الموسوعة العقدية

المَبحَثُ الثَّاني: تَسَلُّطُ الجِنِّيِّ على بَدنِ الإنسيِّ وعَقلِه

إنَّ الشَّياطينَ يَقومونَ بإيذاءِ الإنسِ بأنواعٍ مُختَلِفةٍ ومُتَعَدِّدةٍ، ومِنها التَّسَلُّطُ على بَدنِهِ، والدُّخولُ فيه.
وقد دَلَّ كِتابُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وسُنَّةُ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وإجماعُ الأمَّةِ على تَسَلُّطِ الجِنِّيِّ على الإنسيِّ وصَرْعِه إيَّاه.
قال اللهُ تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة: 275] .
قال ابنُ جَريرٍ: (يَعني بذلك: يَتَخَبَّلُه الشَّيطانُ في الدُّنيا، وهوَ الَّذي يَتَخَبَّطُه فيَصرَعُه مِنَ المَسِّ، يَعني مِنَ الجُنونِ) [4552] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/ 38). .
وقال البَغَويُّ: (أي: الجُنونِ، يُقالُ: مُسَّ الرَّجُلُ فهوَ مَمسوسٌ: إذا كانَ مَجنونًا، ومَعناه: أنَّ آكِلَ الرِّبا يُبعَثُ يَومَ القيامةِ كمِثلِ المَصروعِ) [4553] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (1/ 381). .
 وقال ابنُ حَزْمٍ: (الشَّيطانُ يَمَسُّ الإنسانَ الَّذي يُسَلِّطُه اللهُ عليهِ مَسًّا، كما جاءَ في القُرآنِ) [4554] يُنظر: ((الفصل)) (5/ 10). .
وقال القُرطُبيُّ: (في هذه الآيةِ دَليلٌ على فسادِ إنكارِ من أنكَرَ الصَّرعَ من جِهةِ الجِنِّ، وزَعَمَ أنَّه من فِعلِ الطَّبائِعِ، وأنَّ الشَّيطانَ لا يَسلُكُ في الإنسانِ، ولا يَكونُ مِنه مَسٌّ) [4555] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (3/ 355). .
وقال ابنُ تَيميَّةَ: (أنكر طائِفةٌ مِنَ المُعتَزِلةِ كالجُبَّائيِّ وأبي بَكرٍ الرَّازي وغَيرِهما دُخولَ الجِنِّ في بَدَنِ المَصروعِ، ولَم يُنكِروا وُجودَ الجِنِّ؛ إذ لَم يَكُن ظُهورُ هَذا في المَنقولِ عَنِ الرَّسولِ كظُهورِ هَذا، وإن كانوا مُخطِئينَ في ذلك؛ ولِهَذا ذَكَرَ الأشعَريُّ في مَقالاتِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ أنَّهم يَقولونَ: إنَّ الجِنِّيَّ يَدخُلُ في بَدَنِ المَصروعِ، كما قال تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ[البقرة: 275] ) [4556] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (19/ 12). .
وقال أيضًا: (وُجودُ الجِنِّ ثابِتٌ بكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسولِه واتِّفاقِ سَلَفِ الأمَّةِ وأئِمَّتِها، وكَذلك دُخولُ الجِنِّيِّ في بَدنِ الإنسانِ ثابِتٌ باتِّفاقِ أئِمةِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ؛ قال اللهُ تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُه الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البَقرةُ: 275].
وفي الصَّحيحِ عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّ الشَّيطانَ يَجري مِنِ ابنِ آدَمَ مَجرى الدَّمِ )) [4557] رواه البخاري (7171) واللَّفظُ له، ومسلم (2175). .
وقال عَبدُ اللهِ بنُ الإمامِ أحمَدَ بنِ حَنبلٍ: قُلتُ لأبي: إنَّ أقوامًا يَقولونَ: إنَّ الجِنِّيَّ لا يَدخُلُ في بَدنِ المَصروعِ، فقال: «يا بُنَيَّ يَكذِبونَ، هوَ ذا يَتَكَلَّمُ على لسانِه!». وهَذا الَّذي قاله أمرٌ مَشهورٌ؛ فإنَّه يُصرَعُ الرَّجُلُ فيَتَكَلَّمُ بلسانٍ لا يُعرَفُ مَعناه، ويُضرَبُ على بَدنِه ضَربًا عَظيمًا لَو ضُرِبَ بهِ جَمَلٌ لأثَّرَ بهِ أثَرًا عَظيمًا، والمَصروعُ مَعَ هَذا لا يُحِسُّ بالضَّربِ، ولا بالكَلامِ الَّذي يَقولُه، وقد يَجرُّ المَصروعَ وغَيرَ المَصروعِ، ويَجرُّ البِساطَ الَّذي يَجلِسُ عليهِ، ويُحَوِّلُ الآلاتِ، ويُنقَلُ من مَكانٍ إلى مَكانٍ، ويَجري غَيرُ ذلك مِنَ الأمورِ مَن شاهَدَها أفادَته عِلمًا ضَروريًّا بأنَّ النَّاطِقَ على لسانِ الإنسيِّ والمُحَرِّكَ لهذه الأجسامِ جِنسٌ آخَرُ غَيرُ الإنسانِ، ولَيسَ في أئِمةِ المُسْلِمينَ مَن يُنكِرُ دُخولَ الجِنِّيِّ في بَدنِ المَصروعِ وغَيرِه، ومن أنكَرَ ذلك وادَّعى أنَّ الشَّرعَ يُكَذِّبُ ذلك، فقد كَذَبَ على الشَّرعِ، ولَيسَ في الأدِلَّةِ الشَّرعيَّةِ ما يَنفي ذلك) [4558] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (24/ 276). .
وقال ابنُ باز: (بما ذَكَرناه مِنَ الأدِلَّةِ الشَّرعيَّةِ وإجماعِ أهْلِ العِلمِ من أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ على جَوازِ دُخولِ الجِنِّيِّ بالإنسيِّ يَتَبَيَّنُ للقُرَّاءِ بُطلانُ قَولِ من أنكَرَ ذلك... وإذا خَفِيَ هَذا الأمرُ على كثيرٍ مِنَ الأطِبَّاءِ لَم يَكُن ذلك حُجَّةً على عَدَمِ وُجودِهِ، بَل يَدُلُّ ذلك على جَهْلِهمُ العَظيمِ بما عَلِمَه غَيرُهم مِنَ العُلَماءِ المَعروفينَ بالصِّدقِ والأمانةِ والبَصيرةِ بأمرِ الدِّينِ، بَل هوَ إجماعٌ من أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ، كما نَقَلَ ذلك شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ عَن جَميعِ أهْلِ العِلمِ، ونَقَل عَن أبيِ الحَسَنِ الأشعريِّ أنَّه نَقَلَ ذلك عَن أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ، ونَقلَ ذلك أيضًا عَن أبيِ الحَسَنِ الأشعَريِّ العَلَّامةُ أبو عَبدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللَّهِ الشبليُّ الحَنفيُّ المُتَوَفَّى سنةَ «799هـ» في كِتابِهِ «آكامُ المَرجانِ في غَرائِبِ الأخبارِ وأحكامِ الجانِّ» في البابِ الحادي والخَمْسينَ من كِتابِهِ المَذكورِ) [4559] يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن باز)) (3/ 307). .
وقال ابنُ عُثَيمين: (إنَّ الجِنَّ قد يَعتَدُونَ على الإنسِ، وإنَّهم يُؤذونَهم كما أنَّ الواقِعَ شاهِدٌ بذلك؛ فإنَّه قد تَواتَرَتِ الأخبارُ واستَفاضَت بأنَّ الإنسانَ قد يَأتي إلى الخَرِبةِ فيُرمى بالحِجارةِ وهوَ لا يَرى أحَدًا مِنَ الإنسِ في هذه الخَرِبةِ! وقد يَسمَعُ أصواتًا وقد يَسمَعُ حَفيفًا كحَفيفِ الأشجارِ وما أشبَهَ ذلك مِمَّا يَستَوحِشُ بهِ ويَتَأذَّى بهِ! وكَذلك أيضًا قد يَدخُلُ الجِنِّيُّ إلى جَسَدِ الآدَميِّ، إمَّا بعِشْقٍ، أو لقَصدِ الإيذاءِ، أو لسَبَبٍ آخَرَ مِنَ الأسبابِ، ويُشيرُ إلى هَذا قَولُه تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة: 275] ، وفي هَذا النَّوعِ قد يَتَحَدَّثُ الجِنِّيُّ من باطِنِ الإنسيِّ نَفسِه ويُخاطِبُ مَن يَقرَأُ عليهِ آياتٍ مِنَ القُرآنِ الكَريمِ، ورُبَّما يَأخُذُ القارِئُ عليهِ عَهدًا ألَّا يَعودَ، إلى غَيرِ ذلك مِنَ الأمورِ الكَثيرةِ الَّتي استَفاضَت بها الأخبارُ وانتَشَرَت بَينَ النَّاسِ) [4560])) يُنظر: ((فتاوى أركان الإسلام)) (ص: 97). .

انظر أيضا: