تراسل السلطان محمود والخليفة بشأن السلطان سنجر، وأن يكونا عليه، فلما علم بذلك سنجر كتب إلى ابن أخيه محمود ينهاه ويستميلُه إليه، ويحذِّره من الخليفة، وأنه لا تُؤمَنُ غائلتُه، وأنه متى فرغ مني دار إليك فأخَذَك، فأصغى إلى قول عمِّه ورجع عن عزمه، وأقبل ليدخل بغداد عامَه ذلك، فكتب إليه الخليفةُ ينهاه عن ذلك لقلةِ الأقوات بها، فلم يَقبَل منه، وأقبل إليه، فلما أزِفَ قدومُه خرج الخليفة من داره وتجهَّز إلى الجانب الغربي فشَقَّ عليه ذلك وعلى الناس، ودخل عيد الأضحى فخطب الخليفة الناسَ بنفسه خطبةً عظيمة بليغة فصيحة جدًّا، وكبَّر وراءه خطباء الجوامع، وكان يومًا مشهودًا، ولما نزل الخليفة عن المنبر ذبح البدنة بيده، ودخل السرادِقَ وتباكى الناس ودعوا للخليفة بالتوفيقِ والنصر، ثم دخل السلطان محمود إلى بغداد يوم الثلاثاء الثامن عشر من ذي الحجة، فنزلوا في بيوت الناس وحصل للناس منهم أذًى كثير في حريمهم، ثم إنَّ السلطان راسل الخليفة في الصلح فأبى ذلك الخليفة، وركب في جيشه وقاتل الأتراك ومعه شرذمةٌ قليلة من المقاتلة، ولكن العامةَ كلهم معه، وقتَلَ من الأتراك خلقًا، ثم جاء عماد الدين زنكي في جيشٍ كثيف من واسط في سفن إلى السلطان نجدةً، فلما استشعر الخليفةُ ذلك دعا إلى الصلح، فوقع الصلحُ بين السلطان والخليفة، وأخذ السلطان محمود يستبشر بذلك جدًّا، ويعتذر إلى الخليفة المسترشد بالله مما وقع، ثم خرج في أول السنة الآتية إلى همذان لمرضٍ حصل له.
هو الإمامُ العلَّامةُ الحافِظُ شَيخُ الإسلامِ: أبو القاسِمِ إسماعيلُ بنُ مُحمَّدِ بنِ الفَضلِ بنِ عليِّ بنِ أحمد بن طاهر القرشي، التيمي، ثم الطلحي، الأصبهاني، المُلَقَّب: بقَوَّام السنة، وُلِدَ سنة 457 ووالدته كانت من ذريَّةِ طَلحةَ بنِ عُبَيد الله التيمي- رضي الله عنه- أحَدِ العَشرةِ المُبشَّرينَ بالجنَّةِ. طَلَب العِلمَ وهو حدَثٌ. قال إسماعيل: "سَمِعتُ مِن عائشةَ- بنتِ الحَسَن الوركانيَّة- وأنا ابنُ أربع سنين"، وقال أبو موسى: "وقد سَمِعَ من أبي القاسِمِ بنِ عليك في سنة إحدى وستين، ولا أعلم أحدًا عاب عليه قولًا ولا فِعلًا، ولا عاندَه أحَدٌ إلَّا ونصَرَه الله، وكان نَزِهَ النَّفسِ عن المطامع، لا يدخُلُ على السَّلاطينِ، ولا على من اتَّصَل بهم، قد أخلى دارًا مِن مِلْكِه لأهلِ العلمِ مع خِفَّةِ ذات يَدِه، ولو أعطاه الرجُلُ الدُّنيا بأسْرِها لم يرتَفِعْ عنده، أملى ثلاثةَ آلاف وخمسمئة مجلس، وكان يُملي على البديهة". وقال الحافِظُ يحيى بن مَندة: "كان أبو القاسم حسَنَ الاعتقادِ، جميلَ الطريقةِ، قليلَ الكلامِ، ليس في وَقتِه مِثلُه". سافر أبو القاسمِ البلادَ وسَمِعَ الكثيرَ وبَرَع في فنون. سَمِعَ بمكة، وجاور سَنَةً، وأملى وصَنَّف، وجَرَّح وعَدَّل، وكان من أئمَّةِ العَربيَّة، وإمامًا في التفسيرِ والحديثِ والفِقهِ، وهو أحَدُ الحُفَّاظ المُتقِنينَ، له تصانيفُ، منها الإيضاحُ في التَّفسيرِ، وله تفسيرٌ بالفارسيَّة، وله دلائِلُ النبُوَّة، وسِيَرُ السَّلَف، والترغيبُ والترهيبُ، وشَرحُ الصَّحيحَينِ، ومات بأصبهان في يومِ عيدِ النَّحرِ.
هو السُّلطانُ الملك الأفضل علي بن يوسف بن أيوب بن شاذي. ابن السلطان الملك الناصر صلاح الدين، ولد يوم عيد الفطر سنة 565 بالقاهرة، وقيل: سنة ست وستين. وسمع من عبد الله بن بري النحوي، وأبي الطاهر إسماعيل بن عوف الزهري، وأجاز له جماعة. وله شِعر حسن، وترسُّل، وخط مليح. وكان أسنَّ إخوانه، وإليه كانت ولاية عهد أبيه. ولما مات أبوه، كان معه بدمشق، فاستقل بسلطنتها، واستقل أخوه الملك العزيز بمصر، وأخوهما الظاهر بحلب. ثم جرت للأفضل والعزيز فتن وحروب، ثم اتفق العزيز وعمه الملك العادل على الأفضل، وقصدا دمشق، وحاصراه، وأخذاها منه، فالتجأ إلى صرخد، وأقام بها قليلًا، فمات العزيز بمصر، وقام ولده المنصور محمد وهو صبي، فطلبوا له الملك الأفضل ليكون أتابكه، فقدم مصر، ومشى في ركاب الصبي. ثم إن العادل عَمِلَ على الأفضل، وقَدِمَ مصر وأخذها، ودفع إلى الأفضل ثلاثة مدائن بالشرق، فسار إليها، فلم يحصل له سوى سميساط، فأقام بها ولم يزَلْ بها إلى أن توفي بها، وكان خيرًا، وما أحسن ما قال القاضي الفاضل: "أمَّا هذا البيت، فإن الآباء منه اتَّفقوا فمَلَكوا، والأبناء منه اختلفوا فهلكوا". قال الذهبي: "كان فيه تشيُّع". وقد قال ابن الأثير " إنَّه ما ملك الأفضل شيئًا من البلاد إلا وأخذه عمُّه منه، بل ذكر أنه رأى عمودًا من الرخام الفاخر في بيت المقدس فقيل له إنه كان للأفضل، ثم أخذه منه عمه العادل"، ولما مات الأفضل اختلف أولاده وعمهم قطب الدين موسى، ولم يقوَ أحد منهم على الباقين ليستبدَّ بالأمر.
كان رحيل تيمورلنك عن دمشق في يوم السبت ثالث شعبان من هذه السنة واجتاز على حلب وفعل بها ما قدر عليه ثانيًا، ثم سار منها حتى نزل على ماردين يوم الاثنين عاشر شهر رمضان من السنة، ووقع له بها أمور، ثم رحل عنها، وأوهم أنه يريد سمرقند، يورِّي بذلك عن بغداد، وكان السلطان أحمد بن أويس قد استناب ببغداد أميرًا يقال له فرج، وتوجَّه هو وقرا يوسف نحو بلاد الروم، فندب تيمور على حين غفلة أمير زاده رستم ومعه عشرون ألفًا لأخذِ بغداد، ثم تبعه بمن بقي معه ونزل على بغداد، وحصرها حتى أخذها عنوةً في يوم عيد النحر من السنة، ووضع السيف في أهل بغداد، لما استولى على بغداد ألزم جميعَ من معه أن يأتيَه كل واحد منهم برأسين من رؤوس أهل بغداد؛ فوقع القتل في أهل بغداد وأعمالها، حتى سالت الدماء أنهارًا، حتى أتوه بما أراد، فبنى من هذه الرؤوس مائة وعشرين مِئذنة، فكانت عدة من قُتِل في هذا اليوم من أهل بغداد تقريبًا مائة ألف إنسان, وقيل: تسعين ألف إنسان، وهذا سوى من قُتِل في أيام الحصار، وسوى من قُتِل في يوم دخول تيمور إلى بغداد، وسوى من ألقى نفسَه في نهر دجلة فغرق، وهو أكثر من ذلك! قال: وكان الرجل المرسوم له بإحضار رأسين إذا عجز عن رأس رجل قطع رأس امرأةٍ من النساء وأزال شعرَها وأحضرها، قال: وكان بعضُهم يقِفُ بالطرقات ويصطاد من مَرَّ به ويقطع رأسَه، ثم رحل تيمور عن بغداد وسار حتى نزل قراباغ بعد أن جعلها دكًّا خرابًا.
قام السلطانُ المؤيد شيخ المحمودي في شهر ذي الحجة باستدعاء داود بن المتوكل على الله من داره، وهو أخو الخليفة العباسي العباس المستعين بالله، فحضر بين يديه بقلعة الجبل، وقد حضر قضاة القضاة الأربعة، فعندما رآه قام له، وقد ألبسه خِلعةً سوداء، وأجلسه بجانبه، بينه وبين قاضي القضاة شيخ الإسلام جلال الدين البلقيني، فدعا القضاة، وانصرفوا على أن داود بن المتوكل على الله استقَرَّ في الخلافة، ولم يقع خلع الخليفة المستعين بالله، ولا أقيمت بينه بما يوجب شغور الخلافة عنه، ولا بويع داود هذا، بل خُلِعَ عليه فقط، ولُقِّبَ بأبي الفتح المعتضد بالله أمير المؤمنين، أما الخليفة المستعين بالله فأُخِذ إلى قلعة الجبل في دار بالقلعة مدة، ثم نُقِل إلى برج بالقلعة إلى يوم عيد النحر من سنة 819، فأُنزل من القلعة نهارًا إلى ساحل النيل على فرس، وصحبته أولاد الملك الناصر فرج ابن الظاهر برقوق، وهم: فرج، ومحمد، وخليل، وتوجه معهم الأمير كزل الأرغون شاوي إلى الإسكندرية، فدام الخليفة المستعين هذا مسجونًا بالإسكندرية إلى أن نقله الملك الأشرف برسباي إلى قاعة بثغر الإسكندرية، فدام بها إلى أن توفي بالطاعون في يوم الأربعاء لعشرين بقين من جمادى الأولى سنة 833، ولم يبلغ الأربعين سنة من العمر، ومات وهو في زعمه أنه مستمِرٌّ على الخلافة، وأنه لم يُخلَع بطريق شرعي؛ ولذلك عهد بالخلافة لولده يحيى، فلما مات المعتضد داود في يوم الأحد رابع شهر الأول من سنة 845، تكلم يحيى المذكور في الخلافة، وسعى سعيًا عظيمًا، فلم يتِمَّ له ذلك.
هو العالم الفقيهُ الشيخ عثمان بن عبد الجبَّار بن حمد بن شبانة الوهبي التميمي، بقيَّةُ العُلماء الزُّهَّاد، ورِثَ العلمَ كابرًا عن كابر مِن آبائه وأجداده وأعمامه وإخوانه، وممَّن تعلم منهم ابنُ عمه الشيخ حمد بن عثمان بن عبد الله، والشيخ حمد التويجري، والشيخ عبد المحسن بن نشوان بن شارخ، القاضي في الكويت والزبير، والشيخ عبد العزيز بن عيد الإحسائي نزيل الدرعية، وكان الشيخ عثمان فقيهًا له قُدرةٌ على استحضار أقوال العلماء، وله معرفةٌ في التفسير والفرائض والحساب، وهو عالمُ زمانِه في المذهَبِ، لا يدانيه فيه أحدٌ، تخرَّج على يديه وانتفع به خلقٌ كثير، منهم: ابنه القاضي الشيخ عبد العزيز، والشيخ عبد الرحمن بن أحمد الثميري قاضي سدير، والشيخ عثمان بن علي بن عيسى قاضي الغاط والزلفي، وغيرهم. وكان في الغايةِ مِن الوَرَعِ والعبادة والعفاف، عَيَّنه الإمام عبد العزيز بن محمد قاضيًا لعسير، وألمع عند عبد الوهاب أبو نقطة المتحَمِّي، وأقام هناك مدة ثم رجع، وأرسله الإمام عبد العزيز بن محمد أيضًا قاضيًا لعسير عند ابن حرملة وعشيرته، ثم أرسله الإمام سعود قاضيًا في عمان، وأقام في رأس الخيمة يقضي بين الناسِ ويُدَرِّس لطلابِ العلم، ثم رجع، ولَمَّا توفِّيَ عَمُّه محمد قاضي بلدان سدير، عَيَّنه الإمام سعود مكانه قاضيًا لبلدان سدير، واستمَرَّ في القضاء زمن الإمام سعود وزمن ابنه الإمام عبد الله وما بعدهما، إلى أن توفي في السابع والعشرين من هذا الشهر.
هو السَّعيدُ نصرُ بنُ أحمد بن إسماعيل الساماني, صاحِبُ خراسان وما وراء النهر، مولِدُه ووفاته في بخارى. وليَ الإمارة بعد مقتَلِ أبيه سنة 301 واستصغره أهلُ ولايته، وكفَلَه أصحاب أبيه. وكاد ينفَرِطُ عِقدُ إمارته، إلَّا أنَّه ما لَبِثَ أنْ شَبَّ ذَكيًّا مِقدامًا، حليمًا وقورًا. جمع الجموعَ وقاتلَ الخُصومَ، فامتَدَّ سلطانُه واتَّسَعَت دائرةُ مُلكِه، فكانت له خراسانُ وجرجان والريُّ ونيسابور وتلك الأطراف، وقد مَرِضَ قبل موتِه بالسُّلِّ سنة وشهرًا، واتَّخَذ في داره بيتًا سَمَّاه بيت العبادة، فكان يلبسُ ثيابًا نِظافًا ويمشي إليه حافيًا ويصلي فيه، ويتضَرَّعُ ويكثر الصلاة، وكان يجتنِبُ المنكراتِ والآثامَ إلى أن مات وكانت ولايتُه ثلاثين سنة وثلاثين يومًا، فقام بالأمرِ مِن بعده ولدُه نوح بن نصر الساماني، ولُقِّبَ بالأمير الحميد.
أُلْزِمَ الرَّوافِضُ بِتَركِ الأذانِ بحَيّ على خَيرِ العَملِ، وأُمِروا أن يُنادِي مُؤذِّنُهم في أذانِ الصُّبحِ، وبعدَ حَيَّ على الفَلاحِ: الصَّلاةُ خَيرٌ مِن النَّوْم. مَرَّتينِ، وأُزِيلَ ما كان على أَبوابِ المساجدِ ومَساجِدِهم مِن كتابة: محمدٌ وعَلِيٌّ خَيرُ البَشرِ. ودَخلَ المُنشِدونَ من بابِ البَصرَةِ إلى بابِ الكَرخِ، يُنشِدونَ بالقَصائدِ التي فيها مَدحُ الصَّحابَةِ، وذلك أنَّ نَجْمَ الرَّافِضَة اضْمَحَلَّ، لأنَّ بني بُويه كانوا حُكَّامًا، وكانوا يُقَوُّونَهُم ويَنصُرونَهُم، فزالوا وبادوا، وذَهبَت دَولتُهم، وجاء بَعدَهم قَومٌ آخرون مِن الأَتراكِ السَّلجوقِيَّة الذين يُحِبُّونَ أَهلَ السُّنَّةِ ويُوالونَهُم ويَرفَعون قَدرَهُم، واللهُ المَحمودُ أبدًا على طُولِ المَدَى. وأَمَرَ رَئيسُ الرُّؤساءِ الوالي بِقَتلِ أبي عبدِ الله بن الجَلَّابِ شَيخِ الرَّوافِض، لِمَا كان تَظاهَر به من الرَّفْضِ والغُلُوِّ فيه، فقُتِلَ على بابِ دُكَّانِه، وهَرَب أبو جَعفرٍ الطُّوسيُّ ونُهِبَت دارُه.
لما كان يوم الجمعة الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة 678هـ ركب الأمير شمس الدين سنقر الأشقر من دار السعادة بعد صلاة العصر وبين يديه جماعة من الأمراء والجند مشاة، وقصد باب القلعةِ الذي يلي مدينة دمشق، فهجم منه ودخل القلعة واستدعى الأمراء فبايعوه على السلطنة، ولُقِّبَ بالملك الكامل، وأقام بالقلعة ونادت المنادية بدمشق بذلك، فلما أصبح يومَ السبت استدعى بالقضاة والعلماء والأعيان ورؤساء البلد إلى مسجد أبي الدرداء بالقلعة، وحَلَّفهم وحلف له بقية الأمراء والعسكر، وأرسل العساكر إلى غزة لحفظ الأطراف وأخذ الغلات، وفي يوم الخميس أول المحرم من هذه السنة ركب الملك الكامِلُ سنقر الأشقر بشعار السلطنة من قلعة دمشق إلى الميدان الأخضر، وبين يديه الأمراء مشاة بالخِلَع، ثم عاد، وفي يوم الجمعة ثانيه: خطب له على منبر الجامع بدمشق.
هو الإمامُ المفتي الزاهِدُ جمال الدين أبو محمد عبد الرحيم بن عبد المنعم بن عمر بن عثمان الباجربقي الموصلي الشافعي شيخٌ فقيهٌ محَقِّقٌ نقَّال طويل مهيب ساكِنٌ، كثيرُ الصلاة يلازم الجامِعَ، له حلقة تحت النسر إلى جانب البرادة، منقبض عن الناس، اشتغل بالموصل وأفاد وخطَبَ بجامِعِ دمشق نيابةً، ودرس بالغزالية نيابةً، وولي تدريس الفتحية، وحدَّث بجامع الأصول لابن الأثير عن واحد عن المصنَّف، وله نظم ونثر ووعظٌ، وقد نظم كتابَ التعجيز وعَمِلَه برموز, وقد وَلِيَ قَضاءَ غَزَّة سنة تسع وسبعين. وهو والدُ الزاهد محمد الباجربقي المنحرفِ صاحِبِ الملحمة الباجربقيَّة الذي حكم المالكيُّ بقَتلِه لزندقتِه وضَلالِه، توفي الشيخُ جمال الدين في خامس شوال وصُلِّيَ عليه عقيبَ الجمعة
حج الإمامُ سعود بن عبد العزيز الحَجَّة الخامِسةَ برعاياه من جميعِ النواحي ودخل مكَّةَ واعتمر وحَجَّ ونصل قصر الشمالي المعروف في البياضة وأقام فيه, والشريف غالب يزورُه كُلَّ وقتٍ وهو لسعود بمنزلةِ أحدِ نوَّابه وأمرائه الذين في نجدٍ بالسَّمعِ والطاعة, وفشا الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر في مكةَ، فلا يُشرَبُ التنباك في الأسواق، وأمر سعود أن يُجعَلَ في أسواقها مَن يأمرُ بالصلاةِ إذا دخل وقتُها, وبذل سعود لغالبٍ هدايا وتحفًا جزيلةً وأعطاه غالِبٌ مِثلَ ذلك, ثم ارتحل الإمامُ منها إلى وطنِه، وبعث إلى المدينة مرابِطةً مِن جميع نواحي نجدٍ بدَلَ المرابِطة الذين فيها في القلعة، وهذه عادته في الثغور يجعلُهم فيها سَنةً ثمَّ يستبدل بهم غيرَهم؛ ليرجعوا إلى أهاليهم. ولم يحُجَّ في هذه السنة أحدٌ من أهل الشام ومصر والعراق والمغرب وغيرهم إلَّا شِرذمةٌ من أهل المغرب حجُّوا بأمانٍ وسلامٍ.
تعرَّض السلطانُ العثماني عبد الحميد الثاني لمحاولةِ اغتيالٍ فاشلةٍ دَبَّرها الأرمن بإيعازٍ وتشجيعٍ مِن الحركة الصهيونية اليهودية العالَمية، وعُرِفَ هذا الحادِثُ في التاريخ العثماني باسم "حادث القنبلة". كلَّف يهود سويسرا إدوارد جورج اليهوديَّ الفرنسيَّ الجنسية بالتعاونِ مع أعضاء جمعية الطاشناق الماسونية الأرمنية لإدخالِ عَرَبة إلى استانبول، فوصلت إلى استانبول قِطعةً قطعةً، وتمَّ تركيبُها لتكون قنبلةَ جحيمٍ تنفَجِرُ في الوقتِ الذى يخرجُ فيه السلطان عبد الحميد من مسجِدِ محمد الفاتح بعد صلاةِ الجمعة، فانفَجَرت، ولم يتِمَّ لهم ما أرادوا، وجرَّاء هذا التفجيرِ لقيَ عشرون شَخصًا مَصرعُهم، وقُبِضَ على المنَفِّذين الأرمن بالبابِ العالي، فتدخَّل السفير الأرمن لحمايتهم بحُجَّة الامتيازات الأجنبية، وتمَّ له ما أراد. ولم يكُنْ حادِثُ القنبلة المحاوَلةَ الوحيدة للأرمن لاغتيالِ السلطان عبد الحميد.
ظهر محمَّدُ بن القاسم بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، بالطالقان من خراسان، يدعو إلى الرضا من آل محمَّد، وكان ابتداءُ أمرِه أنَّه كان ملازمًا مسجدَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، حسَنَ السِّيرةِ، فأتاه إنسانٌ من خراسان كان مجاورًا، فلما رآه أعجَبَه طريقُه، فقال له: أنت أحَقُّ بالإمامةِ مِن كُلِّ أحَدٍ، وحَسَّنَ له ذلك وبايعه، وصار الخُراساني يأتيه بالنَّفَرِ بعد النفر مِن حُجَّاجِ خُراسان يبايعونه، فعل ذلك مُدَّةً. فلما رأى كثرةَ مَن بايعه من خراسانَ سارا جميعًا إلى الجوزجان، واختفى هناك، وجعل الخراساني يدعو النَّاسَ إليه، فعَظُم أصحابُه، وحمله الخراسانيُّ على إظهارِ أمْرِه، فأظهره بالطالقان، فاجتمع إليه بها ناسٌ كثير، وكانت بينه وبين قوَّادِ عبدِ الله بن طاهر وقَعاتٌ بناحيةِ الطالقان وجبالِها، فانهزم هو وأصحابه، وخرج هاربًا يريدُ بعضَ كور خراسان، وكان أهلُها كاتبوه، فلما صار بنسا، وبها والدُ بعضِ مَن معه، فلمَّا بَصُرَ به سأله عن الخبَرِ فأخبره، فمضى الأبُ إلى عامِلِ نسا فأخبَرَه بأمر محمد بن القاسم، فأعطاه العامِلُ عشرةَ آلاف درهم على دَلالَتِه، وجاء العامِلُ إلى محمد، فأخذه واستوثَقَ منه، وبعثه إلى عبدِ الله بن طاهر، فسيَّرَه إلى المعتصم، فحُبِسَ عند مسرور الخادمِ الكبير، وأجرى عليه الطَّعامَ، ووكَلَ به قومًا يحفَظونَه، فلمَّا كان ليلةُ الفطرِ اشتغلَ النَّاسُ بالعيد، فهرب من الحبسِ، دُلِّيَ إليه حبلٌ مِن كوَّة كانت في أعلى البيتِ، يدخل عليه منها الضوءُ، فلما أصبحوا أتَوْه بالطعام، فلم يَرَوه، فجعلوا لِمَن دلَّ عليه مائة ألفٍ، فلم يُعرَف له خبَرٌ.
هو أبو بكر محمَّدُ بن الحسن بن دريد بن عتاهية الأزديُّ البصريُّ، عالِمٌ وشاعِرٌ وأديبٌ عربيٌّ، كان رأسًا في العربيَّةِ وأشعار العرَبِ, وله شعرٌ كثيرٌ وتصانيفُ مشهورة. ولِدَ سنة 223.كان يقالُ: "ابن دريد أشعَرُ العُلَماء وأعلَمُ الشُّعَراء", وكان أبوه وجيهًا من وجهاءِ البصرة، وقرأ ابنُ دريد على علمائِها وعلى عمه الحُسَين بن دريد، قال أحمد بن يوسف الأزرق: "ما رأيتُ أحفَظَ مِن ابنِ دُرَيد. وما رأيتُه قُرئ عليه ديوانٌ قَطُّ إلَّا وهو يسابِقُ إلى روايته؛ لحفظِه له". قال أبو حفصِ بنُ شاهين: "كنَّا ندخُلُ على ابن دُرَيد فنستحي ممَّا نرى من العيدانِ المُعَلَّقة والشَّراب. وقد جاوز التِّسعينَ". وقال أبو منصور الأزهري: "دخلتُ عليه فرأيتُه سكرانَ، فلم أعُدْ إليه". وعند ظهور الزِّنجِ في البصرة انتقل مع عمِّه إلى عُمان عام 257، وأقام فيها اثنتي عشرة سنةً، ثم رجع إلى البصرة وأقام فيها زمنًا، ثم خرج إلى الأحوازِ بعد أن لبَّى طلب عبد الله بن محمد بن ميكال، فلحق به لتأديبِ ابنِه أبي العباس إسماعيلَ، وهناك قَدَّمَ له كتابَه (جَمهرة اللُّغة) وتقَلَّد ابنُ دريد آنذاك ديوانَ فارِسَ، فكانت كتُبُ فارس لا تصدُرُ إلَّا عن رأيه، ولا ينفُذُ أمرٌ إلَّا بعد توقيعِه، وقد أقام هناك نحوًا من سِتِّ سنواتٍ. ولابن دريدٍ مِن الكتب "الجمهرة"، و"الأمالي"، و"اشتقاق أسماء القبائل"، و"المجتبى"، و"الخيل"، و"السلاح"، و"غريب القرآن" ولم يتِمَّ، و"أدب الكاتِب"، و"فعلتُ وأفعلتُ"، و"المطر"، وغيرها من الكتب. دُفِنَ ابن دريد وأبو هاشم الجُبَّائي في يومٍ واحد في مقبرةِ الخيزران لاثنتي عشرة ليلة بَقِيَت من شعبان، فقيل: مات الكلامُ واللُّغةُ جميعًا.
في سابع رمضان دخل السلطانُ بيبرس حماة، ثم صار منها بالعساكر والعربان، وجرَّد السُّلطان عيسى بن مهنا، والأمير حسام الدين العنتابي، بعسكرٍ إلى البيرة، وجهَّزَ الأمير قلاوون الألفي والأمير بيليك الخازندار – ممسك خزنة المال- بعسكرٍ إلى بلاد سيس؛ وذلك بسبب أن الحاجِبَ معين الدين سليمان بن مهذب الدين علي الديلمي وزير قليج أرسلان الرابع ملك سلاجقة الروم دعاه إليها وحرضه على القدوم، وبسبب أيضا تحالف الأرمنيين مع التتار، فساروا وهجموا على الأرمن في المصيصة، وقتلوا من بها، وكانت المراكِبُ قد حملت معهم على البغال وهي مفصلة، ليعدُوا فيها من نهر جهان والنهر الأسود، فلم يحتَجْ إليها، ووصل السلطانُ على الأثر بعد ما قطع بعساكره النهرَ الأسود وقاسَوا مشقة، وملكوا الجبالَ وغَنِموا عنها ما لا يحصى كثرة، ما بين أبقار وجواميس وأغنام، فدخل السلطانُ إلى سيس في التاسع عشر وعيَّدَ بها، وانتهبها وهدم قصور التكفور ومناظِرَه وبساتينَه، وبعث إلى دربند الروم، فأحضر إليه من سبايا التتار عدة نساء وأولاد، وسَيَّرَ إلى طرسوس، فأُحضِرَ إليه منها ثلاثمائة رأس من الخيل والبغال، وبعث إلى البحر عسكرًا فأخذ مراكب، وقتل من كان فيها، وانبثت الغاراتُ في الجبال، فقتلوا وأسروا وغنموا، وبعث السلطانُ إلى إياس بالعساكر، وكانت قد أُخلِيَت، فنَهَبوا وحَرَقوا وقَتَلوا جماعةً، وكان قد فَرَّ مِن أهلها نحوُ الألفين ما بين فرنج وأرمن في مراكب، فغَرِقوا بأجمَعِهم في البحر، واجتمَعَ من الغنائم ما لا يحصُرُه قَلَمٌ لكثرته، ووصلَت العُربان والعسكَرُ إلى البيرة، وساروا إلى عينتاب وغنموا، فانهزم التتارُ منهم وعادوا، فرحل السلطانُ من سيس إلى المصيصة من الدربند، فلما قطَعَه جعل الغنائِمَ بمرج أنطاكيةَ حتى ملأته طولًا وعرضًا، ووقف بنفسه حتى فرقها، فلما فرغ من القسمة سار إلى دمشق، فدخلها في النصفِ من ذي الحجة.