وقع حريق عظيم بساحل بولاق لم يُسمَعْ بمثله في سالف الأعصار إلا قليلًا، بحيث إنَّه أتى على غالب أملاك بولاق من ساحل النيل إلى خط البوصة التي هي محل دفن أموات أهل بولاق، وعجز الأمراء والحكام عن إخماده، وكان من أمر هذا الحريق أنه لما كان صبيحة يوم الجمعة سادس رجب هبت ريح عظيمة وعظمت حتى اقتلعت الأشجار وألقت بعض المباني، واستمرت في زيادة ونمو إلى وقت صلاة الجمعة، فلما كان وقت الزوال أو بعده بقليل احترق ربع الحاج عبيد البرددار بساحل البحر، وذهب الربع في الحريق عن آخره ومات فيه جماعة من الناس، كل ذلك في أقل من ساعة رمل، ثم انتقلت النار إلى ربع القاضي زين الدين أبي بكر بن مزهر وغيره، وهبت الرياح وانتشرت النيران على الأماكن يمينًا وشمالًا، وحاجب الحجَّاب وغيره من الأمراء والأعيان وكل أحد من الناس في غاية الاجتهاد في تخميد النار بالطفي والهدم، وهي لا تزداد إلا قوة وانتشارًا على الأماكن، إلى أن وصلت النار إلى ربع الصاحب جمال الدين ناظر الجيش والخاص، وإلى الحواصل التي تحته، وأحرقت أعلاه وأسفله، وذهب فيه من بضائع الناس المخزونة فيه ما لا ينحصر كثرة، وسارت النار إلى الدور والأماكن من كل جهة، هذا وقد حضر الحريق جميع أمراء الدولة بمماليكهم وحواشيهم، شيئًا بعد شيء، والأمر لا يزداد إلا شدة، إلى أن صار الذي حضر من الناس لأجل طفي النار كالمتفرِّج من عِظَم النار والعجز عن إخمادها، وصارت النار إذا وقعت بمكان لا تزال به حتى يذهب جميعه، ويضمحل عن آخره، فعند ذلك فطن كل أحد أن النار تسير من دار إلى دار إلى أن تصل إلى القاهرة؛ لعِظَم ما شاهدوا من هولها، والريح يتداول هبوبها من أول النهار إلى نصف الليل؛ ولشدة هبوب الريح صارت رياحًا؛ لأنها بقيت تهب من سائر الجهات، فيَئِس كل من كان له دار تحت الريح، وتحقق زوالها، وشرع في نقل متاعه وأثاثه، واستمر الأمراء والأعيان يشاهدون الحريق، ويطفئون ما قدروا عليه من أطراف المواضع المنفردة؛ وأما الحريق العظيم فلا يستجرئ أحد أن يقربه لعِظَمِه، بل يشاهدونه من بعيد، واستمروا على ذلك إلى بعد أذان عشاء الآخرة، ثم ذهب كل واحد إلى داره والنار عمالة إلى نصف الليل، فأخذ أمر الريح في انحطاط، فعند ذلك اجتهد كل أحد في إخمادها، وأقاموا على ذلك أيامًا كثيرة، والنار موجودة في الأماكن والجُدُر والحيطان، والناس تأتي لبولاق أفواجًا للفرجة على هذا الحريق العظيم، فكان عدة ما احترق فيه من الأرباع زيادة على ثلاثين رَبْعًا، كل رَبْع يشتمل على مائة سكن وأكثر، وما به من الحوانيت والمخازن ما خلا الدور والأماكن والأفران والحوانيت وغير ذلك، وقد اختُلِفَ في سبب هذا الحريق على أقوال كثيرة، منهم من قال: إنها صاعقة نزلت من السماء، ومنهم من قال: إن الأرض كأن النار تنبع منها، ثم بعد ذلك بأيام أشيع أن الذي كان يفعل ذلك ويلقي النار في الأماكن هم جماعة من القرمانية ممن أحرق العسكر المصري أمكنَتَهم لما توجهوا إلى تجريدة ابن قرمان، وشاع القولُ في أفواه الناس، ثم ظهر للناس بعد ذلك أن الذي صار يحرق من الأمكنة بالقاهرة وغيرها بعد حريق بولاق إنما هو مِن فِعلِ المماليك الجلبان، لينهبوا ما في بيوت الناس عندما تُحرق، فإنه تداول إحراق البيوت أشهرًا، ثم تداول الحريق بعد ذلك بخط بولاق والقاهرة، وقوي عند الناس أن الذي يفعل ذلك إنما هو من تركمان ابن قرمان، ثم وقع الحريق أيضًا في شعبان بأماكن كثيرة، وتداول الحريق بالقاهرة وظواهرها، وضرَّ ذلك كثيرًا بحال الناس، وقد قوي عندهم أن ذلك من فعل القرمانية والمماليك الأجلاب: يعنون بالقرمانية والأجلاب أن القرمانية إذا فعلوا ذلك مرةً ويقع الحريق، فتَنهَبُ المماليك الأقمشة وغيرها لِما يطلبون الدور المحروقة للطفي، فلما حسن ببال المماليك ذلك صاروا يفعلون ذلك.
لما فُقِدَ الملك الناصر وقتَ الظهر من يوم الأحد خامس عشرين ربيع الأول بادر الأمراء بالركوب إلى القلعة، وهم طائفتان: الطائفة التي خالفت الناصر وحاربته، ويرجع أمرُهم إلى الأمير يشبك الدوادار، والطائفة الأخرى هي التي وَفَت للناصر، وكبيرهم الأمير الكبير بيبرس ابن أخت الظاهر، وحاربت يشبك الدوادار ومن معه، فلما صار الفريقان إلى القلعة، منعهم الأمير سودون تلى المحمدي أمير أخور من صعود القلعة، وهم يضرعون إليه من بعد نصف النهار إلى بعد غروب الشمس، ثم مكَّنهم من العبور من باب السلسلة، وقد أحضروا الخليفة والقضاة الأربعة، واستدعوا الأمير عبد العزيز بن الظاهر برقوق، وقد ألبسه سعد الدين إبراهيم بن غراب الخِلعة الخليفتية، وعمَّمه، فعهد إليه الخليفة أبو عبد الله محمد المتوكل على الله بالسلطنة، ولقَّبوه الملك المنصور عز الدين، وكنَّوه بأبي العز، وذلك عند أذان عشاء الآخرة، من ليلة الاثنين سادس عشرين ربيع الأول، وقد ناهز الاحتلام، وقام سعد الدين إبراهيم بن غراب كاتب سر مصر بأعباء المملكة، يدبر الأمراء كيف شاء، والمنصور تحت كفالة أمِّه، ليس له من السلطنة سوى مجرد الاسم في الخطبة، وعلى أطراف المراسيم.
ثارت العامَّةُ يدًا واحدةً في يوم الجمعة تاسِعَ ربيع الآخر، وهَدَموا كنيستينِ مُتقابلتَينِ بالزهري، وكنيسة بستان السكري، وتعرف بالكنيسة الحمراء، وبعض كنيستين بمصرَ، ففي هذا اليوم الجمعة تاسع ربيع الآخر بطل العَمَلُ وقتَ الصلاةِ لاشتغالِ الأمراء بالصلاةِ، اجتمع من الغلمانِ والعامَّة طائفةٌ كبيرة، وصرخوا صوتًا واحدًا: اللهُ أكبر، ووقعوا في أركانِ الكنيسة بالمساحي والفُؤوسِ حتى صارت كُومًا، ووقع مَن فيها من النصارى، وانتهب العامَّةُ ما كان بها، والتفَتوا إلى كنيسة الحمراء المجاورة لها، وكانت من أعظَمِ كنائس النصارى، وفيها مالٌ كبير، وعِدَّةٌ من النَّصارى ما بين رجالٍ ونساءٍ مُتَرَهِّبات، فصعدت العامَّةُ فوقها، وفتحوا أبوابَها ونهبوا أموالَها وخُمورَها، وانتقلوا إلى كنيسةِ بومنا بجوار السبع سقايات، وكانت مَعبدًا جليلًا من معابد النصارى، فكَسَروا بابَها ونهبوا ما فيها، وقَتَلوا منها جماعة، وسَبَوا بنات كانوا بها تزيد عِدَّتُهن على ستين بكرًا، فما انقضت الصلاة حتى ماجت الأرضُ، فلما خرج الناسُ من الجامع رأوا غبارًا ودخانَ الحريق قد ارتفعا إلى السَّماءِ، وما في العامَّةِ إلَّا من بيده بنتٌ قد سباها أو جَرَّة خمرٍ أو ثوب أو شيء من النهب، فدُهِشوا وظنُّوا أنها الساعة قد قامت، وقَدِمَ مملوك والي مصر وأخبر بأن عامَّتَها قد تجمَّعَت لهدم كنيسة المعلَّقة حيث مسكَنُ البطرقِ وأموال النصارى، ويَطلُبُ نجدة، فلِشِدَّةِ ما نزل بالسلطان من الغَضَبِ هَمَّ أن يركَبَ بنَفسِه، ثم أردف أيدغمش بأربعةِ أمراء ساروا إلى مصر، وبعث بيبرس الحاجِبَ، وألماس الحاجب إلى موضع الحفر، وبعث طينالَ إلى القاهرة، ليضعوا السيف فيمن وَجَدوه، فقامت القاهرةُ ومصر على ساق، وفَرَّت النهَّابة، فلم تُدرِك الأمراءُ منهم إلا من غلب على نفسِه بالسُّكرِ مِن الخمر، وأدرك الأميرُ أيدغمش والي مصر وقد هزمته العامَّةُ من زقاق المعلقة، وأنكَوا مماليكَه بالرَّميِ عليهم، ولم يبقَ إلَّا أن يحرقوا أبوابَ الكنيسة، فجَرَّد هو ومن معه السيوفَ ليفتِكَ بهم، فرأى عالَمًا عظيمًا لا يحصيهم إلَّا خالِقُهم، فكفَّ عنهم خوفَ اتِّساعِ الخَرقِ، ونادى مَن وقَفَ فَدَمُه حلالٌ، فخافت العامَّةُ أيضًا وتفَرَّقوا، ووقف أيدغمش يحرُسُ المعَلَّقة إلى أن أُذِّنَ بالعصر، فصلى بجامع عمرو بن العاص، وعيَّنَ خمسينَ حارِسًا للمَبيتِ مع الوالي على بابِ الكنيسة، وعاد. وقيل كأنَّما نودي في إقليم مصر بهدمِ الكنائس، وأوَّل ما وقع الصوتُ بجامع قلعة الجبل, وذلك أنَّه لما انقضت صلاةُ الجمعة صرخ رجلٌ مُولَهٌ في وسط الجامع: "اهدِموا الكنيسةَ التي في القلعةِ"، وخرج في صراخه عن الحَدِّ واضطرب، فتعجَّب السلطانُ والأمراء منه، ونُدِبَ نقيب الجيش والحاجب لتفتيش سائر بيوت القلعة، فوجدوا كنيسةً في خرائب التتر قد أُخفِيَت، فهدموها، وما هو إلَّا أن فرغوا من هَدمِها والسلطانُ يتعَجَّبُ إذ وقع الصراخُ تحت القلعة، وبلغه هدمُ العامَّة للكنائس، وطُلِبَ الرجُلُ المُولَهُ فلم يُوجَدْ، وعندما خرج الناسُ من صلاة الجمعة بالجامع الأزهر من القاهرة رأوا العامةَ في هرج عظيم، ومعهم الأخشابُ والصُّلبان والثياب وغيرها، وهم يقولون: "السلطانُ نادى بخراب الكنائس"، فظنُّوا الأمر كذلك، وكان قد خُرِّبَ من كنائس القاهرة سوى كنيستي حارة الروم وحاره زويلة وكنيسة بالبندقانيين كنائس كثيرة، ثم تبيَّنَ أنَّ ذلك كان من العامة بغير أمر السلطان، فلما كان يومُ الأحد الحادي عشر سقط الطائِرُ من الإسكندرية بأنَّه لَمَّا كان الناس في صلاة الجمعة تجمَّع العامَّةُ وصاحوا هُدِمَت الكنائس، فركب الأميرُ بدر الدين المحسني متولي الثغر بعد الصلاةِ لِيُدرِك الكنائس، فإذا بها قد صارت كُومًا، وكانت عِدَّتُها أربع كنائس، ووقعت بطاقةٌ من والي البحيرة بأنَّ العامَّةَ هَدَمت كنيستين في مدينة دمنهور، والنَّاسُ في صلاة الجمعة، ثمَّ ورد مملوكُ والي قوص في يوم الجمعة السابع عشر، وأخبر بأنه لما كان يوم الجمعة هدم العامَّةُ سِتَّ كنائس بقوص في نحو نصف ساعة، وتواترت الأخبار من الوجه القبلي والوجه البحري بهدم الكنائس وقت صلاةِ الجمعة، فكثُرَ التعَجُّبُ من وقوع هذا الاتِّفاق في ساعةٍ واحدة بسائر الأقاليم، وكان الذي هُدِمَ في هذه الساعة من الكنائِسِ سِتُّونَ كَنيسةً!!
شاركَتْ فيه جميعُ الدول العربيةِ باستثناء مِصرَ، وكانت أقصَر قِمةٍ عربية؛ فلم تَستغرِقْ أكثرَ مِن خمْسِ ساعاتٍ، رفَضَت خلالها سُوريَةُ ودُولُ جَبْهة المواجهةِ ما طُرح مِن أجْلِ حلِّ أزمة الشرق الأوسط، وأعلنت القِمةُ تَعليقَ أعمالِها على أن تُستأنَفَ في وقتٍ لاحقٍ.
وقع بالبصرة بَرَد كثير، وهو مع كثرتِه عظيمُ القَدرِ، قيل: كان أصغرُه مثل النارنجة- نوع من الليمون- الكبيرة، وقيل في أكبرِه ما يستحي الإنسانُ أن يذكُرَه، فكسر كثيرًا من رؤوسِ النخيل. وفي صفَر من نفس العام هبَّت ببغداد ريحٌ سوداءُ شديدة، كثيرةُ الغبار والقتام، وألقت رملًا كثيرًا، وقلعت كثيرًا من الشَّجَر، فخاف الناسُ وتضَرَّعوا، ودامت من العشاءِ الآخرة إلى ثلث الليل ثم انكشَفَت.
توجَّه أبو الحَسَنِ علي بن عثمان المريني من فاس على رأسِ جَيشٍ واستولى على تلمسان التي كانت تحتَ حكم آل زيان، والقضاء على أبي تاشفين عبد الرحمن بن موسى خامس ملوك آل زيان من بني عبد الواد، وبذلك انتهى حكمُ بني زيان وامتَدَّ سلطان المرينيين إلى المغرِبِ الأوسَطِ.
فوض ملك التتار إلى علاء الدين صاحب الديوان ببغداد النظرَ في تستُرَ وأعمالِها، فسار إليها ليتصَفَّحَ أحوالها فوجد بها شابًّا من أولاد التجَّار يقال له "لي" قد قرأ القرآنَ وشَيئًا من الفقه والإشارات لابن سينا، ونظر في النجوم، ثمَّ ادعى أنه عيسى ابن مريم، وصَدَّقه على ذلك جماعةٌ من جهلة تلك الناحية، وقد أسقَطَ لهم من الفرائِضِ صلاةَ العصر وعِشاء الآخرة!! فاستحضره وسأله عن ذلك فرآه ذكيًّا، إنما يفعل ذلك عن قصدٍ، فأمر به فقُتِلَ بين يديه، جزاه الله خيرًا، وأمر العوامَّ فنهبوا أمتعَتَه وأمتعة العوامِّ ممَّن كان اتبعه.
عَظُمَ أمرُ الحَنابلةِ ببغداد، وقَوِيَت شوكَتُهم، وصاروا يكبِسونَ دُورَ القوَّادِ والعامَّة، وإن وَجَدوا نبيذًا أراقوه، وإن وجدوا مغنِّيةً ضربوها وكسروا آلةَ الغناء، واعترضوا في البيعِ والشِّراءِ، وفي مشيِ الرِّجالِ مع الصِّبيان, كان البربهاري شيخُ الحنابلةِ في عَصرِه مُقيمًا في بغداد, وله فضلٌ كبيرٌ في الدعوةِ إلى الرجوع إلى منهجِ السَّلَفِ في العقيدة وإنكارِ البِدَع والخُرافات، وله مواقِفُ شديدةٌ على أهل البِدَع والفِرَق وخاصَّةً الشِّيعة، وكان المخالِفونَ له يغيظونَ قَلبَ السُّلطانِ عليه. فرَكِبَ بدرٌ الخرشَنيُّ، وهو صاحِبُ الشُّرطة، ونادى في جانبَيْ بغداد، في أصحابِ أبي محمَّد البربهاريِّ الحنابلة، ألَّا يجتَمِعَ منهم اثنانِ ولا يتناظَروا في مذهَبِهم، ولا يصلِّي منهم إمامٌ إلَّا إذا جهر ببسمِ الله الرحمن الرحيم في صلاةِ الصُّبحِ والعشاءَينِ، فلم يُفِدْ فيهم، فخرج توقيعُ الراضي بما يُقرأُ على الحنابلة يُنكِرُ عليهم فِعلَهم، ويوبِّخُهم وأنَّ أميرَ المؤمنين يقسِمُ بالله قسمًا جَهدًا إليه يلزَمُه الوفاءُ به؛ لئِنْ لم تنتهوا عن مذمومِ مَذهَبِكم ومُعْوَجِّ طريقتِكم، ليُوسِعَنَّكم ضربًا وتشريدًا، وقتلًا وتبديدًا، وليستعمِلَنَّ السَّيفَ في رقابكم، والنَّارَ في منازِلِكم ومحالِّكم. وحُبِسَ منهم جماعةٌ ونُفِيَ بعضُهم إلى البصرة، واستتر الشيخُ البربهاريُّ إلى أن مات وهو مستَتِرٌ.
هو السُّلطانُ شِهابُ الدين أبو المظفَّر محمَّد بن سام الغوري، مَلِكُ غزنة وبعض خراسان. كان ملكًا شجاعًا غازيًا، عادلًا حَسَنَ السيرة، يحكُمُ بما يوجِبُه الشرع، يُنصِفُ الضعيفَ والمظلوم، وكان يَحضُرُ عنده العُلَماءُ. لما مات أخوه السلطان غياث الدين، قَبَضَ شهاب الدين على جماعةٍ مِن خواصِّ أخيه وأتباعه وصادرهم. قُتِلَ شهاب الدين بعد عودته من لهاوور، بمنزلٍ يقال له دميل، وقتَ صلاة العشاء، وكان سبَبُ قتله أن نفرًا من الكُفَّار الكوكرية لَزِموا عسكره عازمينَ على قتله، كما فعَلَ بهم من القَتلِ والأسر والسَّبيِ، فلما كان هذه الليلة تفَرَّق عنه أصحابُه، وكان معه من الأموالِ ما لا يُحصى، فإنَّه كان عازمًا على قصد الخطا والاستكثار مِن العساكِرِ، وتفريق المال فيهم، وكان على نيَّةٍ جيدة من قتال الكُفَّار، وبقي وحده في خركاه، فثار أولئك النفر، فقَتَل أحَدُهم بعضَ الحُرَّاس بباب سرادق شهاب الدين، فلما قَتَلوه صاح، فثار أصحابُه من حول السرادق لينظُروا ما بصاحِبِهم، فأخلَوا مواقِفَهم، وكَثُرَ الزحام، فاغتَنَم الكوكرية غفلَتَهم عن الحفظ، فدخلوا على شهابِ الدين وهو في الخركاه، فضَرَبوه بالسكاكين اثنتين وعشرين ضربةً فقتلوه، فدخل عليه أصحابُه، فوجدوه على مصلَّاه قتيلًا وهو ساجِدٌ، فأخذوا أولئك الكُفَّار فقتلوهم، وقيل: إنما قتَلَه الإسماعيليَّةُ؛ لأنهم خافوا خروجه إلى خراسان، فلمَّا قُتِلَ اجتمع الأمراء عند وزيره مؤيد الملك بن خوجا سجستان، فتحالَفوا على حِفظِ الخزانة والملك، ولزوم السَّكينة إلى أن يظهَرَ من يتولاه، وتقَدَّمَ الوزير إلى أمير داذ العسكر بإقامةِ السياسة، وضَبط العسكر. وصيَّروا السلطان في محفَّة، وحَفُّوها بالجسم والصناجق يوهمون أنه حيٌّ, وكانت الخزانةُ على ألفين ومائتي جَمَل، وساروا إلى أن وصلوا إلى كرمان، وكاد يتخَطَّفُهم أهلُ تلك النواحي، فخرج إليهم الأميرُ تاج الدين ألدز، فجاء ونزل وقَبَّل الأرض، وكَشَف المحَّفة، فلما رأى السلطان ميتًا، شَقَّ ثيابه وبكى، وبكى الأمراءُ وكان يومًا مشهودًا. وكان ألدز من أكبَرِ مماليكه وأجَلِّهم، فلمَّا قُتِلَ شهاب الدين طَمِعَ أن يَملِكَ غزنة، وحُمِل السلطان إلى غزنة، فدُفِن في التربة التي أنشأها.
لَمَّا كان في مستهَلِّ شَهرِ ربيع الآخر نزل السلطانُ من قلعة الجبل وعَدَّى إلى بر الجيزة ليتوجه إلى الصيدِ بالبحيرة، بعد أن ألزم الأمراءَ أن يجعلوا- في الشواني التي نجز عملها برسم الغُزاة- العِدَد والسلاحَ والرجالَ على هيئة القِتالِ؛ لِيَنظُرَ السلطان والنَّاس، ثم سار السلطان والأتابك يلبغا بالعساكِرِ مِن بر الجيزة يريدون البحيرةَ حتى نزلوا في ليلة الأربعاء سادسَ شهر ربيع الآخر بالطرانة وباتوا بها، وكانت مماليكُ يلبغا قد نَفِرَت قلوبُهم منه؛ لكثرةِ ظُلمِه وعَسفِه وتنوُّعِه في العذاب لهم على أدنى جُرمٍ، فاتفق جماعةٌ من مماليك يلبغا تلك الليلة على قَتْلِه من غير أن يُعلِموا المَلِكَ الأشرفَ هذا بشَيءٍ مِن ذلك، وركبوا عليه نِصفَ الليل، ورؤوسُهم من الأمراء: آقبغا الأحمدي الجلب، وأسندمر الناصري، وقجماس الطازي، وتغري برمش العلائي، وآقبغا جاركس أمير سلاح، وقرابغا الصرغتمشي، في جماعةٍ مِن أعيان اليلبغاوية، ولَبِسوا آلة الحرب وكبَسوا في الليل على يلبغا بخيمتِه بغتةً وأرادوا قتله، فأحسَّ بهم قبل وصولِهم إليه، فركِبَ فَرَس النوبةِ بخواصِّه من مماليكه، وهرب تحت الليل، وعَدَّى النيل إلى القاهرة، ومنع سائرَ المراكب أن يعدُّوا بأحد، واجتمع عنده من الأمراء طيبغا حاجِبُ الحجَّاب، وأيبك البدري أمير آخور، وجماعة الأمراء المقيمين بالقاهرة، وأمَّا مماليك يلبغا فإنَّهم لَمَّا عَلِموا بأن أستاذهم نجا بنَفسِه وهرب، اشتدَّ تخَوُّفُهم من أنَّه إذا ظَفِرَ بهم بعد ذلك لا يُبقي منهم أحدًا، فاجتمع الجميعُ بمن انضاف إليهم من الأمراءِ وغيرِهم وجاؤوا إلى المَلِك الأشرَفِ شعبان وهو بمُخَيَّمِه أيضًا بمَنزِلِه بالطرانة وكَلَّموه في مُوافَقَتِهم على قتالِ يلبغا فامتنع قليلًا ثم أجاب لِما في نفسه من الحزازةِ مِن حَجْرِ يلبغا عليه، وعدم تصَرُّفه في المملكة، وركِبَ السلطان بمماليك يلبغا وخاصكيَّته، فأخذوه وعادوا به إلى جهة القاهرة، وقد اجتمع عليه خلائِقُ من مماليك يلبغا وعساكر مصر، وساروا حتى وصلوا إلى ساحِلِ النيل ببولاق التكروري تجاه بولاق والجزيرة الوسطى، فأقام المَلِكُ الأشرف ببولاق التكروري يوم الأربعاء ويوم الخميس ويوم الجمعة، فلم يجدوا مراكِبَ يعدون فيها، وأما يلبغا فإنَّه لما علم أن الملك الأشرف طاوع مماليكَه وقَرَّبهم، أنزل من قلعة الجبل آنوك ابنَ الملك الأمجد حسين أخي الملك الأشرف شعبان وسَلْطَنَه ولَقَّبَه بالملك المنصور، وذلك بمُخَيَّمِه بجزيرة أروى المعروفة بالجزيرة الوسطانيَّة تجاه بولاق التكروري، حيث الملك الأشرف نازلٌ بمماليك يلبغا بالبر الشرقي والأشرف بالبر الغربي، فسَمَّتْه العوامُ سُلطان الجزيرة، ثمَّ في يوم الجمعة حضر عند الأتابك يلبغا الأمير طغيتمر النظامي والأمير أرغون ططر، فإنهما كانا يتصَيَّدان بالعباسة وانضافا بمن معهما إلى يلبغا فقَوِيَ أمره بهما، وعَدَّى إليه أيضًا جماعة من عند الملك الأشرف، وهم: الأمير قرابغا البدري، والأمير يعقوب شاه، والأمير بيبغا العلائي الدوادار، والأمير خليل بن قوصون، وجماعة من مماليك يلبغا الذين أمَّرَهم مثل: آقبغا الجوهري، وكمشبغا الحموي، ويلبغا شقير، في آخرين، واستمَرَّ الأتابك يلبغا وآنوك بجزيرة الوسطى، والملك الأشرف ومماليك يلبغا ببولاق التكروري، إلى أن حضر إلى الأشرفِ شَخصٌ يُعرَفُ بمحمد ابن بنت لبطة رئيس شواني السلطان، وجَهَّز للسلطانِ مِن الغربان التي عَمَّرَها برسم الغزاة نحو ثلاثينَ غُرابًا برجالها وكَسَر بروقها، وجعلها مثل الفلاةِ لأجلِ التَّعدية، فنزل فيها جماعةٌ مِن الأمراء ومن مماليك يلبغا ليعَدُّوا فيها إلى الجزيرة، فرمى عليهم يلبغا بمكاحِلِ النفط، وصار هؤلاء يرمون على يلبغا بالسهام فيردونَهم على أعقابِهم، وأخذ يلبغا ومن معه يرمون أيضًا النِّفطَ والنشاب، والأشرفيَّة لا يلتفتون إلى ذلك، بل يزيدونَ في سب يلبغا ولَعْنه وقتاله، وأقاموا على ذلك إلى عَصرِ يوم السبت، وقد قَوِيَ أمر الملك الأشرف وضَعُفَ أمر يلبغا، ثم اتفق رأيُ عساكر الملك الأشرف على تعدية المَلِك الأشرف من الورَّاق، فعدى وقتَ العَصرِ من الوراق إلى جزيرة الفيل وتتابعَتْه عساكره، فلما صاروا الجميعُ في بر القاهرة، وبلغ ذلك يلبغا، هرب الأمراءُ الذين كانوا مع يلبغا بأجمعهم وجاؤوا إلى الملك الأشرف وقَبَّلوا الأرض بين يديه، فلمَّا رأى يلبغا ذلك رجع إلى جهة القاهرة، ووقف بسوقِ الخيل من تحت قلعة الجبل، ولم يبقَ معه غير طيبغا حاجِبِ الحجَّاب الذي كان أولًا أستاداره، فوقف يلبغا ساعةً ورأى أمْرَه في إدبار، فنزل عن فَرَسِه بسوق الخيل تجاه باب الميدان، وصلَّى العصر، وحلَّ سَيْفَه وأعطاه للأميرِ طيبغا الحاجب، ثم نزل وقصَدَ بَيتَه بالكبش فرجمته العوامُّ مِن رأس سويقة منعم إلى أن وصل حيثُ اتجه، وسار الملك الأشرف شعبان بعساكره، حتى طلع إلى قلعةِ الجَبَلِ في آخر نهار السبت، وأرسل جماعةً منِ الأمراء إلى يلبغا، فأخذوه من بيتِه ومعه طيبغا الحاجِبُ، وطلعوا به إلى القلعةِ بعد المغرب، فسُجِنَ بها إلى بعدِ عشاء الآخرة، فلما أُذِّنَ للعشاء جاء جماعةٌ من مماليك يلبغا مع بعض الأمراء، وأخذوا يلبغا من سجنه وأنزلوه من القلعةِ، فلما صار بحدرة القلعة أحضروا له فَرَسًا ليركَبَه، فلما أراد الركوب ضَرَبه مملوكٌ مِن مماليكه يسمَّى قراتمر فأرمى رأسَه، ثم نزلوا عليه بالسيوفِ حتى هَبَروه تهبيرًا، وأخذوا رأسَه وجعلوها في مِشعَلِ النار إلى أن انقَطَع الدم، فلما رآه بعضُهم أنكره وقال: أخفيتُموه، وهذه رأسُ غَيرِه فرفعوه من المِشعَل، ومَسَحوه ليُعَرِّفوه أنَّه رأس يلبغا بسلعةٍ كانت خلفَ أذنه، فعند ذلك تحقَّقَ كُلُّ أحد بقتله، وأخذوا جثَّتَه فغَيَّبوها بين العروستين، فجاء الأميرُ طشتمر الدوادار فأخذ الرأسَ منهم في الليل، واستقصى على الجثَّةِ حتى أخذها، وحَطَّ الرأس على الجثة، وغَسَّلها وكفَّنَها وصلى عليه في الليل، ودفنه بتربتِه التي أنشأها بالصحراء بالقربِ مِن تربة خوند طغاى أم آنوك زوجة الناصر محمد بن قلاوون.
هو أبو العبَّاس- وقيل أبو جعفر- أحمد المعتَمِدُ على الله بن جعفر المتوكل بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد. ولِدَ سنة تسع وعشرين ومائتين بسُرَّ من رأى، وأمُّه روميَّة اسمها فتيان. كان أسمرَ رقيق اللون، خفيفًا، لطيف اللِّحية، أعْيَنَ جميلًا, كان مربوعًا نحيفًا, فلما استُخلِفَ سَمِنَ وأسرع إليه الشَّيبُ، استُخلِفَ بعد قتل المهتدي بالله في سادس عشر رجب سنة 256ه. مكث في الخلافة ثلاثًا وعشرين سنة وستة أيام، كان المعتَمِد أوَّلَ خليفةٍ انتقل من سامرَّا إلى بغداد، ثمَّ لم يعُدْ إليها أحَدٌ من الخلفاء، بل جعلوا إقامتَهم ببغداد، كان سبَبَ هلاكِه- فيما ذكره ابن الأثيرِ- أنَّه شَرِبَ في تلك الليلةِ شَرابًا كثيرًا وتعشَّى عشاءً كثيرًا، وكان وقتُ وفاته في القصر الحُسَيني من بغداد، وحين مات أحضَرَ المعتضِدُ القضاةَ والأعيانَ وأشهَدَهم أنَّه مات حتْفَ أنفِه، ثمَّ غُسِّلَ وكُفِّنَ وصُلِّيَ عليه، ثم حُمِلَ فدُفِنَ بسامِرَّاء، ثم كانت خلافةُ المُعتَضِد أبي العباس أحمدَ بن أبي أحمد الموفَّق بن جعفر المتوكل، كان من خيارِ خُلَفاء بني العباس ورجالِهم، بويعَ له بالخلافةِ صبيحةَ مَوتِ المُعتَمِد لعشرٍ بَقِين من رجبٍ منها، وقد كان أمرُ الخلافةِ داثرًا فأحياه الله على يديه بعَدْلِه وشهامَتِه وجُرأتِه.
عندما ثار الأخُ الأوسَطُ مبارك بن صباح الصباح على أخيه الأكبر الشيخِ محمد أمير الكويتِ وقَتَله وقَتَل معه الأخَ الأصغَرَ جراحًا في ليلة واحدةٍ، تولى بعدها الشيخُ مبارك الصباح سُدَّة الإمارة في الكويتِ، وقيل: إنَّ الشيخ خزعل حاكِمَ المحمرة عاصِمةِ الأحواز كان له دورٌ في تشجيعِ مبارك على تصفية أخويه ليتفَرَّدَ بإمارةِ الكويتِ!
وقع وباءٌ وموتٌ عظيم في مكة، وهو الوباء المعروف بـ أبو زويعة (العقاص) وأوَّل ما وقع فيها قبل قدومِ الحاجِّ، ومات منه فئامٌ مِن الناس ثم ارتفع عنها مع دخول ذي الحجة، فلما كان يومُ النحر حلَّ الوباء والموت العظيم ثانيًا في الحاجِّ وغيرِهم، وقيل: لم يبقَ من حاج الشامِ إلا قدرُ ثلُثِه، ومن حاجِّ أهل نجد من كلِّ بلد هلك بعضُهم نصفُه، وبعضهم أقل أو أكثر، وأُحصي من مات من أهل مكة فكانوا 16 ألف نفسٍ، ولَمَّا قَدِمَ الحاج الشامي المدينةَ بالليل راجعًا من مكة وقع الموتُ في الناس وقتَ السَّحَرِ، وحل بهم أمرٌ عظيمٌ، فخرج أهل المدينة بالنساء والأطفال وتضرَّعوا في حرَمِ النبي صلى الله عليه وسلم، حتى رفع اللهُ عنهم البلاء.
حصل في السماء تغييرٌ عند طلوع الشمس وعند غروبها؛ ففي آخر صفر ليلة خمس وعشرين وست وعشرين منه، صار في السماء والأرض نورٌ قريبٌ من نور القمر، واستمَرَّ إلى آخر الشهر، فلما كان سابع ربيع الأول صار قَترٌ في السماء وتغيرت الشمسُ، وفي أول العشر الأواخر من هذا الشهر ظهرت الشمسُ مِن المشرق خضراءَ كأنَّها قطعةُ زجاج وصارت تلك الخُضرةُ في الجدران والأرض، وحسبها الناس كسوفًا! وفي هذا الشهر صار في الأُفقِ حُمرةٌ زائدة بعد غروب الشمس وقبل طلوعها، واستمَرَّ أيامًا، وشوهِدَ قبل انفلاق الصبح حمرةٌ بادية من جهة الشمال ليس من جهة الفجر نحو ثلاثة أيام، وفي النصف من هذا الشهر بعد صلاة المغرب ظهر من الأفق حمرةٌ عظيمة من جهة الجَدْي، ثم سارت إلى المغرب وأضاءت الأرض والجدران، واخضرَّت واحمَرَّت، حتى ظن الناسُ أن الشمس لم تغرب. وفي ربيعٍ الثاني في أوله اجتمع من السياراتِ خمسةٌ في برج الأسد (الشمس والقمر، والمريخ وزحل وعطارد).
هو أميرُ المؤمنينَ الخليفةُ الحاكِمُ بأمر الله أبو العباس أحمد بن المسترشد بالله الهاشمي العباسي البغدادي المصري، بويِعَ بالخلافة بالدَّولةِ الظاهرية في أول سنة 661، فاستكمل أربعينَ سنةً في الخلافة، وتوفِّيَ ليلة الجمعةِ ثامن عشر جمادى الأولى، وصُلِّيَ عليه بجامع ابن طولون، ودُفِنَ بجوار المشهد النفيسي وقتَ صلاةِ العَصرِ بسوق الخيل، وحَضَر جنازته الأعيانُ والدولةُ كُلُّهم مُشاةً، وكان قد عَهِدَ بالخلافة إلى وَلَدِه أبي الربيع سليمان، وتلقَّبَ بالمستكفي باللهِ، وقرئ كتاب تقليدِه بالخلافة بحَضرةِ السلطان المَلِك الناصر محمد بن قلاوون والدَّولة يوم الأحد عشرين من ذي الحجة مِن هذه السنة، وخُطِبَ له على المنابِرِ بالبلادِ المصريَّة والشاميَّة، وسارت بذلك البريديَّةُ إلى جميع البلاد الإسلاميَّة.