موسوعة الأخلاق والسلوك

ب- مِنَ السُّنَّةِ النَّبَويَّةِ


- عن عبدِ اللهِ بنِ أبي قتادةَ أنَّ أبا قتادةَ طَلب غريمًا له، فتوارى عنه ثمَّ وجده، فقال: إني مُعسِرٌ، فقال: آللهِ؟ قال: آللهِ، قال: فإني سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((من سَرَّه أن ينجيَه اللهُ مِن كُرَبِ يومِ القيامةِ، فلْيُنَفِّسْ عن مُعسِرٍ، أو يضَعْ عنه)) [1701] رواه مسلم (1563). .
(أي: ليُؤَخِّرْ مُطالَبةَ الدَّينِ عنِ المَدينِ المُعسِرِ. وقيلَ: مَعناه يُفرِّجُ عنه أو يضَعُ عنه، أي: يحُطُّ عنه، وهذا مُقتَبَسٌ مِن مِشكاةِ قَولِه تعالى: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: 280] ) [1702] ((دليل الفالحين)) لمحمد علي البكري الصديقي (7/164). .
قال القاريُّ: (فليُنَفِّسْ -بتَشديدِ الفاءِ المَكسورةِ- أي: فليُؤَخِّرْ مُطالَبتَه عن مُعسِرٍ، أي: إلى مُدَّةٍ يجِدُ مالًا فيها، أو يضَعْ -بالجَزمِ- أي: يحُطَّ ويترُكْ عنه -أي عنِ المُعسِرِ- كُلَّه أو بَعضَه. فائِدةٌ: الفَرضُ أفضَلُ مِنَ النَّفلِ بسَبعينَ دَرَجةً إلَّا في مَسائِلَ؛ الأُولى: إبراءُ المُعسِرِ مَندوبٌ، وهو أفضَلُ مِن إنظارِه) [1703] ((مرقاة المفاتيح)) لملا علي القاري (5/1954). .
- عن أنَسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه، يقولُ: ((جاء ثلاثةُ رَهطٍ إلى بُيوتِ أزواجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يسألون عن عبادةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلمَّا أُخبروا كأنَّهم تَقالُّوها [1704] تقالُّوها: أي: استقَلُّوها، والتَّقالُّ: وِجدان الشَّيءِ قليلًا. يُنظَر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (1/ 122)، ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (1/244). ، فقالوا: وأين نحن من النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ قد غُفِر له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنبِه وما تأخَّر، قال أحدُهم: أمَّا أنا فإنِّي أصَلِّي اللَّيلَ أبدًا، وقال آخَرُ: أنا أصومُ الدَّهرَ ولا أُفطِرُ، وقال آخَرُ: أنا أعتَزِلُ النِّساءِ فلا أتزوَّجُ أبدًا، فجاء رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إليهم، فقال: أنتم الذين قُلتُم كذا وكذا؟! أمَا واللَّهِ إنِّي لأخشاكم للهِ وأتقاكم له، لكنِّي أصومُ وأُفطِرُ، وأُصَلِّي وأرقُدُ، وأتزَوَّجُ النِّساءَ، فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليس مني)) [1705] رواه البخاري (5063) واللفظ له، ومسلم (1401) مختَصَرًا. .
قال ابنُ تيميَّةَ مُعَلِّقًا على هذا الحَديثِ: (والأحاديثُ الموافِقةُ لهذا كثيرةٌ في بَيانِ أنَّ سُنَّتَه التي هي الاقتِصادُ في العِبادةِ، وفي تَركِ الشَّهَواتِ: خَيرٌ مِن رَهبانيَّةِ النَّصارى التي هي تَركُ عامَّةِ الشَّهَواتِ مِنَ النِّكاحِ وغَيرِه، والغُلوُّ في العِباداتِ صَومًا وصَلاةً) [1706] ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (1/325). .
وقال ابنُ حَجَرٍ: (قَولُه: "إنِّي لأخشاكم للَّهِ وأتقاكم له" فيه إشارةٌ إلى رَدِّ ما بَنَوا عليه أمرَهم مِن أنَّ المَغفورَ له لا يحتاجُ إلى مَزيدٍ في العِبادةِ بخِلافِ غَيرِه، فأعلَمَهم أنَّه مَعَ كونِه يُبالِغُ في التَّشديدِ في العِبادةِ أخشى للَّهِ وأتقى مِنَ الذين يُشَدِّدونَ، وإنَّما كان كذلك لأنَّ المُشَدِّدَ لا يأمَنُ مِنَ المَلَلِ بخِلافِ المُقتَصِدِ؛ فإنَّه أمكنُ لاستِمرارِه وخَيرُ العَمَلِ ما داومَ عليه صاحِبُه) [1707] ((فتح الباري)) (9/105). .
- وعن عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عنه، عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((مَن أنظَرَ مُعسِرًا أو وَضَع عنه، أظَلَّه اللَّهُ في ظِلِّه)) [1708] رواه مسلم (3006). .
قال الطَّحاويُّ: (الإعسارُ قد يكونُ على العَدَمِ الذي لا يوصَلُ مَعَه إلى شَيءٍ، وقد يكونُ على القِلَّةِ التي يوصَلُ مَعَها ما إذا أُخِذَ مِمَّن عليه الدَّينُ فدَحَه [1709] فدَحَه الدَّينُ: أثقَلَه. يُنظَر: ((مختار الصحاح)) لزين الدين الرازي (ص: 235). وكَشَفه، وأضَرَّ به، والعُسرةُ تَجمَعُهما جَميعًا، غَيرَ أنَّهما يختَلفانِ فيها، فيكونُ أحَدُهما بها مُعدِمًا، ولا يكونُ الآخَرُ مِنهما بها مُعدِمًا، وكُلُّ مُعدِمٍ مُعسِرٌ، وليس كُلُّ مُعسِرٍ مُعدِمًا، فقد يحتَمِلُ أن يكونَ المُعسِرُ المَقصودُ بما في هذه الآثارِ إليه هو المُعسِرَ الذي يجِدُ ما إن أُخِذَ مِنه فدَحَه وكَشَفَه وأضَرَّ به، فمَن أنظَرَ مَن هذه حالُه بما له عليه، فقد آثَرَه على نَفسِه، واستَحَقَّ ما للمُؤثِرينَ على أنفُسِهم، وكان مِن أهلِ الوَعدِ الذي ذَكرَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في هذه الآثارِ) [1710] ((مشكل الآثار)) (8/315). .
- وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللَّهُ عنه عنِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّه عليه وآله وسَلَّمَ قال: ((مَن نفَّس عن مُسلِمٍ كُربةً مِن كُرَبِ الدُّنيا نفَّس اللهُ عنه كُربةً مِن كُرَبِ يومِ القيامةِ، ومَن يسَّر على مُعسِرٍ في الدُّنيا يسَّر اللهُ عليه في الدُّنيا والآخِرةِ، ومَن ستَر على مُسلِمٍ في الدُّنيا ستَره اللهُ في الدُّنيا والآخِرةِ، واللهُ في عَونِ العبدِ ما كان العبدُ في عونِ أخيه، ومَن سَلَك طَريقًا يلتَمِسُ فيه عِلمًا سَهَّلَ اللَّهُ له به طَريقًا إلى الجَنَّةِ، وما اجتَمَعَ قَومٌ في بَيتٍ مِن بُيوتِ اللَّهِ يتلونَ كِتابَ اللَّهِ ويتَدارَسونَه بَينَهم إلَّا نَزَلَت عليهمُ السَّكينةُ، وغَشِيَتهمُ الرَّحمةُ، وحفَّتهمُ المَلائِكةُ، وذَكرَهمُ اللَّهُ فيمن عِندَه، ومَن بَطَّأ به عَمَلُه لَم يُسرِعْ به نَسَبُه)) [1711] رواه مسلم (2699). .
قال ابنُ رَجَبٍ: (هذا أيضًا يدُلُّ على أنَّ الإعسارَ قد يحصُلُ في الآخِرةِ، وقد وصَف اللَّهُ يومَ القيامةِ بأنَّه يومٌ عَسيرٌ، وأنَّه على الكافِرينَ غَيرُ يسيرٍ، فدَلَّ على أنَّه يسيرٌ على غَيرِهم، وقال: وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا [الفرقان: 26] .
والتَّيسيرُ على المُعسِرِ في الدُّنيا مِن جِهةِ المالِ يكونُ بأحَدِ أمرَينِ:
إمَّا بإنظارِه إلى المَيسَرةِ، وذلك واجِبٌ، كما قال تعالى: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ [البقرة: 280] ، وتارةً بالوضعِ عنه إن كان غَريمًا، وإلَّا فبإعطائِه ما يزولُ به إعسارُه، وكِلاهما له فضلٌ عَظيمٌ).
- وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللَّهُ عنه، عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((كان تاجِرٌ يُدايِنُ النَّاسَ، فإذا رَأى مُعسِرًا قال لفِتيانِه: تَجاوَزوا عنه؛ لعَلَّ اللَّهَ أن يتَجاوزَ عنَّا، فتَجاوزَ اللَّهُ عنه)) [1712] رواه البخاري (2078) واللفظ له، ومسلم (1562). .
والتَّجاوُزُ والتَّجَوُّزُ مَعناهما المُسامَحةُ في الاقتِضاءِ والاستيفاءِ، وقَبولُ ما فيه نَقصٌ يسيرُ، وفيه فَضلُ إنظارِ المُعسِرِ، والوَضعِ عنه إمَّا كُلَّ الدِّينِ وإمَّا بَعضَه مِن كثيرٍ أو قَليلٍ، وفضلُ المُسامَحةِ في الاقتِضاءِ وفي الاستيفاءِ، وأنَّه لا يُحتَقَرُ شَيءٌ مِن أفعالِ الخَيرِ، فلعَلَّه سَبَبُ السَّعادةِ والرَّحمةِ [1713] ((شرح النووي على مسلم)) (10/224). .
- عن أنَسِ بنِ مالكٍ قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((يَسِّروا ولا تُعَسِّروا، وبَشِّروا ولا تُنَفِّروا)) [1714] رواه البخاري (69) واللفظ له، ومسلم (1734). .
قال النَّوويُّ: (جَمَعَ في هذه الألفاظِ بَينَ الشَّيءِ وضِدِّه؛ لأنَّه قد يفعَلُهما في وقتَينِ، فلَوِ اقتَصَرَ على "يَسِّروا" لصَدقَ ذلك على مَن يسَّر مَرَّةً أو مَرَّاتٍ، وعَسَّر في مُعظَمِ الحالاتِ، فإذا قال: "ولا تُعَسِّروا" انتَفى التَّعسيرُ في جَميعِ الأحوالِ مِن جَميعِ وُجوهِه، وهذا هو المَطلوبُ، وكذا يُقالُ في: "بَشِّرَا ولا تُنَفِّرا، وتَطاوَعا ولا تَختَلِفا"؛ لأنَّهما قد يتَطاوعانِ في وقتٍ، ويختَلفانِ في وقتٍ، وقد يتَطاوعانِ في شَيءٍ، ويختَلفانِ في شَيءٍ.
وفي هذا الحَديثِ الأمرُ بالتَّبشيرِ بفضلِ اللَّهِ، وعَظيمِ ثَوابِه، وجَزيلِ عَطائِه، وسَعةِ رَحمَتِه، والنَّهيُ عنِ التَّنفيرِ بذِكرِ التَّخويفِ، وأنواعِ الوعيدِ مَحضةً مِن غَيرِ ضَمِّها إلى التَّبشيرِ. وفيه تَأليفُ مَن قَرُب إسلامُه، وتَركُ التَّشديدِ عليهم، وكذلك مَن قارَب البُلوغَ مِنَ الصِّبيانِ ومَن بَلَغَ، ومَن تابَ مِنَ المَعاصي، كُلُّهم يُتَلَطَّفُ بهم، ويُدرَّجونَ في أنواعِ الطَّاعةِ قَليلًا قَليلًا، وقد كانت أُمورُ الإسلامِ في التَّكليفِ على التَّدريجِ، فمَتى يُسِّر على الدَّاخِلِ في الطَّاعةِ -أوِ المُريدِ للدُّخول فيها- سَهُلَت عليه، وكانت عاقِبَتُه -غالبًا- التَّزايُدَ مِنها، ومَتى عُسِّرَت عليه أوشَك أن لا يدخُلَ فيها، وإنْ دَخل أوشَك أن لا يدومَ، أو لا يستَحليَها. وفيه أمرُ الوُلاةِ بالرِّفقِ، واتِّفاقُ المُتَشارِكينَ في وِلايةٍ ونَحوِها، وهذا مِنَ المُهمَّاتِ؛ فإنَّ غالِبَ المَصالحِ لا يتِمُّ إلَّا بالاتِّفاقِ، ومَتى حَصَلَ الاختِلافُ فاتَ. وفيه وصيَّةُ الإمامِ الوُلاةَ وإن كانوا أهلَ فضلٍ وصَلاحٍ، كمُعاذٍ وأبي موسى؛ فإنَّ الذِّكرى تَنفعُ المُؤمِنينَ) [1715] ((شرح النووي على مسلم)) (12/41). .
- وعن أبي موسى الأشعَريِّ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَعَثَه ومُعاذًا إلى اليمَنِ فقال: ((يَسِّرا ولا تُعَسِّرا، وبَشِّرا ولا تُنَفِّرا، وتَطاوَعا ولا تَختَلِفا)) [1716] رواه البخاري (3038)، ومسلم (1733). .
قَولُه: ((يَسِّرا ولا تُعَسِّرا، وبَشِّرا ولا تُنَفِّرا)) الأصلُ أن يُقال: بَشِّرا ولا تُنذِرا وآنِسا ولا تُنَفِّرا، فجَمَعَ بَينَهما ليعُمَّ البِشارةَ والنِّذارةَ والتَّأنيسَ والتَّنفيرَ، فهو مِن بابِ المُقابَلةِ المَعنَويَّةِ [1717] ((إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري)) للقسطلاني (6/ 418). .
- وعن أبي هُرَيرةَ قال: ((قامَ أعرابيٌّ فبالَ في المَسجِدِ، فتَناوَلَه النَّاسُ، فقال لهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: دَعوه، وأريقوا على بَولِه سَجْلًا مِن ماءٍ، أو ذَنوبًا مِن ماءٍ، فإنَّما بُعِثتُم مُيسِّرينَ، ولم تُبعَثوا مُعَسِّرينَ)) [1718] رواه البخاري (220). .
قال العَينيُّ: (فيه مُراعاةُ التَّيسيرِ على الجاهِلِ، والتَّألُّفِ للقُلوبِ) [1719] ((عمدة القاري)) (3/127). .
وأولى النَّاسِ بالتَّيسيرِ الدَّاعيةُ إلى اللَّهِ؛ اقتِداءً برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكذلك المُفتي عليه أن يُراعيَ التَّيسيرَ ورَفعَ الحَرَجِ عنِ النَّاسِ.
يقولُ ابنُ العَرَبيِّ: (إذا جاءَ السَّائِلُ عن مَسألةٍ فوجَدتُم له مَخلَصًا فيها، فلا تَسألوه عن شَيءٍ، وإن لم تَجِدوا له مَخلَصًا فحينَئِذٍ اسألوه عن تَصَرُّفِ أحوالِه وأقوالِه ونيَّتِه، عَسى أن يكونَ له مَخلَصًا) [1720] ((أحكام القرآن)) (4/75). .
- وعن أبي صرمةَ رَضِيَ اللَّهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((مَن ضارَّ ضارَّ اللَّهُ به، ومَن شاقَّ شَقَّ اللَّه عليه)) [1721] أخرجه أبو داود (3635)، والترمذي (1940) واللفظ له، وابن ماجه (2342)، وأحمد (15755). حسَّنه ابنُ تَيميَّةَ في ((بيان الدليل)) (ص: 608)، والألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (1911). .
قَولُه: («شَقَّ اللَّهُ عليه» أي: أدخَلَ عليه ما يشُقُّ عليه مُجازاةً له على فِعلِه بمِثلِه، وأطلَقَ ذلك ليشمَلَ المَشَقَّةَ على نَفسِه وعلى الغَيرِ بأن يُكلِّفَ نَفسَه أو غَيرَه بما هو فوقَ طاقَتِه) [1722] ((فيض القدير)) للمناوي (6/ 173). .
- وعن أبي مَسعودٍ الأنصاريِّ قال: ((جاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا رَسولَ اللَّهِ، إنِّي واللَّهِ لأتَأخَّرُ عن صَلاةِ الغَداةِ مِن أجلِ فُلانٍ؛ مِمَّا يُطيلُ بنا فيها، قال: فما رَأيتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَطُّ أشَدَّ غَضَبًا في مَوعِظةٍ مِنه يومَئِذٍ! ثُمَّ قال: يا أيُّها النَّاسُ، إنَّ مِنكم مُنَفِّرينَ؛ فأيُّكم ما صَلَّى بالنَّاسِ فليوجِزْ؛ فإنَّ فيهمُ الكبيرَ والضَّعيفَ وذا الحاجةِ)) [1723] رواه البخاري (7159) واللفظ له، ومسلم (466). .
(مُنَفِّرينَ: يعني يُنَفِّرونَ النَّاسَ عن دينِ اللَّهِ) [1724] ((شرح رياض الصالحين)) لابن عثيمين (3/ 617). . فلقد (جاءَت هذه الشَّريعةُ السَّمحةُ باليُسرِ والسُّهولةِ، ونَفيِ العنَتِ والحَرَجِ؛ ولهذا فإنَّ الصَّلاةَ -التي هي أجلُّ الطَّاعاتِ- أمر النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الإمامَ بالتَّخفيفِ فيها؛ لتَتَيسَّرَ وتَسهُلَ على المَأمومينَ فيخرُجوا مِنها وهم لها راغِبونَ، ولأنَّ في المَأمومينَ مَن لا يُطيقُ التَّطويلَ؛ إمَّا لعَجزِه أو مَرَضِه أو حاجَتِه، فإن كان المُصَلِّي مُنفرِدًا فليُطَوِّلْ ما شاءَ؛ لأنَّه لا يضُرُّ أحَدًا بذلك.
ومِن كراهَتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للتَّطويلِ الذي يضُرُّ النَّاسَ أو يعوقُهم عن أعمالِهم أنَّه لَمَّا جاءَه رَجُلٌ وأخبَرَه أنَّه يتَأخَّرُ عن صَلاةِ الصُّبحِ مَعَ الجَماعةِ مِن أجلِ الإمامِ الذي يُصَلِّي بهم، فيُطيلُ الصَّلاةَ، غَضِبَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غَضَبًا شَديدًا، وقال: إنَّ مِنكم مَن يُنفِّرُ النَّاسَ عن طاعةِ اللَّهِ، ويُكَرِّهُ إليهمُ الصَّلاةَ ويُثقِّلُها عليهم، فأيُّكم أمَّ النَّاسَ فليوجِزْ؛ فإنَّ مِنهمُ العاجِزينَ وذَوي الحاجاتِ) [1725] ((تيسير العلام شرح عمدة الأحكام)) للبسام (ص: 141).

انظر أيضا: