لَمَّا رحل الشريف محمد بن عون العامَ الماضي من القصيم عائدًا إلى مكة بعد الفشل في تحقيق مرادِه، أوفد أهل القصيم إلى الإمام فيصل منهم رجالًا يعتذرون عمَّا بدر منهم، فقَبِلَ عُذرَهم وغفر لهم خطأَهم، ثم إن الإمام فيصل عزل عن إمارة عُنيزة إبراهيمَ بن سليمان بن زامل؛ لأن الشريف لم ينزِلْ عُنَيزةَ إلا بإذنه، وجعل مكانَه ناصِرَ بن عبد الرحمن السحيمي من أهل العقيلية، الذي قدِمَ إلى عنيزة بكتابٍ فيه توليته الإمارة من الإمام فيصل، فأخرج آل زامل من القصر وأنزله أخاه وضبَطَه برجالٍ واستقام له الأمرُ وبايعه أهلها، ثم تعرَّض لمحاولة اغتيالٍ فاشلة، فقَتَل السحيميُّ إبراهيمَ بن سليمان أميرَ عنيزة السابق فاشتعلت الفتنة، فأراد فيصل إخمادها فأرسل إلى السحيمي ليقدمَ عليه في الرياض، فلما قَدِم حكم عليه القضاءُ بديةِ إبراهيم بن سليمان وأقعده فيصلٌ عنده في الرياضِ، ثم جهَّزَ الإمام عبد الله المداوي ورجالًا معه إلى عُنيزة وأمرهم أن يدخلوا القصرَ فلم يتمكَّنْ من دخولِه، ثم إن أهل عنيزة أجمعوا على الحربِ، فلما علم بذلك السحيمي عرض على الإمام أنَّه هو الذي يُخمِدُ الفتنة وأعطى العهودَ والمواثيق بذلك، فأذِنَ له الإمام بالذهاب إلى عُنيزة، فلما وصلها نقضَ عهودَه ودخل مع أهل عنيزةَ في أمرِهم، ثم عرضوا على أميرِ بريدة عبد العزيز المحمد أبو العليان أن يدخُلَ معهم وهو أميرُ الجميع فوافَقَهم فتعاقدوا على نكثِ عهد الإمام، وقاموا لحربه وجمعوا جموعًا كثيرة من رجالِ بلدانهم ومن كان حولَهم من بُدوانهم، فأعطوهم السلاحَ وبذلوا لهم الأموالَ وعاقدوهم على بيع الأرواح، وضربوا طبولهم بالليلِ والنهار، وكان الإمام فيصل قد أمَرَ على أهل البلدان من رعيتِه بالغزوِ، فتجهَّز غازيًا وخرج من الرياض لثلاثٍ بَقِين من ربيع الثاني، وخرج معه أولاده عبد الله ومحمد، ولحق به ابنه سعود بأهل الخَرج، وخرج معه الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ إمامًا وقاضيًا، ولَمَّا نزل قرب المجمعة لقِيَه ابن بشر (صاحب كتاب عنوان المجد في تاريخ نجد) الذي يقول: "ثم رحل ونزل قريبًا من المجمعة، فركبتُ إليه للسلام عليه، فكان وصولي إلى مخيَّمِه قبل صلاة العصر، فصليت معهم وإذا المسلمون مجتمعون للدرس في الصيوان الكبير، وإذا الإمام جالس فيه والمسلمون يمينه وشماله، ومِن خَلفِه وبين يديه، والشيخ عبد اللطيف إلى جنبه، فأمر القارئ عليه بالقراءةِ، فقرأ عليه في كتاب التوحيد، فقرأ آية وحديثًا، فتكلم بكلامٍ جَزْلٍ وقولٍ صائبٍ عَدْلٍ، بأوضح إشارة وأحسن عبارة، فتعجَّبْت من فصاحته وتحقيقه وتبيينه وتدقيقِه... ثم سلمتُ على الإمام فقابلني بالتوقير والإكرام ورحَّبَ بي أبلغَ ترحيب وقرَّبني أحسن تقريب.. وسلمت على الشيخين عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، وعبد الله بن جبر، فقمنا ودخلنا مع الإمام خيمته وجلسنا عنده، فابتدأ الشيخ عبد الله يقرأ على الإمام في كتاب سراج الملوك، والشيخ عبد اللطيف يسمع، ولكِنَّ الإمامَ هو الذي يتكلم على القراءة ويحقِّق المعنى". ثم في الصباح رحل الإمام إلى المجمعة ومنها إلى أُشيقر إلى أن نزل المذنب فبايعه أهلها، ثم أرسل إلى أهل القصيم يذكِّرُهم أن الدِّينَ لا يستقيم إلَّا بجماعة ولا يكون إلا بالسمع والطاعة، وأنَّه يعِزُّ عليه أن يُقتَلَ رجلٌ واحد من المسلمين، فلا تكونوا سببًا في إهراق دمائكم، فأرسلوا إليه رجلًا من رؤساء بريدة يقال له مهنا بن صالح، فلما وصل تم الصلحُ على أن يؤدِّيَ أهل القصيم الزكاةَ للإمام، ويركبون معه غزاةً ويدخلون في الجماعة والسمع والطاعة.
بادر الإمامُ فيصل بن تركي إلى عَزْلِ أمير عنيزة في هذه السنة؛ وذلك لاعتقاده بأنه أغرى شريفَ مكة محمد بن عون بغزوِ نجد، وفتح له أبوابَ بلدتِه. وأمَّر الإمامُ فيصل على عنيزة ناصرَ بن عبد الرحمن السحيمي. فناصَبَ آلُ سليم أسرةُ الأمير المعزول أسرةَ السحيمي الأميرِ الجديد العداءَ، وحاولوا بزعامةِ عبد الله بن يحيى بن سليم اغتيالَ السحيمي، والاستيلاءَ على قصرِ الإمارة، ولكِنَّ محاولتهم باءت بالفشلِ، فهربوا من عُنيزة واحتموا بأميرِ بُرَيدة، وألزمهم الإمام فيصل بن تركي بالقدومِ إليه في الرياض؛ ليرى فيهم، وقَتَل السحيمي أميرَ عنيزة السابق. وأمر الإمام فيصل بن تركي السحيمي بالحضورِ إليه ليحاكَمَ مع عبد الله بن يحيى بن سليم ومن معه عند قاضي الرياضِ.
عَزَل يَزيدُ بن عبدِ الملك عبدَ الرَّحمن بن الضَّحَّاك عن المَدينَة ومَكَّة، وكان عامِلَهُ عليهما ثلاثَ سِنين، ووَلَّى عبدَ الواحِد النَّضْري، وكان السَّبَب في عَزْلِه أنَّه خَطَب فاطِمَة بِنتَ الحُسين بن عَلِيٍّ فقالت: ما أُريدُ النِّكاحَ، ولقد قَعَدتُ على بَنِيِّ هؤلاء. فأَلَحَّ عليها وقال: لئن لم تَفعَلي لأَجْلِدَنَّ أَكبرَ بَنِيك في الخَمْرِ. فبَعَثَتْ كِتابًا إلى الخَليفَة تُخبِرُه بِخَبرِه. فأَخَذ الكِتابَ فَقَرأهُ وجَعَل يَضرِب بِخَيْزران في يَدهِ ويَقولُ: لقد اجْتَرأ ابنُ الضَّحَّاك، هل مِن رَجُلٍ يُسْمعني صَوتَه في العَذابِ؟ قِيلَ له: عبدُ الواحِد بن عبدِ الله النَّضْرِي. فكَتَب بِيَدِه إلى عبدِ الواحد: قد وَلَّيْتُكَ المَدينَة فاهْبِط إليها واعْزِل عنها ابنَ الضَّحَّاك، وأَغْرِمْهُ أَربعين ألفَ دِينارٍ، وعَذِّبْهُ حتَّى أَسمعَ صَوتَه وأنا على فِراشي. وكان ابنُ الضَّحَّاك قد آذَى الأَنْصارَ طُرًّا، فهَجاهُ الشُّعَراءُ وذَمَّهُ الصَّالِحون، ولمَّا وَلِيَهم النَّضْرِيُّ أَحسَن السِّيرةَ فأَحَبُّوه، وكان خَيِّرًا يَسْتَشيرُ فيما يُريدُ فِعلَه القاسِمَ بن محمَّد وسالِمَ بن عبدِ الله بن عُمَر.
هو أبو القاسمِ عبدُ الرَّحمنِ بنُ إسحاقَ الزَّجَّاجي النَّحْوي البغدادي دارًا ونشأةً، والنَّهاونديُّ أصلًا ومولدًا. كان إمامًا في علمِ النَّحو، وصنَّفَ فيه كتابَ "الجُمل الكبرى" وهو كتابٌ نافعٌ لولا طولُه بكثرة الأمثلة. أخذ النحوَ عن محمَّد بن العبَّاس اليزيدي، وأبي بكر بن دُريد، وأبي بكر بن الأنباريِّ. وصَحِبَ أبا إسحاق إبراهيمَ بنَ السَّريِّ الزجَّاج فنُسِبَ إليه، وعُرِفَ به، وسكن دمشقَ وانتفع به الناسُ وتخَرَّجوا عليه، وتوفِّيَ بدمشق، وقيل بطَبَريَّة- رحمه الله تعالى.
تمرَّدَت قبائل شمال عمان ضِدَّ القائد السعودي سعد بن مطلق المطيري، وشكَوا إلى الإمام فيصل أنه يتشَدَّد في معاملته معهم، واستدعى الإمام فيصل قائدَه سعد بن مطلق المطيري إلى الرياض للتفاهُمِ معه بشأن الموقف المتدهوِرِ في البريمي. وفي غياب سعد بن مطلق حلَّ محلَّه محمد بن يوسف العجاجي بالوكالةِ، واستطاع توثيقَ عُرى الصداقة بين القبائل هناك، وظَلَّ يحكُمُ عدة شهور حتى وصل حاكِمٌ جديدٌ للبريمي من قِبَل الإمام فيصل هو عبد الرحمن بن إبراهيم.
خرج المجوسُ كما سمَّاهم الأندلسيُّون، وهم النرماند أو الفايكونغ، في نحو ثمانين مركبًا، فحَلُّوا بأشبونة، ثمَّ أقبلوا إلى قادس، وشذونة، ثم قَدِموا على إشبيلية فدخَلوها قَسرًا، واستأصلوا أهلَها قَتلًا وأسْرًا. فبَقُوا بها سبعة أيام، يسقونَ أهلَها كأسَ الحِمامِ. واتَّصلَ الخبَرُ بالأميرِ عبدِ الرحمن بن الحَكَم، فقَدِمَ على الخيلِ عيسى بن شهيد الحاجِب، وتوجَّه بالخيلِ عبدُ الله ابن كليب وابنُ رستم وغيرُهما من القوَّاد، واحتل بالشَّرف. وكتب إلى عمَّال الكور في استنفارِ النَّاس، فحَلُّوا بقُرطبة، ونفَرَ بهم نصرُ الفتى. وتوافت للمجوسِ مراكِبُ على مراكِبَ، وجعلوا يَقتُلونَ الرِّجالَ، ويَسْبُونَ النساء، ويأخذون الصِّبيان، وذلك بطولِ ثلاثة عشر يومًا، وكانت بينهم وبين المسلمينَ ملاحِمُ. ثم نهضوا إلى قبطيل، فأقاموا بها ثلاثةَ أيَّام، ودخلوا قورة، على اثني عشرَ ميلًا من إشبيلية، فقتلوا من المسلمين عددًا كثيرًا، ثم دخلوا إلى طليلطِة، على ميلين من إشبيلية، فنزلوها ليلًا، وظهروا بالغَداةِ بمَوضعٍ يُعرَف بالنخارين، ثم مَضَوا بمراكبهم، واعتَرَكوا مع المسلمين. فانهزم المسلمون، وقُتِلَ منهم ما لا يُحصى. ثم عادوا إلى مراكِبِهم. ثم نهضوا إلى شذونة، ومنها إلى قادس، وذلك بعد أن وجَّه الأميرُ عبدُ الرحمن قوَّادَه، فدافعهم ودافَعوه، ونُصِبَت المجانيقُ عليهم، وتوافت الأمدادُ مِن قُرطُبة إليهم. فانهزم المجوسُ، وقُتِلَ منهم نحوٌ من خمسمائة عِلجٍ، وأصيبت لهم أربعةُ مراكِبَ بما فيها، فأمر ابنُ رستم بإحراقِها وبَيعِ ما فيها من الفَيءِ. ثم كانت الوقعةُ عليهم يوم الثلاثاء لخَمسٍ بقين من صفر، قُتِلَ فيها منهم خلقٌ كثيرٌ، وأُحرِقَ مِن مراكبهم ثلاثون مَركبًا. وعلق من المجوس بإشبيليةَ عددٌ كثيرٌ، ورُفِعَ منهم في جذوعِ النَّخلِ التي كانت بها. وركب سائِرُهم مراكِبَهم، وساروا إلى لبلة، ثم توجَّهوا منها إلى الأشنونة فانقطع خَبَرُهم. ولَمَّا قتل اللهُ أميرَهم، وأفنى عديدَهم، وفتح فيهم، خرجت الكتُبُ إلى الآفاقِ بخبَرِهم. وكتب الأميرُ عبد الرحمن إلى مَن بطنجةَ مِن صِنهاجة، يُعلِمُهم بما كان مِن صُنعِ الله في المجوس، وبما أَنزَلَ فيهم من النِّقمةِ والهَلَكةِ، وبعثَ إليهم برأسِ أميرِهم وبمائتي رأسٍ مِن أنجادِهم.
هو العلَّامةُ الأديبُ الأخباريُّ، شهابُ الدين أبو عُمَر أحمدُ بنُ عبد ربه ابن حبيب بن حدير بن سالم المرواني القرطبي، مولى هشامِ بنِ عبد الرحمن بن معاوية بن هشام المعروف بابن عبد ربه الأندلسي. صاحِبُ كتاب (العِقد الفريد). ولد في رمضان سنة 246 كان موثَّقًا نبيلًا بليغًا شاعرًا, وكان من الفضلاء المُكثرين، والعُلَماء بأخبار الأوَّلين والمتأخرين، وكتابه العِقدُ يدُلُّ على فضائل جمة، وعلوم كثيرة مهمة، قال ابن كثير: "ويدلُّ كثيرٌ مِن كلامه على تشيُّعٍ فيه، ومَيلٍ إلى الحَطِّ على بني أميَّة، وهذا عجيبٌ منه؛ لأنَّه أحدُ مواليهم، وكان الأولى به أن يكونَ ممَّن يواليهم لا ممَّن يعاديهم"، له ديوانُ شِعرٍ حَسَنٍ، لكِنْ أورد منه أشعارًا في التغزُّلِ في المردانِ والنِّسوان. توفِّيَ بقرطبة يوم الأحد ثامن عشر جمادى الأولى عاش اثنتين وثمانين سنة.
طلب رؤساءُ القَصيمِ مِن الإمام فيصل أن يبعَثَ إليهم الشيخَ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين قاضيًا في بلدانهم، كمدرِّس لطلبة العلم في أوطانِهم، فأمر عليه الإمام فيصل وهو في بلد شقراء قاضيًا لأهل الوشم أن ينتَقِلَ إلى القصيم، فقَدِمَ عُنَيزة وأقام فيها، ثم طلبوا نزولَه عندهم وانتقاله إليهم بأهله، فانتقل بعياله عندهم واستوطن عُنيزة، فأكرموه غاية الإكرام وعظَّموه بما يستحِقُّه من الإعظام، فاجتمع عنده طلبةُ عِلمٍ كثيرون، ورحل إليه من الغرباء صغيرٌ وكبيرٌ، وانتفع به من طلبتهم كثير.
سيَّرَ محمَّدُ بن عبد الرحمن جيشًا مع أخيه الحكَمِ إلى قلعةِ رباح، وكان أهلُ طليطِلة قد خَرَّبوا سُورَها وقتَلوا كثيرًا من أهلِها، وأصلح الحكَمُ سُورَها وأعاد مَن فارَقَها من أهلها إليها، وأصلح حالَها، وتقدَّمَ إلى طليطِلة فأفسد في نواحيها وشَعثِها وسيّرَ محمد أيضًا جيشًا آخَرَ إلى طليطلة، فلما قاربوها خرجت عليهم الجنودُ مِن المكامن، فانهزم العسكَرُ، وأصيب أكثرُ من فيه.
هو الإمامُ تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود بن محمد بن مقرن، من أمراءِ نجد، وَلِيَها بعد مقتل ابنِ عَمِّه مشاري بن سعود. كان تركي بن عبد الله فارًّا من وجه التُّرك وعُمَّال والي مصر محمد علي، في الخَرجِ بنجد، وعلم بأنَّ مشاري بن معمر قبض على ابنِ عَمِّه مشاري وسَلَّمه إلى الترك فقَتَلوه، فخرج من مخبئه ودخل العارضَ فنازع ابن معمر برهةً مِن الزمن، ثم قتَلَه بابن عمه، وتولى الحكمَ مكانه. وبولايةِ تركي بن عبد الله انتقل الحكمُ في آل سعود من سلالةِ عبد العزيز بن محمد بن سعود إلى سلالة أخيه عبد الله بن محمد بن سعود، وكان تركي شجاعًا؛ أخذ على عاتقه إخراجَ الترك ومَن معهم من المصريين عن بلادِه، فاستردَّ الأحساء والقطيف، وصالحَه أميرُ حائل، وانبسط نفوذُه في القصيم. واستمَرَّ إلى أن قام مشاري بن عبد الرحمن ابن أخت تركي بن عبد الله -وهو ابنُ عمه أيضًا- بقَتلِه غدرًا، قال ابن بشر: "عزم مشاري على إظهارِ ما أبطن وجَرَّد سيفه لإثارة الفِتَن، وذلك بمساعدة رجالٍ أسافِلَ مِن الخدمِ الأراذلِ، وقد تواعدوا عليه بعد صلاةِ الجمعة إذا خرج من المسجِدِ، فلما صلى الجمعة وخرج.. من المسجدِ، وقف له البغاة عند الدكاكين بين القصر والمسجد، وبيده مكتوبٌ يقرؤه، وفي جنبه رَجُلٌ على يساره، واعترضهم منهم عبدٌ خادم لهم يقال له إبراهيم بن حمزة، فأدخل الطبنجة مع كُمِّه وهو غافِلٌ فثورها فيه، فخَرَّ صريعًا، فلم تخط قلبه، وإذا مشاري قد خرج من المسجد فشَهَر سيفَه وتهدَّد الناس وتوعَّدَهم، وشهر أناسٌ سُيوفَهم معه فبُهِتَ الناس وعَلِموا أن الأمر تشاوروا فيه وقُضِيَ بليلٍ، فلما رأى زويد العبد المشهور مملوكُ تركي عمَّه صريعًا، شهر سيفه ولَحِقَ برجلٍ من رجاجيل مشاري فجَرَحَه.. ثم إن مشاري دخل القصرَ من ساعته وأعوانه معه.. وجلس للناسِ يدعوهم إلى البيعةِ، فلما علم آلُ الشيخِ وقوعَ هذا الأمر جلسوا في المسجد، فلم يخرجوا منه حتى أرسل إليهم مشاري يدعوهم فأبَوا أن يأتوا إلا بالأمانِ، فكتب لهم بالأمان، فأتوا إليه وطلب منهم المبايعةَ فبايعوه، ثمَّ نُقِلَ تركي من موضعه ذلك، وأدخلوه بيت زويد فجُهِّزَ وصلى عليه المسلمون بعد صلاة العصر، ودُفِنَ في مقبرة الرياض آخر ساعة من يوم الجمعة"، وكان قتلُ تركي بن عبد الله على يد ابن عمه مشاري بن عبد الرحمن أوَّل جريمةٍ مِن نوعِها في آل سعود. وكان ابنُه فيصل في القطيف على رأس جيشٍ، فلما علم بمقتلِ أبيه رجع من فوره واستطاع أن يقتُلَ مشاري، ثم يتولى الإمامةَ والحُكمَ.
تُوفيَ الشيخُ صالحُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأطرمُ عضوُ هيئة كبار العلماء، وأستاذُ الدراسات العُليا في قسمِ الفقهِ بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياضِ، إثْرَ مرضٍ مُزمنٍ لازَمَه سنواتٍ عدةً، والشيخُ حصَلَ على الدكتوراه من المعهد العالي للقضاء، وكان يتولَّى تدريسَ مادة الفقه المقارَن بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياضِ، بالإضافةِ إلى تدريسه لطلبة مرحلتَيِ الماجستير والدكتوراه في الكليةِ ذاتِها، وفي المعهد العالي للقضاءِ بالرياضِ، والشيخُ الأطرمُ من مواليد الزلفي، وقد التحَقَ منذ وقتٍ مبكرٍ بحلقاتِ العلماء، حيث تلقَّى العلم على يدِ نُخبةٍ من كبار علماء المملكةِ، وعلى رأسهم فضيلةُ العلَّامةُ الشيخُ محمدُ بن إبراهيم رحمه اللهُ، والشيخُ ابنُ بازٍ، ومن أبرز تلاميذه: الشيخُ عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ اللهِ آلَ الشيخ (مفتي عام المملكة)، وفضيلةُ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، وغيرُهما.
أنشأها القاضي أستاذ دار الخليفة المستعصم الصاحب محيي الدين ابن الشيخ جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي أيَّامَ الملك الصالح عماد الدين، كان قد حصل على أموالٍ وكراماتٍ من بني أيوب بالشامِ- أثناء قيامه بالسِّفارة بين الخليفة وبني أيوب- ابتنى بها المدرسةَ الجوزيَّة بالنشابين بدمشق بسوق القمح بالقرب من الجامِعِ، وقد نسب إليها ابنُ قَيِّم الجوزيَّة رحمه الله، فهو إمامُها ووالدُه كان قَيِّمَها.
رَكِبَ الحاكِمُ ومعه وزيرُه الحُسَينُ بنُ طاهر الوزَّان، على رَسمِه، فلمَّا انتهى إلى حارةِ كتامة خارِجَ بابِ القاهرة، أمَرَ بقَتلِه فضُرِبَت رقَبَتُه ودُفِنَ مكانَه. فكانت مُدَّةُ نظره في الوزارة سنتين وشهرين وعشرين يومًا، ثمَّ استوزَرَ مكانَه عبدَ الرَّحمنِ بنَ أبي السيد الذي لم يلبَثْ إلَّا قليلًا حتى قتَلَه الحاكِمُ فاستوزر مكانَه أبا العبَّاسِ الفَضلَ بنَ جَعفرِ بنِ الفراتِ، ثمَّ قَتَلَه الحاكِمُ أيضًا، واستوزر مكانَه أبا الحَسَنِ عليَّ بن جعفرِ بنِ فلاح الكتامي.
هو الشيخ العلامة أبو بكر حسين بن أبي بكر بن غنام الأحسائي المالكي مذهبًا التميمي نسبًا، ولد ببلدة المبرز بالأحساء ونشأ بها وقرأ على علمائها، ثم نزح منها إلى الدرعية، فقدمها على الإمام عبد العزيز بن محمد والشيخ محمد بن عبد الوهاب فأكرماه وأنزلاه المنزلة الرفيعة، فاستقرَّ في الدرعية وجلس فيها لطلاب العلم يقرؤون عليه علم النحو والعروض فقط، منهم الشيخ العلامة سليمان بن عبد الله ابن الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب, والشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والشيخ عبد العزيز ابن الشيخ العلامة حمد بن ناصر بن معمر. كانت له اليد الطولى في معرفة العلم وفنونِه, وصنَّف مصنفات منه: العقد الثمين في شرح أصول الدين, وألف تاريخه المشهور بتاريخ ابن غنام وسمَّاه "روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام" وله معرفة في الشعر والنثر، وله قصائد طوال موجودة في تاريخه, وهي تدل على طولِ نَفَسه في الشعر, وتوفِّي في الدرعية.
لم تكن الفتنةُ بين عبد الله وسعود أبناء فيصل بن تركي وليدةَ الساعة بعد وفاة والدهما، بل كانت روحُ التنافس موجودة بينهما من أيام والدهما؛ ولذلك جعل فيصل سعودًا أميرًا على الخَرجِ والأفلاج ومناطق جنوب بلاد العارض، وما أن توفي فيصل حتى ثار سعودٌ على أخيه عبد الله ينازعه في الحكمِ، واتجه إلى عسير ونزل على حكامِها آل عايض يطلب العونَ والمساعدة في حربِه على أخيه بحجَّةِ أنه كان يهينُه ولم يَرْعَ حَقَّه، وحاول عبد الله أن يثني سعودًا عن غرضه، ووعده بأن يلبي له طلبه إذا عاد إلى الرياض، لكِنَّ سعودًا لم ينثنِ عن عزمِه، ولَمَّا لم يجد العون من آل عايض اتجه إلى نجران يستنصِرُ بصاحبها، وهو في الأصل عدو لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكذلك عدو لبيت آل سعود، فوعده بالنصرة، كما وقف مع سعود بن فيصل ضِدَّ أخيه عددٌ من القبائل، منهم العجمان، ويعض قبائل بدو الدواسر، وبنو مرة، وبدو نجران وأميرها الذي ساعده بالمال. وقد حَذَّر علماءُ أئمة الدعوة من هذه الفتنةِ، وأصدروا الفتاوى وبيَّنوا للعامَّةِ والخاصة بغيَ سعود على أخيه عبد الله، ومنها ما كتبه الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الرحمن بن حسن إلى من يصل إليه من الإخوانِ، سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: تفهمون أنَّ الجماعةَ فرضٌ على أهل الإسلام، وعلى من دان بالإسلامِ، كما قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] ولا تحصل الجماعةُ إلا بالسمع والطاعة لِمَن ولاه الله أمرَ المسلمين، وفي الحديث الصحيح عن العِرباضِ بن ساريةَ، قال: وعَظَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم موعظةً وَجِلَت منها القلوب، وذَرَفت منها العيونُ،.... الحديث، وقد جمع الله أوائِلَ الأمة على نبيه صلى الله عليه وسلم، وذلك بسبب الجهاد، وكذلك الخلفاء، رد الله بهم إلى الجماعةِ مَن خرج، وفتح الله لهم الفتوحَ، وجمع الله الناسَ عليهم، وتفهمون أنَّ الله سبحانه وتعالى جمعكم على إمامِكم عبد الله بن فيصل بعد وفاة والده فيصل، فالذي بايع بايعَ وهم الأكثرون، والذين لم يبايعوا بايعَ لهم كبارُهم، واجتمع عليه أهلُ نجدٍ باديهم وحاضِرُهم، وسمعوا وأطاعوا، ولا اختلف عليه أحدٌ منهم، حتى سعود بن فيصل، بايع أخاه وهو ما صار له مدخال في أمرِ المسلمين، لا في حياة والده ولا بعده، ولا التفت له أحدٌ من المسلمين. ونقَضَ البيعة، وتبيَّنَ لكم أمرُه أنه ساعٍ في شَقِّ العصا، واختلافِ المسلمين على إمامهم، وساعٍ في نقض بيعةِ الإمام، وقد قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [النحل: 91،92] وسعى سعودٌ في ثلاثة أمور كُلُّها مُنكَرة: نَقَض البيعةَ بنفسِه، وفارق الجماعةَ، ودعا الناس إلى نقضِ بيعة الإمام، فعلى هذا يجِبُ قتالُه وقِتالُ من أعانه".