كان يعقوبُ بنُ اللَّيثِ الصَّفَّار قد قضى على الدَّولةِ الطاهريَّة، وأقام دولتَه على أنقاضِها، فأمر الخليفةُ أن يجهِّزَ جيشًا بقيادةِ أخيه الموفَّقِ؛ لِمُواجهة يعقوب، وذلك في عام 262هـ / 876م، ويشاءُ اللهُ أن تدور الدائرةُ على يعقوبَ فيُهزَم، ولكِنَّ المُعتَمِد يرى الاحتفاظَ بولائه للخلافةِ، فمِثلُه يمكِنُ الاعتماد عليه في مواجهةِ الثَّوراتِ والانتفاضات، فبعث إليه يستميلُه ويتَرضَّاه، ويقَلِّدُه أعمال فارس وغيرِها ممَّا هو تحت يديه، ويصِل رسولُ الخليفة إليه، وهو في مرَضِ الموت، ولكِنْ بعد أن كَوَّنَ دولةً، وبسط سلطانَه عليها. ويُظهِرُ أخوه (عمرو) من بعدِه ولاءَه للخليفة، فيولِّيه الخليفةُ خُراسان، وفارِسَ، وأصبهان، وسجستان، والسِّند، وكرمان، والشرطة ببغداد، وكان عمرٌو كأخيه ذا أطماعٍ واسعةٍ، فانتهز فرصةَ تحسُّن العلاقة بينه وبين الخليفةِ وراح يتَمِّمُ رسالة أخيه. فاتَّجَه بنظره إلى إقليم ما وراءَ النهر الذي كان يحكُمُه السامانيون، ولكِنَّ قُوَّتَهم لا يستهان بها، فكتب إلى الخليفة المعتَضِد ليساعِدَه على تملُّكِ هذا الإقليم، فهُزِمَ عمرُو بن الليث الصفار هزيمةً ساحقةً، ووقع أسيرًا في أيدي السامانيِّين، وأُرسل إلى بغداد ليُقضى عليه، فيقتل سنة 289هـ / 902م. ولم تكَدْ تمرُّ ثماني سنوات حتى كان السامانيُّون قد قَضَوا نهائيًّا على الصفاريِّين، واستولَوا على أملاكِهم
لم تنقَطِعْ حركاتُ التشَيُّع ولم تتوقَّف، فقد كانوا متعصِّبين لآرائهم، مؤمنينَ بفِكرتِهم، يزعمونَ أنَّ أحَقَّ النَّاسِ بالخلافةِ أبناءُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ مِن نسلِ السَّيِّدةِ فاطمةَ الزَّهراءِ، فإن نالَها غيرُهم فما ذاك إلَّا أمرٌ باطِلٌ يجب أن يُمحى، ونَشِطَ دُعاةُ الشيعةِ في الدعوةِ إلى مذهبهم، وبخاصةٍ في الجهاتِ البعيدةِ عن مركز الخلافةِ، مثل أطراف فارِسَ واليمَنِ وبلاد المغرب. وكان من هؤلاء الدُّعاةِ أبو عبدالله الشِّيعي وهو رجُلٌ مِن صنعاء اتَّجه إلى المغرب بعد أن رأى دويلاتِ الأغالبةِ والأدارسةِ وغَيرِهما تنشأُ وتُقام بعيدًا عن يدِ الدَّولةِ العباسيَّة وسُلطانها، وركَّزَ أبو عبد الله دعايتَه بين البربرِ، وسُرعانَ ما انضَمُّوا إليه في آلافٍ عديدة، فأرسل إلى زعيمِه الفاطميِّ عُبَيدِ الله بن محمَّد. وقال لهم إنَّ عُبَيد الله شريف علوي فاطميٌّ. ولَمَّا عَلِمَ الخليفة العباسي بالأمرِ أمر بمطاردةِ عُبيد الله، والقبضِ عليه، فاضطُرَّ حين وصل مصرَ إلى أن يتنكَّرَ في زيِّ التجَّار، ثم حاول أن يُفلِتَ مِن دويلات شمال إفريقيا، ولكنَّه سقط أخيرًا في يد أميرِ سجلماسة. فاعتَقَله، وكان معه ابنُه محمد وسجَنَهما.
دخل طاهِرُ بنُ محمَّد بنِ عمرِو بنِ الليث بلادَ فارس في عسكَرِه وأخرجوا عنها عامِلَ الخليفة، فكتب الأميرُ إسماعيلُ بنُ أحمد الساماني إلى طاهر يذكُرُ له أنَّ الخليفةَ المعتضِدَ قد ولَّاه سجستان، وأنَّه سائر إليها فعاد طاهِرٌ لذلك، فولَّى المعتضِدُ مولاه بدرًا فارِسَ، وأمره بالشُّخوصِ إليها لَمَّا بلغه أنَّ طاهرًا تغلب عليها، فسار إليها في جيشٍ عظيمٍ في جمادى الآخرة، فلما قَرُب من فارس تنحَّى عنها مَن كان بها من أصحابِ طاهرٍ، فدخَلَها بدر، وجَبى خراجَها وعاد طاهرٌ إلى سجستان.
انتشر القرامطةُ بسَوادِ الكوفة، فوجَّه المعتَضِدُ شِبلًا غلامَ أحمد بن محمد الطائي، وظفِرَ بهم، وأخذ رئيسًا لهم يُعرَف بأبي الفوارس، فسيَّرَه إلى المعتضد، فأحضره بين يديه، وقال له: أخبرني، هل تزعمون أنَّ رُوحَ الله تعالى ورُوحَ أنبيائه تحُلُّ في أجسادِكم فتعصِمُكم من الزلل وتوفِّقُكم لصالح العمل؟ فقال له: يا هذا، إن حَلَّت رُوحُ الله فينا فما يضُرُّك؟ وإن حلَّت روحُ إبليسَ فما ينفَعُك؟ فلا تسألْ عمَّا لا يعنيك وسَلْ عمَّا يخُصُّك، فقال: ما تقولُ فيما يخصُّني؟ قال: أقولُ: إنَّ رسولَ اللهِ- صلَّى الله عليه وسلم- مات وأبوكم العبَّاسُ حَيٌّ، فهل طالبَ بالخلافةِ أم هل بايَعَه أحدٌ من الصحابةِ على ذلك؟ ثم مات أبو بكرٍ فاستخلف عُمَرَ، وهو يرى موضِعَ العبَّاسِ، ولم يوصِ إليه، ثم مات عمَرُ وجَعَلَها شورى في ستَّةِ أنفُس، ولم يوصِ إليه، ولا أدخَلَه فيهم، فبماذا تستحِقُّونَ أنتم الخلافة؟ وقد اتَّفَق الصحابةُ على دفع جَدِّك عنها. فأمر به المعتَضِدُ فعُذِّبَ، وخُلِعَت عظامه، ثم قُطِعَت يداه ورجلاه، ثم قُتِل.
ظهر بالشامِ رجلٌ مِن القرامطة، وجمع جموعًا من الأعرابِ، وأتى دمشق، وأميرها طغج بن جف من قِبَل هارون بن خِمارَوَيه بن أحمد بن طولون، وكانت بينهما وقَعاتٌ، وكان ابتداءُ حال هذا القرمطيِّ أنَّ زكرَوَيه بن مهرَوَيه الداعية القرمطي الذي بدأ أمرُه في العراق هذا لَمَّا رأى أنَّ الجيوشَ مِن المعتَضِد متتابِعةٌ إلى مَن بسواد الكوفةِ مِن القرامطة، فإنَّ القتلَ قد أبادهم، سعى باستغواءِ مَن قَرُب من الكوفة من الأعرابِ: أسَد وطيئ وغيرهم، فلم يجِبْه منهم أحد، فأرسل أولادَه إلى كلب بن وبرة فاستغوَوهم، فلم يجِبْهم منهم إلَّا الفَخذُ المعروف ببني العليص بن ضمضَم بن عدِيِّ بن خباب ومواليهم خاصةً، فبايعوا في هذه السَّنة، بناحية السماوة، ابنَ زكرَوَيه، المسمَّى بيحيى، المُكنَّى أبا القاسم، فلقبوه الشيخ، وزعم أنَّه محمَّد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وقيل: لم يكن لمحمَّد بنِ إسماعيل ولدٌ اسمه عبد الله، وزعم أنَّ له بالبلاد مائة ألفِ تابعٍ، وأنَّ ناقتَه التي يركَبُها مأمورةٌ، فإذا تبعوها في مسيرِها نُصِروا، وأظهَرَ عَضُدًا له ناقصة، وذكَرَ أنَّها آيتُه، وأتاه جماعةٌ من بني الأصبع، أخلصوا له وتَسَمَّوا بالفاطميين، ودانُوا بدينه، فقصدهم شبلٌ غلامُ المعتَضِد من ناحية الرصافة فاغتَرُّوه فقتلوه، وأحرقوا مسجِدَ الرصافة، واعتَرَضوا كلَّ قرية اجتازوا بها حتى بلغوا هارونَ بنَ خمارَوَيه التي قوطِعَ عليها طغج بن جف، فأكثَروا القتلَ بها والغارة، فقاتَلَهم طغج، فهزموه غيرَ مَرَّة.
هو أميرُ المؤمنينَ أبو العَبَّاس أحمدُ بنُ طلحة الموفَّق بالله بن المتوكل على الله جَعْفَر بن المُعْتَصم بن الرشيد الهاشمي العباسي. ولد في ذي القَعدة سنة 242 في دولةِ جَدِّه، استخلف بعد عَمِّه المعتَمِد في رجبٍ سنة تسع وسبعين. وكان ملكًا شجاعًا مهيبًا، أسمرَ نحيفًا، معتدِلَ الخَلقِ، ظاهِرَ الجبروت، وافِرَ العقل، شديدَ الوطأة، من أفراد خلفاءِ بني العَبَّاس. وكان ذا سياسةٍ عظيمة. وكان المُعْتَضِدُ يبخل ويجمَعُ المال، وقد وليَ حَربَ الزِّنجِ وظَفِرَ بهم، وفي أيَّامِه سكنت الفتَنُ لفَرطِ هيبتِه. وكان غلامُه بدرٌ على شرطتِه، وعبيد الله بن سُلَيْمَان على وزارته، ومحمَّد بن سِياه على حرسه، وكانت أيامُه أيامًا طيبة كثيرةَ الأمن والرخاء. وكان قد أسقط المُكوسَ، ونشَرَ العدل، ورفع الظُّلمَ عن الرعية. وكان يُسمَّى السفاحَ الثانيَ؛ لأنَّه جدَّد مُلكَ بني العباس، وكان مُلْكُهم قد خلقَ وضعُف وكاد يزولُ. أصيب المعتَضِد في آخر أيامه بمرضٍ واشتدَّ به المرض حتى توفِّيَ، فتولى غَسلَه محمَّدُ بن يوسف، وصلَّى عليه الوزيرُ عبيد الله بن سُلَيمان، ودُفِنَ ليلًا في دار محمَّد بن طاهر، وجلس الوزيرُ في دار الخلافة للعزاء، وجدَّد البيعة للمُكتفي, وكانت مُدَّةُ خلافة المعتَضِد سبعَ سنين وتسعة أشهر وثلاثة عشر يومًا. لَمَّا توفِّيَ المعتَضِد كتب الوزيرُ إلى أبي محمد علي بن المُعتَضِد، وهو المكتفي باللهِ، يعَرِّفُه بذلك وبأخذِ البيعة له، وكان بالرقَّة، فلما وصله الخبَرُ أخذ البيعةَ على مَن عِندَه من الأجناد، ووضع لهم العطاءَ وسار إلى بغداد، ووجَّه إلى النواحي من ديارِ ربيعةَ ومُضَرَ ونواحي العرَبِ مَن يحفظُها ودخل بغدادَ لثمانٍ خَلَونَ مِن جمادى الأولى.
كاتب أهلُ الريِّ محمَّدَ بنَ هارون الذي حارب محمَّدَ بن زيد العلوي، وتولى طبرستان لإسماعيلَ بنِ أحمد الساماني، فلما خلع محمَّدُ بن هارون طاعةَ إسماعيل، سأله أهلُ الرَّيِّ المسيرَ إليهم ليُسَلِّموها إليه، وكان سببُ ذلك أنَّ الواليَ عليهم كان قد أساء السيرةَ فيهم، فسار محمَّدُ بن هارون إليهم فحاربه واليها وهو الدتمش التركي، فقتله محمَّد وقتَلَ ابنينِ له وأخا كيغلغ، وهو من قوَّاد الخليفة، ودخل محمَّدُ بن هارون الريَّ، واستولى عليها، وفي هذه السنة كانت وقعةٌ بين إسماعيل بن أحمد وبين محمَّد بن هارون بالري، فانهزم محمَّد، ولحق بالديلم مُستجيرًا بهم، ودخل إسماعيلُ الرَّيَّ.
أقبل يحيى بن زكرَوَيه بن مهرويه أبو قاسم القرمطي المعروفُ بالشيخ في جحافلِه، فعاث بناحية الرقَّة فسادًا، فجهز إليه الخليفةُ جيشًا نحو عشرة آلاف فارس، وكان قد سار يحيى بن زكرويه إلى دمشق وحاصرها، فقُتِلَ على باب دمشق، زرَقَه رجلٌ من المغاربةِ بِمزراقِ نارٍ- المزراقُ رُمحٌ قصير أو خفيفٌ يُقْذَف باليد- فقَتَله، ففَرِحَ الناس بقتله، وكان هذا المغربيُّ من جملة جيش المصريين، فقام بأمرِ القرامطةِ مِن بعده أخوه الحُسَين وتسمَّى بأحمد وتكنَّى بأبي العباس وتلقَّب بأمير المؤمنين، وأطاعه القرامطة، فحاصر دمشقَ فصالحه أهلُها على مال، ثم سار إلى حمصَ فافتتحها وخُطِبَ له على منابِرِها، ثمَّ سار إلى حماة ومعرَّة النعمان فقهر أهلَ تلك النواحي واستباح أموالَهم وحريمَهم، وكان يقتُلُ الدوابَّ والصِّبيانَ في المكاتب، ويُبيحُ لِمَن معه وطء النِّساء، فربما وطئَ الواحدةَ الجماعةُ الكثيرةُ مِن الرجال، فإذا ولَدَت ولدًا هنأَ به كلُّ واحدٍ منهم الآخَرَ، فكتب أهل الشامِ إلى الخليفة ما يلقَونَ مِن هذا اللعين، فجهَّز إليهم جيوشًا كثيفة، وأنفق فيهم أموالًا جزيلة، وركب في رمضان فنزل الرقَّةَ وبَثَّ الجيوشَ في كلِّ جانبٍ لقتال القرامطة، وكان القرمطي هذا يكتُبُ إلى أصحابه: "مِن عبد الله المهديِّ أحمد بن عبد الله المهدي المنصور الناصر لدين الله القائم بأمر الله الحاكم بحكم الله، الداعي إلى كتاب الله، الذابِّ عن حريم الله، المختار من ولد رسول الله" وكان يدَّعي أنَّه من سلالة علي بن أبي طالب من فاطمة، وهو كاذِبٌ أفاكٌ أثيمٌ- قبَّحه الله- فإنَّه كان من أشدِّ الناس عداوةً لقريش، ثم لبني هاشم، دخل سلميةَ فلم يدَعْ بها أحدًا من بني هاشم حتى قتَلَهم، وقتل أولادَهم، واستباح حريمَهم.
هو أبو العبَّاس عبدالله بنُ إبراهيمَ بنِ أحمد بن الأغلب، الأميرُ الأغلبيُّ أميرُ تونُسَ والقيروان الحادي عشر من أمراء الدولةِ الأغلبيَّة، كان عاقلًا حكيمًا شجاعًا، قَرَّب إليه العلماءَ واستعان بهم على تطبيق العدلِ بين الناس، وسار بهم سيرةً حَسنةً، ولكِنَّ أمرَ الحُكمِ بدأ يضطرِبُ ويضعُفُ في أيَّامِه، وكان قد سجَنَ ابنًا له هو زيادة الله، سجنَه بسبب انحرافِه في الشهواتِ، وقيل: بل لأنَّه كان يتآمَرُ على والده، ثم وهو في السجنِ تآمر مع بعضِ الخدَمِ لقَتلِ أبيه، فقتل هؤلاءِ الخدَمُ الأميرَ عبدَالله وهو على سريرِه، فكانت مدة إمارته سنة وخمسون يومًا، فتولى ابنُه زيادةُ الله الإمارةَ من بعده.
تقع على الساحلِ الغربيِّ على البحر الأبيض المتوسط، عاصمةُ غرب البلاد وثاني أكبَر مدينةٍ بعد الجزائر العاصمة. تعدُّ المدينةُ مركزًا اقتصاديًّا وميناءً بحريًّا مهمًّا. قام البحَّارة الأندلسيُّون بإنشاءِ هذه المدينة في هذا العام. حتى أصبَحَت مدينةُ وهران محطَّ نزاعٍ بين الأمويِّين في الأندلس والفاطميِّين. دُمِّرَت مدينة وهران عدةَ مرَّات أثناء تلك الحِقبة. وأصبحت المدينةُ تحت الحكم الأموي عام 407، ثم أصبَحت تحت حُكم المرابطين عام 474، وكانت المدينةُ تمثِّلُ أهمَّ ميناء تجاري للدولة الزيانيَّة ومَنفذًا لها على البحر المتوسِّط.
هو أبو عبدِ الرَّحمنِ عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ محمد بن حنبل الشيباني البغدادي، الحافظ، مِن أهل بغداد، والده هو الإمامُ أحمد بن حنبل، ولد سنة 213 وأمُّه اسمها ريحانة، تزوجَّها الإمام أحمد بعد وفاةِ زوجته الأولى عبَّاسة أم ابنِه صالحٍ، وأنجبت له ريحانةُ ابنَه عبد الله. تعلَّمَ على يدِ أبيه فسَمِعَ منه المُسنَد، فكان مُكثِرًا في الروايةِ عن أبيه وعن غيره, وكان إمامًا ثِقةً حافِظًا ثَبتًا، قال ابن المنادي: لم يكُنْ أحدٌ أروى عن أبيه منه، روى عنه المسندَ ثلاثينَ ألفًا، والتفسير مائة ألفِ حديث وعشرون ألفًا، من ذلك سماعٌ، ومن ذلك إجازة، ومن ذلك الناسِخُ والمنسوخ، والمقَدَّم والمؤخَّر، والمناسِك الكبير والصغير، وغير ذلك من التصانيف، وحديث الشيوخِ، وقال- أي ابن المنادي: وما زِلْنا نرى أكابِرَ شيوخِنا يشهدون له بمعرفةِ الرِّجالِ وعِلَل الحديث، والأسماءِ والكُنى، والمواظبة على طلَبِ الحديث في العراق وغيرها، ويذكُرونَ مِن أسلافهم الإقرارَ له بذلك، حتى إنَّ بعضَهم أسرفَ في تقريظه له بالمعرفة وزيادةِ السَّماعِ للحديث عن أبيه"، ولَمَّا مَرِضَ قيل له أين تُدفَنُ ؟ فقال: صحَّ عندي أنَّ بالقطعيَّة نبيًّا مدفونًا، ولَأن أكونَ بجوارِ نبيٍّ أحَبُّ إليَّ مِن أن أكونَ في جوار أبي، مات عن سبع وسبعين سنة، كما مات لها أبوه، واجتمع في جنازته خلقٌ كثيرٌ من الناس، وصلَّى عليه زهير ابن أخيه، ودُفِنَ في مقابِرِ باب التين- رحمَه الله تعالى.
أمرَ محمَّدُ بنُ سليمان- الذي ولَّاه المكتفي قتالَ القرامطةِ- بمناهضةِ صاحِبِ الشامة القرمطيِّ الحسين بن زكرويه - المُدَّعي أنَّه أحمد بن عبد الله- فسار إليه في عساكِرِ الخليفة، حتى لَقُوه وأصحابَه بمكان بينهم وبين حماة اثنا عشرَ ميلًا، فقَدَّمَ القرمطيُّ أصحابَه إليهم، وبقِيَ في جماعةٍ مِن أصحابه، معه مالٌ كان جمعه، وسوادُ عَسكرِه، والتحمت الحربُ بين أصحاب الخليفةِ والقرامطة، واشتَدَّت وانهزمت القرامطةُ وقُتِلوا كلَّ قِتلةٍ، وأُسِرَ مِن رجالهم بشَرٌ كثير، وتفَرَّق الباقون في البوادي، وتَبِعَهم أصحابُ الخليفة،فلما رأى صاحِبُ الشامة ما نزل بأصحابِه، حمَّلَ أخًا له يكنَّى أبا الفضلِ مالًا، وأمره أن يلحَقَ بالبوادي إلى أن يظهَرَ بمكانٍ فيسيرَ إليه، ورَكِبَ هو وابنُ عمه المسمى بالمَدَّثر، والمطوق صاحبه، وغلام له رومي، وأخذ دليلًا وسار يريدُ الكوفة عرضًا في البريَّة، فانتهى إلى الداليَّة مِن أعمالِ الفُرات، وقد نفِدَ ما معهم من الزادِ والعَلَف، فوجَّه بعضَ أصحابه إلى الداليَّة المعروفة بدالية ابن طوق ليشتريَ لهم ما يحتاجونَ إليه، فدخلها فأنكروا زيَّه، فسألوه عن حالِه فكتَمَه، فرفعوه إلى متولِّي تلك الناحية الذي يُعرفُ بأبي خبزة خليفةِ أحمد بن محمد بن كشمرد، فسأله عن خبَرِه، فأعلمه أنَّ صاحِبَ الشامة خلْفَ رابيةٍ هناك مع ثلاثةِ نفَرٍ، فمضى إليهم وأخَذَهم، وأحضرهم عند ابنِ كشمرد، فوجَّهَ بهم إلى المكتفي بالرقَّةِ، ورجعت الجيوشُ مِن الطلب، وفي يوم الاثنين لأربعٍ بَقِينَ من المحرم أُدخِلَ صاحِبُ الشامة الرقَّة ظاهرًا على فالجٍ- وهو الجملُ ذو السَّنامينِ- وبين يديه المدَّثِّر والمطوق؛ وسار المكتفي إلى بغدادَ ومعه صاحبُ الشامة وأصحابُه، وخلَّفَ العساكِرَ مع محمد بن سليمان، وأُدخل القرمطيُّ بغدادَ على فيلٍ، وأصحابُه على الجمل، ثم أمرَ المكتفي بحَبسِهم إلى أن يَقدَمَ محمَّد بن سليمان، فقَدِمَ بغداد، وقد استقصى في طلَبِ القرامطة، فظَفِرَ بجماعةٍ من أعيانهم ورؤوسِهم، فأمر المكتفي بقَطعِ أيديهم وأرجُلِهم، وضَرْبِ أعناقهم بعد ذلك، وأُخرِجوا من الحبس، وفُعِلَ بهم ذلك، وضُرِبَ صاحب الشامة مائتي سوطٍ، وقُطِعَت يداه، وكُوِيَ فغُشِيَ عليه، وأخذوا خشبًا وجعلوا فيه نارًا ووضعوه على خواصِرِه، فجعل يفتَحُ عينه ويُغمِضُها، فلما خافوا موتَه ضربوا عنُقَه، ورفعوا رأسَه على خشبة، فكبَّرَ الناس لذلك، ونُصِبَ على الجِسرِ.
خرجت التُّركُ في خلقٍ كثيرٍ لا يُحصَون إلى ما وراءَ النَّهر، وكان في عسكرِهم سبعُمائة قُبَّة تركية، ولا يكونُ إلَّا للرؤساء منهم، فوجَّه إليهم إسماعيلُ بنُ أحمد الساماني جيشًا كثيرًا، وتَبِعَهم من المتطَوِّعة خلقٌ كثيرٌ، فساروا نحو التُّركِ، فوصلوا إليهم وهم غارُّونَ، فكَبَسَهم المسلمون مع الصبحِ، فقَتَلوا منهم خلقًا عظيمًا لا يُحصَون، وانهزم الباقون، واستُبيحَ عَسكرُهم، وعاد المسلمونَ سالِميَن غانِمينَ.
في هذه السنة سار المعروفُ بغلام زرافة من طرسوس نحو بلادِ الروم، ففتح مدينةَ أنطاكية، وهي تعادِلُ القُسطنطينية، فتَحَها بالسَّيفِ عَنوةً، فقتل خمسةَ آلاف رجلٍ، وأسَرَ مِثلَهم، واستنقذَ مِن الأُسارى خمسةَ آلاف، وأخذ لهم ستينَ مَركبًا فحمَلَ فيها ما غَنِمَ من الأموال والمتاع والرَّقيق، وقُدِّرَ نصيبُ كلِّ رجلٍ ألف دينار، وهذه المدينة على ساحل البحر، فاستبشر المسلمونَ بذلك.