هو بغا الكبير أبو موسى التركي، مُقَدَّمُ قُوَّادِ المتوكِّل وأكبَرُهم، كان شجاعًا مِقدامًا وله همَّةٌ عالية وهيبة، ووقْعٌ في النُّفوسِ، وكان مملوكًا للحسن بن سهل الوزير، وكان يُحمَّق ويجهَّل في رأيه، أسهم في اغتيالِ الخليفة المتوكِّل، ثم سيطر على الخليفة المستعين الذي لم يكُنْ له من الأمر شيءٌ غير الاسم، فغَلَب على المستعين هو ووصيفُ الأمير، حتى قيل: خليفةٌ في قفصٍ بين وصيف وبغا ** يقول ما قالا له كما يقولُ البَبَّغا. له عِدَّةُ فتوحات ووقائع، باشر الكثيرَ من الحروب فما جُرِح قط، وخلَّف أموالًا عظيمة، وكان بغا دَيِّنًا من بين الأتراك، وكان من غِلمانِ المعتصم، يشهد الحروبَ العظام، ويباشِرُها بنفسه، فيخرجُ منها سالِمًا، ويقول: الأجَلُ جوشن، مرض بغا الكبير في جمادى الآخرة فعاده المستعينُ في النصف منها، ومات بغا من يومِه عن سن ستين سنة، فعقد المستعين لموسى بن بغا على أعمالِه وعلى أعمالِ أبيه كلِّها، وولي ديوانَ البريد.
تعرَّضت الولايات الأمريكية لسلسلة من الهجمات في 11 سبتمبر عامَ 2001م، وتركَّزت في كلٍّ من واشنطنَ، ونيويوركَ وبنسلفانيا، وبدأت هذه الهجماتُ باصطدام طائرتَينِ من طراز بوينج، بمركز التجارة العالمي -أعْلى مَبْنى في العالم- بحي مانهاتن بولاية نيويورك الأمريكية، حيث اصطدمت كلُّ طائرةٍ ببرجٍ، ممَّا أدَّى إلى سقوط البُرجين، حتى سُوِّيَا بالأرض، بعد أن اشتَعَلا بالنار لفترة قليلةٍ، كما تعرَّض مَقَرُّ وزارة الدفاعِ الأمريكيةِ (البِنتاجون) في واشنطنَ لهجمةٍ أيضًا في جزءٍ منه، وقُتِلَ في الهجمات 3062 شخصًا، تَبَنَّى رئيس تنظيم القاعدة أسامة بن لادن هذه العملياتِ، فقامت الولايات الأمريكية بملاحَقة تنظيمِ القاعدة، للقبضِ على أسامة بن لادن، وأدى ذلك إلى غزو أفغانستانَ.
وكان سَبَب ضَرْبها أنَّ عبدَ الملك بن مَرْوان كتَب في صُدورِ الكُتُبِ إلى الرُّوم: "قل هو الله أحد" وذَكَر النَّبِيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، مع التَّاريخ، فكَتَب إليه مَلِكُ الرُّوم: إنَّكم قد أَحْدَثْتُم كذا وكذا، فاتركوه وإلَّا أتاكُم في دَنانيرنا مِن ذِكْرِنا نَبِيَّكم ما تَكرهُون. فعَظُم ذلك عليه. فأحضر خالدَ بن يَزيدَ بن مُعاوِيَة فاسْتَشارهُ فيه، فقال: حَرِّمْ دَنانيرَهُم واضْرِب للنَّاس سِكَّةً فيها ذِكْر الله تعالى. فضَرَب الدَّنانيرَ والدَّراهِمَ. ثمَّ إنَّ الحَجَّاج ضَرَب الدَّراهِم ونَقَش فيها: "قل هو الله أحد" فكَرِهَ النَّاسُ ذلك لِمَكان القُرآن؛ لأنَّ الجُنُبَ والحائضَ يَمَسُّها، ونَهى أن يَضرِب أحدٌ غيرُه.
عندما نزل إبراهيم باشا على الدرعية رتَّبَ قبوسَه ومدافِعَه وقنابره على جهاتِ الدرعية الأربعة، وكان عبد الله بن سعود قد رتَّب جموع أهل الدرعية ومن كان عنده من أهل الآفاقِ مقابِلَ قوات الباشا، ومن أبرز القادة الذين كانوا مع عبد الله إخوانُه فيصل وإبراهيم وفهد، وتركي الهزاني صاحب حريق نعام، وعبد الله ابن القاضي أحمد العريني رئيس سدير، ومحمد العميري رئيس المحمل، تولى هؤلاء قيادةَ الجبهات، ومعهم المدافع والمتاريس، وفي كل برج من أبراج الجهات فيه رجالٌ من رؤساء أهلِها وأشياخهم وأثقالِهم الذين ليس لهم شِدَّةٌ في الحرب، وإنما عليهم حِفظُ نواحيهم, فلما نزل الباشا وفَرَّق عساكره تجاه جموعِ أهل الدرعية وقعت الحربُ بينهم واضطرمت نارُها وطار في السماء شَرُّها وشرارها، فتخاللت بينهم القنابرُ والقبوس والمدافع، وصار مطرها فوق تلك الجموعِ متتابعًا فاشتدَّ القتال وتصادم الأبطال، والحرب بين الروم وبين أهل الدرعية سجالٌ، واستمرَّت الحربُ والحصار ستة أشهر، أظهر فيها أهلُ الدرعية ضروبًا من البطولة والتضحية، وشهدت الحربُ عددًا من المعارك والوقائع بين الطرفين، مثل وقعة المغيصيبي، والحريقة، ووقعة غبيراء، ووقعة سمحة، كما حصلت مقتلة عظيمة بين الفريقين عند السليماني النخل المعروف في الدرعية, ووقعة البليدة، ووقعة شعيب قليقل، ووقعة كتلة الشعيب, ووقعة الرفيعة، وفي أثناء الحرب اشتعلت النار في زهبة الباشا وما في خزائنِه من البارود والرصاص وجميع الجيخان، وكان لثورتها أمر هائل لا يكادُ يُوصَفُ، وسُمِعَ صوتها مسيرة ثلاثة أيام أو أربعة، وأهلكت خيلًا ورجالًا وأحرقت خيامًا وأزوادًا وأثاثًا، وهربت العساكرُ في رؤوس الجبال، ووقع في قلوبِهم الرعبُ، وكان لهذه الحادثة وهَنٌ عظيمٌ على الروم، وهمَّ أهلُ الدرعية أن يحملوا عليهم ويدهموهم فيه، فلم يفعلوا وكان أمرُ الله قدرًا مقدورًا، فتراجع الرومُ وثبتوا، ثم أرسل الباشا إلى جميع نواحي نجد، وأخذوا من كل بلدٍ ما فيها من خزانة الجبخان وتتابع عليه بعد ذلك الجبخان والعساكر من مصر، وأتت إليه الرجال والقوافل، وهو في الدرعية من البصرة والزبير مع أهل نجد الذين فيهما ممن كان أجلاهم سعود عن نجد وأخذوا أموالهم. فتتابع عليه القوافِلُ من الأرز والحنطة والتنباك وجميع حاجات العساكر، وسارت إليه القوافِلُ أيضًا من جميع نواحي نجدٍ بجميع ما ينوب العساكِرُ، فثبت الباشا في موضعه وتعاظم أمرُه وتزايد بالحرب على الدرعية، فحاربها حربًا عظيمًا وهم ثابتون، والخارج منها كلَّ ليلة من أهل النواحي ومن أهلها يبذل الباشا لهم الأمان، وقُتِل أثناء الحرب فيصل بن سعود بن عبد العزيز. يقول ابن بشر: "كان الروم إذا قُتِل منهم ألف أتى بدَلَهم ألفان، وتتابع العساكِرُ من مصر على الدرعية في كل أسبوع وشهر يأتي من مصر عسكرٌ وقافلة من الطعام والأمتاع وما ينوب تلك العساكر، فلما طال الحصار وكثرت الأمداد من مصر على الروم، وأهل الدرعيةِ كُلَّ يوم يَنقُصون، وذلك بتقدير الحيِّ القيومِ، وإليه يُرجَعُ الأمر كلُّه، وما ربُّك بغافلٍ عمَّا يعملون، واستمروا في تلك المحاجي قريبَ ستة أشهر، وصار في تلك المدة وقعاتٌ عديدة لا يحيطُ بها العلم ولا يدرِكُها من أرادها القلم" وبعد وقعة الرفيعة خرج من الدرعية رئيسُ الخيالة غصاب العتيبي وهو ممن يُظَنُّ به الصِّدقُ مع آل سعود والصبر معهم فأصاب أهلَ الدرعية كآبةٌ ووَهَنٌ من خروجه، فلما خرج قصد الباشا فقَوِيَ عزم الباشا على الحربِ، فقرب القبوس من البلد، وفي صبيحة ثالث ذي القعدة حَمَل الروم على الدرعية من جميع الجهات الأربع فاقتحموها ودخل الرومُ الدرعية وقاتلهم الناسُ مِن منازلهم واشتَدَّ القتال حول قصر غصيبة المشهور الذي بناه الإمام سعود بن عبد العزيز، كان قد تحصَّن فيه سعد بن عبد الله سعود مع عِدَّة رجال، فجَرَّ عليهم الباشا القُبوس والقنابر، فلما رأى عبد الله بن سعود البوارَ، انتقل إلى منزلِه في الطريف وترك مخيَّمَه وثِقلَه في موضعِه، فأقبل الباشا بقبوسه وقنابره ومدافعه ونزل إلى باب المنزل واشتَدَّت وطأة الروم عليهم، فحماهم الله وكَفُّوا عنهم فهَمُّوا بالمصالحة، فتأبى الباشا، فشَمَّرَ الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وشَهَر سيفَه وندَبَ للقتال، فاجتمع عليه أهلُ البجيري ونهضوا على الرومِ مِن كل جانب كأنهم الأسودُ، فأخرجوا الروم وقتلوا منهم مئاتٍ، ثم أرسلوا إلى الباشا وطلبوا الصلحَ فأجاب إليه بعدما كان آبيًا، ولان بعدما كان قاسيًا. وقيل: قُتِل من عساكر الروم في هذا الحصار 10 آلاف مقاتِلٍ، ومِن أهل الدرعية ألفٌ وثلاثمائة مقاتل.
لمَّا تَسلَّم عَلِيُّ بن أبي طالبٍ الخِلافةَ بدَأ بِعَزْلِ بعضِ العُمَّالِ وأبدَلَهم بآخَرين، وكان ممَّن عزَلَهم مُعاويةُ بن أبي سُفيانَ الذي كان على الشَّامِ, كان رأيُ عَلِيٍّ في قَتلةِ عُثمانَ عدمَ الاسْتِعجالِ في القِصاصِ قبلَ أن يَسْتَتِبَّ الأمرُ ويَقْوَى سُلطانُ الخِلافةِ, وكان مُعاويةُ على رأي أهلِ الجَملِ الاسْتِعجال في الاقْتِصاصِ مِن قَتَلَةِ عُثمانَ، قَرَّرَ عَلِيٌّ عَزْلَ مُعاويةَ عن وِلايةِ الشَّام, ووَلَّى بدلًا عنه سَهلَ بن حَنيفٍ، ولمَّا سار الأخيرُ للشَّامِ رَفَضَهُ أهلُها، وأَبَى مُعاويةُ الانْعِزالَ؛ لأنَّه يَرى أنَّ الأمرَ لم يَسْتَتِبَّ تمامًا لِعَلِيٍّ، وخاصَّةً أنَّ قَتَلَةَ عُثمانَ لا يَزالون يَسرَحون في البِلادِ، فقام عَلِيٌّ بالحَزْمِ وهو لا يَرضى اللِّينَ في مِثل ذلك، فحَرَّك جيشًا إليه وهو على رَأسِهِم؛ ولكنَّه تَحوَّلَ إلى البَصرَةِ بعدَ سَماعِه بخُروجِ طَلحةَ والزُّبيرِ وعائشةَ ومَن معهم، فكانت مَوقعةُ الجَملِ، وبعدَ أن انتهى مِن الجَملِ وبَقِيَ في الكوفةِ فَترةً أرسَل خِلالَها جَريرَ بن عبدِ الله لِمُعاويةَ ليُبايِعَ له، ويُبَيِّنَ له حُجَّةَ عَلِيٍّ في أَمْرِ القَتَلَةِ؛ لكنَّ مُعاويةَ لم يُعْطِ جَوابًا، ثمَّ تَتابَعت الرُّسُلُ ولكن دون جَدوى حتَّى سَيَّرَ عَلِيٌّ الجيشَ، وعَلِمَ مُعاويةُ بذلك فسار بجَيشِه وسَبَقَ إلى صِفِّينَ واسْتَمْكَنَ مِن الماءِ، ولمَّا وصَل عَلِيٌّ طلَب أن يكونَ الماءُ حُرًّا للطَّرَفين فأَبَوْا عليه، فاسْتَطاع أهلُ العِراقِ إزاحَتَهُم عن الماءِ فجعَلهُ عَلِيٌّ رضِي الله عنه حُرًّا للجَميعِ، وبَقِيَ الطَّرفان أيَّامًا دون قِتالٍ، ثمَّ وقَع القِتالُ ودخَل شهرُ مُحَرَّم فتَوقَّفَ الفَريقان عن القِتالِ لَعَلَّهُم يتَصالحون، وكانت السُّفَراءُ بينهم ولكن دون جَدوى، فعَلِيٌّ باقٍ على رَأيِه ومُعاويةُ لا يَستَجيبُ بشيءٍ، ثمَّ عادت المُناوَشاتُ واسْتَمرَّتْ لشهرِ صَفَر، ثمَّ اشْتَدَّ القِتالُ ثلاثةَ أيَّامٍ قُتِلَ فيها عمَّارُ بن ياسرٍ الذي قال فيه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: (وَيْحَ عمَّارٍ تَقْتُلُهُ الفِئَةُ الباغِيَةُ). ولمَّا بدأت لَوائحُ الهَزيمةِ تَلوحُ على أهلِ الشَّام اقْتَرحوا التَّحْكيمَ، ثمَّ كُتِبَتْ صَحيفةُ التَّحكيمِ وشهِد عليها رِجالٌ مِن الطَّرَفين، ثمَّ رحَل عَلِيٌّ إلى الكوفةِ ومُعاويةُ إلى الشَّامِ، ثمَّ اجْتَمع المحكمان أبو موسى الأشعريُّ مِن طَرَف عَلِيٍّ وعَمرُو بن العاصِ مِن طَرَف مُعاويةَ، ولكنَّ اجْتِماعَهُما لم يُسْفِرْ عن أيِّ اتِّفاقٍ ممَّا جعَل عَلِيًّا يَتَهَيَّأُ للمَسيرِ ثانِيةً للشَّامِ؛ ولكنَّ أمرَ الخَوارِجِ صرَفهُ عن ذلك.
هو غياثُ الدين أبو شجاع السلطان محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق، سلطان بلاد العراق وخراسان وغير ذلك من البلاد الشاسعة, والأقاليم الواسعة. كان من خيار الملوك وأحسنهم سيرة، عادلًا رحيمًا، سهل الأخلاق، محمود العشرة، لما توفي والده ملكشاه اقتسم مملكته أولادُه الثلاثة وهم: بركيارق، وسنجر، ومحمد، ولم يكن لمحمد وسنجر، وهما من أم واحدة، وجود في اهتمام بركيارق؛ لأنه كان السلطان المشار إليه، وهما كالأتباع له، ثم اختلف محمد وبركيارق، فدخل محمد وأخوه سنجر إلى بغداد، فخلع عليهما الخليفة المستظهر بالله, وخطب لمحمد، وتركوا الخطبة لبركيارق، وكان ذلك في ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، وقيل سنة 495, وقُطِعت خطبته عدة مرات، ولَقِيَ من المشاق والأخطار ما لا حدَّ له، فلما توفي أخوه بركيارق صفت له السلطنة، وعَظُمت هيبته، وكثرت جيوشه وأمواله، وكان اجتمع الناس عليه اثنتي عشرة سنة وستة أشهر. قال ابن خلكان: "كان السلطان محمد رجل الملوك السلجوقية وفحلهم، وله الآثار الجميلة والسيرة الحسنة، والمعدلة الشاملة، والبر للفقراء والأيتام، والحرب للطائفة الملحِدة والنظر في أمور الرعية". مرض السلطان محمد زمانًا طويلًا، ولما أيس من نفسه أحضر ولده محمدًا فقَبَّله وبكى كلٌّ واحد منهما، وأمره أن يخرج ويجلس على تخت السلطنة وينظر في أمور الناس، فقال لوالده: إنه يوم غير مبارك، فقال: صدقتَ، ولكنْ على أبيك، وأمَّا عليك فمُبارَك بالسلطنة. فخرج وجلس على التخت بالتاج والسوارين، وتوفي يوم الخميس الرابع والعشرين من ذي الحجة في هذه السنة بمدينة أصبهان، وعمره سبع وثلاثون سنة وأربعة أشهر وستة أيام، وهو مدفون بأصبهان في مدرسة عظيمة، وهي موقوفة على الطائفة الحنفية، وليس بأصبهان مدرسة مثلها, ولم يخلف أحد من الملوك السلجوقية ما خلفه من الذخائر وأصناف الأموال والدواب.
اجتمَعَ جماعةٌ من رؤوس النصارى في كنيستِهم وجَمَعوا من بينهم مالًا جزيلًا فدَفَعوه إلى راهبينِ قَدِما عليهما من بلاد الروم، يُحسِنانِ صَنعةَ النِّفطِ، اسم أحدِهما ملاني، والآخر عازر، فعملا كحطًا من نفط، وتلطَّفا حتى عملاه لا يظهَرُ تأثيرُه إلا بعد أربع ساعات وأكثر من ذلك، فوُضِعا في شقوق دكاكين التجَّار بسوق الرجال في عدَّة دكاكين من آخِرِ النهار، بحيث لا يشعُرُ أحَدٌ بهما، وهما في زي المُسلِمينَ، فلما كان في أثناء الليل لم يشعُرِ النَّاسُ إلا والنَّارُ قد عَمِلَت في تلك الدكاكين حتى تعلَّقَت في درابزينات المأذنة الشرقيَّة المتَّجِهة للسوق المذكور، وأحرَقَت الدرابزينات، وجاء نائب السلطنة تنكز والأمراء أمراء الألوف، وصَعِدوا المنارة وهي تشتَعِلُ نارا، واحترسوا عن الجامِعِ فلم ينَلْه شيءٌ من الحريق ولله الحمد والمنة، وأمَّا المئذنة فإنها تفَجَّرت أحجارُها واحترقت السقَّالات التي تدُلُّ السلالم وأعيدَ بناؤها بحجارةٍ جُدُدٍ، وهي المنارة الشرقية التي جاء في الحديثِ أنَّه يَنزِلُ عليها عيسى بن مريم، والمقصودُ أنَّ النصارى بعد ليالٍ عَمَدوا إلى ناحية الجامع من المغرب إلى القيسارية بكمالِها، وبما فيها من الأقواس والعُدَد، وتطاير شَرَرُ النار إلى ما حول القيسارية- السوق الكبير- من الدُّورِ والمساكن والمدارِس، واحترق جانِبٌ من المدرسة الأمينية إلى جانب المدرسة المذكورة وما كان مقصودُهم إلَّا وصول النار إلى مَعبَد المسلمين، فحال اللهُ بينهم وبين ما يرومون، وجاء نائبُ السلطنة والأمراء وحالوا بين الحريقِ والمسجِدِ، جزاهم اللهُ خَيرًا، ولَمَّا تحقق نائِبُ السَّلطنةِ أنَّ هذا مِن فِعلِهم أمَرَ بمَسكِ رؤوس النصارى فأَمسَكَ منهم نحوًا من ستين رجلًا، فأُخِذوا بالمُصادَرات والضَّربِ والعقوبات وأنواع المَثُلاتِ، ثمَّ بعد ذلك صُلِبَ منهم أزيدُ مِن عَشرةٍ على الجمال، وطاف بهم في أرجاءِ البلاد وجَعلوا يتماوتون واحِدًا بعد واحد، ثمَّ أُحرِقوا بالنارِ حتى صاروا رمادًا لَعَنَهم اللهُ.
في شَهرِ جمادى الأولى اتَّفَق بناحية برما من الغربية أنَّ طائفة من مُسلِمةِ النصارى، صَنَعوا عُرسًا جمعوا فيه عِدَّةً من أرباب الملاهي، فلما صَعِدَ المؤذن ليسَبِّحَ الله تعالى في الليل على العادة، سَبُّوه وأهانوه، ثم صَعِدوا إليه وأنزلوه، بعدما ضربوه، فثار خطيب الجامِعِ بهم؛ ليُخَلِّصَه منهم، فأوسعوه سبًّا ولعنًا وهَمُّوا بقتله وقَتْلِ من معه، فقَدِمَ إلى القاهرة في طائفة، وشكَوا أمرهم إلى الأمير سودن النائب، فبعث بهم إلى الأمير جركس الخليلي؛ من أجل أن ناحية برما من جملة إقطاعه، فلم يَقبَلْ أقوالهم، وسَجَن عِدَّةً منهم، فمضى من بَقِيَ منهم إلى أعيان الناس، كالبلقيني وأمثاله، وتوجَّهَ الحافظ المعتمد ناصر الدين محمد فيق إلى الخليلي، وأغلَظَ عليه حتى أفرج عمَّن سَجَنَه، فغضب كثيرٌ من أهل برما واستغاثوا بالسلطانِ، فأنكر على الخليلي ما وقع منه، وبعث الأميرَ أبدكار الحاجِبَ للكشف عما جرى في برما، فتبين له قُبحُ سيرة المسألة فحمَلَهم معه إلى السلطان، فأمر بهم وبغُرَمائِهم أن يتحاكموا إلى قاضي القضاة المالكية، فادعى عليهم بقوادِحَ، وأُقيمَت البَيِّنات بها فسجَنَهم، واتفق أن الخليلي وقعت في شونة قصب له نارٌ أحرقتها كلها، وفيها جملة من المال، وحدث به وَرَمٌ في رجله، اشتد ألمه فلم يزل به حتى مات؛ وذلك عقوبة له لمساعدةِ أهل الزندقة!
كان محمد بن عبد الله بن تومرت البربري المصمودي الهرغي، الخارج بالمغرب، المدَّعي أنَّه عَلَوي حَسَني، وأنه الإمام المعصوم- من أهل جبل السوس من بلاد المغرب. رحل ابن تومرت إلى بلاد المشرق في طلب العلم، وأتقن علم الأصولين والعربية، والفقه والحديث، واجتمع بالغزالي والكيا الهراسي في العراق، واجتمع بأبي بكر الطرطوشي بالإسكندرية، وقيل إنه لم يجتمع بالغزالي. ثم حج ابن تومرت وعاد إلى المغرب، وكان شجاعًا فصيحًا في لسان العربي والمغربي، شديد الإنكار على الناس فيما يخالف الشرع، لا يقنع في أمر الله بغير إظهاره. وكان مطبوعًا على الالتذاذ بذلك متحلِّلًا للأذى من الناس بسببه، وناله بمكة شيء من المكروه من أجل ذلك، فخرج منها إلى مصر وبالغ في الإنكار، فزادوا في أذاه وطردته الدولة، وكان إذا خاف من بطش وإيقاع الفعل به خلط في كلامه فيُنتَسَب إلى الجنون، فخرج من مصر إلى الإسكندرية، وركب البحر متوجهًا إلى بلاده. ولما وصل إلى قرية اسمها ملالة بالقرب من بجاية اتصل به عبد المؤمن بن علي الكومي، وتفرس ابن تومرت النجابةَ في عبد المؤمن وسار معه، وتلقب ابن تومرت بالمهدي. واستمرَّ المهدي على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووصل إلى مراكش وشدَّد في النهي عن المنكرات، وكَثُرت أتباعه وحَسُنت ظنون الناس به، ولما اشتهر أمره استحضره أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين بحضرة الفقهاء فناظرهم وقطعهم، وأشار بعض وزراء علي بن يوسف بن تاشفين عليه بقتل ابن تومرت المهدي أو حبسه، وقال: والله ما غرضُه النهي عن المنكر والأمر بالمعروف، بل غرضه التغلب على البلاد، فلم يقبَلْ عليٌّ ذلك. ذكر ابن خَلِّكان شأن ابن تومرت فقال: "خرج محمد بن تومرت من مصر في زيِّ الفقهاء بعد الطلب بها وبغيرها, ولما وصل إلى المهدية نزل في مسجد معلَّق، وهو على الطريق، وجلس في طاق شارع إلى المحجة ينظر إلى المارة، فلا يرى منكرًا من آلة الملاهي أو أواني الخمر إلا نزل إليها وكسَرَها، فتسامع به الناسُ في البلد، فجاؤوا إليه، وقرؤوا عليه كتبًا من أصول الدين، وبلغ خبره الأمير يحيى، فاستدعاه مع جماعة من الفقهاء، فلما رأى سَمْتَه وسَمِعَ كلامه أكرمه وأجلَّه وسأله الدعاء، فقال له: أصلح الله لرعيتك، ولم يقُمْ بعد ذلك بالمهدية إلا أيامًا يسيرة، ثم انتقل إلى بجاية، وأقام بها مدة وهو على حاله في الإنكار" فسار المهدي إلى أغمات ولحق بالجبل واجتمع عليه الناس وعَرَّفهم أنه هو المهدي الذي وعد النبيُّ صلى الله عليه وسلم بخروجه، فكثُرَت أتباعه واشتَدَّت شوكته، وقام إليه عبد المؤمن بن علي في عشرة أنفس، وقالوا له: أنت المهدي، وبايعوه على ذلك وتبعهم غيرهم، فأرسل أمير المسلمين علي إليه جيشًا فهزمه المهدي وقَوِيَت نفوس أصحابه، وأقبلت إليه القبائلُ يبايعونه، وعَظُم أمره، وتوجَّه إلى جبل عند تينمليل واستوطنه، ثم إن المهدي رأى من بعض جموعه قومًا خافهم. قال الذهبي: "قال ابن تومرت لأصحابه: إن الله أعطاني نورًا أعرِفُ به أهل الجنة من أهل النار، وجمع الناسَ إلى رأس جبل، وجعل يقول عن كُلِّ من يخافُه: هذا من أهل النار، فيُلقى من رأس الشاهق ميتًا، وكل من لا يخافه: هذا من أهل الجنة ويجعَلُه عن يمينه، حتى قتل خلقًا كثيرًا واستقام أمره وأمِنَ على نفسه. وقيل: إن عدة الذين قتلهم سبعون ألفًا" وسَمَّى عامة أصحابه الداخلين في طاعته الموحِّدين، ولم يزل أمر ابن تومرت المهدي يعلو إلى أن توفي سنة 524.
لَمَّا قبل إبراهيم باشا الصلحَ خرج له من أعيان الدرعية عبد الله بن عبد العزيز بن محمد، والشيخ العالم علي ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومحمد بن مشاري بن معمر، فأرادوا منه أن يصالِحَهم على البلدِ كُلِّه فأبى أن يصالِحَهم إلا على السهلِ، أو يحضُرَ الإمام عبد الله بن سعود فرفضوا، فدخل الرومُ الدرعية ووقعت الحربُ عند مسجد الطريف أيامًا ثم انفَضَّ عن عبد الله بن سعود كثيرٌ ممن كان عنده، فلما رأى عبد الله ذلك بذل نفسَه للروم وفدى بها عن النِّساء والولدان والأموال، فأرسل إلى الباشا وطلب المصالحةَ، فأمره أن يخرج إليه فخرج إليه وتصالحَ على أن يركَبَ إلى السلطانِ فيُحسِنَ إليه أو يسيءَ، وانعقد الصلحُ على ذلك، ودخل عبد الله منزله وأطاعت البلدُ كُلُّها، فسلّم عبد الله بن سعود نفسَه للباشا في 8 ذي القعدة بعد حصارٍ شديد للدرعية دام ستة أشهر، ثم أرسله إلى القاهرة، واقتاد إبراهيم باشا بعض أمراء آل سعود وأفرادًا من أسرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أسرى، وأرسلهم إلى مصر، ومن هناك أُرسِلَ عبد الله بن سعود إلى استانبول، حيث أُعدِمَ في صفر سنة 1234هـ, وبهذا انتهت الدولةُ السعودية الأولى التي امتَدَّ نفوذُها إلى معظم أنحاء الجزيرة العربية على مدى 77 سنة.
هو صاحِبُ مِصرَ الحاكِمُ بأمر الله، أبو عليٍّ منصورُ بنُ العزيز نزار بن المعِزِّ معد بن المنصور إسماعيل بن القائم محمد بن المهدي، العُبَيديُّ الإسماعيليُّ الزِّنديقُ المُدَّعي الرُّبوبيَّة. مولِدُه سنةَ 375. أقاموه في المُلكِ بعد أبيه، وله إحدى عشرةَ سنةً. حكى هو عن نَفسِه قال: "ضَمَّني أبي وقَبَّلَني وهو عُريان، وقال: امْضِ فالعَبْ، فأنا في عافيةٍ. قال: ثمَّ توفِّيَ، فأتاني برجوان، وأنا على جميزةٍ في الدار. فقال: انزِلْ وَيحَك، اللهَ اللهَ فينا، فنَزَلْت، فوضَعَ العِمامةَ بالجوهَرِ على رأسي، وقبَّلَ الأرضَ، ثمَّ قال: السَّلامُ عليك يا أميرَ المُؤمنينَ، وخرج بي إلى النَّاسِ، فقَبَّلوا الأرضَ، وسَلَّموا عليَّ بالخِلافةِ". قال الذهبيُّ: "كان شَيطانًا مَريدًا جَبَّارًا عنيدًا، كثيرَ التلَوُّن، سَفَّاكًا للدِّماء، خبيثَ النِّحلةِ، عظيمَ المَكرِ، جَوادًا مُمَدَّحًا، له شأنٌ عجيبٌ، ونبأٌ غريبٌ، كان فرعونَ زَمانِه، يختَرِعُ كُلَّ وَقتٍ أحكامًا يُلزِمُ الرَّعيَّةَ بها، أمَرَ بسَبِّ الصَّحابةِ رَضِيَ الله عنهم، وبكتابةِ ذلك على أبوابِ المساجِدِ والشوارعِ، وأمَرَ عُمَّالَه بالسَّبِّ، وفي سنة 395 أمَرَ بقَتلِ الكِلابِ. وأبطَلَ بَيعَ الفَقعِ والمُلوخيَّة، وحَرَّم بيعَ السَّمَك بغيرِ قِشرٍ، ووقَعَ بباعةٍ لِشَيءٍ مِن ذلك فقَتَلَهم. وفي سنة 402 حَرَّمَ بيعَ الرُّطَب، وجمَعَ منه شيئًا عظيمًا فأحرَقَه، ومنَعَ مِن بَيعِ العِنَب، وأباد الكُرومَ. وأمر النَّصارى بتعليقِ صَليبٍ في رِقابِهم زِنَتُه رطلٌ وربعٌ بالدمشقيِّ، وألزم اليهودَ أن يُعَلِّقوا في أعناقِهم قرميَّةً في زنة الصَّليبِ إشارةً إلى رأسِ العِجلِ الذي عبدوه، وأن تكونَ عِمائِمُهم سُودًا، وأن يدخُلوا الحَمَّام بالصَّليبِ وبالقرمية، ثم أفرَدَ لهم حَمَّاماتٍ. وأمَرَ في العامِ بهَدمِ كَنيسةِ قمامة، وبهدمِ كَنائِسِ مِصرَ، فأسلَمَ عِدَّةٌ، ثمَّ إنه نهى عن تقبيلِ الأرضِ، وعن الدُّعاءِ له في الخُطَب وفي الكُتُب، وجعَلَ بدَلَه السَّلامُ عليه، ثمَّ إنَّ ابنَ باديس أميرَ المغربِ بَعَث ينقِمُ عليه أمورًا، فأراد أن يَستَميلَه، فأظهَرَ التفَقُّهَ، وحمَلَ في كُمِّه الدَّفاتر، ولَزِمَ التفَقُّهَ وأمَرَ الفُقَهاءَ بِبَثِّ مَذهَبِ مالكٍ، واتَّخَذ له مالكيَّينِ يُفَقِّهانِه، ثمَّ تغَيَّرَ فقَتَلَهما صبرًا", وفي سنة 404 نفى المنَجِّمينَ مِن بلاده. ومنَعَ النِّساءَ مِن الخروجِ مِن البيوتِ، وأبطَلَ عَمَل الِخفافِ لهنَّ جُملةً، وما زِلنَ ممنوعاتٍ مِن الخروجِ سَبعَ سِنينَ وسَبعةَ أشهر. ثم بعد مُدَّةٍ أمَرَ بإنشاءِ ما هُدِمَ من الكنائِسِ، وأذِنَ للنَّصارى الذين أكرَهَهم في العَودِ إلى الكُفرِ، وخبَرُ هلاكِه أنه فُقِدَ في ليلةِ الاثنينِ لثلاثٍ بَقِينَ مِن شَوَّال، ولم يُعرَفْ له خبَرٌ، وكان سبَبُ فَقدِه أنَّه خرج يطوفُ ليلةً على رَسمِه، وأصبح عند قَبرِ الفقاعي، وتوجَّهَ إلى شرقي حُلوان ومعه ركابيَّان، فأعاد أحدَهما مع جماعةٍ مِن العرب إلى بيتِ المال، وأمر لهم بجائزةٍ، ثمَّ عاد الركابيُّ الآخر، وذكَرَ أنَّه خَلَّفَه عند العَينِ والمقصبة، وبقيَ النَّاسُ على رسمِهم يَخرُجونَ كُلَّ يومٍ يلتَمِسونَ رُجوعَه إلى آخر شوال، فلما كان ثالثُ ذي القعدة خرج مُظَفَّر الصقلبي وغَيرُه من خواصِّ الحاكِمِ، ومعهم القاضي، فبَلَغوا عسفان، ودخلوا في الجَبَلِ، فبَصُروا بالحِمارِ الذي كان عليه راكبًا، وقد ضُرِبَت يداه بسَيفٍ فأثَّرَ فيهما، وعليه سَرجُه ولِجامُه، فاتَّبَعوا الأثَرَ، فانتهوا به إلى البِركةِ التي شَرقيَّ حلوان، فرأوا ثيابَه، وهي سبعُ قِطَع صُوف، وهي مُزَرَّرة بحالِها لم تُحَلَّ، وفيها أثَرُ السَّكاكين، فعادوا ولم يَشُكُّوا في قَتلِه، وكان عُمُرُه 37 سنة، وولايته 25 سنة, وقيل: إنَّ سَبَبَ قَتلِه هو أنَّه كان كثيرَ الشَّتمِ والسَّبِّ لأختِه سِتِّ الملك، واتَّهَمَها بالفاحشة، فعَمِلَت على قتلِه، بحيث كانت تَعرِفُ يومَ خُروجِه إلى الجَبَلِ لينظُرَ في النجومِ، فتمالأت مع الوزيرِ وأرسلوا عبدينِ أسودَينِ، فلما كان من اللَّيلِ وسار إلى الجبَلِ وَحدَه، قتَلَه العبدانِ وأحضراه إلى أختِه التي دفنته في دارِه، وقَرَّرَت توليةَ وَلَدِه، وكان حينها بدمشقَ، فأخبَرَت النَّاسَ أنَّ الحاكِمَ سيَغيبُ سَبعةَ أيَّامٍ, وهذا لِيَسكُنَ النَّاسُ ويَحضُرَ ابنُه من دمشق، فلما حضَرَ جَهَّزَتْه وأخرَجَتْه للنَّاسِ، على أنَّه الحاكِمُ الجديدُ، وابنُه هو أبو الحسن علي، ولُقِّبَ الظاهِرَ لإعزاز دين الله، وأُخِذَت له البيعةُ.
هو إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب الحسني من بيتٍ خرج منهم جماعةٌ على الخلفاء بالحجاز والعراق والمغرب، عرف بالسَّفَّاك، خرج إسماعيل سنة إحدى وخمسين ومائتين في زمن المستعين بالله بالحجاز وهو شاب له عشرون سنة، وتبعه خلقٌ كثير من المتشيِّعة والديلم, فعاث في الحرمين وقتل من الحُجَّاج بعرفة وسلَبَ ونهب، ولقِيَ النَّاسُ منه عنَتًا إلى أن هلك هو وأصحابُه بالطاعون في السنة التالية من خروجِه.