقينِ) [742])) يُنظر: ((شرح السنة)) (ص: 103). .
وقال الخُجَندي: (لا إلهَ إلَّا اللهُ هي كَلِمةُ الإخلاصِ المنافيةُ للشِّركِ، وكَلِمةُ التقوى التي تقي قائِلَها من الشِّركِ باللهِ، ولكِنْ لا تنفَعُ قائِلَها عند اللهِ وفي الدَّارِ الآخِرةِ إلَّا بشُروطٍ:
الأوَّلُ: العِلمُ بمعناها نفيًا وإثباتًا.
الثَّاني: اليقينُ، وهو كمالُ العِلمِ بها المنافي للشَّكِّ.
الثَّالثُ: الإخلاصُ المنافي للشِّركِ. فمن يقولُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، ولكِنْ لا يفهَمُ معناها ولا يعمَلُ به، فهو كمَثَلِ الحِمارِ يحمِلُ أسفارًا؛... لأنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ قال: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد: 19]) [743])) يُنظر: ((مفتاح الجنة لا إله إلا الله)) (ص: 59). .

انظر أيضا: