هو المَلِك فيصل بنُ عبدِ العزيز بنِ عبد الرحمن الفيصل آل سعودٍ، الابنُ الثالث لوالده الملك المؤسِّس عبد العزيز رحمهما الله. وُلِد في مدينة الرياض في 14 صفر سنة 1324هـ / 1906م في عام انتصار والده على ابن رشيد في القصيم. شارك في سنٍّ مبكِّرة في المعارك والأحداث التي واكبت نُشوء المملكة؛ ففي عام 1345هـ- 1927م ندبه والده لينوبَ عنه في المباحثاتِ مع بريطانيا التي انتهت بالتوقيع على معاهدة جدَّة في 18 شوال 1345هـ / 20 مايو 1927م التي اعترفت بريطانيا بمقتضاها بحكومةِ الملك عبدِ العزيز بعد ضمِّه للحجاز، ثم قام بعدَها بزيارة معظمِ دول أوروبا وآسيا، ممثلًا بلادَه في مختلِف المؤتمراتِ، وكان هذا الحضور عاملًا لبلورة مَلَكة القيادةِ لديه التي برزت في أخذه المملكة نحوَ آفاق التطوير المدنيِّ والعلميِّ الحديث أثناء تولِّيه رئاسة الحكومة في مملكة الحجازِ، ونيابته عن والدِه، أو رئاسته لمجلس الشورى، أو تولِّيه وزارة الخارجية أو رئاسة مجلس الوكلاء، ثم رئاسة مجلس الوزراء، إلى أن بويعَ بولاية العهد في 11 ربيع الأول 1373 هـ / 9 نوفمبر 1953م، وفي يوم الاثنين 27 جمادي الآخرة عام 1384هـ / 3 نوفمبر 1964 بايع الشعب العربيُّ السعوديُّ بالإجماع الملكَ فيصل بنَ عبدِ العزيز ملكًا شرعيًّا على المملكة العربية السعودية, وكان طوال عهده عُرف بعداوته للتوجُّهات اليسارية الشيوعية سواء كانت في أشخاصٍ أو تياراتٍ أو أنظمة؛ ولهذا السبب كان خلافُه مع جمال عبد الناصر. في صباح يوم الثلاثاء 13 ربيع الأول 1395هـ الموافق 25 مارس كان الملك فيصل يستقبل زوَّارَه بمقرِّ رئاسة الوزراء بالرياض، وكان في غرفة الانتظار وزيرُ النفط الكويتي الكاظمي، ومعه وزير البترول السعودي أحمد زكي يماني. ووصل في هذه الأثناءِ الأميرُ فيصل بنُ مساعد بنِ عبد العزيز أخو الأمير الشاعرُ عبد الرحمن بنُ مساعد، طالبًا الدخول للسلام على عمِّه. وعندما همَّ الوزيرانِ بالدخول على الملك فيصل دخل معهما ابنُ أخيه الأمير فيصل بن مساعد. وعندما همَّ الملك فيصل بالوقوف له لاستقبالِه كعادته مع الداخلينَ عليه للسلامِ، أخرجَ الأميرُ فيصل بن مساعد مسدَّسًا كان يُخفيه في ثيابِه، وأطلق منه ثلاثَ رصاصاتٍ أصابت الملكَ في مقتلٍ في رأسِه. ونُقِل الملك فيصل على وجه السرعةِ إلى المستشفى المركزيِّ بالرياض، ولكنَّه توفِّيَ من ساعته رحمه الله، أما القاتلُ فقد قُبِض عليه، وأودِعَ السجن. وبعد التحقيق معه نُفِّذ فيه حكمُ القِصاصِ قتلًا بالسيفِ في مدينة الرياض، بعد 82 يومًا من قَتلِه للملك فيصل في يوم الأربعاء 9 جمادى الآخرة الموافق 18 يونيه، ثم تولى المُلْك بعده ولي العهد الملك خالد بن عبد العزيز.
في منتصف محرم - 1 فبراير قامت مظاهراتٌ تطالب بإسقاط الحكومة بعد أن ظهر أنَّها توالي الإنجليز، وصادف ذلك هوًى في نفس فاروق الملك، فأقال الحكومةَ، وكلَّف علي ماهر بتشكيل وزارة جديدة، واستمَرَّت المظاهرات، وفي 17 محرم اتصل السفيرُ الإنجليزي مايلز لامبسون بالملك فاروق، وأخبره أنَّ الحكومة البريطانية تصِرُّ على تغيير الوزارة القديمة، وتشكيل حكومة وفدية برئاسة مصطفى النحاس، واجتمع المَلِكُ بالشخصيات السياسية، وبينها مصطفى ماهر، وفي صبيحة يوم الثامن عشر سلَّم السفير الإنجليزي لمكتب أحمد حسنين رئيس الديوان الملكي إنذارًا إنجليزيًّا خطيرًا، وينص: إذا لم أسمع قبل الساعة السادسة مساء هذا اليومَ أنَّ مصطفى النحاس قد دُعِيَ لتشكيل الوزارة فإن جلالة الملك فاروق يجِبُ أن يتحَمَّل ما يترتب على ذلك من نتائِجَ، فاجتمع الملك ثانية بزعماء مصر السياسيين، وقرأ عليهم الخطاب الذي أشعرهم بالإهانة جميعًا، فقَرَّروا إرسال احتجاج للسفير ووقَّعوه جميعًا، وأجمعوا على تشكيل وزارة وطنية برئاسة مصطفى النحاس الذي أصَرَّ أن تكون وفديةً خالصةً (يعني: كلهم من حزب الوفد) وهذا ما تريدُه إنجلترا؛ لثقتها بالنحاس كما كانت تثِقُ قبله بسعد زغلول فهي تتظاهَرُ في الظاهر بمخالفتِهم ليكبَروا في أعيُنِ الشَّعبِ ويُصبِحوا أبطالًا قوميِّين!! وفي الشدة تستعينُ بهم للاستفادة من زعامتهم، ورفض السفيرُ ذلك الاحتجاج وأخطر رئيسَ الديوان الملكي أنَّه سيزور الملك بنفسِه في التاسعة مساء، وقبل نصف ساعة من الموعد تحرَّكت دبابات بريطانيا وطوَّقت قصر عابدين والزعماء ما يزالون مجتَمِعين فيه، وجاء السفير ودخل كأنَّه مَلِكُ العالَم لا كأنَّه سفير دولة، دخل متغطرسًا فوثب الجميع وقوفًا وسلَّموا عليه، فجلس، وخَيَّرَ الملك فاروق بين أمرين لا ثالثَ لهما إمَّا التوقيع على وثيقة تنازُلِه عن العرش، وإما التوقيع على تكليف مصطفى النحاس بتشكيلِ الوزارة فورًا، فاختار الملك الخيار الثاني فشَكَّلها من أعضاء حزب الوفد، وأرسل مصطفى النحاس خطابَ شكر للسفير الذي بادله برسالةٍ مماثلة!! وبعد تأليف الوزارة في اليوم نفسِه ذهب السفير وهنَّأ النحاس بين هتافاتِ أفراد حزب الوفد بحياة بريطانيا!!
قامت في اليمن حركةٌ بقيادة الإمام يحيى حميد الدين واجه فيها الدولةَ العثمانية التي انسحبت من اليمن في أعقاب الحرب العالمية الأولى فصفا له الجوُّ فيها. ويفصل بينه وبين مُلك الملك عبدالعزيز إمارة آل عائض في أبها، وإمارة آل إدريس في جازان، وقد قامت فيهما فِتَنٌ وأحداث انتهت بانضمامِهما إلى حكم الملك عبدالعزيز، وقد لجأ الحسَنُ الإدريسي وجمَعَ من أقاربه وخاصته إلى اليمن في ضيافة الإمام يحيى، وكان الملك عبد العزيز يصِلُهم بالإنفاق عليهم وهم هناك, وفي هذا العام تقدَّم جندٌ من جيش الإمام يحيى إلى جبال جازان بتحريضٍ من الحسن الإدريسي حتى وصلوا نجران, فلما علِمَ الملك عبد العزيز استعظمه وكتب للإمام يحيى يدعوه للاتفاق على رسمِ الحدود، فاجتمع مندوبو الطرفين دون أن يتمَّ الاتفاق على الحدود، فوجه الملك عبد العزيز إنذارًا للإمام يحيى لسَحبِ قوَّاتِه من نجران، ولَمَّا مضت مدة الإنذار ولم يكن له أثرٌ وجَّه الملك عبد العزيز جيشين في ذي الحجة أحدُهما بقيادة الأمير سعود بن عبد العزيز إلى الشمال ووجهته الجبل، فكانت وقعة حرض، وتوغَّل سعود في جبل السراة واقترب من غمدان، والجيشُ الثاني بقيادة الأمير فيصل بن عبد العزيز اتجه إلى الجنوب على الشاطئ، فاستولى على الحُديدة وبيت الفقيه وغيرهما، وبدَّد كل مقاومةٍ اعترضَتْه، وانهار جيش الإمام يحيى في أقل من شهر، فأبرق إلى مصر يستنجِدُ بالملك فؤاد فاعتذر منه لعدم استطاعته، فأُسقِطَ في يد الإمام يحيى، وانسحب من نجران، فأمر الملك عبدالعزيز بوَقفِ الزحف في 11 محرم 1353ه، وبدأت إجراءات التفاوض التي انتهت بمعاهدة الطائف.
هو الملك فاروق بن الملك فؤاد الأول بن الخديوي إسماعيل بن إبراهيم باشا بن محمد علي باشا. آخِرُ ملوك مملكة مصر والسودان. ولِدَ في 11 فبراير 1920م في القاهرة، ونشأ بها كابن وحيدٍ بين خمسِ شقيقات أنجبهم الملك فؤاد الأول، ثم أكمل تعليمَه بفرنسا وإنجلترا، أصبح وليًّا للعهد وهو صغيرُ السن، واختار الملك الوالِدُ فؤادُ الأولُ لولي عهده لقَبَ أمير الصعيد. وتحمَّل فاروقٌ المسؤولية وهو صغير السن؛ حيث إنه تولَّى العرش في 16 من عمرِه بعد وفاة والده الملك فؤاد الأول، ولأنَّه كان قاصرًا فقد تمَّ تشكيل مجلس وصاية رأَسَه ابنُ عمه الأمير محمد علي بن الخديوي توفيق أخي الملك فؤاد الأول، وكان سببُ اختياره أنه أكبر الأمراء سنًّا في ذلك الوقت، واستمَرَّت مدة الوصاية ما يقارب السنة وثلاثة شهور؛ إذ إنَّ والدته الملكة نازلي خافت بأن يطمَعَ الأمير محمد علي بالحُكمِ ويأخذه لنفسه، فأخذت فتوى بأن يُحسَب عُمرَه بالتاريخ الهجري، وأدَّى ذلك إلى أن يتوَّج فاروق مِلكًا رسميًّا بتاريخ 29 يوليو 1937، وتمَّ تعيينُ الأمير محمد علي باشا وليًّا للعَهدِ، وظَلَّ بهذا المنصب حتى ولادة ابن فاروق الأول أحمد فؤاد. استمرَّ حكمُ فاروق مدة ست عشرة سنة إلى أن أرغمته ثورة 23 يوليو 1952 على التنازل عن العرش لابنه الطفل أحمد فؤاد، الذي كان عمره حينها ستة أشهر، والذي ما لبث أن خُلِعَ بتحويل مصر من ملكية إلى جمهورية، وبعد تنازل فاروق عن العرش أقام في منفاه بروما عاصمة إيطاليا، وكان يزور منها أحيانًا سويسرا وفرنسا، وذلك إلى أن توفِّيَ بروما، ودُفِن في المقبرة الملكية بمسجد الرفاعي بالقاهرة حَسَب وصيَّتِه.
وفي هذه السنة زالت دولةُ بنى رسول ملوك اليمن في زبيد وعدن بعد ما حكموا ممالكَ اليمن نحوًا من مائتين وثلاثين سنة, وكان أولُ ملوكهم الملكَ المنصور أبا الفتح عمر بن على بن رسول إلى آخر من ملَكَ منهم، وهو الملِكُ المسعود أبو القاسم بن إسماعيل الثاني، وقد استولى على جميع ممالك اليمن بعد بني رسول أمراءُ بني طاهر بزعامة الملك الطاهر صلاح الدين عامر الأول بن طاهر، ويُذكَرُ أن دولة بني رسول تأسَّست سنة 626.
تمرَّد بعضُ رؤساء عشائر قبيلة مطير على الملك عبدالعزيز، وتحالفوا مع أمير بريدة محمد بن عبد الله أبا الخيل، على أن يكونوا من أنصار ابن رشيد ضِدَّ الملك عبدالعزيز الذي تحالف مع قبيلة عتيبة خصوم مطير وشمر، فنشبت قربَ مدينة المجمعة في سدير معركةٌ بين قبيلة مطير بقيادة فيصل الدويش وقوات الملك عبدالعزيز المكَوَّنة بالأساس من قبيلة عتيبة. وهُزمت مطيرٌ، وأصيب فيصل الدويش بجراحٍ في هذه المعركة، فطلب الصلح وأعرب عن خضوعِه للملك عبدالعزيز.
أقام المَلِكُ عبد العزيز نظامًا للسُّلطةِ الإدارية، وأصدر وثيقةً باسم التعليمات الأساسية للمملكة الحجازية، وتُسَمَّى الدستور، ونصَّت على الارتباط الوثيق بين أجزاء المملكة الحجازية ومناطِقِها، وأنَّها دولةٌ مَلَكيةٌ شُوريةٌ إسلاميَّةٌ مُستَقِلةٌ، عاصِمتُها مكَّةُ، وإدارتها بيَدِ الملِكِ، وهو مقَيَّدٌ بأحكام الشَّرعِ، ونَصَّت الوثيقةُ على تعيين نائبٍ للملك في الحجاز، ورؤساء الشُّعَب التابعين له، وسِت شُعَب، هي: الشرعية، والداخلية، والخارجية، والمالية، والمعارف، والجيش؛ وتأسيس مجلس شورى، ومجالس إدارية في المدن.
نكث أميرُ بُريدة محمد بن عبد الله أبا الخيل عَهدَه مع الملك عبد العزيز بن سعود، واتَّفق مع أمير حائل سلطان الحمود بن رشيد على أن يكونا يدًا واحدةً عليه. كذلك ازداد أبا الخيل قوةً بقدوم فيصل الدويش زعيم قبيلة مطير إليه، الذي عاهده على الوقوفِ معه. وسارع الملك عبد العزيز في التحرُّك إلى القصيم، ووصل عُنيزةَ التي هَبَّ أهلُها إليه، وخرج لمهاجمة سلطان ابن رشيد في بُريدة، وحصلت مناوشات لم تسفِرْ عن دخول الملك عبد العزيز البلدة. وأقبل فيصل الدويش يناصر ابن رشيد وأبا الخيل. فتصدى له الملك عبد العزيز وهزمه وطارد فلوله حتى بلدة الطرفية، التي كان يخيِّمُ بها، واستولى على معسكره. وسار ابن رشيد وأبا الخيل مع فلول فيصل الدويش إلى مهاجمة الملك عبدالعزيز في الطرفية، فهزمهم، وعادوا منهزمين إلى بُريدة، وتشَتَّت شملهم. وبعد ذلك عاد سلطان الحمود بن رشيد إلى حائل، ورجع الملك عبدالعزيز إلى الرياض.
في صباح يوم النحر بينما كان الملك عبد العزيز يطوف طوافَ الإفاضةِ كعادته كلَّ سنةٍ في هذا الوقتِ مع قِلَّةٍ مِن الحُجَّاج، وخلفه ابنه الأمير سعود وبعض رجاله، وبعد استلامِه الحجرَ الأسود في بداية الشوط الخامس هجم عليه رجلٌ من فجوةٍ في الحِجْر عليه بَزَّة يمانية، وقد سَلَّ خِنجَرَه وهو يصيح صيحاتٍ مُنكرةً وانقض على المَلِك من ورائِه لِيطعَنَه بالخنجر فألقى سعود نفسَه على أبيه ودفع الرجلَ بيده الذي أطلق عليه حَرَس الملك فقَتَلوه، ثم انقَضَّ رجل آخر من فجوة ثانية من الحِجْر على الملك فجاءت الضربةُ في كتف الأمير سعود وعاجله رجالُ الملك عبدالعزيز فقتلوه، وكان هناك رجلٌ ثالث لما رأى مصرع صاحبيه أراد الفرارَ، لكِنَّ الحرس تمكَّنوا من قتْلِه، مرَّ الحادث وقُتِلَ فيه المعتدون الثلاثة وجُرِح الأمير سعود في كتفه الأيسر، كما قُتِلَ جندي واحد فقط، وجُرِح آخر، ثمَّ تلقى الملِكُ برقيةً من الإمام يحيى يستنكر بها الحادِثَ ويستفظعه ويتبرَّأُ منه.
قام الملك الكامِلُ الأيوبي صاحِبُ مصر بفتح آمد، وأخرجَ منها صاحبها الملك المسعود بن مودود بعد حصار طويل، وتسلم منه جميعَ القلاع التي كانت بيده، وبَقِيَ حِصنُ كيفا عاصيًا، فبعث الكامل أخاه الأشرف وأخاه شهاب الدين غازي، ومعهما صاحب آمد تحت الحوطة، فسألهم صاحِبُ آمد في تسليمِ الحصن فلم يسَلِّموا البلد، فعذَّبَه الأشرفُ عذابًا عظيمًا، وكان يُبغِضُه، ولا زال الأشرف يحاصر حصن كيفا حتى تسَلَّمَها، ووجد عند مسعود المذكور خمسمائة بنت من بنات الناس للفِراش، وكان الملك المسعود هو آخِرُ ملوك بني الأرتق، ثمَّ قام الملك الكامل بتوليةِ ابنه نجم الدين أيوب آمد وحصن كيفا، وأبقى الملك المسعود عنده في مصر، حبسه مدةً ثم أفرج عنه وأقطعه إمرةً في مصر.
هو المَلِكُ أزبك خان بن طغرلجا بن منكوتمر بن طغان بن باطو بن دوشي خان بن جنكز خان ملك التتار، وكان أسلَمَ وحَسُنَ إسلامُه وحَرَّض رعيَّتَه على الإسلام، فأسلم بعضهم، ولم يلبَسْ أزبك خان بعد أن أسَلَم السراقوجات- لباس الرأس عند التتار- وكان يلبس حياصةً من فولاذ ويقول: لبسُ الذَّهَبِ حرامٌ على الرجال، وكان يميلُ إلى دينٍ وخَيرٍ، ويتردَّدُ إلى الفقراء، وكان عنده عَدلٌ في رعيته، وتزوَّجَ الملك الناصِرُ محمد بابنَتِه، وكان أزبك شُجاعًا كريمًا مليحَ الصورة ذا هيبةٍ وحُرمة، ومملكتُه مُتَّسِعة، وهي من بحر قسطنطيينة إلى نهر إرتش مَسيرةَ ثمانمائة فرسخ، لكِنَّ أكثر ذلك قرًى ومراعي، ومات أزبك خان بعد أن مَلَك نحوًا من ثلاثينَ سنة، ووَلِيَ المُلكَ بعده ابنُه: جاني بك خان.
هو الملك أحمد الذهبي بن إسماعيل بن محمد بن علي: ملك العَلويين الحسنيين في المغرب الأقصى، وعُرف بالذهبي لبسط يده بالعطاء، وبعد توليته قتَل كثيرًا من عمال أبيه وأركان دولته, وكان ضعيف الإرادة، يستشير عبيدَه في أغلب شؤونه، فتسلَّطوا على الناس حتى ضجَّ أهل فاس وثاروا على السلطان سنة 1140 فنقَضوا بيعته، وتبِعَهم أهل مكناسة فقبضوا عليه، وبايعوا أخاه عبد الملك بن إسماعيل. قام عبد الملك بنفي أخيه أحمد إلى سجلماسة، ولكن العبيدَ أتباع أحمد انقضُّوا على عبد الملك ففرَّ إلى فاس، وأُعيد إلى الحكم وجُدِّدت له البيعة، فقَبَض على أخيه ثم قتله، ولم يلبث بعده أكثر من ثلاثة أيام حتى توفِّي هو أيضًا، وتولى الأمر بعده أخوه عبد الله بن إسماعيل.
كانت المماليكُ العزيزيَّةُ قد عزمت بالقبضِ على الملك المعزِّ عِزِّ الدين أيبك وكاتبوا المَلِكَ الناصر واستشعر المَلِكُ المعز منهم بذلك وعَلِمَ الخبر، وعَلِموا هم أيضًا فهربوا على حمية، وكبيرُهم آقوش البرنلي، وقبض أيضًا على الأمير الأتابكي ونهِبَت خيامُ العزيزية وكانوا بالعباسيَّة.
هو العلَّامة أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام بن القاسم بن الحسن بن محمد المهذب، المشهورُ بالعز بن عبد السلام السلمي الدمشقي الشافعي شيخ المذهب ومُفيدُ أهله، وله مصنَّفاتٌ حِسانٌ، منها التفسير الكبير، واختصار النهاية، والقواعد الكبرى والصغرى قواعد الأحكام في مصالح الأنام، وكتاب الصلاة، والفتاوى الموصلية، وغير ذلك، ولد سنة 578 وقيل سنة سبع، وسَمِعَ كثيرًا، واشتغل على فخر الدين بن عساكر وغيره، وبرع في المذهَبِ وجَمَعَ عُلومًا كثيرة، وأفاد الطلبةَ ودَرَّسَ بعدة مدارس بدمشق، وولي خطابتَها ثم نفاه صاحِبُها إلى مصر بسَبَبِ أنَّه شنع عليه لتسليمه صفد والشقيف للصليبيين لقاءَ مساعدته على صاحبِ مصر، فدَرَّس بمصرَ وخَطَب وحكم. قال الذهبي: " دخل الشيخ عز الدين بن عبد السلام الشافعي إلى ديار مصر، وأقبل عليه السلطانُ الملك الصالح نجم الدين أيوب إقبالًا عظيمًا، وولَّاه الخطابة والقضاء، فعزل نفسَه من القضاءِ مرتين وانقطع" انتهت إليه رئاسة الشافعيَّةُ، وقُصِدَ بالفتاوى من الآفاق، وكان رحمه الله آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر لا يخافُ في الله لومة لائم، ذكر جلال الدين السيوطي: "ولي الشيخُ عز الدين بن عبد السلام قضاءَ مِصرَ والوجه القبلي، وكان قَدِمَ في هذه السنة من دمشق بسبب أن سلطانَها الملك الصالح إسماعيل استعان بالفرنج وأعطاهم مدينةَ صيدا وقلعة الشقيف. فأنكر عليه الشيخُ عز الدين، وتَرَك الدعاء له في الخطبة، فغضب السلطانُ منه، فخرج إلى الديارِ المصريَّة، فأرسل السلطان الملك الصالح إسماعيل إلى الشيخ عز الدين؛ وهو في الطريق من يتلطَّفُ به في العَودِ إلى دمشق، فاجتمع به ولاينه، وقال له: ما نريد منك شيئًا إلا أن تنكَسِرَ للسلطان، وتقَبِّلَ يَدَه لا غير, فقال الشيخ له: يا مسكين، ما أرضاه يُقَبِّلُ يدي فضلًا عن أن أقبِّلَ يده! يا قوم، أنتم في وادٍ وأنا في وادٍ! والحمد لله الذي عافانا ممَّا ابتلاكم. فلما وصل إلى مصر، تلقَّاه سلطانها الصالحُ نجم الدين أيوب وأكرمه، وولَّاه قضاء مصر، فاتفق أن أستاذ داره فخر الدين عثمان بن شيخ الشيوخ- وهو الذي كان إليه أمر المملكة- عمد إلى مسجدٍ بمصر، فعَمِلَ على ظهره بناء طبلخاناه– مكان تدق فيه الطبول والأبواق- وبَقِيَت تُضرَبُ هناك، فلما ثبت هذا عند الشيخِ عز الدين حكَمَ بهَدمِ ذلك البناء، وأسقطَ عدالةَ فخر الدين، وعزَلَ نفسه من القضاء، ولم تَسقُطْ بذلك منزلة الشيخ عند السلطان، ولَمَّا تولى الشيخ عز الدين القضاء تصَدَّى لبيع أمراء الدَّولةِ من المماليك الأتراك، وذكر أنه لم يَثبُت عنده أنهم أحرار، وأنَّ حُكمَ الرِّقِّ مُستصحَبٌ عليهم لبيت مالِ المسلمين، فبَلَغَهم ذلك، فعَظُمَ الخطبُ عندهم، والشيخُ مُصَمِّمٌ لا يُصَحِّحُ لهم بيعًا ولا شراءً ولا نكاحًا، وتعطَّلَت مصالحُهم لذلك؛ وكان من جملتِهم نائبُ السلطنة، فاستثار غضبًا، فاجتمعوا وأرسلوا إليه، فقال: نعقِدُ لكم مجلسًا، وننادي عليكم لبيتِ مال المسلمينَ، فرفعوا الأمرَ إلى السلطان، فبعث إليه فلم يرجِعْ، فأرسل إليه نائِبَ السلطنة بالملاطفةِ فلم يُفِدْ فيه، فانزعج النائبُ، وقال: كيف ينادِي علينا هذا الشَّيخُ، ويبيعُنا ونحن ملوكُ الأرضِ؟! واللهِ لأضربَنَّه بسيفي هذا، فرَكِبَ بنفسه في جماعته، وجاء إلى بيتِ الشيخ والسَّيفُ مسلول في يده، فطرق البابَ، فخرج ولدُ الشيخ، فرأى مِن نائبِ السلطان ما رأى، وشرحَ لأبيه الحال، فقال له: يا ولدي، أبوك أقلُّ من أن يُقتَلَ في سبيل الله، ثم خرج, فحين وقَعَ بصَرُه على النائِبِ يَبِسَت يدُ النائب، وسَقَط السيف منها، وأُرعِدَت مفاصِلُه، فبكى وسأل الشيخَ أن يدعو له، وقال: يا سيدي أيش تعمل؟ فقال: أنادي عليكم وأبيعُكم، قال: ففيم تَصرِفُ ثمَنَنا؟ قال: في مصالحِ المسلمينَ، قال: من يَقبِضُه؟ قال: أنا. فتَمَّ ما أراد، ونادى على الأمراءِ واحدًا واحدًا، وغالى في ثمَنِهم ولم يَبِعْهم إلَّا بالثَّمَن الوافي، وقَبَضَه وصَرَفه في وجوهِ الخير". توفي في عاشر جمادى الأولى وقد نيف على الثمانين، ودُفِنَ مِن الغد بسفحِ المقَطَّم، وحضر جنازتَه السلطان الظاهِرُ وخَلقٌ كثير، وقد كان يُعرَفُ بسلطانِ العلماء؛ لأنه كان مهابًا من قِبَل السلاطينِ، وكان يقول الحقَّ أمامَهم ولا يخافُهم، ويُفتي بلا مداهنةٍ بما يراه، وأشهَرُ ذلك فتواه لَمَّا جاء ابنُ العديم إلى مصر يحمِلُ رسالة استنجاد من قِبَلِ الناصر صلاح الدين صاحِبِ دمشق ضِدَّ التتار فجمَعَ الفقهاء والقضاة ليستفتوهم بأخذ المالِ من العامة لتجهيزِ الجيوشِ، فكان كلامُ العِزِّ بن عبد السلام هو الذي عوَّلوا عليه، وهو أنَّه قال: لا يأخُذُ السلطانُ مِن العامة أيَّ مالٍ إلا بعد أن ينتهيَ المالُ الذي في بيت المال، ثمَّ تُنفَقُ الجواهر والذَّهَب وما إلى ذلك التي عند الملوكِ والأمراءِ حتى يُصبِحوا في القَدرِ كالعامَّة، فحينها يجوزُ لهم أخذُ المال من العامة؛ لأن واجِبَ الجهادِ بالمالِ والنَّفسِ أصبَحَ على الجميعِ، فرحمه الله وجزاه خيرًا.