موسوعة الأخلاق والسلوك

خامسًا: مَسائِلُ مُتفَرِّقةٌ


أقسامُ النَّاسِ مِن حيثُ الطِّيبُ والخُبْثُ ودُورُهم في الآخِرةِ:
قال ابنُ القَيِّمِ: (ولمَّا كان النَّاسُ على ثلاثِ طَبَقاتٍ: طَيِّبٌ لا يَشينُه خُبثٌ، وخَبيثٌ لا طِيبَ فيه، وآخَرون فيهم خُبثٌ وطِيبٌ، كانت دُورُهم ثلاثةً: دارُ الطَّيِّبِ المحْضِ، ودارُ الخبيثِ المحْضِ، وهاتان الدَّارانِ لا تَفنيانِ، ودارٌ لِمن معه خُبثٌ وطِيبٌ، وهي الدَّارُ التي تفنى، وهي دارُ العُصاةِ، فإنَّه لا يبقى في جهنَّمَ مِن عُصاةِ الموَحِّدين أحَدٌ، فإنَّه إذا عُذِّبوا بقَدْرِ جَزائِهم أُخرِجوا من النَّارِ فأُدخِلوا الجنَّةَ، ولا يبقى إلَّا دارُ الطَّيِّبِ المَحْضِ، ودارُ الخُبْثِ المحْضِ) [2934] ((الوابل الصيب)) (ص: 20). .
ما قيل في أوصافِ خَبيثِ الطَّويَّةِ:
يوصَفُ مَن كانت طويَّتُه خبيثةٌ، بقَولهِم: (قَلبُ فُلانٍ نَغِلٌ [2935] نَغِلٌ: فاسِدٌ. يُنظَر: ((الصحاح)) للجوهري (5/1832). ، وصَدرُه دَغِلٌ [2936] دَغِلٌ: الدَّغَلُ -بالتَّحريكِ-: الفَسادُ، مِثلُ الدَّخَلِ. والدَّغَلُ: دَخَلٌ في الأمرِ مُفسِدٌ. يُنظَر: ((لسان العرب)) لابن منظور (11/244). ، طويَّةٌ [2937] الطَّوِيَّةُ: الضَّميرُ. يُنظَر: ((تاج العروس)) للزبيدي (38/513). معلولةٌ... صَفْوه رَنَقٌ [2938] رَنَقٌ: كَدَرٌ. يُنظَر: ((الصحاح)) للجوهري (4/ 1485). ، وبِرُّه لَمَقٌ، ووُدُّه مُزَأْبَقٌ، خَبيثُ النِّيَّةِ، واكِدُ الطَّويَّةِ، موجودٌ عِندَ الرَّخاءِ، مفقودٌ عِندَ البلاءِ، يَبُثُّ حبائِلَ الزُّورِ، وينصِبُ أشراكَ الغُرورِ، يدَّعي ضُروبَ الباطِلِ، ويتحَلَّى بما هو عاطِلٌ، يُبدي وَجهَ المطابقِ الموافِقِ، ويُخفي نَظَرَ المُسارِقِ المُنافِقِ، ضميرُ قَلبِه خبيثٌ، ويمينُه حِنْثٌ، وعَهدُه نِكْثٌ) [2939] ((لباب الآداب)) للثعالبي (ص: 71). .
وممَّا قيل أيضًا فيمَن يتَّصِفُ بهذه الصِّفةِ الذَّميمةِ قَولُهم: (فلانٌ عُصارةُ لُؤمٍ، في قرارةِ خُبثٍ، ألأمُ مُهجةٍ في أخَسِّ جثَّةٍ، خبيثُ الطُّعمةِ، حديثُ النِّعمةِ، هو كالكَمْأةِ [2940] الكَمْأةُ: نباتٌ يُنَقِّضُ الأرضَ فيَخرُجُ كما يَخرُجُ الفُطرُ. يُنظَر: ((لسان العرب)) لابن منظور (1/148). ، لا أصلَ ثابِتٌ، ولا فَرعَ نابِتٌ.
 فلانٌ خَبيثُ المركَبِ، لئيمُ المَنسَبِ، يكادُ مِن لُؤمِه يُعدي من يتسَمَّى باسمِه، أو يجلِسُ إلى جنبِه، قد أُرضِع بلِبانِ اللُّؤمِ، ورُبِّيَ في حِجرِ الشَّرِّ، وفُطِم عن ثَديِ الخَيرِ، ونشَأ في عَرْصةِ الخُبْثِ [2941] عَرْصةُ الخُبثِ: وَسَطُه. يُنظَر: ((لسان العرب)) لابن منظور (7/52). ، لا أمسَ ليَومِه، ولا قديمَ لقَومِه.
 فلانٌ قصيرُ الشَّبْرِ [2942] قَصيرُ الشَّبْرِ: الرَّجُلُ القصيرُ المتقارِبُ الخَلقِ. يُنظَر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/240). ، صغيرُ القَدْرِ، قاصِرُ القَدْرِ، ضَيِّقُ الصَّدرِ) [2943] ((لباب الآداب)) للثعالبي (ص: 69). .
بعضُ الحيَواناتِ وُصِفت بالخُبْثِ:
يوصَفُ الثَّعلَبُ بالخُبْثِ، وهو حيوانٌ جَبانٌ مُستضعَفٌ ذو مَكرٍ وخديعةٍ، لكِنَّه لفَرطِ الخُبْثِ والخديعةِ، يجري مع كِبارِ السِّباعِ [2944] يُنظَر: ((حياة الحيوان الكبرى)) للدميري (1/253). .
وكذلك يوصَفُ القُنفُذُ والأرنَبُ والظَّبيُ بالخُبْثِ؛ يقولُ الجاحِظُ: (وإنَّما تفزَعُ هذه الأجناسُ إلى الخُبْثِ، وإلى ما في طبعِها من شِدَّةِ الحُضْرِ [2945] الحُضْرُ: عَدْوُ الدوابِّ. يُنظَر: ((تاج العروس)) للزبيدي (11/41). إذا عَدِمَت السِّلاحَ؛ فعند ذلك تستعمِلُ الحيلةَ: مِثلُ القُنفُذِ في إمكانِ عَدُوِّه من فَروتِه، ومِثلُ الظَّبيِ واستعمالِ الحُضْرِ في المُستوي، ومثلُ الأرنَبِ واستِعمالِه الحُضْرَ في الصَّعْداءِ [2946] الصَّعْداءُ: المَطلَعُ الصَّعْبُ. يُنظَر: ((المخصص)) لابن سيده (5/ 48). [2947] يُنظَر: ((الحيوان)) للجاحظ (6/514). .
أطيَبُ مُضغَتَينِ وأخبَثُ مُضغَتَينِ:
- عن خالِدٍ الرَّبَعيِّ قال: (كان لُقمانُ عَبدًا حَبَشيًّا نجَّارًا، فقال له مولاه: اذبَحْ لنا هذه الشَّاةَ، فذبَحَها. قال: أخرِجْ أطيَبَ مُضغَتَينِ فيها، فأخرَجَ اللِّسانَ والقَلْبَ. ثمَّ مكث ما شاء اللهُ، ثمَّ قال: اذبَحْ لنا هذه الشَّاةَ، فذبحَها. فقال: أخرِجْ أخبَثَ مُضغَتَينِ فيها، فأخرَج اللِّسانَ والقَلبَ، فقال له مولاه: أمَرْتُك أن تخرِجَ أطيَبَ مُضغَتَينِ فيها فأخرَجْتَهما، وأمرتُك أن تخرِجَ أخبَثَ مُضغَتَينِ فيها فأخرَجْتَهما! فقال له لُقمانُ: إنَّه ليس من شيءٍ أطيَبُ منهما إذا طابا، ولا أخبَثُ منهما إذا خَبُثا!) [2948] يُنظَر: ((تفسير يحيى بن سلام)) (2/ 672، 673)، ((الزهد)) لأحمد بن حنبل (271)، ((جامع البيان)) لابن جرير الطبري (18/ 548). .
أصلُ الخُبْثِ في كلامِ العَرَبِ:
- قال ابنُ الأعرابيِّ: (وأصلُ الخُبْثِ في كلامِ العَرَبِ: المكروهُ؛ فإن كان من الكلامِ فهو الشَّتمُ، وإن كان من المِلَلِ فهو الكُفرُ، وإن كان من الطَّعامِ فهو الحرامُ، وإن كان من الشَّرابِ فهو الضَّارُّ) [2949] ((شرح صحيح البخاري)) لابن بطال (1/235). .
هل يستطيعُ أن يُغَيِّرَ خبيثُ النَّفسِ طَبْعَه؟
يرى المُناويُّ أنَّ مَن تمحَّضَت [2950] تمحَّضَت: خَلَصَت حتَّى لا يشوبَها شيءٌ. يُنظَر: ((العين)) للخليل بن أحمد الفراهيدي (3/111). فيه مادَّةُ الخُبْثِ لا مَطمَعَ في تبدُّلِه، فيقولُ: (يقالُ: إذا حُدِّثْتَ أنَّ جَبَلًا زال عن مكانِه فصَدِّقْ، وإذا حُدِّثْتَ أنَّ رجُلًا زال عن خُلُقِه فلا تُصَدِّقْ! وذلك لأنَّ مَن تمحَّضَت فيه مادَّةُ الخُبْثِ فقد طُبِع [2951] طُبِع عليه: فُطِر عليه. يُنظَر: ((تاج العروس)) للزبيدي (21/438). على الخُلُقِ المذمومِ الذي لا مَطمَعَ في تبدُّلِه، ومَن تمحَّضَت فيه مادَّةُ الطِّيبِ فقد طُبِع على الخُلُقِ الحَسَنِ المحمودِ الذي لا مَطمَعَ في تبدُّلِه. قال الشَّريفُ السَّمهوديُّ: وقد جَرَّبْتُ مِصداقَه الآنَ؛ فكم أظهَر الواحِدُ منهم التَّوبةَ عن أخلاقٍ ذميمةٍ بَعدَ بَذلِ الجُهدِ في أسبابِ إزالتِها، ثمَّ نَكَص على عَقِبَيه [2952] نَكَص على عَقِبَيه: رجَع عما كان عليه من خيرٍ، خاصٌّ بالرُّجوعِ عن الخيرِ. يُنظَر: ((القاموس المحيط)) للفيرزابادي (ص: 633). ، راجعًا لِما كان عليه؛ لاقتضاءِ خُبثِهم المُستَحكِمِ، وعظيمِ بُغضِهم لأهلِ الخَيرِ.
 وأنشَد بَعضُهم:
وما هذه الأخلاقُ إلَّا طبائِعٌ
فمنهنَّ محمودٌ ومنهنَّ مُذَمَّمُ
ولن يستطيعَ الدَّهرَ تغييرَ خُلقِهِ
لئيمٌ ولن يسْطِيعَهُ مُتَكَرِّمُ) [2953] ((فيض القدير)) (2/663). .
ولكِنْ من اجتَهَد وجاهَد نفسَه على التَّخلُّقِ بالأخلاقِ الفاضِلةِ يستطيعُ أن يُعَوِّدَ نفسَه عليها، وعليه أن يأخُذَ بالأسبابِ والوسائِلِ التي تُعينُ على التَّخلُّصِ من هذا الخُلُقِ.

انظر أيضا: