الموسوعة التاريخية

عدد النتائج ( 867 ). زمن البحث بالثانية ( 0.017 )

العام الهجري : 1229 الشهر القمري : جمادى الأولى العام الميلادي : 1814
تفاصيل الحدث:

هو الإمامُ قائِدُ الجنودِ سعود الكبير بن عبد العزيز بن محمد بن سعود ثالثُ حُكَّام الدولة السعودية الأولى، ولد بالدرعية سنة 1165هـ وتولى الحكمَ بعد وفاة والده سنة 1218هـ يعتبر عصر سعودٍ قِمَّةَ ازدهار الحكم السعودي في الدولة السعودية الأولى؛ فقد استطاع إخضاعَ الحجاز وعمان، وبلغ حوران من الشام. يصِفُ ابن بشر الإمامَ سعودًا وعهده بقوله: "أَمِنَت البلاد وطابت قلوب العباد, وانتظمت مصالحُ المسلمين بحُسن مساعيه وانضبطت الحوادث بيُمْنِ مراعيه.., وكان متيقظًا بعيد الهمة، يسَّر الله له الهيبةَ عند الأعداء والحِشمةَ في قلوب الرعايا ما لم يره أحد في وقته, وكانت له المعرفةُ التامة في تفسير القرآن، أخذ العلم عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب.. وله معرفةٌ بالحديث والفقه وغير ذلك، بحيث إنه إذا كتب نصيحةً لبعض رعاياه من المسلمين ظهر عليه في حُسنِ نَظمِه ومضمونِ كلامِه عدمُ قصورٍ في الاطلاع على العلوم, وقد رأيتُ العجب في المنطوق والمفهوم.. فمن وقف على مراسلاتِه ونصائحه عرفَ بلاغتَه ووفورَ عِلمِه، وإذا تكلَّم في المحافل أو مجالِسِ التذكير بهر العقولَ مِمَّن لم يكن قد سَمِعه, وخال في نفسِه أنَّه لم يسمع مثله, وعليه الهيبةُ العظيمة التي ما سَمِعْنا بمثلها في الملوك السالفة. بحيث إنَّ ملوك الأقطار لا تتجاسَرُ مراجعة كلامه ولا ترمقُه ببصَرِها إجلالًا له وإعظامًا، وهو مع ذلك في الغاية من التواضع للمساكين وذوي الحاجة، وكثيرُ المداعبة والانبساط لخواصِّه وأصحابه, وكان ذا رأيٍ باهر وعقل وافر.. وكان ثبتًا شجاعًا في الحروب محبَّبًا إليه الجهاد في صِغَرِه وكبره، بحيث إنه لم يتخلَّفْ في جميع المغازي والحِجَج، ويغزو معه العلماء من أهل الدرعية.. وإخوانه وبنو عمه كلُّ واحد من هؤلاء بدولة عظيمة من الخيل والركاب والخيام والرجال وما يتبع ذلك من رحائِلِ الأمتاع والأزواد للضيفِ وغيره, وقام في الجهاد وبذَلَ الاجتهاد، وفتحَ أكثر البلدان في أيامِ أبيه وبعد موتِه، وأُعطي السعادةَ في مغازيه, ولا أعلَمُ أنه هُزِمَت له راية، بل نُصِر بالرعب في قلوب أعدائه، فإذا سمعوا بمغزاه ومعداه هرب كلٌّ منهم وترك أباه وأخاه وماله وما حواه" وكان له مجلس علم في الدرعية بعد طلوع الشمسِ يَحضُرُه جمعٌ عظيم، بحيث لا يتخَلَّفُ إلا النادر من أهل الأعمال يجلسون حِلَقًا كُلُّ حلقة خلفها حلقةٌ، لا يحصيهم العَدُّ، فإذا اجتمع الناسُ خرج سعود من قَصرِه ويجلس بجانِبِه الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وهو الذي يقرأ عليه، ومن الكتب التي تُقرأ عليه في هذا المجلس تفسيرُ ابن جرير الطبري، وابن كثير, وله مجالِسُ أخرى يُقرأ فيها عليه رياضُ الصالحين، وصحيح البخاري. توفي الإمام سعود ليلة الاثنين 11 جمادى الأولى من هذه السنة, عن عمر 74 سنة، وكانت ولايته عشر سنين وتسعة أشهر وأيامًا، وكان موته بعِلَّةٍ وقعت أسفل بطنه أصابه منها حَصَر بول, وكان قد أنجب 12 ولدًا وانقرضت ذريَّتُه سنة 1265هـ, وتولَّى بعده ابنه عبد الله خلفًا له.

العام الهجري : 1421 الشهر القمري : ربيع الأول العام الميلادي : 2000
تفاصيل الحدث:

وُلد حافظ سليمان الأسد في 6 أكتوبر 1930م، في مدينةِ القِرداحةِ بمحافظة اللاذقيَّةِ، لأسرةٍ كانت تعمَلُ في فلاحة الأرض، أتمَّ تعليمَه الأساسي في مدرسة قريته التي أنشأها الفرنسيون، عندما أدخلوا التعليم إلى القرى النائية، وكان أولَ مَن نال تعليمًا رسميًّا في عائلته، ثم انتقلَ إلى مدينة اللاذقيَّةِ، حيث أتمَّ تعليمَه الثانوي في مدرسة جول جمال، ونال شهادة الفرع العلمي، لكنَّه لم يتمكَّنْ من دخول كلية الطب في الجامعة اليسوعية ببيروت، كما كان يتمَنَّى لتردِّي أوضاعِه المادية والاجتماعية؛ لذا التحَقَ بالأكاديمية العسكرية في حمصَ عامَ 1952م، ومن ثَمَّ التحقَ بالكلية الجويةِ؛ ليتخرَّجَ فيها برُتْبة ملازم طيار عامَ 1955م، ليُشاركَ بعدَها ببطولة الألعاب الجويةِ ويفوزَ بها.
التحقَ بحزب البعث عامَ 1946م عندما شُكِّل رسميًّا أولُ فرعٍ له في اللاذقيَّة، كما اهتمَّ بالتنظيمات الطلابيةِ، حيث كان رئيسَ فرعِ الاتحاد الوطني للطلبةِ في محافظة اللاذقيَّةِ، ثم رئيسًا لاتحادِ الطلبةِ في سوريا.
بعدَ سُقوطِ حُكمِ أديب الشيشكلي، واغتيال العقيد عدنان المالكي، انحسَمَ الصراعُ الدائرُ بينَ الحزب السوري القومي الاجتماعي، وحزبِ البعثِ العربي الاشتراكي لصالح البَعثيِّين، ممَّا سمحَ بزيادة نشاطهم، وحُصولهم على امتيازاتٍ استفاد منها هو، حيث اختير للذهاب إلى مصرَ للتدرُّب على قيادة الطائرات النفَّاثة، ومن ثَمَّ أُرسل إلى الاتحاد السوفيتي؛ ليتلقَّى تدريبًا إضافيًّا على الطيران الليلي بطائرات ميغ 15، وميغ 17، والتي كان قد تزَوَّد بها سلاحُ الجوِّ السوري.
انتقل لدى قيامِ الوَحْدةِ بين سوريا، ومصرَ معَ سِربِ القتالِ الليلي التابعِ لسلاحِ الجوِّ السوري للخدمةِ في القاهرة.
لم يتقبَّلْ مع عددٍ من رِفاقه قرارَ قيادة حزب البعث بحلِّ الحزب عام 1958م، استجابةً لشروط عبد الناصِرِ لتحقيق الوَحْدة، فقاموا بتشكيل تنظيمٍ سريٍّ عامَ 1960م، عُرف باللجنة العسكرية (هي التي حكَمَت سوريا فيما بعدُ).
بعدَ أن استولى حزبُ البعث على السُّلْطة في انقلابِ 8 مارس 1963م، فيما عُرف باسمِ ثورة الثامنِ من آذار، أُعيد إلى الخدمة من قِبَل صديقِه ورَفيقِه في اللجنة العسكرية مدير إدارة شؤون الضباط آنذاكَ المقدمُ صلاح جديد، ورُقِّيَ بعدَها في عام 1964م من رتبه رائد إلى رتبة لواء دَفْعةً واحدةً، وعُيِّنَ قائدًا للقوَّات الجوية والدفاع الجوي، وبدأت اللجنة العسكرية بتعزيز نفوذِها، وكانت مُهمَّتُه توسيعُ شَبكة مُؤيِّدي وأنصار الحزب في القوات المسلَّحة.
تولَّى منصبَ رئاسة مجلس الوزراء، ووزير الدفاع في 21 تشرين الثاني/نوفمبر 1970م، ثم ما لبِثَ أنْ حصَلَ على صلاحيَّات رئيس الجمهورية في 22 شباط/فبراير 1971م، ليثبتَ في 12 آذار/مارس 1971م رئيسًا للجمهورية العربية السورية، واستمرَّ في رئاسة سوريا حتى وفاته إثْرَ غَيبوبةٍ استمرت يومَينِ، بسبب مرضِ سرطان الدم الذي كان يُعاني منه منذُ سنواتٍ، وخلَفَه في رئاسة الجمهورية ابنُه بشَّار الأسد.

العام الهجري : 354 العام الميلادي : 965
تفاصيل الحدث:

هو شاعِرُ الزَّمانِ المَشهورُ، أبو الطَّيِّب أحمَدُ بنُ حُسَين بن حسن الجعفي الكوفي, الأديبُ الشهيرُ بالمتنبي. ولد سنة 303 بالكوفة في مَحلَّةٍ تسمى كندة فنُسِبَ إليها، وليس هو من كِندَةَ القبيلة، بل هو جعفيٌّ. قَدِمَ الشامَ في صباه, ثم أقام بالبادية يقتَبِسُ اللغة والأخبار, واشتغل بفنونِ الأدب ومَهَر فيها، وكان من المُكثِرينَ مِن نقلِ اللغة والمطَّلِعينَ على غَريبِها وحواشيها، ولا يُسألُ عن شَيءٍ إلَّا واستشهد فيه بكلامِ العَرَبِ مِن النَّظمِ والنَّثرِ، وكان من أذكياءِ عَصرِه. بلغ الذِّروةَ في النَّظمِ، وأربى على المتقَدِّمين, وسار ديوانُه في الآفاق، واعتنى العُلَماءُ به فشرحوه في أكثَرَ مِن أربعينَ شرحًا ما بين مُطَوَّلات ومُختصَراتٍ، ولم يُفعَلْ هذا بديوانٍ غَيرِه. كما أنَّ له حِكمًا وأمثالًا ومعانيَ مُبتكَرةً, وإنَّما قيل له المتنبِّي؛ لأنَّه ادَّعى النبُوَّةَ في باديةِ السَّماوة، وافتَتَن به بعضُ ضِعافِ العُقولِ، وكَذَب عليهم أنَّه يُوحى إليه قرآنٌ يُؤَلِّفُه مِن نَفسِه وشَيطانِه، وكان لؤلؤ أميرُ حمص من قِبَل الإخشيد قبض عليه ثمَّ أطلقه بعدما استَتابه، وقيل: إنَّه قال: أنا أوَّلُ مَن تنبَّأ بالشِّعرِ. تنقَّلَ في البلاد يمدحُ الأمراءَ مقابِلَ المال، لازم سيفَ الدولةِ كثيرًا ومدح كافور متولِّيَ أعمالِ مِصرَ ثمَّ هجاه ومدح مُعِزَّ الدَّولة البويهي, وقد نال بالشِّعرِ مالًا جليلا, يقال: وصل إليه من ابنِ العميدِ ثلاثون ألف دينار، وناله مِن عَضُدِ الدولة مثلها. كان المتنبي يركَبُ الخيلَ بزِيِّ العَرَب، وله شارةٌ وغِلمانٌ وهَيئةٌ. مدح كافورَ وفي رجليه خُفَّان وفي وسَطِه سيفٌ ومِنطَقةٌ ويركَبُ بحاجبين من مماليكِه وهما بالسُّيوفِ والمناطق، ولَمَّا لم يُرضِه كافور هجَاه وفارَقَه ليلةَ عيدِ النَّحرِ سنة 350، ووجَّهَ كافور خَلْفَه رواحِلَ إلى جِهاتٍ شَتَّى فلم يُلحَقْ، وكان كافور وعده بولايةِ بعضِ أعمالِه، فلمَّا رأى تعاليَه في شِعرِه وسُمُوَّه بنَفسِه، خافه، وعوتِبَ فيه فقال كافور: يا قومِ، مَن ادَّعى النبوَّةَ بعدَ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلم، أمَا يدَّعي المملكةَ مع كافور؟! فحَسْبُكم! والمتنبي هو القائِلُ: لولا المشقَّةُ ساد الناسُ كُلُّهم... الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قتَّالُ, وله عِدَّةُ أبياتٍ فائقة يُضرَبُ بها المثَلُ. وكان مُعجَبًا بنَفسِه, كثيرَ الفَخرِ والتَكبُّرِ, فمُقِتَ لذلك. يقال: إنَّ أبا المتنبِّي كان سَقَّاءً بالكوفةِ، وإلى هذا أشار بعضُ الشُّعَراءِ في هجو المتنبِّي، حيث قال: أيُّ فَضلٍ لشاعرٍ يطلُبُ الفضلَ مِن النَّاسِ بُكرةً وعَشِيَّا * عاش حينًا يبيعُ في الكوفةِ الماءَ، وحينًا يبيعُ ماءَ المُحَيَّا. وخبَرُ قَتْلِه أنَّ فاتِكَ الأسدي في جماعةٍ مِن الأعرابِ اعتَرَضوا المتنبِّي ومَن معه وكانوا متَّجِهينَ إلى بغدادَ قافلينَ مِن شيراز، عند النُّعمانيَّة مِن دير العاقول قُربَ النهروان. فقُتِلَ المتنبي ومعه ابنُه مُحَسَّد وغلامُه مُفلِح, وقيل: لَمَّا فَرَّ أبو الطيِّب حين رأى الغَلَبة، قال له غلامُه: لا يتحَدَّثُ النَّاسُ عنك بالفِرارِ أبدًا وأنت القائِلُ: فالخَيلُ واللَّيلُ والبَيداءُ تَعرِفُني... والحَربُ والضَّربُ والقِرطاسُ والقَلَمُ. فكَرَّ راجعًا حتى قُتِلَ، وكان هذا البيتُ سبَبَ قَتلِه.

العام الهجري : 432 العام الميلادي : 1040
تفاصيل الحدث:

سار مسعودٌ يريدُ بلادَ الهندِ لِيشْتُوا بها، فلمَّا سار أخَذَ معه أخاه محمَّدًا مسمولَ العينينِ، واستصحَبَ الخزائِنَ، وكان عازمًا على الاستنجادِ بالهندِ على قتال السلجوقيَّة ثِقةً بعهودهم. فلمَّا عَبَرَ سيحون- وهو نهرٌ كبيرٌ نحو دِجلة- وعبَرَ بعض الخزائِنِ، اجتمع أنوشتكين البلخي وجمعٌ من الغلمانِ الداريَّةِ ونهبوا ما تخلَّفَ من الخزانةِ، وأقاموا أخاه محمَّدًا 13 ربيع الآخر، وسَلَّموا عليه بالإمارةِ، فامتنع من قَبولِ ذلك، فتهَدَّدوه وأكرهوه، فأجاب وبَقِيَ مسعودٌ فيمن معه من العسكَرِ وحَفِظَ نَفسَه، فالتقى الجمعانِ مُنتصَفَ ربيعٍ الآخر، فاقتتلوا، وعَظُمَ الخطبُ على الطائفتينِ، ثم انهزمَ عسكَرُ مسعود، وتحصَّن هو في رباطِ ماريكلة، فحصره أخوه، فامتنع عليه، فقالت له أمُّه: إنَّ مكانَك لا يَعصِمُك، ولَأنْ تخرُجَ إليهم بعهدٍ خَيرٌ من أن يأخذوك قهرًا. فخرج إليهم، فقَبَضوا عليه، فقال له أخوه محمد: واللهِ لا قابلْتُك على فِعلِك بي-  كان مسعودٌ قد سمَلَ عينيه ونزع منه الحُكمَ-، ولا عامَلتُك إلَّا بالجميلِ، فانظُرْ أين تريدُ أن تقيمَ حتى أحمِلَك إليه ومعك أولادُك وحرَمُك. فاختار قلعة كيكي، فأنفذه إليها محفوظًا، وأمر بإكرامِه وصيانتِه، ثمَّ إن محمدًا فوَّضَ أمرَ دولتِه إلى ولَدِه أحمد، وكان فيه خبطٌ وهَوجٌ، فاتَّفق هو وابنُ عمه يوسف بن سبكتكين وابنُ علي خويشاوند على قَتلِ مسعود ليصفُوَ المُلكُ له ولوالِدِه، فقتلوه، فلمَّا عَلِمَ محمَّد بذلك ساءه، وشَقَّ عليه وأنكره، وقيل إنَّ محمَّدًا أغراه ولَدُه أحمد بقَتلِ عَمِّه مسعود، فأمر بذلك، وأرسل إليه مَن قتَلَه وألقاه في بئرٍ وسَدَّ رأسَها، وقيل: بل أُلقِيَ في بئرٍ حيًّا وسُدَّ رأسُها فمات، فلمَّا مات كتب محمَّدٌ إلى ابن أخيه مودود، وهو بخراسان، يقول: إنَّ والدك قُتِلَ قِصاصًا، قتله أولادُ أحمد ينالتكين بلا رضًا مني، وطَمِعَ جندُ محمد فيه، وزالت عنهم هيبتُه، فمَدُّوا أيديَهم إلى أموالِ الرَّعايا فنهبوها، فخَرِبَت البلاد، فلمَّا قُتِلَ الملكُ مسعود وصل الخبَرُ إلى ابنه مودود، وهو بخراسان، فعاد مجِدًّا في عساكِرِه إلى غزنةَ، فتصافَّ هو وعَمُّه محمد في ثالث شعبان، فانهزم محمَّدٌ وعسكَرِه وقُبِضَ عليه وعلى ولدِه أحمد، وأنوشتكين الخصِيِّ البلخي، وابنِ علي خويشاوند، فقَتَلَهم، وقتَلَ أولادَ عَمِّه جميعَهم إلَّا عبد الرحيم, وبنى موضِعَ الوقعةِ قريةً ورِباطًا، وسمَّاها فتح آباذ، وعاد إلى غُزنةَ فدخلها في ثالث وعشرين شعبان، وكان داودُ أخو طغرلبك قد ملك مدينةَ بلخ، واستباحها، فلمَّا تجدَّدَ هذا الظَّفَرُ لمودود ثار أهلُ هراة بمن عندهم من الغزِّ السلجوقيَّة، فأخرجوهم وحَفِظوها لمودود، واستقَرَّ الأمرُ لمودود بغزنةَ، ولم يبقَ له همٌّ إلا أمرُ أخيه مجدود؛ فإنَّ أباه قد سيَّرَه إلى الهند سنةَ ستٍّ وعشرين وأربعمِئَة، فخاف أن يخالِفَ عليه، فأتاه خبَرُه أنَّه قصَدَ لهاوور، وملتان، فملكهما، وأخذ الأموالَ، وجمع بها العساكِرَ، وأظهر الخلافَ على أخيه، فندب إليه مودودٌ جيشًا ليمنعوه ويقاتِلوه، وعَرَض مجدودٌ عَسكَرَه للمَسيرِ، وحضر عيدُ الأضحى، فبَقِيَ بعده ثلاثة أيام، وأصبح ميتًا بلهاوور لا يُدرى كيف كان مَوتُه، وأطاعت البلادُ بأسرِها مودودًا، ورَسَت قدمُه، وثَبَت مُلكُه، ولَمَّا سَمِعَت الغز السلجوقيَّةُ ذلك خافوه، واستشعروا منه، وراسله مَلِكُ التُّركِ بما وراء النَّهرِ بالانقيادِ والمتابعة.

العام الهجري : 597 الشهر القمري : ذي القعدة العام الميلادي : 1201
تفاصيل الحدث:

بعد مِلكِ الملك العادل ديارَ مِصرَ، وقَطعِه خطبة الملك المنصور ولد الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين الأيوبي، فلمَّا فعل ذلك لم يَرْضَه الأمراء المصريون، وخَبُثَت نيَّاتُهم في طاعته، فراسلوا أخوَيِ العزيزِ: الظاهر بحلب، والأفضل بصرخد، يدعونَها إلى قصد دمشقَ وحَصرِها ليخرُجَ المَلِكُ العادل إليهم، فإذا خرج إليهم من مِصرَ أسلموه، وصاروا معهما، فيَملِكانِ البلاد، وكَثُرَ ذلك حتى فشا الخبَرُ واتصل بالملك العادل، فأرسل العادِلُ إلى ولده الذي بدِمشقَ يأمُرُه بحصر الأفضَلِ بصرخد، وكتَبَ إلى إياس جركس وميمون القصري، صاحب بلبيس، وغيرهما من الناصريَّة، يأمُرُهم الاجتماعَ مع ولده على حَصرِ الأفضل، وسَمِعَ الأفضل الخبر، فسار إلى أخيه الظاهرِ بحَلَب مستهَلَّ جمادى الأولى، ووصل إلى حلب عاشر الشهرِ، وكان الظاهِرُ قد جمع عَسكَرَه وقصَدَ منبج فمَلَكَها للسادس والعشرين من رجب، وسار إلى قلعةِ نجم وحصرها، فتسَلَّمَها آخر رجب، أما ابنُ العادل المقيم بدمشق فإنَّه سار إلى بصرى، وأرسل إلى جركس ومن معه، وهم على بانياس يحصُرونَها، يدعوهم إليه، فلم يجيبوه إلى ذلك بل غالطوه، فلما طال مُقامُه على بصرى عاد إلى دمشقَ، واجتمع عند المَلِك الظافر خضر بن صلاح الدين، وأنزلوه من صرخد، وأرسلوا إلى الملك الظاهِرِ والأفضل يحثونَهما على الوصولِ إليهم، وساروا منها إلى حمص، ثم سارا منها إلى دمشق على طريق بعلبك، فنزلوا عليها عند مسجِدِ القدم، فلما نزلوا على دمشق أتاهم المماليكُ الناصريَّة مع الملك الظافر خضر بن صلاح الدين، وكانت القاعدةُ استقَرَّت بين الظاهر وأخيه الأفضَلِ أنَّهم إذا ملكوا دمشق تكون بيَدِ الأفضل، ويسيرونَ إلى مصرَ، فإذا مَلَكوها تسَلَّمَ الظاهِرُ دمشق، فيبقى الشامُ جميعه له، وتبقى مصر للأفضَلِ، وكان الملك العادل قد سار من مِصرَ إلى الشام، فنزل على مدينةِ نابلس وسيَّرَ جمعًا من العسكر إلى دمشق ليحفَظَها، فوصلوا قبل وصولِ الظاهرِ والأفضل، وحضر فخرُ الدين جركس وغيره من الناصريَّة عند الظاهر، وزحفوا إلى دمشقَ وقاتلوها رابع عشر ذي القعدة، واشتَدَّ القتال عليها، فعادوا وقد قَوِيَ الطمع في أخْذِها، ثمَّ زحفوا إليها مرَّةً ثانية وثالثة، فلم يبقَ إلَّا مِلكُها، فحسد الظاهِرُ أخاه الأفضَلَ، فأرسلَ إليه يقول له: تكون دمشق له وبيده، ويُسَيِّرُ العساكر معه إلى مصر، فقال له الأفضلُ: قد علمْتَ أنَّ والدتي وأهلي، وهم أهلُك أيضًا، على الأرضِ، ليس لهم مَوضِعٌ يأوون إليه، فأحسِبُ أنَّ هذا البلد لك تُعيرُناه ليسكُنَه أهلي هذه المدَّة إلى أن يَملِكَ مصر، فلم يجبْه الظاهر إلى ذلك، ولَجَّ، فلما رأى الأفضَلُ ذلك الحال قال للناصريَّة وكل من جاء إليهم من الجند: إن كنتم جئتُم إليَّ فقد أذِنْتُ لكم في العَودِ إلى العادل، وإن كنتم جئتُم إلى أخي الظاهرِ فأنتم وهو أخبَرُ، وكان الناس كلهم يريدون الأفضَل، فقالوا: ما نريدُ سواك، والعادِلُ أحبُّ إلينا من أخيك؛ فأذِنَ لهم في العود، فهَرَب فخر الدين جركس وزين الدين قراجة الذي أعطاه الأفضل صرخد، فمنهم من دخل دِمشقَ، ومنهم من عاد إلى إقطاعِه، فلما انفسخ الأمرُ عليهم عادوا إلى تجديدِ الصُّلحِ مع العادل، فتردَّدَت الرسلُ بينهم واستقَرَّ الصلح على أن يكون للظاهِرِ منبج، وأفامية وكفر طاب، وقرى معينة من المعرة، ويكون للأفضل سميساط، وسروج، ورأس عين، وحملين، ورحلوا عن دمشقَ أوَّلَ المحرَّم سنة ثمان وتسعين.

العام الهجري : 697 الشهر القمري : ذي القعدة العام الميلادي : 1298
تفاصيل الحدث:

جاء الخبرُ إلى الأمير بكتاش وهو على تل حمدون بأن واديًا تحت قلعة نجيمة وحميص قد امتلأ بالأرمن، وأنَّ أهل قلعة نجيمة تحميهم، فبعث طائفةً مِن العسكر إليهم فلم ينالوا غرَضًا، فسَيَّرَ طائفةً ثانيةً فعادت بغير طائل، فسار الأمراءُ في عِدَّة وافرة وقاتلوا أهلَ نجيمة حتى ردُّوهم إلى القلعة، وزحفوا على الوادي وقتَلوا وأسَروا مَن فيه، ونازلوا قلعةَ نجيمة ليلةً واحدة، وسار العسكَرُ إلى الوطأة، وبقي الأميرُ بكتاش والمَلِك المظفَّر في مقابلة مَن بالقلعة خشيةَ أن يخرُجَ أهل نجيمة فينالوا من أطرافِ العسكر، حتى صار العسكَرُ بالوطأة، ثم اجتمعوا بها، فقَدِمَ البريد من السلطان بمنازلةِ قلعة نجيمة حتى تُفتَح، فعادوا إلى حصارها، واختلف الأميرُ بكتاش والأمير سنجر الدواداري على قتالها، فقال الدواداري: متى نازلها الجيشُ بأسْرِه لا يُعلَمُ من قاتل ممَّن عجَز وتخاذلَ، والرأي أن يقاتِلَ كُلَّ يومٍ أميرٌ بألفه، وأخذ يُدِلُّ بشجاعتِه، ويصَغِّرُ شأن القلعة، وقال: أنا آخُذُها في حجري فسَلَّموا له واتَّفَقوا على تقديمه لقتالها قبل كلِّ أحد، فتقدم الدواداري إليها بألفِه حتى لاحف السور، فأصابه حجَرُ المنجنيقِ فقطع مشطَ رِجلِه، وسقط عن فَرَسِه إلى الأرض، وكاد الأرمن يأخذونَه، إلَّا أن الجماعة بادرت وحمَلَته على جنوبة إلى وطاقه، ولَزِمَ الفراش، فعاد إلى حلب، وسار منها إلى القاهرة، وقُتِلَ في هذه النوبة الأميرُ علم الدين سنجر طقصبا الناصري، وزحف في هذا اليومِ الأمير كرتاي ونَقَب سور القلعة وخَلَّصَ منه ثلاثة أحجار، واستُشهد معه ثلاثة عشر رجلًا، ثم زحف الأميرُ بكتاش وصاحِبُ حماة ببقية الجيش طائفة بعد طائفة، وكلٌّ منهم يُردِفُ الآخر حتى وصلوا إلى السورِ، وأخذوا في النَّقب وأقاموا الستائر، وتابعوا الحصار واحدًا وأربعين يومًا، وكان قد اجتمع بها من الفلَّاحين ونساءِ القرى وأولادِهم خلقٌ كثيرٌ، فلمَّا قلَّ الماءُ عندهم أخرجوا مرَّةً مائتي رجلٍ وثلاثَمائة امرأة ومائةً وخمسين صبيًّا، فقتَلَ العسكر الرجال واقتسموا النساءَ والصبيان، ثم أخرجوا مرَّةً أخرى مائة وخمسين رجلًا ومائتي امرأة وخمسة وسبعين صبيًّا، ففعلوا بهم مثلَ ما فعلوا بمن تقَدَّم، ثم أخرجوا مرةً ثالثة طائفة أخرى، فأتوا على جميعِهم بالقتلِ والسَّبي، حتى لم يتأخَّرْ بالقلعةِ إلَّا المقاتِلة، وقَلَّت المياه عندهم حتى اقتتلوا بالسيوفِ على الماء، فسألوا الأمانَ فأُمِّنوا، وأُخِذَت القلعة في ذي القعدة، وسار مَن فيها إلى حيث أراد، وأخذ أيضًا أحد عشر حصنًا من الأرمن، ومنها النقير، وحجر شغلان، وسرقندكار، وزنجفرة، وحميص، وسَلَّمَ ذلك كُلَّه الأميرُ بكتاش إلى الأميرِ سيف الدين أسندمر كرجي من أمراء دمشقَ، وعيَّنه نائبًا بها، فلم يزَلْ أسندمر بها حتى قَدِمَ التتارُ، فباع ما فيها من الحواصِلِ ونزح عنها، فأخذَها الأرمن، ولما تم هذا الفتحُ عادت العساكرُ إلى حلب وكان الشتاء شديدًا، فأقاموا بها، وبعث السلطانُ إليهم الأميرَ سيف الدين بكتمر السلاح دار، والأميرَ عز الدين طقطاي، والأميرَ مبارز الدين أوليا بن قرمان، والأميرَ علاء الدين أيدغدي شقير الحسامي، في ثلاثة آلاف فارسٍ مِن عساكر مصر، فدخلوا دمشقَ يوم الثلاثاء سابع عشر ذي القعدة، وساروا منها إلى حلب، وأقاموا بها مع العسكَرِ، وبعث متمَلِّكُ سيس إلى السلطانِ يسأل العفوَ.

العام الهجري : 853 العام الميلادي : 1449
تفاصيل الحدث:

هو الأمير ألوغ بك بن القان معين الدين شاه رخ، ابن الطاغية تيمورلنك كوركان بن أيتمش قنلغ بن زنكي بن سنيا بن طارم بن طغريل بن قليج بن سنقور بن كنجك بن طغر سبوقا بن التاخان، المغولي الأصل، من طائفة جغتاي، وقيل: اسمه تيمور على اسم جدِّه، وقيل: محمد. صاحب سمرقند، فريد دهره ووحيد عصره في العلوم العقلية، والهيئة، والهندسة، طوسي زمانه، وهو حنفيُّ المذهب. ولد في حدود 790، ونشأ في أيام جدِّه، وتزوج في أيامه, ولما مات جدُّه تيمور وآل الأمر إلى أبيه شاه رخ ولَّاه سمرقند وأعمالها فحكمها نيِّفًا وثلاثين سنة، وعمل بها رصدًا عظيمًا انتهى به إلى سنة وفاته، وقد جمع لهذا الرَّصد علماء هذا الفنِّ من سائر الأقطار، وأغدق عليهم الأموالَ، وأجرى لهم الرواتبَ الكثيرة، حتى رحل إليه علماء الهيئة والهندسة من البلاد البعيدة، وهُرِعَ إليه كل صاحب فضيلة، وهو مع هذا يتلفت إلى من يسمع به من العلماء في الأقطار، ويُرسِلُ يطلب من سمِعَ به. هذا مع علمه الغزير وفضله الجمِّ واطلاعه الكبير وباعه الواسعِ في هذه العلوم، مع مشاركةٍ جيدة إلى الغاية في فقه الحنفية، والأصلين، والمعاني، والبيان، والعربية، والتاريخ، وأيام الناس. قيل: إنه سأل بعض حواشيه: ما تقول الناس عنِّي؟ وألحَّ عليه، فقال: يقولون: إنك ما تحفظ القرآنَ الكريم، فدخل من وقته وحَفِظَه في أقل من ستة أشهر حفظًا مُتقَنًا. وكان أسنَّ أولاد أبيه، واستمَرَّ بسمرقند إلى أن خرج عن طاعتِه ولدُه عبد اللطيف، وسببه أنه لما ملك ألوغ بك هراة طَمِعَ ابنه عبد اللطيف أن يوليَه هراة فلم يفعل، وولَّاه بلخ، ولم يعطِه من مال جدِّه شاه رخ شيئًا. وكان ألوغ بك هذا مع فضله وغزير علمِه مسيكًا كوالده لا يصرف المال إلا بحقه، فسأمَتْه أمراؤه لذلك، وكاتبوا ولده عبد اللطيف في الخروج عن طاعتِه، وكان في نفسه ذلك، فانتهز الفرصة وخرج عن الطَّاعة، وبلغ أباه الخبر فتجرَّد لقتاله، والتقى معه، وفي ظنِّه أن ولده لا يثبُت لقتالِه، فلما التقى الفريقان وتقابلا هرب جماعة من أمراء ألوغ بك إلى ابنه، فانكسر ألوغ بك وهرب على وجهه، وملك ولدُه سمرقند، وجلس على كرسي والده أشهرًا ثم بدا لألوغ بك العود إلى سمرقند، ويكون المُلك لولدِه، ويكون هو كآحاد الناس، واستأذن ولدَه في ذلك فأذن له، ودخل سمرقند وأقام بها، إلى أن قبض عبد اللطيف على أخيه عبد العزيز وقتله صبرًا في حضرة والده ألوغ بك، فعظم ذلك عليه، فإنَّه كان في طاعته وخدمته حيث سار، ولم يمكِنْه الكلام فاستأذن ولده عبد اللطيف في الحجِّ فأذن له، فخرج قاصدًا للحجّ إلى أن كان عن سمرقند مسافة يوم أو يومين، وقد حذَّر بعض الأمراء ابنَه منه، وحسَّن له قتله، فأرسل إليه بعض أمرائه ليقتُلَه، فدخل عليه مخيَّمه واستحيا أن يقول: جئتُ لقَتْلِك، فسلَّم عليه ثم خرج، ثم دخل ثانيًا وخرج، ثم دخل ففطن ألوغ بك، وقال له: لقد علمتُ بما جئتَ به فافعل ما أمَرَك به، ثم طلب الوضوء وصلَّى، ثم قال: واللهِ لقد علمت أنَّ هلاكي على يد ولدي عبد اللطيف هذا من يومِ وُلِدَ، ولكن أنساني القدر ذلك، والله لا يعيشُ بعدي إلَّا خمسة أشهُرٍ ثم يقتل أشرَّ قِتلةٍ، ثم سلَّم نفسَه فقُتِل، وقُتِلَ ولدُه عبد اللطيف بعد خمسة أشهر!!

العام الهجري : 857 الشهر القمري : محرم العام الميلادي : 1453
تفاصيل الحدث:

هو السلطان الملك الظاهر سيف الدين أبو سعيد جقمق العلائي الظاهري الشركسي، السلطان الرابع والثلاثون من ملوك الترك، والعاشر من الجراكسة، ويذكر في أصله أنه أخذ من بلاده صغيرًا فاشتراه خواجا كزلك وجلبه إلى الديار المصرية، فابتاعه منه الأتابك إينال اليوسفي، وقيل: ولده أمير علي بن إينال وهو الأصح، وربَّاه عنده، فطلبه الملك الظاهر منه في سرحة سرياقوس، وأخذه وأعطاه لأخيه جاركس، وقد اختلفت الأقوال في أمر عتقه؛ فمن الناس من قال: إن أمير علي كان أعتقه قبل أن يطلُبَه الملك الظاهر منه، فلما طلبه الملك الظاهر سكت أمير علي عن عتقه لتنال جقمق السعادة بأن يكون من جملة مشتريات الملك الظاهر. تسلطن يوم خُلِعَ الملك العزيز يوسف، وهو يوم الأربعاء التاسع عشر من ربيع الأول سنة 842. كان قد خرج عن طاعة الظاهر جقمق الأمير قرقماس، فواقعه الملك الظاهر، فانهزم قرقماس واختفى، ثم ظُفِرَ به وضُرِبَ عنقه. ثم خرج عن طاعته تغرى برمش نائب حلب، ثم أينال الجكمي نائب الشام؛ فجهز إليهما العساكر، فقاتلوهما واحدًا بعد الآخر، فظَفِرَ بهما وقتلهما. وبعد قتل هؤلاء صفا الوقت للملك الظاهر، وأخذ وأعطى، وقرب أقوامًا وأبعد آخرين. ولم يزل في ملكه والأقدارُ تساعدُه، إلى أن بدأ المرض به في آخر السنة الماضية وما زال يزداد به حتى قويَ عليه جدًّا في أواخر شهر محرم من هذه السنة، ثم لما كان يوم الأربعاء العشرون من المحرم، تكلم السلطان مع بعض خواصِّه في خلع نفسه من السلطنة، وسلطنة ولده المقام الفخري عثمان في حياته، فروجِعَ في ذلك فلم يقبَلْ، ورسم بإحضار الخليفة والقضاة والأمراء من الغد بالدهيشة، فلما كان الغد، وهو يوم الخميس الحادي والعشرين محرم حضر الخليفة والقضاة وجميع الأمراء، وفي ظنِّ الناس أنه يعهد لولده عثمان بالملك من بعده كما هي عادة الملوك، فلما حضر الخليفة والقضاة عنده بعد صلاة الصبح، خلع نفسَه من السلطنة، وقال للخليفة والقضاة: الأمر لكم، انظروا فيمن تُسلطِنوه، أو معنى ذلك؛ لعِلمِه أنهم لا يعدلون عن ولده عثمان؛ فإنَّه كان أهلا للسلطنة بلا مدافعة، فلما سمع الخليفةُ كلام السلطان، لم يعدِلْ عن المقام الفخري عثمان، لِما كان اشتمل عليه عثمان من العلم والفضل، وإدراكِه سِنَّ الشبيبة، وبايعه بالسَّلطنة، وتسلطن في يوم الخميس ولقِّبَ بالملك المنصور، وعمره يومئذ نحو الثماني عشرة سنة تخمينًا، واستمرَّ الملك الظاهر مريضًا ملازمًا للفراش، وابنه الملك المنصور يأخذ ويعطي في مملكتِه، ويعزِلُ ويولي، والملك الظاهر في شُغلٍ بمرضه، وما به من الألم في زيادة، إلى أن مات في قاعة الدهيشة الجوانية بين المغرب والعشاء من ليلة الثلاثاء ثالث صفر وقرئ حوله القرآن العزيز، إلى أن أصبح وجُهِّزَ وغُسِّلَ وكُفِّن من غير عجلة ولا اضطراب، حتى انتهى أمرُه وحُمِل على نعشه، وأُخرِج به، وأمام نعشه ولده السلطان الملك المنصور عثمان ماشيًا وجميع أعيان المملكة إلى أن صلِّيَ عليه بمصلاة باب القلعة من قلعة الجبل، وصلى عليه الخليفة القائم بأمر الله أبو البقاء حمزة، وخلفه السلطان المنصور عثمان والقضاة وجميع الأمراء والعساكر، ثم حمل بعد انقضاء الصلاة عليه وأُنزِلَ من القلعة، حتى دفِنَ بتربة أخيه الأمير جاركس القاسمي المصارع، ولم يشهد ولده الملك المنصور دفنَه، وكانت مدة سلطنته أربع عشرة سنة وعشرة شهور ويومين.

العام الهجري : 1377 الشهر القمري : شعبان العام الميلادي : 1958
تفاصيل الحدث:

هو الشيخُ أبو المكارم محيي الدين أحمد بن خير الدين الهندي المشهور بلقب "أبو الكلام آزاد", من أسرة أفغانية هاجرت إلى الهند زمنَ الإمبراطور بابر مؤسِّس الدولة المغولية، ولِدَ بكلكتا عام 1306هـ / 1888م وبها استتَمَّ دراستَه الأولية. وقصد الأزهرَ في الرابعة عشرة من عمره، فدرس على علمائِه ودرَّس في خارجه، ثم عاد إلى وطن أبيه (الهند) فسكن كلكتا، وقد أخذ كنيةَ أبي الكلام لكونِه خطيبًا بارعًا، أما كلمة آزاد فتعني في اللغة الأردية "الحـَّر"، تربَّى تربية صوفية، وأتقن الإنجليزية والفارسية وتنقَّل بين كلكتا وبومباي، كما زار القاهرة وتركيا وفرنسا، وقد تأثَّر برشيد رضا، وكان من أعضاء حزب المؤتمر الهندي الذي أقرَّ برنامج المهاتما غاندي القائل بالمقاومة السلبية. ثم كان مستشارًا للبانديت نهرو. قام بتأسيس جماعةٍ دينية في كلكتا سماها "حزب الله"، ثم أسَّس مدرسة سماها "دار الرشاد"، وقام بإصدار مجلة "الهلال" في 1912، وبلغت كمية توزيعها 25 ألف نسخة أسبوعيًّا، وهو عددٌ ضَخمٌ جِدًّا في تلك الفترة. وهاجم الاستعمارَ البريطاني فاعتقله الإنجليزُ (المستعمرين للهند في ذلك الوقت) وقاموا بمنعِ إصدار المجلة في 1915. وسرعان ما أصدر أبو الكلام في نفسِ العام مجلةً أخرى هي مجلة البلاغ، لكِنَّها مُنعت أيضًا. ثم تمَّ إبعاده عن كلكتا ومُنِعَ من دخول ولايات البنجاب ودلهي وبومباي؛ فقد حصل له القَبولُ العظيم في بلاد الهند لمهارته في أساليب الكلام، فقصد البنغال، وقد تكرر اعتقال البريطانيين له. ولم يصرِفْه ذلك عن هدفه في مقاومة الإنجليز، واستقَرَّ بمدينة "رانشي" التي كتب فيها تفسيره للقرآن الكريم، وترجم معانيه إلى اللغة الأردية. وقد تعرَّض بعد ذلك للسجن لمدة ثلاث سنوات ونصف حتى العام 1920. وتولَّى رئاسة حزب المؤتمر بدلهي 1923 و 1939م، تحول أبو الكلام من مصلح ديني وداعية إسلامي إلى زعيم وطني وقائد سياسي، وقد صرف فكرَه ونشاطَه -بعدما رأى تفكُّك الوحدة بين الشعوب الإسلامية- من المجال الإسلامي إلى المجال الوطني. وفي سنة 1356هـ ألَّفَ حزب المؤتمر الوطني الوزارةَ في عدة ولايات هندية، وكان أبو الكلام من كبارِ المشرفين والموجِّهين في هذا التأليف، له الكلمة النافذة والرأي الوجيه في اختيار الوزراء، واستقالت هذه الوزارةُ سنة 1358هـ، وقد قَوِيَت حركة العصبة الإسلامية في هذه المدة ومطالبتها بانفصال باكستان، وثار المسلمون في جميع البلاد الهندية في تأييد هذه الفكرة، وتعَرَّض أبو الكلام وزملاؤه الذين كانوا يعارضون هذه الفكرة، ويدعون إلى فكرة الهند غير المنقسِمة للسَّخَط العام من المسلمين، واكتسحت فكرةُ الانفصال الكثرة من المسلمين، وبقي أبو الكلام على مبدئه وفكرته، وأصرَّت العصبة الإسلامية تحت قيادة رئيسها محمد علي جناح على المطالبةِ بالتقسيم، فحصل الانقسام، كان أبو الكلام مع عِلمِه بالعربية يكتُبُ تآليفه ومجلاته ومقالاته بالأردية، وقد تُرجِمَ بعضها إلى العربية، وكان قد صَنَّف في السجن كتابه (التذكرة) بالأردية، سجَّل فيه فلسفته الثورية، وعقيدته السياسية. بعد تولي أبي الكلام وزارة المعارف في الحكومية المركزية انطوى على نفسه بعيدًا عن المجامع الشعبية، حتى وافته المنية رحمه الله في دلهي، وصلى عليه جمع كبير من المسلمين.

العام الهجري : 1390 الشهر القمري : رمضان العام الميلادي : 1970
تفاصيل الحدث:

هو جَمال عبد الناصرِ بن حُسين بن خَليل بن سُلْطان عبْد الناصر، رئيسُ الجُمهورية العربيَّة المتحِدة، وقائدُ ثَورة يُوليو 52 العسكرية (ثَورة الضُّباط الأحرار). وُلِدَ في قَرية بني مُر بمحافظةِ أسيوطَ سنة 1336هـ / 1918م، وانتقَلَ إلى القاهرةِ وعُمره ثمانِ سنواتٍ، فعاش مع عمٍّ له اسمه خَليل. وتعلَّم بها ثم بالإسكندريةِ، وحصَل على البكالوريوسِ سنةَ 1936، وشارَك في المظاهَرات المعاديةِ للإنجليزِ، وجُرِح مرَّتين سنةَ 1933 و1935، وتخرَّج من الكُلِّية الحربية سنةَ 1938، ودرَّس بها. وتخرَّج بكُلِّية أركانِ الحرب، وشارَك في حرْب فِلَسطين 48، وجُرِح وشُفِي، وعاد وحُوصِر في الفالوجة بفِلَسطين 4 أشهر، وخرَجَ مع زُملائه من الفالوجةِ ناقمينَ على الحُكْم في مصرَ، فقاموا سنةَ 1952م بثَورة الضُّباط الأحرار على الملِكِ فاروق آخِرِ مُلوك مصرَ، فنزَل عن العرشِ لابنه أحمدَ فؤاد، ثم لم يَلبَثوا أن خَلَعوه وأعْلَنوا الجُمهورية، وسمَّوا لرئاستِها أحدَ كبارِ الضُّباط محمَّد نجيب، وتولَّى جمالٌ رئاسةَ الوزراء. وأُذِيعَ أنَّ نَجيب يُريد إبعادَ الجيش عن الحُكْم وإعادتَه إلى المدنيينَ، فحجَزه جمالٌ في بَيته وتسلَّم زِمامَ السُّلطة عامَ 1954م، وفي 1956م انتُخِب عبد الناصر رئيسًا للجُمْهورية العربيَّة المتحِدة، وفي عهْدِه تمَّت اتِّفاقية جَلاء الإنجليزِ مِن الأراضي المصرية، وأمَّمَ شَركة قناة السُّويس، وترتَّب على ذلك العُدوان الثُّلاثي على مصرَ؛ حيث قامت بِريطانيا وفرنسا وإسرائيلُ بالاعتداءِ على مصرَ 1956م، فاحتلَّت إسرائيلُ أجزاءً من مصرَ وسُورية والأردنَّ، وأعلَنَ الوَحدةُ المصرية السُّورية 1958م، ثم انفصَلَت في عام 1961م، وحوَّل مصرَ إلى النِّظام الاشتراكيِّ 1961م، وبنى السَّدَّ العالي 1959 – 1970م، وخاض حرْبَ اليمنِ الأهليةِ بيْن عاميْ 1963 - 1968م عندما دعَم ثَورة العقيدِ عبد الله السلالِ ضِدَّ الملكيِّين المدعومينَ من السُّعودية، وفي حُزَيران 1967م قاد الأمَّةَ العربيَّة إلى نَكسة حُزيران بسِياساته المتعجرفةِ الإعلاميةِ أمام إسرائيلَ، بدَأت عَلاقة عبدِ الناصر بالمخابراتِ الأمريكية منذُ آذار / مارس 1952م، أي: قبْل قِيام الثورة بأربعةِ أشهرٍ، كما اعترَف بذلك أحدُ رِفاقه، وهو خالد مُحيي الدِّين، وتحدَّث اللِّواء محمَّد نجيب أولُ رئيسٍ لمصرَ بعد الثَّورة عن هذه العَلاقة في مُذكِّراته، وأنهم همُ الذين كانوا يَرسُمون له الخُطط الأمْنيةَ، ويَدعُمون حرَسَه بالسياراتِ والأسلحةِ الجديدةِ. نشَأَت في عهْدِه الناصريةُ، وهي حركةٌ قوميةٌ عربيةٌ استمرَّت بعدَ وفاتِه، واشتُقَّت اسمُها من اسمِه، وتبنَّت الأفكارَ التي كان يُنادي بها، وهي: الحرِّية، والاشتراكيةُ، والوَحدة، وهي نفْس أفكار الأحزابِ القومية اليَساريةِ العربيَّة الأخرى. أما عن وَفاته ففي أثناءِ تَوديعِه لرُؤساء الدُّول العربيَّة بعدَ مؤتمرِ القِمة العربيَّة الطارئِ الذي عُقِد في القاهرة، وأثناءَ تَوديعه لآخِرِ المسافرين أميرِ الكويتِ في يوم الاثنين 28 رجب 29 سبتمبر؛ تُوفِّي جمالُ عبد الناصر بعدَ أن دامَت رِئاسته أكثرَ من أربعةَ عشَرَ عامًا، وتسلَّم أنور السادات النائبُ الأولُ لرئيس الجُمهورية منصِبَ الرِّئاسةِ بالنِّيابة حتى تتَّفق الهيئاتُ العليا على رئيس جديدٍ، ثم رشَّح الساداتُ نفْسَه مِن قِبَل الاتِّحاد الاشتراكيِّ لتولي المنصبِ، وتمَّ الاستفتاءُ في شعبان / 15 تشرين الأول 1970م، وانتُخِب الساداتُ رئيسًا لمصرَ.

العام الهجري : 1394 الشهر القمري : جمادى الآخرة العام الميلادي : 1974
تفاصيل الحدث:

هو محمد علال ابنُ العلَّامة الخطيب عبد الواحد بنِ عبد السلام بنِ علال بنِ عبد الله بنِ المجذوب الفاسي الفِهريُّ نسبًا، ثم الفاسيُّ مولدًا ودارًا ومنشأ. أحد روَّاد الفكر الإسلامي الحديث، ومن كبار الخطباء في المغرب، ينحدِرُ من عائلة عربية عريقة نزحت من موطنها بديار الأندلس إلى المغرب الأقصى فرارًا بدينها وعقيدتها من محاكمِ التفتيشِ الإسبانية، واستوطنت بمدينة فاس تحت اسمِ بني الجدِّ واشتهرت بآل الفاسيِّ الفِهريِّ، وساهمت في جميع المجالات العلمية والمعرفية؛ وهو مؤسِّس حزب الاستقلالِ المغربيِّ، وأحد منظِّري فكرة المغرب العربي الكبير، وُلِدَ بمدينة فاس المغربية، في أواخر شوال عام1326هـ/ 1908م، أدخله والده إلى الكتَّاب لتلقي مبادئ الكتابة والقراءة، وحَفِظ القرآن الكريم في سنٍّ مبكرة، وبعد ذلك نقله والده إلى المدرسة العربيَّة الحرة بفاس القديمة؛ ليتعلَّم مبادئ الدين وقواعدَ اللغة العربيةِ، كان مبرزًا على أقرانه، مفخرة أسرته، بل مفخرة القَرويِّين والمغرب، عِلمًا ونبوغًا، وذكاء، وفي عام 1338هـ التحق بجامع القَرويِّين العامرِ، فدرس فيه المختصرَ بشرح الدرديرِ، والتُّحفةَ بشرح الشيخ التَّاودي بنِ سودة، وجمع الجوامع بشرح المحلِّي، والكامل في الأدب للمبَرِّد، ومقامات الحريري، وعيون الأخبار لابن قتيبةَ، وغيرها من الكتب، وسرد الكتب الستة على أبيه وعمِّه القاضي عبد الله الفاسيِّ، وعلى الشريف السلفيِّ علي الدرقاوي زاد المعاد في هدي خير العباد، وأدب الدنيا والدين، والشمائل المحمدية، وتابع دراستَه حتى حصل على الشهادة العالِميَّة، وفي عام 1380هـ عُيِّن وزيرًا للدولة مكلَّفًا بالشؤون الإسلامية، ثم انسحب منَ الحكومةِ في عام 1382هـ وعُيِّن أستاذًا بكلية الشريعة التابعة لجامعة القرويِّين بظهر المهراز، وكُلِّيتيِ الحقوق والآداب لجامعة محمد الخامس بالرباطِ، وبدار الحديثِ الحسنيَّة بنفس المدينة، وكان عضوًا مقررًا عامًّا في لجنة مدونة الفقه الإسلامي التي شُكِّلت في فجر الاستقلال، ساهم في مقاومة المحتلِّ الفرنسيِّ وجاهد ضده، ودفعته هِمَّته إلى تأليف جمعيةٍ أُطلق عليها (جمعية القَرويِّين لمقاومة المحتلِّين)، تولى رئاسة حزب الاستقلال الذي أُنشئ من قبلُ، واختُير عضوًا رئيسًا في مجلس الدستورِ لوضع دستور البلاد، ثم انتُخِب رئيسًا له، وقدَّم مشروع القانون الأساسيِّ، وشارك في وضع الأُسس الأولى للدستور سنة 1382هـ ودخل الانتخاباتِ التي أُجريت سنة 1383هـ ودخل الوزارة، ومن مصنَّفاته كتاب: ((الحركات الاستقلالية في المغرب العربي))، و((المغرب العربي منذ الحربِ العالميَّة الأولى))، و ((مقاصد الشريعة الإسلاميَّة ومكارمها))، و ((دفاع عن الشريعة))، و ((المدخل للفقه الإسلامي))، و ((تاريخ التشريع الإسلامي))، و ((النقد الذاتي))، و ((معركة اليوم والغد))، و ((دائمًا مع الشعب))، وكتاب ((عقيدة وجهاد)). وكان شاعرًا نبغ في قَرْضه في سِنٍّ مبكرة، فنظم كثيرًا من القصائد: الدينية والسياسية، والاجتماعية والتاريخية.
تُوفي وهو في بوخارست عاصمة رومانيا إِثْرَ نوبةٍ قلبيةٍ وهو يعرض على رئيسها انطباعاته عن زيارته التي قام بها وفدُ حزب الاستقلالِ المغربي برئاسته، ويشرح قضيَّة المغرب وصحراء المغرب، ونِضال الشَّعب الفلسطيني في سبيل نَيْل حُريته وأرضه، ونُقِل جثمانه إلى المغرب، فدُفِن بمقبرة الشهداء بحي العلو في مدينة الرباط.

العام الهجري : 1314 الشهر القمري : شوال العام الميلادي : 1897
تفاصيل الحدث:

هو محمد جمال الدين بن صفدر -وتكتب صفتر- الحسيني الأفغاني الأسد آبادي، كان فيلسوفًا سياسيًّا، وكاتبًا وخطيبًا وصحفيًّا، ولد في شعبان 1254هـ / أكتوبر 1838م بأسد آباد بالقربِ من همذان من أعمال فارس، وقيل إنه ولد بأسد آباد الأفغانية؛ ولذا اختُلِفَ في أصل نسب أسرتِه، هل هو فارسي إيراني أم أفغاني, وقيل إنه من أسرة أفغانية عريقة ينتهي نسَبُها إلى الحسين بن علي رضي الله عنه, نشأ الأفغاني في كابول عاصمة الأفغان. وتعلَّم فيها بدايةَ تلقيه العلمَ اللغتينِ العربيةَ والفارسية، ودرَس القرآن وشيئًا من العلومِ الإسلامية، وفي سِنِّ الثامنة لفت أنظارَ من حوله بذكائه الشديد، مما جعل والِدَه يحفِّزُه إلى التعلم، وفي أوائل سنة 1266هـ / 1849م وقد بلغ الثانية عشرة من عمره انتقل به والده إلى طهران، وفي طهران سأل جمال الدين عن أكبَرِ علمائها في ذلك الوقت، فقيل له: إنه "أقاسيد صادق" فتوجَّه مباشرةً إلى مجلسه، ودار حوارٌ بينهما في مسألةٍ علميةٍ، فأُعجِبَ الشيخ من علمه وجرأتِه مع صِغَرِ سنه، فأقبل عليه وضمَّه إلى صدره وقبَّلَه، ثم أرسَلَ إلى والده يستدعيه، وأمره أن يشتريَ له عباءةً وعمامة، ثم قام الشيخُ بلَفِّ العمامة ووضَعَها بيده فوقَ رأسه تكريمًا له، واعتزازًا بعلمِه. ثم ترك جمال الدين طهران، وسافر مع والدِه -إلى مركز الشيعية العلمي- في النَّجفِ بالعراق في نفس العام، ومكث فيها أربعَ سنوات درس فيها العلومَ الإسلامية وغيرها؛ فدرس التفسير والحديث، والفلسفة والمنطق وعلم الكلام، وأصول الفقه، والرياضة، والطب والتشريح، والنجوم. وقرأ في اللغةِ والأدبِ، والتاريخ والتصوف، والشريعة، وظهر حُبُّه الشديد للمناقشة في المسائل الدينية، أتقن الأفغانيُّ الحديث باللغة العربية والأفغانية والفارسية والسنسكريتية والتركية، وتعلم الفرنسية والإنجليزية والروسية، وإذا تكَلَّم بالعربية فلغتُه فصحى، وهو واسِعُ الاطِّلاع على العلومِ القديمة والحديثة، كريمُ الأخلاقِ كبيرُ العقل، وعندما بلغ الثامنة عشرة أتمَّ دراستَه للعلوم، وظلَّ الأفغاني طوال حياته حريصًا على العلمِ والتعلُّم، وبرزت فيه هوايةُ التَّرحالِ والأسفار. فسافر إلى الهندِ لدراسة بعض العلوم العصرية، ثم عاد إلى أفغانستان. كان الأفغانيُّ يُظهِرُ في عمله السياسي مناهَضةَ استبداد الحكَّام ومناوأة الاستعمار عمومًا والإنجليزيِّ خصوصًا في كلِّ مكانٍ ينزِلُ فيه. حينما وقع خلافٌ بين الأمراء الأفغان انحاز جمال الدين إلى محمد أعظم خان الذي كان له بمثابةِ وزيرِ دولة، وحدث صدامٌ بين جمال الدين وبين الإنجليز، فرحل عن أفغانستان أو طرَدَه الإنجليزُ منها سنة 1285ه ـ/ 1868م، ومر بالهندِ في طريقِه فكان الإنجليز يمنعون العُلَماءَ وطلبة العلم الجلوسَ معه، فخرج منها إلى مصر حيث أقام بها مدةً قصيرة تردَّد في أثنائها على الأزهرِ، وكان بيته مزارًا لكثيرٍ مِن الطلاب والدارسين خاصةً السوريين. ثم دعاه السُّلطانُ العثماني عبد العزيز إلى زيارةِ الدولة العثمانية فأجاب الدعوة، وسافر إلى الأستانة في عهدِ الصدر عالي باشا، فعَظُم أمرُه بها، وذاعت شهرتُه وارتفعت منزلته، ثم عُيِّن جمالُ الدين وهو في الأستانة عضوًا في مجلس المعارِفِ الأعلى، وهناك لقِيَ معارضة وهجومًا من بعضِ علماء الأستانة وخطباءِ المساجد الذين لم يرُقْهم كثير من آرائِه وأقواله، وخاصة من شيخِ الإسلام حسين فهمي أفندي، فطُلب من الأفغاني أن يرحَلَ، فخرج من الأستانة عائدًا إلى مصر، فأقام فيها بضعَ سنوات خاض فيها غِمارَ السياسة المصرية، ودعا المصريِّين إلى ضرورةِ تنظيم أمورِ الحُكمِ، وتأثَّرَ به في مصر عددٌ من رموز الحركة الأدبيَّةِ والسياسية، منهم: محمد عبده، ومحمود سامي البارودي، وغيرهما، فقد أُعجِبوا بفكره وجرأتِه في مناهضة الاستبداد والاستعمار، ويُذكرُ أن للأفغان دورًا في إعطاء دفعةٍ قويةٍ للنَّهضةِ الأدبيَّةِ الحديثة بمصر، فلمَّا تولى الخديوي توفيق باشا حُكمَ البلاد أمَرَ بإخراجه مِن مِصرَ، فأُخرِجَ بطريقة عنيفةٍ بأمرٍ مِن الخديوي بعد أن أقام في مِصرَ نحوَ ثماني سنوات. انتقل إلى الهند سنة 1296هـ / 1879م، ثمَّ طُرِدَ من الهند بأمرٍ مِن الإنجليز، فاتَّجَه إلى أوروبا واختار أن يبدأ بلندن، ومنها انتَقَل إلى باريس، فشرع في تعلُّم الفرنسية فيها، وبذل كثيرًا من الجُهدِ والتصميمِ حتى خطا خطواتٍ جيدةً في تعلُّمِها، ثم اتصل بتلميذِه الشيخ محمد عبده المنفيِّ حينَها في بيروت، ودعاه إلى الحُضورِ إلى باريس، وأصدرا معًا جريدة "العُروة الوثقى"، ولكِنَّها ما لَبِثَت أن توقَّفَت عن الصدور بعد أن أُوصِدَت أمامَها أبوابُ كُلٍّ مِن مصر والسودان والهند، بأمرٍ مِن الحكومةِ الإنجليزيةِ, ثمَّ دعاه شاه إيران "ناصر الدين" للحُضورِ إلى طهران، واحتفى به وقَرَّبه، وهناك نال الأفغانيُّ تقدير الإيرانيين وحَظِيَ بحُبِّهم، ومالوا إلى تعاليمِه وأفكارِه، ثمَّ ذهب إلى روسيا فأقام فيها ثلاثَ سنواتٍ تنَقَّل بين موسكو وعاصمتِها بطرسبرج آنذاك، وزار كييف، والتقى بقيصرِها ألكسندر الثالث، ثمَّ أمر القيصَرُ بطَردِه من روسيا، فعاد مرةً أخرى لإيران بطلَبٍ من الشاه ناصر الدين، ثم انقَلَب عليه فطَرَده من إيران، فرحل إلى البصرة، ومنها إلى لندن للمرَّة الثانية؛ حيث اتخذ من جريدة "ضياء الخافقين" منبرًا للهُجومِ على الشاه ناصر الدين، وكشف ما آلت إليه أحوالُ إيران في عَهدِه، انتظم جمالُ الدين في سِلكِ الماسونيَّةِ بطَلبٍ منه؛ زعم أنَّ ذلك يُفسِحُ له المجالَ أمامَ أعماله السياسيَّةِ، وقد انتُخِبَ رئيسًا لمحفل "كوكب الشرق" سنة 1295هـ / 1878م، وقيل إنه استقال منه فيما بعدُ. يُعتَبَرُ الأفغانيُّ في نظرِ مُريديه وطنيًّا كبيرًا، بينما يَنظُرُ إليه خصومُه على أنَّه مهَيِّجٌ خطير، فقد كان له أثَرٌ كبير في الحركاتِ الحُرَّة والحركات الدستورية التي قامت في الدُّوَلِ العربية والإسلامية، وكان يَرمي من إثارة الخواطِرِ إلى تحريرِ هذه الدُّوَلِ من النفوذ الأوربي واستغلالِ الأوروبيِّين، ثم بعد ذلك النهوض بها نهوضًا ذاتيًّا من الداخل متوسِّلًا في ذلك بإدخالِ النظُمِ الحُرَّة إليها، كما كان يهدفُ إلى جمع كَلِمةِ الدول الإسلامية بما فيها فارس الشيعيَّة تحت راية خلافةٍ واحدةٍ، وإقامةِ إمبراطوريةٍ إسلاميةٍ قويةٍ تستطيعُ الوقوفَ في وجهِ التدَخُّلِ الأوربي؛ ولذلك دعاه السلطانُ عبد الحميد الثاني في عهدِه وقَرَّبه إليه وتعاون معه في تسويقِ فكرة الجامعة الإسلامية، ثم انقلب عليه السلطانُ عبد الحميد الثاني لَمَّا شك في علاقتِه بالإنجليز. لم يُكثِرِ الأفغاني من التصنيف اعتمادًا على ما كان يبُثُّه في نفوس العاملين، وانصرافًا إلى الدعوة بالسِّرِّ والعلن. له تاريخ الأفغان، ورسالة الرد على الدهريين، ترجمها إلى العربية تلميذه الشيخ محمد عبده, وجمع محمد باشا المخزومي كثيرًا من آرائه في كتاب خاطرات جمال الدين الأفغاني، ولمحمد سلام مدكور كتاب جمال الدين الأفغاني باعث النهضة الفكرية في الشرق. توفِّيَ الأفغاني في الأستانة بعد أن أُصيب بمرَضِ السرطان في فَكِّه، عن عمرٍ بلغ نحو ستين عامًا، وقد ثار الجدَلُ حول وفاته، وشكَّك البعضُ في أسبابها، وأشار آخرون إلى أنه اغتيلَ بالسمِّ. وكانت وفاته في 5 من شوال 1314هـ / 10 من مارس 1897م. قال عنه الفيلسوفُ إرنست رينان الذي التقى به وحاوَرَه: "قد خُيِّلَ إليَّ مِن حريَّةِ فِكرِه ونبالةِ شِيَمِه وصراحتِه وأنا أتحدث إليه، أنَّني أرى وجهًا لوجهِ أحدِ مَن عرفتُهم من القُدَماء، وأنني أشهَدُ ابنَ سينا أو ابنَ رشد, أو أحدَ أولئك الملاحدة العِظامِ الذين ظلُّوا خمسة قرون يعملونَ على تحريرِ الإنسانيةِ مِن الإسارِ" وتبقى شخصيةُ الأفغاني يحومُ حولَها كثيرٌ مِن الشُّكوكِ!

العام الهجري : 440 الشهر القمري : رجب العام الميلادي : 1049
تفاصيل الحدث:

هو الفيلسوفُ المُنَجِّم مُحمَّد بنُ أحمد أبو الريحان البيروني الخوارزمي مُؤرخٌ مُحَقِّقٌ وجغرافيٌّ مُدقِّق، وفلَكيٌّ نابِهٌ، ورياضيٌّ أصيلٌ، وفيزيائيٌّ راسخٌ، ومترجِمٌ متمَكِّنٌ، مِن بلادِ السندِ، ومن أعيان الفلاسفة. عاصر الرَّئيسَ ابن سينا وجَرَت بينهما حوارات وأسئلةٌ وجوابات، وكان عالِمًا في الهيئة والنجوم، خبيرًا بالطبِّ. وُلد في بيرون إحدى ضواحي خوارزم، وهو مجهولُ النَسَب؛ فقد قال عن نفسِه في شعر: إذ لستُ أعرِفُ جَدِّي حقَّ مَعرفةٍ
وكيف أعرِفُ جدي إذ جَهِلتُ أبي
أبي أبو لهبٍ شَيخٌ بلا أدَبِ
نَعَم ووالدتي حمَّالةُ الحَطَب
 يقول ياقوت الحموي" "بيرون بالفارسية معناه برّا، وسألتُ بعض الفضلاءِ عن ذلك فزعَم أنَّ مقام البيروني بخوارزم كان قليلًا، وأهلُ خوارزم يسمُّونَ الغريبَ بهذا الاسم، كأنَّه لَمَّا طالت غربتُه عنهم صار غريبًا، وما أظنُّه يُرادُ به إلَّا أنَّه من أهل الرستاق، يعني أنَّه من برّا البلد". كتب في كلِّ ما كان معروفًا مِن علومِ عَصرِه، وهو بذلك يُعدُّ أحدَ الموسوعيِّينَ. قال ياقوت الحموي: " وأما سائِرُ كُتُبِه في علومِ النُّجومِ والهيئةِ والمَنطِقِ والحكمةِ؛ فإنَّها تفوق الحَصرَ، رأيتُ فَهرسَتَها في وقْفِ الجامع بمرو في نحوِ الستين ورقةً بخط مكتنز". لَمَّا صَنَّف القانونَ المسعودي أجازه السلطانُ مسعود بن محمود الغزنوي بحَملِ فيلٍ مِن نقدِه الفِضِّي إليه، فردَّه إلى الخزانةِ بعُذرِ الاستغناء عنه، وكان مُكِبًّا على تحصيلِ العلوم مُنصَبًّا إلى تصنيف الكتُبِ، يفتَحُ أبوابها، ويُحيطُ شواكِلَها وأقرابَها، ولا يكاد يفارِقُ يدَه القلمُ وعَينَه النَّظرُ وقَلْبَه الفِكَرُ إلَّا في يومَيِ النيروز والمهرجان من السَّنة، ثمَّ هِجِّيراه في سائر الأيَّام من السَّنَةِ عِلمٌ يُسفِرُ عن وجهه قِناعَ الأشكال ويحسِرُ عن ذراعيه كمامَ الأغلاق. وأمَّا نباهةُ قَدرِه ومكانته عند الملوك فقد بلغ من حظوتِه لديهم أنَّ شمس المعالي قابوس بن وشمكير أراد أن يستخلِصَه لصُحبتِه ويرتبِطَه في دارِه على أن تكونَ له الإمرةُ المطاعةُ في جميع ما يحويه مُلكُه، فأبى عليه ولم يطاوِعْه، ولَمَّا أسمَحَت نفسُه بمثل ذلك لخوارزم شاه آواه في داره وأنزله معه في قَصرِه، لَمَّا استولى السُّلطانُ محمود على خوارزم قَبَضَ على البيروني وعلى أستاذِه عبد الصمد أول بن عبد الصمد الحكيم واتَّهَمه بالقَرمطةِ والكُفرِ، فأذاقه الحِمامَ، وهمَّ أن يُلحِقَ به أبا الرَّيحان البيروني، فقيل له إنَّه إمامُ وَقتِه في علمِ النُّجومِ، وإنَّ الملوكَ لا يَستَغنونَ عن مِثلِه، فأخَذَه معه، ودخل إلى بلادِ الهندِ وأقام بينهم وتعلَّم لُغتَهم واقتبس علومَهم، ثمَّ أقام بغُزنة حتى مات بها, وعلى الرغمِ مِن أنَّ البيروني لم يكن عربيًّا إلَّا أنَّه كان مُقتَنِعًا بأنَّ اللغةَ العربيَّةَ هي اللُّغةُ الوحيدةُ الجديرةُ بأن تكونَ لغةَ العِلمِ، وقد نُسِبَ إليه أنَّه قال: الهجوُ بالعربيَّةِ أحَبُّ إليَّ من المدحِ بالفارسيَّة. ومن أشهر كتب البيروني: الآثارُ الباقية عن القرون الخالية، وهو من أبرَزِ كُتُبِ التقاويم، القانونُ المسعودي في علمِ الفلك والجغرافيا والهندسة، الاستيعابُ في صنعة الأسطرلاب، الصَّيدنَة في الطب, تحديدُ نهايات الأماكن لتصحيح مسافات المساكن، تحقيقُ ما للهند من مقولةٍ مقبولة في العقل أو مرذولة، التفهيمُ لصناعة التنجيم. وغيرها كثير، وللبَيروني لَمَحاتٌ علميَّةٌ سبق بها عصرَه، منها قولُه بأن واديَ السِّندِ كان يومًا قاعَ بحرٍ ثم غطَّتْه الرواسِبُ الفَيضيَّة بالتدريج، والقولُ بدوران الأرضِ حول محْورِها، والقول بجاذبيَّة الأرض, وله في الرياضيَّات السبقُ الذي لم يشقَّ المُحضرون غبارَه، ولم يلحق المُضمِّرون المُجيدون مِضمارَه. توفي في غزنة (كابول الآن).

العام الهجري : 478 العام الميلادي : 1085
تفاصيل الحدث:

في هذه السَّنَةِ استَولَى الفِرنجُ على مَدينةِ طُليطِلة من بِلادِ الأندلس، وأَخذُوها من المسلمين، وهي من أَكبرِ البلادِ وأَحصَنِها. وسببُ ذلك أن الأذفونش، (ألفونسو السادس) مَلِكَ قشتالة، كان قد قَوِيَ شَأنُه، وعَظُمَ مُلكُه، وكَثُرت عَساكِرُه، مُذ تَفرَّقَت بِلادُ الأندلس، وصار كلُّ بَلدٍ بِيَدِ مَلِكٍ، كما دَبَّ النِّزاعُ بينهم واستَعانوا بالفِرنجَةِ على بَعضٍ، فحينئذٍ طَمِعَ الفِرنجُ فيهم، وأَخَذوا كَثيرًا من ثُغورِهم. وكان ألفونسو خَدَمَ صاحِبَ طُليطلة القادرَ بالله بنَ المأمونِ بن يحيى بن ذي النونِ، وعاش في طُليطلة سَنواتٍ، فعَرِفَ مِن أين يُؤتَى البلدُ، وكيف الطريقُ إلى مُلْكِها, ولم يكن أحدٌ من مُلوكِ الطَّوائفِ قادِرًا على نَجْدَتِها، حتى إنَّ المُعتَمِدَ بن عبَّاد صاحِبَ أشبيلية وهو أَقوَى مُلوكِ الطَّوائفِ لمَّا رَأى استِفحالَ أَمرِ ألفونسو وقُوَّتَه رَأى أن يَعقِدَ مُهادَنةً وصُلْحًا معه يَأمَن بها على أَراضِيه، فبَعَثَ وَزيرَهُ ابنَ عمَّارٍ لِيَتفاوَضَ مع ألفونسو، وتَمَّت المُعاهدَةُ والاتِّفاقُ على بُنودٍ منها: أن يُؤَدِّي المُعتَمِدُ الجِزيةَ سَنويًّا, ويُسمَح للمُعتَمِد بِغَزْوِ أراضي طُليطلة الجنوبية على أن يُسَلِّم منها إلى ألفونسو الأراضي الواقعةَ شمالي طليطلة, و لا يَعتَرِض المُعتَمِد على استِيلاءِ ألفونسو على طُليطلة, وفي شَوَّال سَنةَ 474هـ ضَربَ ألفونسو الحِصارَ على طُليطلة، وشَدَّدَ غاراتَه عليها، وظلَّ على ذلك أَربعَ سَنواتٍ كاملةً؛ يُخَرِّب في الزُّروعِ والأراضي والقُرى، وعاشَ الناسُ في ضِيقٍ وكَربٍ، وليس بين المسلمين مُجِيرٌ، قال ابنُ بسام: "دَخلَ على الأذفونش يومئذٍ جَماعةٌ فوَجَدوه يَمسَح الكرى من عَينيهِ، ثائرَ الرَّأسِ، خَبيثَ النَّفْسِ، فأَقبلَ عليهم بوَجهٍ كَريهٍ، وقال لهم: إلى متى تَتَخادَعون، وبأيِّ شَيءٍ تَطمعون؟ قالوا: بِنا بُغيَةٌ، ولنا في فُلانٍ وفُلانٍ أُمنِيَّةٌ، وسَمُّوا له بَعضَ مُلوكِ الطَّوائفِ، فصَفَّقَ بِيَديهِ، وتَهافَت حتى فَحَصَ برِجلَيهِ، ثم قال: أين رُسُلُ ابنِ عبَّادٍ؟ فجِيءَ بهم يَرفُلون في ثِيابِ الخَناعَةِ، وينبسون بأَلسِنَةِ السَّمعِ والطَّاعةِ. فقال لهم: مُذ كم تَحُومون عليَّ، وتَرومون الوصولَ إليَّ؟ ومتى عَهْدِكم بفُلانٍ؟ وأين ما جِئتُم به ولا كُنتم ولا كان؟ فجاءوا بجُملَةِ مِيرَةٍ، وأَحضَروها, ثم ما زادَ على أن رَكَلَ ذلك برِجلِه، وأَمَرَ بانتِهابِه كُلِّهِ؛ ولم يَبقَ مَلِكٌ من مُلوكِ الطَّوائفِ إلا أَحضرَ يَومئذٍ رُسُلَه، وكانت حالُه حالَ مَن كان قَبلَه. وجَعلَ أَعلاجَه يَدفَعون في ظُهورِهم، وأَهلُ طُليطلة يَعجَبون مِن ذُلِّ مَقامِهم ومَصيرِهم، فخَرجَ مَشيَختُها من عندِه وقد سُقِطَ في أَيدِيهم. وطَمِعَ كلُّ شيءٍ فيهم. وخَلُّوا بينه وبين البلدِ، ودَخلَ طُليطلة على حُكمِه، وأَثبَتَ في عَرصَتِها قَدَمَ ظُلمِه، حُكْمٌ مِن الله سَبَقَ به القَدَرُ، وخَرجَ ابنُ ذي النون خائبًا مما تَمَنَّاهُ، حدَّثنِي مَن رَآهُ يَومئذٍ بتلك الحالِ وبِيَدِه اصطرلاب يَرصُد فيه أيَّ وَقتٍ يَرحَل، وعلى أيِّ شَيءٍ يُعَوِّل، وأيَّ سَبيلٍ يَتَمَثَّل، وقد أَطافَ به النَّصارَى والمسلمون، أولئك يَضحَكون مِن فِعْلِه، وهؤلاء يَتَعجَّبون مِن جَهلِه. وعَتَا الطاغِيةُ الأذفونش -قَصَمَهُ الله- لحين استِقرارِه بطُليطلة واستَكبَر، وأَخَلَّ بمُلوكِ الطَّوائفِ في الجَزيرَةِ وقَصَّرَ، وأَخذَ يَتَجنَّى ويَتَعتَّب، وطَفِقَ يَتَشَوَّف إلى انتِزاعِ سُلطانِهم والفَراغِ مِن شانِهم" في الوقتِ الذي كانت قُوَّاتُ ألفونسو تُحاصِر فيه طُليطلة كان مُلوكُ الطَّوائفِ يُقَدِّمُون مِيثاقَ الوَلاءِ والمَحَبَّةِ له؛ مُمَثَّلَةً في الجِزيَةِ والإتاوَةِ، ولم يَجرُؤ أَحدٌ منهم على الاعتِراضِ عليه في ذلك إلاَّ المُتَوكِّل بن الأَفطَس الذي أُخْرِج من طُليطلة قُبيلَ دُخولِ الطَّاغيةِ، وفي الوقتِ نَفسِه الذي تُحَاصَر فيه طُليطلة كانت مَمالكُ الطَّوائفِ الأُخرى تَتَنازَع فيما بينها، أو تَرُدُّ غاراتِ النَّصارَى المُتواصِلَة عليها. ثم قام ألفونسو باتِّخاذِ طُليطلة عاصِمةً له وحَوَّلَ مَسجِدَها إلى كَنيسةً.

العام الهجري : 501 العام الميلادي : 1107
تفاصيل الحدث:

كان محمد بن عبد الله بن تومرت البربري المصمودي الهرغي، الخارج بالمغرب، المدَّعي أنَّه عَلَوي حَسَني، وأنه الإمام المعصوم- من أهل جبل السوس من بلاد المغرب. رحل ابن تومرت إلى بلاد المشرق في طلب العلم، وأتقن علم الأصولين والعربية، والفقه والحديث، واجتمع بالغزالي والكيا الهراسي في العراق، واجتمع بأبي بكر الطرطوشي بالإسكندرية، وقيل إنه لم يجتمع بالغزالي. ثم حج ابن تومرت وعاد إلى المغرب، وكان شجاعًا فصيحًا في لسان العربي والمغربي، شديد الإنكار على الناس فيما يخالف الشرع، لا يقنع في أمر الله بغير إظهاره. وكان مطبوعًا على الالتذاذ بذلك متحلِّلًا للأذى من الناس بسببه، وناله بمكة شيء من المكروه من أجل ذلك، فخرج منها إلى مصر وبالغ في الإنكار، فزادوا في أذاه وطردته الدولة، وكان إذا خاف من بطش وإيقاع الفعل به خلط في كلامه فيُنتَسَب إلى الجنون، فخرج من مصر إلى الإسكندرية، وركب البحر متوجهًا إلى بلاده. ولما وصل إلى قرية اسمها ملالة بالقرب من بجاية اتصل به عبد المؤمن بن علي الكومي، وتفرس ابن تومرت النجابةَ في عبد المؤمن وسار معه، وتلقب ابن تومرت بالمهدي. واستمرَّ المهدي على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووصل إلى مراكش وشدَّد في النهي عن المنكرات، وكَثُرت أتباعه وحَسُنت ظنون الناس به، ولما اشتهر أمره استحضره أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين بحضرة الفقهاء فناظرهم وقطعهم، وأشار بعض وزراء علي بن يوسف بن تاشفين عليه بقتل ابن تومرت المهدي أو حبسه، وقال: والله ما غرضُه النهي عن المنكر والأمر بالمعروف، بل غرضه التغلب على البلاد، فلم يقبَلْ عليٌّ ذلك. ذكر ابن خَلِّكان شأن ابن تومرت فقال: "خرج محمد بن تومرت من مصر في زيِّ الفقهاء بعد الطلب بها وبغيرها, ولما وصل إلى المهدية نزل في مسجد معلَّق، وهو على الطريق، وجلس في طاق شارع إلى المحجة ينظر إلى المارة، فلا يرى منكرًا من آلة الملاهي أو أواني الخمر إلا نزل إليها وكسَرَها، فتسامع به الناسُ في البلد، فجاؤوا إليه، وقرؤوا عليه كتبًا من أصول الدين، وبلغ خبره الأمير يحيى، فاستدعاه مع جماعة من الفقهاء، فلما رأى سَمْتَه وسَمِعَ كلامه أكرمه وأجلَّه وسأله الدعاء، فقال له: أصلح الله لرعيتك، ولم يقُمْ بعد ذلك بالمهدية إلا أيامًا يسيرة، ثم انتقل إلى بجاية، وأقام بها مدة وهو على حاله في الإنكار" فسار المهدي إلى أغمات ولحق بالجبل واجتمع عليه الناس وعَرَّفهم أنه هو المهدي الذي وعد النبيُّ صلى الله عليه وسلم بخروجه، فكثُرَت أتباعه واشتَدَّت شوكته، وقام إليه عبد المؤمن بن علي في عشرة أنفس، وقالوا له: أنت المهدي، وبايعوه على ذلك وتبعهم غيرهم، فأرسل أمير المسلمين علي إليه جيشًا فهزمه المهدي وقَوِيَت نفوس أصحابه، وأقبلت إليه القبائلُ يبايعونه، وعَظُم أمره، وتوجَّه إلى جبل عند تينمليل واستوطنه، ثم إن المهدي رأى من بعض جموعه قومًا خافهم. قال الذهبي: "قال ابن تومرت لأصحابه: إن الله أعطاني نورًا أعرِفُ به أهل الجنة من أهل النار، وجمع الناسَ إلى رأس جبل، وجعل يقول عن كُلِّ من يخافُه: هذا من أهل النار، فيُلقى من رأس الشاهق ميتًا، وكل من لا يخافه: هذا من أهل الجنة ويجعَلُه عن يمينه، حتى قتل خلقًا كثيرًا واستقام أمره وأمِنَ على نفسه. وقيل: إن عدة الذين قتلهم سبعون ألفًا" وسَمَّى عامة أصحابه الداخلين في طاعته الموحِّدين، ولم يزل أمر ابن تومرت المهدي يعلو إلى أن توفي سنة 524.