كان سَببُ ذلك أنَّه لمَّا قَدِمَ الأندَلُس أَميرًا أَظهَر العَصبِيَّة لليَمانِيَّة على المُضَرِيَّة، فاتَّفَق في بعضِ الأيَّام أنَّه اختَصَم رَجلٌ مِن كِنانَة ورَجلٌ مِن غَسَّان، فاسْتَعان الكِنانيُّ بالصُّمَيلِ بن حاتِم بن ذي الجَوْشَن الضَّبابي، فكلَّم فيه أبا الخطَّار، فاسْتَغلَظ له أبو الخطَّار، فأجابه الصُّمَيل، فأُمِرَ به فأُقِيمَ وضُرِب قَفاهُ، فمالَت عِمامتُه، فلمَّا خرَج قِيلَ له: نَرَى عِمامَتك مالَت! فقال: إن كان لي قومٌ فسَيُقِيمُونَها. وكان الصُّمَيْلُ مِن أَشرافِ مُضَر، فلمَّا جَرى له ذلك جَمَعَ قَومَه وأَعلمَهم، فقالوا له: نحن تَبَعٌ لك. قال: أُريدُ أن أُخرِجَ أبا الخَطَّار مِن الأندَلُس. فقال له بعضُ أَصحابِه: افْعَل واسْتَعِن بمَن شِئتَ ولا تَسْتَعِن بأبي عَطاء القَيسي. وكان مِن أَشرافِ قَيس، وكان يَنظُر الصُّميلَ في الرِّياسَة ويَحسُده. وقال له غيرُه: الرَّأيُ أنَّك تأتي أبا عَطاء وتَشُدُّ أَمرَك به فإنَّه تُحرِّكُه الحَمِيَّة ويَنصُرك، وإن تَركتَه مال إلى أبي الخَطَّار وأَعانَه عليك لِيَبلُغ فيك ما يُريد، والرَّأيُ أيضًا أن تَستَعِينَ عليه بأَهلِ اليَمن فَضلًا عن مَعْد. ففَعَل ذلك وسار مِن لَيلتِه إلى أبي عَطاء، وكان يَسكُن مَدينَة إسْتِجَة، فعَظَّمَه أبو عَطاء وسَألَه عن سَببِ قُدومِه، فأَعلمَه، حتَّى قام فرَكِبَ فَرسَه ولَبِسَ سِلاحَه وقال له: انهَض الآنَ حيث شِئتَ فأنا معك. وأَمَر أَهلَه وأَصحابَه باتِّباعِه، فساروا إلى مَرْو، وبها ثَوابَة بن سَلامَة الحُداني، وكان مُطاعًا في قَومِه، وكان أبو الخطَّار قد استَعمَله على إشبيلية وغيرها، ثمَّ عَزلَه ففَسَد عليه، فدَعاهُ الصُّمَيل إلى نَصرِه ووَعَدَهُ أنَّه إذا أخرجوا أبا الخطَّار صار أَميرًا، فأجاب إلى نَصرِه ودَعا قَومَه فأجابوه فساروا إلى شدونة، وسار إليهم أبو الخطَّار مِن قُرطُبة، فالتقوا واقْتَتَلوا في رَجب مِن هذه السَّنَة، وصَبَر الفَريقان ثمَّ وَقَعت الهزيمةُ على أبي الخطَّار وقُتِلَ أَصحابُه أَشدَّ قَتْلٍ وأُسِرَ أبو الخطَّار. ولمَّا انهَزَم أبو الخطَّار سار ثَوابةُ بن سَلامَة والصُّمَيل إلى قُرطُبة فمَلكاها، واسْتَقَرَّ ثَوابةُ في الإمارة فثارَ به عبدُ الرحمن بن حَسَّان الكلبي وأَخرَج أبا الخطَّار مِن السِّجْن، فاسْتَجاش اليَمانِيَّة فاجْتَمَع له خَلْقٌ كثيرٌ، وأَقبلَ بهم إلى قُرطُبة، وخَرَج إليه ثَوابةُ فيمَن معه مِن اليَمانِيَّة والمُضَريَّة مع الصُّمَيل. فلمَّا تَقاتَل الطَّائفتان نادى رَجلٌ مِن مُضَر: يا مَعشرَ اليَمانِيَّة، ما بالُكُم تَتَعرضون للحَربِ على أبي الخطَّار وقد جعلنا الأَميرَ منكم؟ يعني ثَوابَة، فإنَّه مِن اليَمَن... فلمَّا سَمِع النَّاسُ كَلامَه قالا: صَدَق والله، الأَميرُ مِنَّا فما بالُنا نُقاتِل قَومَنا؟ فتَركوا القِتالَ وافتَرقَ النَّاسُ، فهرَب أبو الخطَّار فلَحِقَ باجة، ورَجَع ثَوابةُ إلى قُرطُبة، فسُمِّيَ ذلك العَسكَر عَسكَر العافِيَة.
استولى الخوارجُ المُقيمونَ بجبال عُمان على مدينةِ الولاية، وسبَبُ ذلك أنَّ صاحِبَها الأمير أبا المُظَفَّر ابن الملك أبي كاليجار كان مُقيمًا بها، ومعه خادِمٌ له قد استولى على الأمورِ، وحَكَم على البلاد، وأساء السيرةَ في أهلها، فأخذ أموالَهم، فنفروا منه وأبغَضوه، وعَرَفَ إنسانٌ من الخوارجِ- يقالُ له ابنُ راشدٍ- الحالَ، فجمع مَن عنده منهم فقَصَد المدينةَ، فخرج إليه الأميرُ أبو المُظَفَّر في عساكِرِه، فالتَقَوا واقتَتَلوا، فانهزمت الخوارجُ وعادوا إلى موضِعِهم، وأقام ابنُ راشد مدَّةً يجمَعُ ويحتَشِدُ، ثم سار ثانيًا، وقاتله الديلم فأعانه أهلُ البلد لسوءِ سِيرةِ الديلم فيهم، فانهزم الديلم، وملَكَ ابنُ راشد البلد وقتل الخادِمَ وكثيرًا من الديلم، وقبض على الأميرِ أبي المظفَّر وسَيَّرَه إلى جباله مُستَظهرًا عليه، وسَجَن معه كُلَّ مَن خَطَّ بقلمٍ مِن الديلم، وأصحابَ الأعمال، وأخرب دارَ الإمارة، وقال: هذه أحقُّ دارٍ بالخراب، وأظهَرَ العدل، وأسقَطَ المكوسَ، واقتصر على رَفعِ عُشرِ ما يَرِدُ إليهم، وخطَبَ لنَفسِه، وتلقَّبَ بالراشد بالله، ولَبِسَ الصوف، وبنى موضعًا على شَكلِ مسجد، وقد كان هذا الرجلُ تَحَرَّك أيضًا أيامَ أبي القاسم بن مكرم، فسَيَّرَ إليه أبو القاسِمِ مَن منعه وحصَرَه وأزال طَمَعَه.
وكان أهلُ البحرين حين نزل الإمامُ فيصل بن تركي في ناحيتِهم أرسلوا إلى سعيدِ بن طحنون رئيسِ بلدان أبو ظبي في ناحية عُمان يستنجدون به أن يفزعَ لهم، وكان ذو قوةٍ مِن الأموال والرجال والسفن، ففزع لهم وأقبل في عددٍ مِن السفن المملوءة من الرجال، فلما أقبل على الجهةِ التي نزل فيها الإمامُ فيصل ناحيةَ قطر، داخل ابن طحنون الفشَلَ والوجَلَ، وأرسل إلى الإمامِ يطلب منه أن يتصالحَ مع أهل البحرين، فأجابه الإمامُ بقوله: إنه لا ينتظم بيننا وبين هؤلاء الأقوامِ كلامٌ ولا مصالحةٌ إلَّا بقدومك إلينا والجلوس بين أيدينا، فقال ابن طحنون: أعطِني الأمانَ على يد الأمير أحمد السديري، فأرسل إليه الأمان مع أحمد السديري، وأقبل معه ابن طحنون بهدايا كثيرة من السلاحِ وغيره، فلما جلس بين يدى الإمام أوقع اللهُ في قلبه هيبةَ الإمامِ وأقَرَّ بأنَّ مَن نابذه وخالفه لم يحصُلْ له سوى الخيبة، وتودَّد إليه في عقد المصالحة بينه وبين أهل البحرين، فأجابه على أنَّهم يؤدون الخَراجَ السابق واللاحِقَ، وعلى ما ضُرِبَ عليهم بسبب ما صدر منهم من المخالفةِ في الأقوال والأفعال، فصبر أهلُ البحرين ورضُوا بما قال، ودفعوا تلك الأموالَ، وأُطفئت نارُ الحرب وزال عن الخائف الكَربُ.
بعد أن انهزم عبد الله بن علي (عمُّ المنصور) على يدِ أبي مسلم، وبقي في البصرة، قام بالدعوة لنفسِه، وبويع، ولكن لم يتمَّ له شيءٌ، فاستجار بأخيه سليمان الذي كان أميرًا للبصرة، ثم إنه بقي كذلك حتى أظهر الطاعةَ للمنصور، ثم عزل المنصور عمَّه سليمان عن إمرة البصرة، فاختفى عبد الله بن عليٍّ وأصحابُه خوفًا على أنفسهم، فبعث المنصورُ إلى نائبه على البصرة، وهو سفيان بن معاوية، يستحِثُّه في إحضار عبد الله بن علي إليه، فبعَثَه في أصحابه فقُتل بعضُهم، وسُجِن عبد الله بن علي عمُّه، وبعَث بقيَّة أصحابه إلى أبي داود نائب خراسان فقتَلَهم هناك.
لمَّا افْتُتِحَتْ أفريقيا أَمَرَ عُثمانُ عبدَ الله بن نافعٍ وعبدَ الله بن عبدِ القيسِ أن يَسِيرا إلى الأَندلُس، فغَزاها مِن قِبَلِ البَحرِ، وكتَب عُثمانُ إلى مَن انْتَدَبَ معهما: أمَّا بعدُ فإنَّ القُسطنطينيَّة إنَّما تُفْتَحُ مِن قِبَلِ الأَندلُس. فخَرجوا ومعهم البَرْبَرُ، ففتَح الله على المسلمين وزادَ في سُلطانِ المسلمين مِثل أفريقيا.
بعد أن انتهى تيمورلنك من سيواس توجه إلى جهة حلب فوصل إلى عينتاب، ووصل إلى بهنسا وأخذها بعد أن حصرها، ثم نزل على بزاعة ظاهر حلب، فبرز نائب طرابلس بسبعمائة فارس إلى جيش تيمورلنك وهم نحو ثلاثة آلاف، وترامى الجمعان بالنشاب، ثم اقتتلوا، وأُخِذ من التتار أربعة، وعاد كل من الفريقين إلى موضعه فوسط الأربعة على أبواب مدينة حلب، وأما دمشق فإن أهلها بدؤوا يتجهزون والقضاة تحرِّضُ الناس على الجهاد ضدَّ تيمورلنك، وأما عساكر مصر فبدأت كذلك بالتجهز، قال تقي الدين المقريزي: "لما نزل تيمورلنك على عينتاب بعث إلى دمرداش نائب حلب يعده باستمراره في نيابة حلب، ويأمره بمسك الأمير سودن نائب الشام، فلما قدم عليه الرسول بذلك أحضره إلى نواب ممالك الشام، وقد حضروا إلى حلب وهم: سودن نائب دمشق، وشيخ المحمودي نائب طرابلس، ودقماق نائب حماة، وألطنبغا العثماني نائب صفد، وعمر بن الطحان نائب غزة بعساكرها، فاجتمع منهم بحلب نحو ثلاثة آلاف فارس منهم عسكر دمشق ثمانمائة فارس، إلا أن الأهواء مختلفة، والآراء مفلولة، والعزائم محلولة، والأمر مدبَّر، فبلغ رسول تيمورلنك الرسالة دمرداش، فأنكر مَسْكَ سودن نائب دمشق، فقال له الرسول: إن الأمير - يعني تيمورلنك- لم يأت إلا بمكاتبتك إليه، وأنت تستدعيه أن ينزل على حلب، وأعلمته أن البلاد ليس بها أحد يدفع عنها، فحنق منه دمرداش وقام إليه وضربه، ثم أمر به فضُرِبَت رقبته، ويقال: إن كلام هذا الرسول كان من تنميق تيمورلنك ومَكْرِه، ليفَرِّقَ بذلك بين العساكر" ونزل تيمورلنك على جبلان خارج حلب يوم الخميس تاسع ربيع الأول، وزحف يوم الجمعة، وأحاط بسور حلب، وكانت بين الحلبيين وبينه في هذين اليومين حروب، فلما أشرقت الشمس يوم السبت الحادي عشر خرج نواب الشام بالعساكر وعامة أهل حلب إلى ظاهر المدينة وعبُّوا للقتال، ووقف سودن نائب دمشق في الميمنة، ودمرداش في الميسرة، وبقية النواب في القلب، وقدموا أمامهم عامة أهل حلب، فزحف تيمورلنك بجيوش قد سدَّت الفضاء، فثبت الأمير شيخ المحمودي نائب طرابلس، وقاتل -هو وسودن نائب دمشق- قتالًا عظيمًا، وبرز الأمير عز الدين أزدمر أخو أينال اليوسفي، وولده يشبك ابن أزدمر في عدة من الفرسان، وأبلوا بلاء عظيمًا، وظهر عن أزدمر وولده من الإقدام ما تعجَّب منه كل أحد، وقاتلا قتالًا عظيمًا، فقُتل أزدمر وفُقد خبره، وثخنت جراحات يشبك، وصار في رأسه فقط زيادة على ثلاثين ضربة بالسيف سوى ما في بدنه، فسقط بين القتلى، ثم أُخِذ وحمل إلى تيمورلنك ولم يمضِ غير ساعة حتى ولَّت العساكر تريد المدينة، وركب أصحاب تيمورلنك أقفيتَهم، فهلك تحت حوافر الخيل من الناس عدد لا يدخل تحت حصر؛ فإن أهل حلب خرجوا حتى النساء والصبيان، وازدحم الناسُ مع ذلك في دخولهم من أبواب المدينة، وداس بعضُهم بعضًا، حتى صارت الرمم طول قامة، والناس تمشي من فوقها، وتعلَّق نواب المماليك بقلعة حلب، ودخل معهم كثيرٌ من الناس، وكانوا قبل ذلك قد نَقَلوا إلى القلعة سائر أموال الناس بحلب، واقتحمت عساكر تيمورلنك المدينةَ وأشعلوا بها النيران، وجالوا بها ينهبون ويأسرون ويقتلون، واجتمع بالجامع وبقية المساجد نساءُ البلد، فمال أصحاب تيمورلنك عليهنَّ وربطوهن بالحبال، ووضعوا السيف في الأطفال فقتلوهم بأجمعِهم، وأتت النار على عامة المدينة فأحرقتها، وصارت الأبكار تُفتَضَّ من غير تستُّرٍ ولا احتشام! بل يأخذ الواحد الواحدة ويعلوها في المسجد والجامع، بحضرة الجم الغفير من أصحابه، ومن أهل حلب، فيراها أبوها وأخوها ولا يقدِرُ أن يدفع عنها؛ لِشُغلِه بنفسِه، وفَحُش القتل، وامتلأ الجامع والطرقات برمم القتلى، واستمر هذا الخطب من صحوة نهار السبت إلى يوم الثلاثاء، والقلعة قد نقب عليها من عدة أماكن، ورُدِم خندقها، ولم يبقَ إلا أن تؤخذ، فطلب النواب الأمان، ونزل دمرداش إلى تيمورلنك فخلع عليه ودفع إليه أمانًا، وخِلَعًا للنواب، وبعث معه عدَّةً وافرة إلى النواب، فأخرجوهم ممن معهم، وجعلوا كل اثنين في قيد وأحضروا إليه، فقرعهم ووبَّخهم، ودفع كل واحد منهم إلى من يحتفظ به، وسيقت إليه نساء حلب سبايا، وأُحضرت إليه الأموال ففرَّقها على أمرائه، واستمرَّ بحلب شهرًا، والنهب في القرى لا يبطل، مع قطع الأشجار وهدم البيوت، وجافت حلب وظواهرها من القتلى، بحيث صارت الأرض منهم فراشًا، لا يجِدُ أحد مكانًا يمشي عليه إلا وتحت رجليه رمةُ قتيل، وعُمِل من الرؤوس منابر عدة مرتفعة في السماء نحو عشرة أذرع في دور عشرين ذراعًا، حُرِز ما فيها من رؤوس بني آدم، فكان زيادة على عشرين ألف رأس! وجعلت الوجوه بارزة يراها من يمرُّ بها، ثم رحل تيمورلنك عنها، وهي خاوية على عروشها، خالية من ساكنها وأنيسها، قد تعطلت من الأذان، وإقامة الصلوات، وأصبحت مُظلِمةً بالحريق، مُوحِشةٌ قَفراءُ مُغبرة، لا يأويها إلا الرخم، ثم بعد أن رحل الجيش عنها سائرًا إلى جهة دمشق ورد الخبر أن أحمد بن رمضان التركماني، وابن صاحب الباز، وأولاد شهري، ساروا وأخذوا حلب، وقتلوا من بها من أصحاب تيمورلنك وهم زيادة على ثلاثة آلاف فارس.
في منتصف جمادى الآخرة حمل عبدُ الله بن سعود وقواته على قواتِ إبراهيم باشا حتى قربوا من محطة العسكر, فثوَّرَ الروم مدافعَهم فخَفَّ بعض البوادي مع عبد الله ومَن نزلوا قرب جبل ماوية قبالةَ الروم، فثبت الرومُ بواديهم لَمَّا رأوه نزل فوجه مدافِعَهم إلى المسلمين ورموهم فأثَّرت فيهم، فأمر عبد الله على بعض المسلمين أن يرحَلوا وينزلوا الماء، فلما هموا بالرحيل خفَّت البوادي فتتابعت فيهم الهزيمةُ ووقع الرعبُ في قلوبهم فاتَّصلت الهزيمة في جموع قوات عبد الله، واختلطت الجموعُ بَعضُها في بعضٍ وتَبِعَهم الروم والبوادي وقتلوا رجالًا وأخذوا كثيرًا من السلاح وغيره، سقط في الأرض من أهل الركائب وركب عبد الله في كتيبةٍ مِن الخيل وحمى ساقة قواتِه، وهلك في تلك الهزيمة بين القتل والأسر والظمأ نحو 200 رجل، وهذا أول وهَنٍ في الدولة السعودية الأولى.
بعد استقرارِ سعود في الرياض تعرَّضت نجد لمجاعة شديدة، واحتل الأتراك الأحساء ولم يفُوا بوعدهم لعبد الله بن فيصل بتسليمه حكمَ الأحساء، فشجَّعَ هذا والمجاعة أهلَ الرياض في الثورة على سعود بن فيصل، فخرج من الرياض إلى الخرج والدلم، حيث يوجد عددٌ من القبائل المؤيِّدة له، وعيَّنَ أهلُ الرياض عمَّ سعود عبد الله بن تركي، ولَمَّا علم عبد الله بن فيصل بثورة الرياض على أخيه سعود ونما إلى علمه أيضًا أن الأتراك يعملون على نفيه إلى بغداد، خرج من الأحساء إلى الرياض ومعه أخوه محمد وابنه تركي فلمَّا قدم الرياض تنازل له عمُّه عبد الله عن الحكم.
لما رأى أهل بلاد الهبط ما وقع من افتراق الكلمة وتوقُّد الفتن، بايعوا محمد بن الشيخ المعروف بزغودة، وكان الذي قام بدعوته الشريفَ أبا الحسن علي بن محمد بن علي بن عيسى بن عبد الرحمن الإدريسي المحمدي اليونسي المعروف بابن ريسون، وهي أم جدة علي نزيل تاصروت، وبايعوه على الكتاب والسنة، وعلى إحياء الحق وإماتة الباطل، فلما بلغ خبَرُه أخاه عبد الله، خرج لقتاله فالتقى الجمعان بوادي الطين واقتتلوا، فانهزم عبد الله وتقدم محمد إلى فاس فدخلها واستولى عليها في شعبان من هذه السنة، وقبض على بعض عمَّال عبد الله فقتلهم واستصفى أموالهم، وفي آخر شعبان وقعت الحربُ بينهما بمكناسة فانهزم محمد ودخل عبد الله فاس في مستهل رمضان من السنة وأظهر العفوَ عن الخاصِّ والعامِّ، ثم قتل أهلُ فاس قائدَه ابنَ شعيب وأخذوا حِذرَهم من عبد الله، ثم وقع قتال بين أهل الطالعة وأهل فاس الجديد ودام أيامًا عديدة حتى اصطلحوا لتاسع رجب من سنة 1029 ثم إن عبد الله خرج لقتال أخيه محمد، فوقعت المعركة بينهما بوادي بهت، فانهزم محمد وفرَّ شريدًا إلى أن قتله ابنُ عمه
هو الشَّيخُ، الإمام، العلَّامة، المقرئ، الأصولي، الفقيه، النحوي، جمال الأئمَّة والمِلَّة والدين أبو عمرو بن الحاجب عثمانُ بن عُمَر بن أبي بكر بن يونس الدويني الكردي الأصل، الإسنائي المولد، ثمَّ المصري, المالكي. كان مولده في آخر سنة 570 بأسْنا وهي بلدة صغيرة بصعيد مصر، كان والده حاجبًا للأمير عز الدين موسك الصلاحي. اشتغل أبو عمرو بالقاهرة في صغره بالقرآنِ الكريم، ثم بالفقهِ على مذهب الإمام مالك، رضي الله عنه، ثم اشتغلَ بالعلم فحَرَّرَ النحو تحريرًا بليغًا، ثم قرأَ القراءات، وبرع في علومِه وأتقنها غايةَ الإتقان. تفقه فسادَ أهل عصرِه، وكان رأسًا في علوم كثيرة، منها الأصول والفروع والعربية والتصريف، والعروض والتفسير، وغير ذلك، وقد استوطن دمشق سنة 617، ودرَّس بها للمالكية جامعها وبالنورية المالكية، وتخرج به الأصحاب، حتى كان خروجُه من دمشق بصحبةِ الشيخ عز الدين بن عبد السلام سنةَ ثمان وثلاثين، فصارا إلى الدِّيار المصرية، وكان من أذكى الأئمَّة قريحةً، وكان حُجَّةً متواضعًا عفيفًا كثير الحياء منصفًا محبًّا للعلم وأهله، بارعًا في العلوم متقنًا لمذهب مالك بن أنس، وله مختصر في الفقه انتظم فيه فوائد ابن شاش، ومختصر في أصول الفقه، استوعب فيه عامة فوائد الإحكام لسيف الدين الآمدي، وشرح المفصل والأمالي في العربية، والمقدمة المشهورة في النحو، اختصر فيها مفصَّل الزمخشري وشَرَحَها، والتصريف وشرحه، وعروض على وزن الشاطبية. وسار بمصنفاته الركبانُ. قال القاضي ابن خلكان: " وصنَّفَ في أصول الفقه، وكلُّ تصانيفه في نهاية الحسن والإفادة، وخالف النحاةَ في مواضِعَ، وأورد عليهم إشكالاتٍ وإلزاماتٍ تَبعُد الإجابة عنها، وكان من أحسَنِ خَلقِ الله ذهنًا, ولما عاد إلى القاهرة جاءني مرارًا بسبب أداء شهاداتٍ، وسألته عن مواضِعَ في العربية مُشكِلة، فأجاب أبلغَ إجابة بسكونٍ كثيرٍ وتثَبُّت تام" توفي بالإسكندرية ضاحي نهار الخميس 26 شوال، ودفن خارج باب البحر بتربة الشيخ الصالح ابن أبي شامة.
الخلجيُّونَ أصلُهم من الترك الأفغانيين، وكانوا أسرةً مُحارِبةً، ظهر أمرُها من أيام الغزنويِّينَ، ويرى بعضُ المؤرخين أنَّهم ينتَسِبونَ إلى "قليج خان" أحدِ أصهار "جنكيز خان" والذي نزل بجبال الغورِ بعد هزيمة "خوارزم شاه"، وحرَّف اسمه بعد ذلك إلى خلج، وعُرِفَ ورثته بالخلجيون، واندمجوا في الحياةِ في "أفغانستان"، واعتنقوا الإسلامَ في عهد سلاطين الدولةِ الغزنوية، وضم الجيشُ الغزنوي فرقًا منهم أسهمت في فتح الهند. وظهر أمرُهم منذ أيامِ الدولة الغورية، وازداد نفوذُهم في عهد المماليك، وتولَّوا حكمَ إقليم البنغال، ونهضوا بالوظائفِ الكبرى في الدولةِ، وبعد وفاة غياث الدين بلبن تولى حفيدُه كيقباد الحُكمَ، وكان شابًّا لاهيًا منصرفًا عن إدارة الدولة، وهو ما أطمعَ الخلجيينَ في الإطاحة بنظام الحُكمِ في دلهي، فجمعوا أمرَهم تحت قيادة زعيمِهم فيروز، ودخلوا دلهي، وأسقطوا حكمَ بيت غياث الدين بلبن، وأعلن فيروزُ نَفسَه سُلطانًا، ولقَّب نفسَه بجلال الدين، وذلك في الثاني من جمادى الآخرة 689هـ (13 من يونيو1290م) واستطاع السلطانُ جلال الدين أن يجذِبَ القلوبَ التي كانت نافرةً منه بعد اجتياحِ قُوَّاتِه مدينةَ دلهي وقَتلِها كيقباد، وقد كان شيخًا كبيرًا في السبعينَ مِن عُمُرِه، يميلُ إلى الحِلمِ والسماحة؛ فنجح في أن يتألَّف القلوبَ مِن حوله، وبلغ من سماحتِه أنَّه عفا عن بعض الثائرين عليه، وفكَّ أغلالَهم، وأجلَسَهم بمجلِسِه، وقال لهم: كنتم زملائي، وقد جعلني اللهُ ملكًا، فأنا أشكر الله على نعمته، ولا أنسى الماضي، وأنتم بوفائِكم لأميرِكم من آلِ بلبن قد قمتُم بواجِبِكم، ولا يمكِنُ أن أحاسِبَكم على هذا الوفاءِ. وقد نجح السلطانُ جلال الدين في ردِّ غارات المغول حين عاودوا هجومَهم على الهند، وأسَرَ منهم ألوفًا، وأنزلهم بضواحي دلهي, ثم خرج في سنة 694هـ لفتح الدكن، وتمكَّنَ من التغلُّبِ على إمارة ديوكر الهندية، ودخل الدكن، فكان أوَّلَ من دخلها من سلاطينِ المسلمين، وكان من إفراطِ السلطان في حُسنِ الظن بمن حوله أن استطاع ابنُ أخيه علاء الدين محمد أن يستدرِجَه إلى مقامِه في "كره"، بدعوى مشاهدةِ بعضِ الغنائِمِ الثمينةِ التي أتى بها من الدكن، ودَبَّرَ له مَن قتَلَه قبل أن يلتقيا في 4 من رمضان 694هـ (18 يوليو 1295م).
كانت غزاة الحاجِبِ بدرِ بنِ أحمد إلى دار الحرب، وهي غزاة مطونية -مدينة بالأندلس-. وكان أميرُ المؤمنين الناصر لَمَّا اتَّصل به تطاوُلُ المشركينَ على من كان بإزائِهم من أهل الثغور بامتناعِ الصَّوائِفِ عن غزوهم، والإيغالِ في بلادهم بالحرب؛ أحفَظَه ذلك، وأذكى عَزْمَه، وأكَّدَ بصيرته في مجاهدةِ أعداء الله وأعداءِ دينه في هذا العام، فأمر بالاحتفال في الحَشدِ وجَمعِ الرجالِ والتكثيرِ مِن الأجناد والفرسان الأبطال. وعَهِدَ إلى حاجبه بالغزو بنفسِه في الصائفة. ونَفَذت كتبُه إلى أهل الأطراف والثغور بالخروجِ إلى أعداء الله، والدُّخول في معسكره، والجِدِّ في نكاية أهل الكفر، والإيقاعِ بهم في أواسط بلادِهم، ومُجتَمَع نصرانيَّتِهم. ففصل الحاجِبُ بالجيوشِ يوم الثلاثاء لخمس بقين من المحرَّم، وانثالت إليه العساكِرُ مِن كلِّ جهة في ثغور المسلمين، ودخل بهم دارَ الحرب، وقد احتشد المشركونَ، وتجمَّعوا من أقاصي بلادهم، واعتَصَموا بأمنَعِ جبالهم، فنازلهم الحاجبُ بدر بن أحمد بأولياءِ الله وأنصارِ دينِه، فكانت له على أعداءِ الله وقائِعُ اشتَفَت فيها صدورُ المسلمين، وانتَصَروا على أعداءِ الله المشركين. وقُتل في هذه الغزاةِ مِن حُماتهم وأبطالِهم، وصُلاةِ الحُروبِ منهم، جملةٌ عظيمةٌ لا يأخذها عدٌّ، ولا يحيطُ بها وصفٌ. وكان الفتحُ يوم الخميس لثلاثٍ خلون من ربيع الأول ويوم السبت لخمس خلون من ربيع الأول، في معاركَ جليلة، لم يكن أعظَمُ منها صنعًا، ولا أكثَرُ من أعداء الله قتيلًا وأسيرًا. وورد الكتاب بذلك على أمير المؤمنين النَّاصرِ يومَ الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول؛ فأكثَرَ مِن شُكرِ الله عز وجل على ما منَّ به، وفتحَ فيه.
هو السلطان أبو محمد عبد الله الغالب بالله، ابن السلطان محمد الشيخ السعدي أمير السعديين في المغرب، ولِدَ بتارودانت سنة 933، وانتقل إلى فاس، فبويع له فيها يومَ ورد النبأ من تارودانت بأنَّ الترك اغتالوا أباه آخر سنة 964, وأتته بيعةُ مراكش في أول سنة 965 واستوثق له الأمر, وبعد أربعة أشهر من ولايته أقبل من تلمسان جيشٌ من الترك بقيادة حسن بن خير الدين بربروسا، فقاتله الغالب باللَّه بالقربِ من فاس وهزمه, وأرسل جيشًا سنة 969 لانتزاع البريجة من أيدي البرتغاليين، لكنه لم يتمكَّن من فتحها, وبنى مارستانًا بمراكش وجامعًا, وعُنِي بترقية الزراعة والصناعة, وكان الغالب بالله قد بذل وعودًا لدعم الثوَّار البورشارات من مسلمي الأندلس، لكنَّه خذلهم. بعد وفاة الغالب بالله قام بعده ابنه أبو عبد الله محمد الثاني المتوكل على الله خلفًا لأبيه، الذي كان يضمِرُ الشر لعميه عبد الملك أبي مروان وأحمد المنصور، فخرجا من المغرب واتَّجها إلى السلطان العثماني يستنجدان به، تابع المتوكِّلُ خطة والده في التقرب من الدول الأوروبية ومسالمتها ضِدَّ العثمانيين؛ حيث لم يعُدْ لديه شكٌّ في أنهم سينجدون عمَّيه بقوات عسكرية، فعقد اتفاقًا مع إنجلترا، التي كانت ترغب في تجارتها مع المغرب للفوائد التي تعود على التجَّار الإنجليز من وراء ذلك، زيادة على أنها تدرِكُ الأهمية العظمى التي للمغرب، خصوصًا وقد كانت إنجلترا في حالة حربٍ ضد إسبانيا, وكان توقيع المتوكِّل للاتفاقية التجارية مع الإنجليز يعدُّ العملَ الوحيد الذي قام به خلال حكمه القصير.
هو الخليفة العباسي المستنجد بالله أبو المحاسن يوسف بن المتوكل على الله محمد بن المعتضد توفي في الرابع عشر محرم بعد أن أصابه الفالج الذي بقي بسببه مريضًا مدة شهرين، فكانت مدة خلافته قرابة الخمس وعشرين سنة إلا خمسة أشهر، ثم تم تولية ابن أخيه عبد العزيز بن يعقوب بن محمد المتوكل الخلافة وتلقيبه بالمتوكل على الله.
سارت عصابةٌ كبيرة من الفرنج من نواحي الدارم إلى نواحي مصر ليُغيروا وينهبوا، فسَمِعَ بهم المسلمون، فخرجوا إليهم على طريقِ صدر وأيلة، فانتزح الفرنجُ من بين أيديهم فنزلوا بماءٍ يقال له العسيلة، وسبقوا المُسلمين إليه، فأتاهم المسلمون وهم عِطاشٌ قد أشرَفوا على الهلاك، فرأوا الفرنجَ قد ملكوا الماء، فأنشأ اللهُ سبحانه وتعالى بلُطفِه سحابةً عظيمةً فمُطِروا منها حتى رَوُوا، وكان الزَّمانُ قَيظًا، والحَرُّ شديدًا في بَرٍّ مُهلِك، فلما رأوا ذلك قَوِيَت نفوسهم، ووَثَقوا بنصر الله لهم، وقاتَلوا الفرنج، فنصرهم الله عليهم فقتلوهم، ولم يسلَمْ منهم إلَّا الشريدُ الفريدُ، وغَنِمَ المسلمون ما معهم من سلاح ودوابَّ، وعادوا منصورين قاهرين بفضل الله.