في تاسع جمادى الأولى من هذه السنة استولى الفرنجُ على حصن الداروم، فخَرَّبوه، ثمَّ ساروا إلى بيت المقدس وصلاحُ الدين فيه، فبَلَغوا بيت نوبة، وكان سَبَبُ طمعهم أن صلاح الدين فَرَّقَ عساكره الشرقية وغيرَها؛ لأجل الشتاء ليستريحوا، ولِيَحضُرَ البَدَل عِوَضَهم، وبَقِيَ من قواته الخاصة بعض العساكر المصريَّة، فظنوا أنهم ينالون غَرَضًا، فلما سمع صلاح الدين بقُربِهم منه فَرَّقَ أبراجَ البلد على الأمراء، وسار الفِرنجُ مِن بيت نوبة إلى قلونية، آخِرَ الشهر، وهي على فرسخين من القُدس، فصَبَّ المسلمون عليهم البلاءَ، وتابعوا إرسالَ السرايا فبُلِيَ الفرنج منهم بما لا قِبَلَ لهم به، وعَلِموا أنهم إذا نازلوا القدسَ كان الشرُّ إليهم أسرعَ والتسَلُّطُ عليهم أمكَنَ، فرجعوا القهقرى، وركب المسلمونَ أكتافَهم بالرِّماح والسهام، ولما أبعد الفرنجُ عن يافا سيَّرَ صلاح الدين سرية من عسكَرِه إليها، فقاربوها، وكَمَنوا عندها، فاجتاز بهم جماعةٌ من فرسان الفرنج مع قافلة، فخَرَجوا عليهم، فقتلوا منهم وأسَروا وغَنِموا، وكان ذلك آخِرَ جمادى الأولى.
خاض الأسطول العثماني معركةً بحرية مع الأسطول البرتغالي المكوَّن من 190 سفينة حربية و210 سفن نقل محمَّلة بستة وعشرين ألف جندي، وذلك قربَ جزيرة ديو الواقعة في المحيط الهندي، والتي تبعد عن شمال جزيرة بومباي بمسافة 250 كم. وقد حقَّق العثمانيون انتصارًا كبيرًا في هذه المعركة.
بعد تولِّي السلطان محمود الثاني مقاليدَ الحكم في البلاد رأى أن يبدأ بالإصلاحِ الحربي، فكلَّف الصدر الأعظم مصطفى البيرقدار بتنظيم الإنكشارية وإصلاحِ أحوالهم، وإجبارِهم على اتِّباع التنظيمات القديمة الموضوعة منذ عَهدِ السلطان سليمان القانوني، والتي كانت قد أُهمِلَت شيئًا فشيئًا، فقامت فِرَق الإنكشارية العثمانية بثورةٍ عنيفة ضدَّ السلطان.
لَمَّا بلغ عبد العزيز أنَّ ابن بجاد زعيم عتيبة وأمير الغطغط -أول هجرة لقبيلة عتيبة- التقى بجماعةٍ مِن تجار القصيم فقتَلَهم واستباح أموالَهم، أذن بالزَّحفِ على الإخوان العصاةِ، فاجتمع مع عبد العزيز على حَربِ المتمرِّدين من الإخوان (إخوان من أطاع الله) حَضَرُ نجدٍ وبوادي حرب وقحطان وسبيع من الإخوان، وقِسْم من عتيبة المعارضين للدويش وابن بجاد، وخرج بهم عبد العزيز في 22 رمضان من هذا العام، وقد تجمَّعت قواتُ فيصل الدويش وابن بجاد في مكانٍ يقال له روضة السبلة -بين الزلفي والأرطاوية- وفي يوم 18 شوال 30 مارس هاجم الإخوانُ بقيادة فيصل الدويش زعيم مطير جيوشَ الملك عبد العزيز، وحملت عليهم قواتُ الملك عبد العزيز حملةً عنيفة لم يقدِروا على رَدِّها، ولم ينتصف النهار حتى ولَّى الإخوانُ الأدبارَ، ففَرَّ ابنُ بجاد من المعركة، وجُرِحَ الدويش فتمكَّنَ أحدُ أتباعه أن ينجوَ به إلى الأرطاوية، ثم حُمل جريحًا إلى الملك يحوطُ به بناتُه وزوجته وهنَّ يبكين يستشفِعْنَ فيه، وأُنزِلَ بين يديه فالتفت إليه الملك قائلًا: هذا فِعلُك بيدك، فأجاب الدويش: يا الإمامُ إن عاقَبْتَ فبذنوبنا، وإن عفَوْتَ فأنت أهلُ العفو، فعفا عنه، وبعد ثلاثة أيام استسلم ابن بجاد في مدينة شقراء، فأمر بسَجنِه في الأحساء؛ لأنَّه كان أكثر قادة الإخوان قناعةً بمبادئه وإيمانه بها؛ ولذلك لم يأمن الملك عبدالعزيز أن يعاوِدَ ابن بجاد انتفاضته لاحقًا ضد الدولة، كما أمر بتدمير بيوتِ الغطغط وأخْذ أسلحتهم؛ لإنهاء مقاومة ابن بجاد تمامًا، ثم أمر الملك ولده وأخاه بتأديبِ العصاة من الإخوان حَسَبَ درجاتِهم، كما أمر ابن جلوي بتأديبِ العجمان في شرق البلاد.
طمع أحمد باشا في منصب الصدر الأعظم ولم يفلحْ في تحقيق هدفه، وطلب من السلطانِ أن يعيِّنَه واليًا على مصر فعَيَّنه، وما إن وصل إلى مصر حتى حاول استمالةَ الناس وأعلن نفسه سلطانًا مستقلًّا؛ حيث جمع حولَه بعض مماليك الشراكسة وشيوخ العربان، وأعاد تنصيبَ المتوكل على الله الخليفة العباسي المتنازل عن الخلافة للعثمانيين، وسرَّح الجيش الانكشاري عنده، ونظَّم جيشًا جديدًا من المماليك وحاول كذلك أن يوطِّدَ علاقات مع فرسان القديس يوحنا ومع الشاه الصفوي إسماعيل شاه، ولكِنَّ الخليفة العثماني سليمان القانوني أرسل له حملةً إلى مصر بقيادة إبراهيم باشا، وكان أحمد باشا الوالي قد هرب من أميرين كان أمر بسجنهما، فهرب إلى ابن قرفة شيخ العرب، ولكنهما لاحقاه حتى قبضا عليه، وقتله إبراهيم باشا وقمع هذا العصيان الذي لم يدُمْ طويلا، وتولى ولايةَ مصر إبراهيم باشا.
هو العلَّامةُ فيلسوف الوقت، أبو الوليد محمد بن أبي القاسم أحمد بن شيخ المالكيَّة أبي الوليد محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد القرطبي. حفيدُ العلَّامة ابن رشد الفقيه المتوفى سنة 520، وُلِدَ سنة عشرين قبل وفاة جده العلامة بشهر واحد. درس الفقه والأصول حتى برَعَ فيه وأقبل على عِلمِ الكلام والفلسفة وعلوم الأوائل، حتى صار يُضرَبُ به المثَلُ فيها. واشتغل بالطبِّ والرياضيات. كان ذكيًّا رَثَّ البَزَّة، قَوِيَّ النفس، أوحَدَ زمانه في علم الفقه والخلاف. نُفِيَ إلى بلاد المغرب بسبب اشتغالِه بالفلسفة، وله كُتُب في الفقه والأصول واللغة، كان شديدَ الإعجاب بأرسطو. ألفَّ ابن رشد كتابًا رَدَّ فيه على كتابِ الغزالي (تهافُت الفلاسفة) مدافعًا فيه عن آراء الفلاسفة، وله كتابُ جوامع كتب أرسطوطاليس، وله في الطب كتاب الكليَّات في وظائف الجسم ومنافعها، وكتاب شرح أرجوزة ابن سينا في الطب، وله كتب أخرى في الفقه، مثل التحصيل، وله الكتاب المشهور بداية المجتهد ونهاية المقتصد، قال عنه الذهبي: "كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد في الفقه، عَلَّلَ فيه ووَجَّه، ولا نعلَمُ في فنه أنفَعَ منه، ولا أحسَنَ مَساقًا"، وله كتابُ الكشف عن الأدلة في عقائد الملة، الذي رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية. نقل الذهبي عن ابن الأبار الأندلسي أنه قال: "لم ينشأ بالأندلس مثله كمالًا وعِلمًا وفَضلًا. قال: وكان متواضِعًا، منخفِضَ الجناح، عُنِيَ بالعلم حتى حُكِيَ عنه أنه لم يترك النظَرَ والقراءة مذ عَقِلَ إلَّا ليلة وفاة أبيه وليلة عُرسِه، وأنه سوَّدَ فيما صَنَّف وقَيَّد, واختصر نحوًا من عشرة آلاف ورقة، ومال إلى علوم الأوائل، فكانت له فيها الإمامةُ دون أهل عصره. وكان يُفزَعُ إلى فُتياه في الطب كما يُفزَعُ إلى فتياه في الفقه، مع الحظِّ الوافِرِ مِن العربية, وقيل: كان يحفَظُ ديوان حبيب والمتنبي". قال الذهبي: قال ابن بشكوال: "كان ابن رشد فقيهًا عالِمًا، حافِظًا للفقهِ، مُقَدَّمًا فيه على جميع أهل عصره، عارفًا بالفتوى على مذهب مالك وأصحابه، بصيرًا بأقوالهم، نافذًا في علم الفرائض والأصول، من أهل الرياسةِ في العلم والبراعة والفهم، مع الدِّينِ والفضل والوَقار والحلم، والسَّمت الحَسَن والهَدْي الصالح" وليَ قضاء قرطبة بعد أبي محمد بن مغيث، فحُمِدَت سيرته وعَظُم قَدْرُه. قال شيخ الشيوخ تاج الدين: "لَمَّا دخلتُ إلى البلاد سألتُ عنه، فقيل: إنه مهجورٌ في داره من جهةِ المنصور يعقوب الموحدي، ولا يدخُلُ أحَدٌ عليه، ولا يخرج هو إلى أحَدٍ. فقيل: لم ؟ قالوا: رُفِعَت عنه أقوالٌ رَدِيَّة، ونُسِبَ إليه كثرةُ الاشتغال بالعلوم المهجورة من علوم الأوائل. ومات وهو محبوسٌ بداره بمراكش ". اعتقله السلطانُ المنصور يعقوب وأهانه، ثم أعاده إلى الكرامةِ، استدعاه واحتَرَمه وقَرَّبَه، حتى تعدى به الموضِعَ الذي كان يجلِسُ فيه الشيخ عبد الواحد بن أبي حفص الهنتاتي، ثم بعد ذلك نَقِمَ عليه لأجل الحِكمة واشتغالِه بالفلسفة, ومات محبوسًا بداره بمراكش، ومات السلطان المنصورُ بعده بشهر.
هي المَلِكةُ عِصمةُ الدين أمُّ خليل شَجَرةُ الدر كانت تركيةَ الجنس، وقيل بل أرمنيَّة، اشتراها الملِكُ الصالح نجم الدين أيوب، وحَظِيَت عنده بحيث كان لا يفارِقُها سفرًا ولا حضرًا، هي أوَّلُ مَن ملك مصر من ملوكِ الترك المماليكِ، وذلك أنَّه لما قُتِلَ الملك المعظم غياث الدين توران شاه بن الملك الصالح نجم الدين أيوب، اجتمع الأمراءُ المماليك البحرية، وأعيانُ الدولة وأهل المشورة، بالدهليز السلطاني، واتفقوا على إقامةِ شَجرةِ الدر أمِّ خليل زوجةِ الملك الصالح نجم الدين أيوب، في مملكةِ مِصرَ، وأن تكونَ العلاماتُ السلطانيَّة على التواقيعِ تَبرُز مِن قِبَلِها، وأن يكون مُقَدَّم العسكر الأميرَ عِزَّ الدين أيبك التركماني الصالحيَّ أحدَ البحرية، وحَلَفوا على ذلك في عاشر صفر، وخرج عزُّ الدين التركماني من المعسكَرِ إلى قلعة الجبل، وأنهى إلى شَجرةِ الدر ما جرى من الاتفاقِ، فأعجَبَها، وصارت الأمورُ كُلُّها معقودةً بها، والتواقيعُ تبرز من قلعة الجبل، وعلامتُها عليها والدةُ خليل، وخُطِبَ لها على منابِرِ مصر والقاهرة، ونُقِشَ اسمها على السكة، ومثالُه المستعصمة الصالحيَّة، ملكةُ المسلمين، والِدةُ الملك المنصورِ خليلٍ أمير المؤمنين، وكان الخطباءُ يقولون في الدعاء: اللهمَّ أدِمْ سلطان السِّترِ الرفيع، والحِجابِ المنيع، مَلِكة المسلمين، والِدَة الملك الخليل، وبَعضُهم كان يقول بعد الدعاء للخليفة: واحفَظِ اللهم الجُبَّةَ الصالحيَّة، ملكةَ المسلمين، عِصمةَ الدنيا والدين، أمَّ خليل المستعصميَّة صاحبة الملك الصالحِ.
وافَقَ قادةُ الاتحادِ الإفريقيِّ على عودةِ المَغرِبِ إلى المنظمةِ؛ ليصبِحَ العُضوَ الخامسَ والخمسين بعدَ 32 سنةً من انسحابِه من الاتحادِ، وكان المَغرِبُ غادَرَ الاتحادَ عامَ 1984 بعدما قَبِلَت أغلبيةُ الدولِ الأعضاءِ بمنظمةِ الوَحدةِ الإفريقيَّةِ عُضويَّةَ جَبهةِ البوليساريو التي تُنازعُ المَغرِبَ السيادةَ على إقليمِ الصَّحراءِ الغربيةِ، والتي ترى فيها الرِّباطُ جَبهةً انفصاليَّةً.
هو أحمدُ بنُ أبي دُؤادَ بنِ جَريرٍ الإياديُّ، القاضي البَصريُّ، ثُمَّ البغداديُّ، الجَهْميُّ، وليَ قضاءَ القُضاةِ للمُعتَصِمِ والواثِقِ وبَعضِ أيَّامِ المتوكِّلِ . وُلِد سنةَ ستينَ ومائةٍ، وكان أبوه تاجرًا يَفِدُ إلى الشام، ثم وفد إلى العراق وأخذ ولَدَه هذا معه إلى العراق، فارتحل للبصرةِ، واتصل ابن أبي دؤاد بأصحاب واصلِ بنِ عطاء، وعنهم أخذ مذهَبَ الاعتزالِ، ثم اتَّصلَ بالمأمونِ فكان قاضيَ القُضاةِ، وتوفِّيَ سنةَ أربعينَ ومائتينِ، عن ثمانين سنةً ودُفِن بدارِه ببغدادَ، عامَلَه اللهُ بما يستَحِقُّ. وكان شاعرًا مُجيدًا، فصيحًا بليغًا، إلَّا أنَّه كان داعيةً إلى خَلقِ القُرآنِ. وقد كان يومَ المحنةِ مُؤَلِّبًا على أحمدَ بنِ حَنبَلٍ، وسببًا في شِدَّةِ تعذيبِه، وكان يقولُ: (يا أميرَ المؤمِنينَ، اقتُلْه، هو ضالٌّ مُضِلٌّ!) .قال ابنُ عساكِرَ: (وليَ ابنُ أبي دُؤادَ قضاءَ القُضاةِ للمُعتَصِمِ ثُمَّ للواثِقِ، وكان موصوفًا بالجودِ والسَّخاءِ، وحُسنِ الخُلُقِ ووُفورِ الأدَبِ، غيرَ أنَّه أعلَن بمَذهَبِ الجَهْميَّةِ، وحَمَل السُّلطانَ على امتحانِ النَّاسِ بخَلقِ القُرآنِ) .وحكى عثمانُ بنُ سعيدٍ الدَّارميُّ دورَ ابنِ أبي دُؤادَ في إشعالِ فِتنةِ خَلقِ القُرآنِ، فقال: (أكرَهوا النَّاسَ عليه بالسُّيوفِ والسِّياطِ، فلم تَزَلِ الجَهْميَّةُ سنواتٍ يركَبونَ فيها أهلَ السُّنَّةِ والجماعةِ بقُوَّةِ ابنِ أبي دُؤادَ المحادِّ للهِ ولرَسولِه، حتى استُخلِف المتوكِّلُ -رحمةُ اللهِ عليه- فطمَس اللهُ به آثارَهم، وقَمَع به أنصارَهم، حتى استقام أكثَرُ النَّاسِ على السُّنَّةِ الأُولى، والمنهاجِ الأوَّلِ) .
بلغ المهاجرين في الحَبشةِ أنَّ قُريشًا قد أسلمتْ، فرجعوا إلى مكَّة في شوَّالٍ من نفسِ السَّنةِ التي هاجروا فيها، فلمَّا كانوا دون مكَّة ساعةً من نهارٍ وعرفوا جلية الأمرِ رجع منهم مَنْ رجع إلى الحَبشةِ، ولم يدخلْ في مكَّة مِن سائرهِم أحدٌ إلَّا مُستخفِيًا، أو في جِوارِ رجلٍ من قُريشٍ. ثم اشتدَّ عليهِم وعلى المسلمين البلاءُ والعذابُ من قُريشٍ، وسَطَتْ بهِم عشائرُهُم، فقد كان صعبًا على قُريشٍ ما بلغها عَنِ النَّجاشيِّ من حُسنِ الجِوارِ، ولم يرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بُدًّا من أن يُشيرَ على أصحابهِ بالهجرةِ إلى الحَبشةِ مَرَّةً أُخرى. واستعدَّ المسلمون للهجرةِ مَرَّةً أُخرى، حاولتْ قُريشٌ إحباطَ عمليَّةِ الهجرةِ الثَّانيةِ بَيْدَ أنَّ المسلمين كانوا أسرعَ، فانحازوا إلى نَجاشيِّ الحَبشةِ قبلَ أن يُدركوا. هاجر مِنَ الرِّجالِ ثلاثةٌ وثمانون رجلًا، وثماني عشرةَ أو تسعَ عشرةَ امرأةً. فأرسلتْ قُريشٌ عَمرَو بنَ العاصِ، وعبدَ الله بنَ أبي رَبيعةَ قبلَ أن يُسلِما، وأرسلوا معهُما الهدايا المُستطرَفةَ للنَّجاشيِّ ولبَطارِقتِهِ، وبعد أن حضرا إلى النَّجاشيِّ قدَّما له الهدايا، ثمَّ كلَّماهُ فقالا له: أيُّها الملكُ، إنَّه قد ضَوَى إلى بلدِك غِلمانٌ سُفهاءُ، فارقوا دينَ قومهِم، ولم يدخلوا في دينِك، وجاءوا بدينٍ ابتدعوه، لا نعرفُه نحن ولا أنت، وقد بعثَنا إليك فيهِم أشرافُ قومهِم من آبائهِم وأعمامهِم وعشائرهِم؛ لِتردَّهُم إليهِم، فَهُمْ أعلى بهِم عينًا، وأعلمُ بما عابوا عليهِم. وعاتبوهُم فيهِ، وقالت البَطارِقةُ: صَدقا أيُّها الملكُ، فأسلِمْهُم إليهِما، فليردَّاهُم إلى قومهِم وبلادهِم. فأرسل النَّجاشيُّ إلى المسلمين، ودعاهُم، فحضروا، وكانوا قد أجمعوا على الصِّدقِ كائنًا ما كان، فقال لهم النَّجاشيُّ: ما هذا الدِّينُ الذي فارقتُم فيه قومَكُم، ولم تدخلوا به في ديني ولا دينِ أحدٍ من هذه المِلَلِ ؟ قال جعفرُ بنُ أبي طالبٍ -وكان هو المُتكلِّمُ عَنِ المسلمين: أيُّها الملكُ، كُنَّا قومًا أهلَ جاهليَّةٍ؛ نعبدُ الأصنامَ، ونأكلُ المَيتةَ، ونأتي الفواحشَ، ونقطعُ الأرحامَ، ونُسِئُ الجِوارَ، ويأكلُ مِنَّا القويُّ الضَّعيفَ، وعدَّد له مَحاسنَ ما جاءهُم به صلى الله عليه وسلم، ثمَّ قال: فصدَّقناهُ، وآمنَّا بهِ، واتَّبعناهُ على ما جاءنا بهِ من دينِ الله، فعبدنا الله وحدَه، فلم نُشركْ به شيئًا، وحرَّمنا ما حُرِّمَ علينا، وأحللنا ما أحلَّ لنا، فعدا علينا قومُنا، فعذَّبونا وفَتنونا عن ديننا؛ لِيردُّونا إلى عِبادةِ الأوثانِ من عِبادةِ الله تعالى، وأن نَستحِلَّ ما كُنَّا نَستحِلُّ مِنَ الخبائثِ، فلمَّا قَهرونا وظَلمونا وضيَّقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادِك، واخترناك على مَنْ سِواكَ، ورغِبنا في جِوارِك، ورَجوْنا ألَّا نُظْلَمَ عندك أيُّها الملكُ. فقال له النَّجاشيُّ: هل معك ممَّا جاء به عن الله من شيءٍ؟ فقال له جعفرٌ: نعم. فقال له النَّجاشيُّ: فاقْرأْهُ عليَّ، فقرأ عَليهِ صدرًا من: (سورة مريم) فبكى النَّجاشيُّ حتَّى اخْضَلَّتْ لِحيتُه، وبكتْ أساقِفتُه حتَّى أخْضَلُوا مصاحِفَهُم حين سمِعوا ما تلا عليهِم، ثمَّ قال لهم النَّجاشيُّ: إنَّ هذا والذي جاء به عيسى لَيخرجُ من مِشكاةٍ واحدةٍ، انطلقا، فلا والله لا أُسلِمُهُم إليكُما، ولا يُكادونَ -يُخاطِبُ عَمرَو بنَ العاصِ وصاحبَه- فخرجا، فلمَّا خرجا قال عَمرُو بنُ العاصِ لعبدِ الله بنِ أبي رَبيعةَ: والله لآتينَّهُ غدًا عنهُم بما أَسْتَأْصِلُ به خَضراءَهُم. فقال له عبدُ الله بنُ أبي رَبيعةَ: لا تفعلْ، فإنَّ لهم أرحامًا، وإنْ كانوا قد خالفونا. ولكنْ أصرَّ عَمرٌو على رأيِهِ. فلمَّا كان الغدُ قال للنَّجاشيِّ: أيُّها الملكُ، إنَّهم يقولون في عيسى ابنِ مريمَ قولًا عظيمًا، فأرسل إليهم النَّجاشيُّ يسألهُم عن قولِهم في المَسيحِ ففَزِعوا، ولكنْ أجمعوا على الصِّدقِ، كائنًا ما كان، فلمَّا دخلوا عَليهِ وسألهم، قال له جعفرٌ: نقولُ فيه الذي جاءنا به نبيُّنا صلى الله عليه وسلم: هو عبدُ الله ورسولُه ورُوحهُ وكَلِمتُه ألقاها إلى مريمَ العذراءِ البَتُولِ. فأخذ النَّجاشيُّ عودًا مِنَ الأرضِ ثمَّ قال: والله ما عَدا عيسى ابنُ مريمَ ما قلتَ هذا العودَ. فتَناخَرتْ بَطارِقتُه، فقال: وإنْ نَخَرْتُم . ثمَّ قال للمسلمين: اذهبوا فأنتم شُيُومٌ بأرضي -والشُّيومُ: الآمِنونَ بلسانِ الحَبشةِ- مَنْ سَبَّكم غَرِم، مَنْ سَبَّكم غَرِم، مَنْ سَبَّكم غَرِم، ما أُحِبُّ أنَّ لي دَبْرًا من ذهبٍ وإنِّي آذيتُ رجلًا منكُم -والدَّبْرُ: الجبلُ بلسانِ الحَبشةِ- ثمَّ قال لِحاشِيَتِهِ: رُدُّوا عليهِما هَداياهُما فلا حاجةَ لي بها، فوالله ما أخذَ الله مِنِّـي الرِّشـوةَ حين رَدَّ عليَّ مُلكي، فآخذُ الرِّشـوةَ فيــه، وما أطاع النَّاسَ فِيَّ فأُطيعَـهُم فيهِ. قالتْ أمُّ سَلمةَ: فخرجا من عندِه مَقبوحينَ مَردودًا عليهِما ما جاءا بهِ، وأقمنا عندهُ بخيرِ دارٍ مع خيرِ جارٍ.
هو السلطانُ المَلِكُ المعَظَّم: مظفر الدين أبو سعيد كوكبري بن علي بن بكتكين بن محمد التركماني، صاحب إربل، وابنُ صاحبها, وقد مصرَها الملك زين الدين علي كوجك. ثمَّ وهبها لأولاد مظفر الدين صاحب الموصل، وكان يوصَفُ بقوةٍ مُفرِطة، وطال عمره، وله أوقافٌ وبر ومدرسة بالموصل. ولد مظفر الدين في المحرم، 549، بإربل. تولى مظفَّرُ الدين إربل بعد وفاةِ أبيه وأقام بها مدَّةً وانتقل إلى الموصِلِ، ثمَّ دخل الشام واتصل بالملك الناصرِ صلاحِ الدين فأكرمه كثيرًا، وكانت له آثارٌ حسنة، وقد عمر الجامِعَ المظفري بسفحِ قاسيون، وكان قد هَمَّ بسياقة الماء إليه من ماء بذيرة، فمنعه المعظم من ذلك، واعتَلَّ بأنه قد يمُرُّ على مقابر المسلمين بالسفوح، وكان يهتَمُّ بعمل المولد الشريف اهتمامًا زائدًا حتى إنه كان يرقُصُ بنفسِه ويمارس هذه البدعةَ بنَفسِه، وقد صنَّف الشيخ أبو الخطاب ابن دحية له مجلدًا في المولد النبوي سماه " التنوير في مولد البشير النذير "، فأجازه على ذلك بألف دينار، وقد طالت مدته في الملك في زمان الدولة الصلاحية، وقد كان محاصِرًا عكا، وإلى هذه السنة محمود السيرة والسريرة، وكانت له دار ضيافة للوافدين من أي جهة على أي صفة، وكانت صدقاته في جميع القرب والطاعات على الحرمينِ وغيرهما. بنى أربع خوانك للزمنى- ذوو الأمراض المزمنة- والأضراء، وكان يأتيهم كل اثنين وخميس، ويسألُ كل واحد عن حاله، ويتفقده، ويباسطه ويمزح معه, وبنى دارًا للنساء، ودارًا للأيتام، ودارًا للُّقَطاء، ورتَّب بها المراضع, وكان يدورُ على مرضى البيمارستان, وله دار مضيف ينزلها كل وارد، ويعطى كل ما ينبغي له, وبنى مدرسة للشافعية والحنفية، وكان يمدُّ بها السماط، ويحضر السماعَ كثيرًا، لم يكن له لذَّةٌ في شيء غيره. وكان يمنع من دخول منكَر بلدَه، وبنى للصوفية رباطين، وكان ينزل إليهم لأجل السَّماعات, ويفتَكُّ من الفرنجِ في كلِّ سنةٍ خَلقًا من الأُسارى، حتى قيل: إن جملة من استفَكَّه من أيديهم ستون ألف أسير، مات ليلة الجمعة، رابع عشر رمضان, وكانت وفاته بقلعة إربل، وأوصى أن يُحمَل إلى مكة فلم يتَّفِقْ، فدفن بمشهد علي, وقد عاش اثنتين وثمانين سنة.
هو العلامة قاضي القضاة بدر الدين أبو الثناء- وقيل أبو محمد- محمود ابن القاضي شهاب الدين أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين بن يوسف بن محمود العينتابي الحنفي، قاضي قضاة الديار المصرية، وعالِمُها ومؤرِّخُها، وُلِدَ بعينتاب في رمضان سنة 762، ونشأ بها، وتفقه بوالده بعد حفظه القرآن الكريم، ثم رحل إلى حلب ثم القاهرة، إلى أن تولى فيها النظر في الأحباس- الأوقاف- ثم القضاء، كان مقربًا جدًّا من السلطان الأشرف برسباي، كان فقيهًا أصوليًّا نحويًّا، لغويًّا، وأفتى ودرَّس سنين، وصنف التصانيف المفيدة النافعة، وكتب التاريخ، ومن أشهر مصنفاته "عمدة القاري في شرح صحيح البخاري"، أما في التاريخ فاشتهر بكتابه الكبير "عقد الجُمان في تاريخ أهل الزمان"، وله "مصطلح الحديث ورجاله"، وله "شرح الهداية في الفقه الحنفي" وله "شرح الكنز في الفقه الحنفي" أيضًا وله "شرح سنن أبي داود" وله أكثر من كتاب في سير بعض السلاطين المماليك الشراكسة الذين عاصرهم. وله منظومة في سيرة الملك المؤيد شيخ, وكان نظمه منحطًّا إلى الغاية، وربما يأتي به بلا وزن، وقد جرد شيخُ الإسلام ابن حجر العسقلاني منها الأبياتَ الركيكة، والتي بلا وزن، فبلغت نحو أربعمائة بيت في كتاب، وسماه: "قذى العين من نظم غرابِ البين"، وكان بينهما منافسة. توفي في ليلة الثلاثاء رابع ذي الحجة، ودفن من الغد بمدرسته التي أنشأها تجاه داره بالقرب من جامع الأزهر.
هي السلطانة خديجة تارخان نائبة السلطنة في الدولة العثمانية، والتي تولت النيابة سنة 1651م؛ لصغر عمر ولدها السلطان محمد الرابع واستمرت في النيابة حتى عام 1656م. وخديجة من أصل أوكراني، وتوفيت عن 56 عامًا، وقد حازت أطول مدة لامرأة تحصل على صفة "السلطانة - الوالدة"، في التاريخ العثماني، حيث استمرت هذه الصفة لصيقة بها لمدة 34 عامًا.
هو أبو الحسَنِ عليُّ بن الخليفة الناصر لدين الله أحمد بن المستضيء بأمر الله، وهو الأصغر، وكان يلقَّب الملك المعظم، وكان أحبَّ ولدي الخليفة إليه، وقد رشَّحه لولاية العهد بعده، وعزَلَ ولده الأكبر عن ولاية العهدِ؛ لأجل أبي الحسن علي, وكان كريمًا كثير الصدقة والمعروف، حَسَن السيرة، محبوبًا إلى الخاص والعام، وكان سببُ موتِه أنَّه أصابه إسهالٌ فتوفِّيَ، وحَزِنَ عليه الخليفةُ حُزنًا لم يُسمَعْ بمثله، حتى إنه انقطع، ثم أُخرجَ نهارًا، ومشى جميعُ الناس بين يدي تابوتِه إلى تربة جدَّتِه عند قبر معروف الكرخي، فدُفِنَ عندها، ولما أُدخِل التابوت أُغلِقَت الأبواب، وسُمِعَ الصراخ العظيم من داخل التربة، فقيل إن ذلك صوتُ الخليفة, وأمَّا العامة ببغداد فإنَّهم وجدوا عليه وجدًا شديدًا، ودامت المناحات عليه في أقطار بغداد ليلًا ونهارًا، ولم تبق امرأةٌ إلَّا وأظهرت الحزن، وما سُمِعَ ببغداد مثل ذلك في قديمِ الزمانِ وحديثه. وتَرَك أبو الحسن ولدينِ أحدهما المؤيَّد أبو عبد الله الحسين، والموفَّق أبو الفضل يحيى.
قامت دولةُ الدرعية الناشئة بعدة غزوات ضد بلدان منطقة سدير التي رفضت الدعوة، ورفضت الانضواءَ تحت لواء الدولة الناشئة. والتي بدأت غزواتُها للمنطقة في هذه السنة، واستمرت حتى عام 1177هـ. وفي هذه الفترة استطاعت نشرَ مبادئ الدعوة في كلٍّ من الزلفي وجلاجل والحوطة والجنوبية والروضة والتويم والغاط والداخلة والعودة وحرمة، وغيرها من المدن والبلدان، في هذه المنطقة.