عَصَى مَلِكُ كرمان، وهو "قرا أرسلان"، على السُّلطانِ ألب أرسلان، وسببُ ذلك أنَّه كان له وَزيرٌ جاهلٌ سَوَّلَت له نَفسُه الاستِبدادَ بالبِلادِ عن السُّلطانِ، وأن صاحِبَه إذا عَصَى احتاجَ إلى التَّمَسُّكِ به، فحَسُنَ لصاحِبِه الخِلافُ على السُّلطانِ، فأجابَ إلى ذلك، وخَلعَ الطَّاعةَ، وقَطعَ الخُطبةَ، فسَمِعَ ألبُ أرسلان، فسارَ إلى كرمان، فلمَّا قارَبَها وَقعَت طَليعَتُه على طَليعَةِ قرا أرسلان، فانهزمت طَليعَةُ قرا أرسلان بعدَ قِتالٍ، فلمَّا سَمِعَ قرا أرسلان وعَسكرُه بانهِزامِ طَليعَتِهم، خافوا وتَحَيَّرُوا، فانهَزَموا لا يَلوِي أَحدٌ على آخر، فدَخلَ قرا أرسلان إلى جيرفت وامتَنعَ بها، وأَرسلَ إلى السُّلطانِ ألب أرسلان يُظهِر الطَّاعةَ ويَسألُ العَفْوَ عن زَلَّتِه، فعَفَا عنه، وأَعادهُ إلى مَملَكتِه، ولم يُغَيِّر عليه شيئًا مِن حالِه، ثم سار منها إلى فارس فوَصلَ إلى إصطخر، وفَتحَ قَلعتَها، واستَنزلَ وَالِيَهَا، فحَملَ إليه الوالي هَدايا عَظيمةً جَليلةَ المِقدارِ، وأَطاعهُ جَميعُ حُصونِ فارس، وبَقِيَت قَلعةٌ يُقالُ لها: بهنزاد، فسار نِظامُ المُلْكِ إليها، وحَصرَها تحتَ جَبلِها، وأعطى كُلَّ مَن رَمَى بسَهمٍ وأصابَ قَبضةً مِن الدَّنانيرِ، ومَن رَمَى حَجرًا ثَوْبًا نَفيسًا، ففَتحَ القَلعةَ في اليومِ السادس عشر مِن نُزولِه، ووَصلَ السُّلطانُ إليه بعدَ الفَتحِ، فعَظُمَ مَحَلُّ نِظامِ المُلْكِ عِندَه، فأَعلَى مَنزِلَتَهُ، وزادَ في تَحكِيمِه.
احتَلَّ الفِرنجُ طرابلسَ الغَربِ، وسَبَبُ ذلك أنَّ رجار مَلِك صقليَّةَ جَهَّزَ أسطولًا كبيرًا وسَيَّرَه إلى طرابلُس الغَربِ، فأحاطوا بها برًّا وبحرًا، ثالِثَ المُحَرَّم، فخرج إليهم أهلُها وأنشَبوا القِتالَ، فدامَت الحَربُ بينهم ثلاثةَ أيَّامٍ، فلمَّا كان اليومُ الثَّالثُ سَمِعَ الفِرنجُ بالمدينةِ ضَجَّةً عَظيمةً، وخَلَت الأسوارُ مِن المُقاتِلة، وسَبَبُ ذلك أنَّ أهلَ طرابلُس كانوا قبل وصولِ الفرنجِ بأيَّامٍ يَسيرةٍ قد اختلفوا، فأخرج طائفةٌ منهم بني مطروح، وقَدَّموا عليهم رجُلًا مُلَثَّمًا قَدِمَ يُريدُ الحَجَّ ومعه جماعةٌ، فوَلَّوه أمْرَهم، فلمَّا نازَلهم الفِرنجُ أعادت الطَّائفةُ الأخرى بني مطروح، فوقَعَت الحَربُ بين الطائِفَتينِ، وخَلَت الأسوارُ، فانتهَزَ الفِرنجُ الفُرصةَ ونَصَبوا السَّلالِمَ، وصَعِدوا على السُّورِ، واشتَدَّ القِتالُ فمَلَكَت الفِرنجُ المدينةَ عَنوةً بالسَّيفِ، فسَفَكوا دماءَ أهلِها وسَبَوا نساءَهم، وهرب مَن قَدَر على الهرَبِ، والتجأ إلى البربَرِ والعَرَب، فنودِيَ بالأمانِ في النَّاسِ كافَّةً، فرجع كلُّ من فَرَّ منها، وأقام الفرنجُ سِتَّةَ أشهُرٍ حتى حَصَّنوا أسوارَها وحَفَروا خَندَقَها، ولَمَّا عادوا أخَذوا رهائِنَ أهلِها، ومعهم بنو مطروح والمُلَثَّم، ثمَّ أعادوا رهائِنَهم، ووَلَّوا عليها رجلًا من بني مطروح، واستقامت أمورُ المدينةِ وأُلزِمَ أهلُ صقلية والرُّوم بالسَّفَرِ إليها فانعَمَرت سريعًا وحَسُنَ حالُها.
سار يوسُفُ بن عبد المؤمن إلى إفريقيَّةَ، وملك قفصة، وكان سبب ذلك أنَّ صاحِبَها علي بن عبد المعز بن المعتز لَمَّا رأى دخولَ الترك إلى إفريقيَّة واستيلاءهم على بعضها، وانقياد العرب إليهم؛ طَمِعَ أيضًا في الاستبدادِ والانفراد عن يوسف وكان في طاعته، فأظهر ما في نفسه وخالفه وأظهر العِصيان، ووافقه أهلُ قفصة، فقتلوا كلَّ من كان عندهم مِن الموحِّدين أصحابه، وكان ذلك في شوال سنة 572، فأرسل والي بجاية إلى يوسفَ بن عبد المؤمن يخبِرُه باضطراب أمور البلاد، واجتماعِ كثيرٍ من العرب إلى بهاء الدين قراقوش القائد الأيوبي الذي دخل إلى إفريقيَّة, فشرع يوسف بن عبد المؤمن في سدِّ الثغور التي يخافُها بعد مسيره، فلما فرغ من جميع ذلك جهَّز العسكر وسار نحو إفريقيَّة سنة خمس وسبعين، ونزل على مدينة قفصة وحَصَرها ثلاثة أشهر وهي بلدة حصينة، وأهلها أنجاد، وقطَعَ شَجَرَها، فلما اشتد الأمرُ على صاحبها وأهلها خرج منها مستخفيًا وطلب عفوَ أمير المؤمنين واعتذر، فَرَقَّ له يوسف فعفا عنه وعن أهل البلد، وتسلم المدينة أول سنة ست وسبعين وسيَّرَ علي بن المعز صاحِبَها إلى بلاد المغرب، فكان فيها مُكرمًا عزيزًا، وأقطعه ولايةً كبيرة؛ ورتَّب يوسف لقفصة طائفةً من أصحابه الموحِّدين.
كان من جملة أمراء خوارزم شاه تكش والد خوارزم شاه محمد, أميرٌ اسمُه أبو بكر، ولقَبُه تاج الدين، وكان في ابتداءِ أمرِه جمَّالًا يكري الجمالَ في الأسفار، ثم جاءته السعادة، فاتصل بخوارزم شاه، وصار سيروانَ جمالِه، فرأى منه جلدًا وأمانةً، فقَدَّمَه إلى أن صار من أعيانِ أمراءِ عَسكَرِه، فولَّاه مدينة زوزن، وكان عاقلًا ذا رأي وحزمٍ وشجاعة، فتقَدَّم عند خوارزم شاه تقدمًا كثيرًا، فوَثِقَ به أكثَرَ مِن جميع أمراء دولتِه، فقال أبو بكر لخوارزم شاه: إنَّ بلاد كرمان مجاورةٌ لبلدي، فلو أضاف السلطانُ إليَّ عسكرًا لملكتُها في أسرع وقت، فسيَّرَ معه عسكرًا كثيرًا فمضى إلى كرمان، وصاحبها اسمه حرب بن محمد بن أبي الفضل الذي كان صاحِبَ سجستان أيَّامَ السلطان سنجر، فقاتَلَه، فلم يكُنْ له به قوة، وضَعُفَ، فملك أبو بكر بلادَه في أسرع وقت، وسار منها إلى نواحي مكرانَ فملكها كلها إلى السند، من حدودِ كابل، وسار إلى هرمز، مدينةٍ على ساحلِ بحر مكران، فأطاعه صاحبُها، واسمه ملنك، وخطَبَ بها لخوارزم شاه، وحملَ عنها مالًا، وخطبَ له بقلهات، وبعض عمان؛ لأن أصحابها كانوا يطيعون صاحِبَ هرمز. وقيل إنَّ ملك خوارزم شاه لكرمان ومكران والسند كان في السنةِ التي قبلها أو بعدها بقليلٍ.
انتهى حكم أيبك على هندستان في سنة 608 (1210م) وذلك على أثر سقوطه من على فرسه. أثناء لعبة الكرة أو البولو- جوكان- فتوفي على الأثر, وخلفه أحدُ مماليكه البارزين وزوج ابنته شمس الدين التتمش الذي سار سيرة حسنة في رعيته، واشتدَّ في رد المظالم وإنصاف المظلومين. فيؤثر عنه أنه أمر أن يلبس كلُّ مظلوم ثوبًا مصبوغًا. وأهل الهند جميعًا يلبسون البياض، فكان إذا قعد للنَّاسِ أو ركب، فرأى أحدًا عليه ثوب مصبوغ نظر في قضيته وأنصفه ممَّن ظلمه. وبلغ فوز السلطان التتمش أقصى مداه حينما اعترف به خليفة بغداد المستنصر بالله العباسي، سلطانًا على الهند، وبعث له بالتقليد والخِلَع والألوية في سنة 626 (1229 م)، فأصبح التتمش بذلك أول ملك في الهند تسلم مثل هذا التقليد. ومنذ ذلك التاريخ ضرب التتمش نقودًا فضية نقش عليها اسم الخليفة العباسي بجوار اسمه. ويعتبر هذا العمل شيئا جديدًا على نظام العملة الهندية؛ إذ كان الحكام المسلمون قبل ذلك يضربون نقودًا معدنية صغيرة على غرار النقود الوطنية، تنقش عليها أشكال مألوفة لدى الهنود، كثور سيفا مثلًا، كما كانت أسماء الفاتحين تكتب بحروف هندية في غالب الأحيان. فالتتمش يعتبر أول من ضرب نقودًا فضية خالصة في الهند.
بعث السُّلطانُ الناصر محمد بن قلاوون ثلاثينَ فداويًّا من أهل قلعةِ مصياف للفَتكِ بالأمير قراسنقر، فعندما وصلوا إلى تبريز نمَّ بعضُهم لقراسنقر عليهم، فتَتَبَّعَهم وقبضَ على جماعة منهم، وقَتَلهم، وانفرد به بعضُهم وقد ركب من الأردو، فقفز عليه فلم يتَمَكَّنْ منه، وقُتِلَ، واشتَهَر في الأردو خبَرُ الفداوية، وأنهم حضروا لقَتلِ السلطان أبي سعيد وجوبان والوزير علي شاه وقراسنقر وأمراء المغول، فاحتَرَسوا على أنفسهم، وقبضوا عدَّة فداوية، فتحيل بعضُهم وعَمِلَ حمَّالًا، وتبع قراسنقر ليقفِزَ عليه فلم يلحَقْه، ووقع على كفلِ الفَرَسِ فقُتِل، فاحتجب أبو سعيد بالخركاه- بالخيمة- أحد عشر يومًا خوفًا على نفسِه، وطلب المجد إسماعيل، وأنكر عليه جوبان وأخرق به، وقال له: أنت كلَّ قليل تُحضِرُ إلينا هديةً، وتريد منا أن نكون متَّفِقينَ مع صاحب مصر، لتمكُرَ بنا حتى تقتُلَنا الفداوية والإسماعيليَّة، وهدَّدَه أنه يقتُلُه شَرَّ قِتلةٍ، ورسم عليه، فقام معه الوزيرُ علي شاه حتى أفرج عنه، ثم قَدِمَ الخبر من بغداد بأن بعض الإسماعيلية قفز على النائبِ بها ومعه سكينٌ فلم يتمكَّنْ منه، ووقعت الضربةُ في أحد أمراء المغول، وأن الإسماعيليَّ فَرَّ، فلما أدركه الطلبُ قَتَل نفسَه، فتنَكَّر جوبان لذلك، وجهَّزَ المجد السلامي إلى مصر ليكشِفَ الخبر، وبعثوا في أثره رسولًا بهديَّةٍ.
كان مِن وَلَدِ جنكيز خان, جغطاي الذي استقَرَّ في تركستان وبَقِيَت أسرته تحكُمُ هذه المنطقةَ وكان توغلق تيمور أحدَ ملوك المغول واستقَرَّ في أعمال تركستان الشرقية عام 748 وأعلن أنَّه حفيدُ داود خان، وضَمَّ إليه بلادَ ما وراء النهر ودخلت في أيَّامِه أعدادٌ كبيرة من المغول إلى الإسلام، ثم إنَّ والي سمرقند تحرَّك نحو مدينة هراة واحتَلَّها، ثمَّ إنه اغتِيلَ واختلف الأهالي وعَمَّتهم الفوضى، فوصل الخبر إلى توغلق تيمور فسار بقوة نحو سمرقند، ففَرَّ مِن وجهه بعضُ الأمراء الذين كانوا يُظهِرون العصيان، ثم إنَّ تيمورلنك وخَوفًا من تهديم البلدة تقَدَّمَ إلى قائد طليعة جيش المغول وأكرَمَه، فأمر هذا القائد جُندَه ألَّا يمَسُّوا هذه البلدة بسوءٍ، كما طلب من تيمورلنك أن يسيرَ معه إلى الخان توغلق تيمور، فكافأه الخان وجعله واليًا على مدينة كش، وأعطى توغلق تيمور إمرة سمرقند إلى تيمورلنك على أنَّ قائد الجيش فيها هو إلياس ابن توغلق الذي أساء السيرة بسمرقند، فحدث الخلافُ بينهما فطلب إلياسُ من أبيه أن يَقتُلَ تيمورلنك الذي هرب بعد أن وصله الخبَرُ وجمع حوله الأنصارَ، وعاد فحارب المغولَ وصادف ذلك موتَ توغلق فانسحَبَ إلياس إلى تركستان ليتَسَلَّم المُلْكَ بعد أبيه، فترك ما وراء النهر فأصبَحَت كُلُّها في قَبضةِ تيمورلنك، واتخَذَ مِن سمرقند عاصمةً له.
في شَهرِ جمادى الأولى اتَّفَق بناحية برما من الغربية أنَّ طائفة من مُسلِمةِ النصارى، صَنَعوا عُرسًا جمعوا فيه عِدَّةً من أرباب الملاهي، فلما صَعِدَ المؤذن ليسَبِّحَ الله تعالى في الليل على العادة، سَبُّوه وأهانوه، ثم صَعِدوا إليه وأنزلوه، بعدما ضربوه، فثار خطيب الجامِعِ بهم؛ ليُخَلِّصَه منهم، فأوسعوه سبًّا ولعنًا وهَمُّوا بقتله وقَتْلِ من معه، فقَدِمَ إلى القاهرة في طائفة، وشكَوا أمرهم إلى الأمير سودن النائب، فبعث بهم إلى الأمير جركس الخليلي؛ من أجل أن ناحية برما من جملة إقطاعه، فلم يَقبَلْ أقوالهم، وسَجَن عِدَّةً منهم، فمضى من بَقِيَ منهم إلى أعيان الناس، كالبلقيني وأمثاله، وتوجَّهَ الحافظ المعتمد ناصر الدين محمد فيق إلى الخليلي، وأغلَظَ عليه حتى أفرج عمَّن سَجَنَه، فغضب كثيرٌ من أهل برما واستغاثوا بالسلطانِ، فأنكر على الخليلي ما وقع منه، وبعث الأميرَ أبدكار الحاجِبَ للكشف عما جرى في برما، فتبين له قُبحُ سيرة المسألة فحمَلَهم معه إلى السلطان، فأمر بهم وبغُرَمائِهم أن يتحاكموا إلى قاضي القضاة المالكية، فادعى عليهم بقوادِحَ، وأُقيمَت البَيِّنات بها فسجَنَهم، واتفق أن الخليلي وقعت في شونة قصب له نارٌ أحرقتها كلها، وفيها جملة من المال، وحدث به وَرَمٌ في رجله، اشتد ألمه فلم يزل به حتى مات؛ وذلك عقوبة له لمساعدةِ أهل الزندقة!
استطاع محمود بن أويس الأفغاني أن ينهي دولة الصفويين في إيران، ثم عقبه أشرف بن عبد العزيز ابن عمه، وكان طهماسب بن حسين الصفوي الذي فرَّ من أصفهان يريد استرجاعَ الملك، وكان قد تعاقد مع الروس على أن يُعينوه ضدَّ الأفغان على أن يتخلى لهم عن البلاد الشمالية من إيران، وكان نادر شاه قائد جيوشه فزحفوا إلى أصفهان لطرد أشرف الأفغاني الذي تولى بعد محمود الأفغاني، وكان السكان الإيرانيون الذين بقوا في إيران قد ساعدوا في القتال وانضموا لجيش طهماسب ونادر شاه، واستطاع نادر بعد حروب شديدة أن يستردَّ أصفهان، فصارت القوةُ كلُّها لنادر شاه، مع أن المُلك لطهماسب، ولكن الأمر لم يدُمْ طويلًا حتى أصبح نادر شاه حاكمًا على خراسان وكرمان وخوارزم وسيستان، ثم تمَّ له الأمر بواسطة الحرب مع العثمانيين الذين كانوا يغيرون على البلاد الغربية لإيران، ثم عاد نادر إلى خراسان لثورة الأفغان فيها، وتقدَّم طهماسب إلى جهة الأتراك ليكمل القتال عن نادر، لكنه كُسِر كسرة عنيفة فعقد الصلح مع الأتراك، فلما سمِعَ نادر بذلك خلعه وعيَّن مكانه ابنه عباسًا الطفل، وصار هو الوصيَّ عليه، ثم مات هذا الطفل فصار هو الملك باسم حِفظِ البلاد من الفوضى والأعداء، ويُذكر أن أصل نادر هو من الأفشار من خراسان، وبذلك بدأت دولة الأفشار وانتهت تمامًا دولة الصفويين.
في أوائل القرن التاسع عشر ظهر إلى الوجودِ في هذه المنطقة نفوذُ روسيا القيصرية المتمَثِّل في شمال إيران وبريطانية التي يتمَثَّل وجودُها في الخليج العربي وجنوب إيران، وقد أخذت إيران في هذه الفترة في إثارة المشاكِلِ في العراق ضِدَّ الدولة العثمانية عن طريق إثارة المتمَرِّدين وتحريضِهم للثورة؛ ونظرًا لرغبةِ الأطراف المعنيَّة في وضع حدٍّ لهذه المشاكل الحدودية بين الدولتين العثمانية والإيرانية، فقد توسَّطت كلٌّ من روسيا القيصرية وبريطانيا لحَلِّ الخلافات بين الحكومتين العثمانية والإيرانية، فتَمَّ توقيعُ هذه المعاهدة عام 1847م؛ حيث ورد نَصُّ المادة الثانية من هذه المعاهدة كما يلي (تتعهد الحكومة الإيرانية أن تتركَ للحكومة العثمانية جميعَ الأراضي المنخَفِضة، أي: الأراضي الكائنة بالقسم الغربي من منطقة زهاب، وتتعهَّد الحكومة العثمانية بأن تترُكَ للحكومة الإيرانية القِسمَ الشرقي، أي: جميع الأراضي الجبلية من المنطقة المذكورة بما في ذلك وادي كرند، وتتنازل الحكومةُ الإيرانية عن كل ما لها من ادِّعاءات في مدينة السليمانية ومنطقتها، وتعهَّدت رسميًّا بألَّا تتدخَّلَ في سيادة الحكومة العثمانية على تلك المنطقة، أو تتجاوز عليها، وتعترف الحكومةُ العثمانية بصورةٍ رسمية بسيادةِ الحكومة الإيرانية التامَّة على مدينة المحمرة ومينائها وجزيرة خضر والمرسي والأراضي الواقعة على الضفة الشرقية، أي: الضفة اليسرى من شط العربِ التي تحت تصرُّف عشائر مُعتَرَف بأنَّها تابعة لإيران، وفضلًا عن ذلك فللمراكب الإيرانية حقُّ الملاحة.
تولى الخديوي إسماعيل الحُكمَ، وكانت الحركةُ الاستعماريةُ في عنفوانِها، فخاف أن يقَعَ السودان فريسةَ احتلال أوروبي، فوضع خطةً واسعةَ المدى لاستكشاف منابعِ النيل وحمايةِ الوطن السوداني، ولكِنَّه ارتكب خطأً فادحًا؛ إذ عَيَّنَ رجلًا إنجليزيًّا هو السير «صمويل بيكر» حاكمًا عامًّا على السودان؛ ذلك لأن صمويل بيكر هذا كان شخصيةً استعمارية صليبيةً شديدةَ الحقد على المسلمين، اتَّبَع سياسةً خبيثة ترمي لهدفين: الأول هو اقتطاعُ منطقة منابع النيلِ وجَعلُها مستعمرةً إنجليزية، والثاني الإساءة إلى أهل السودان وتأليبُهم على المصريين؛ وذلك للحَدِّ من انتشار الإسلام في جنوب السودان بعدما أصبح الشمالُ كلُّه مُسلِمًا خالصًا، بعد انتهاء ولاية صمويل بيكر خلفه رجلٌ لا يقِلُّ حقدًا وصليبية هو «تشارل جورج جوردون». سار جوردون على نفس السياسة؛ مِمَّا أدى لظهور الحركة المهدية بقيادة محمد بن عبد الله المهدي، وذلك سنة 1293هـ، وبدأت الثورةُ المهدية تكسِبُ أنصارًا يومًا بعد يومٍ حتى قويت شوكتها وبدأت في العمل والكفاح المسلَّح، وفي هذه الفترة احتلَّت إنجلترا مصر سنة 1299هـ فازدادت الحركة المهدية قوةً، خاصةً بعدما طلب الإنجليزُ من الجيش المصري الخروجَ من السودان سنة 1301هـ، وحقق المهديون عدةَ انتصاراتٍ باهرةٍ حتى دانت لهم معظمُ الولايات السودانية.
فتح العثمانيون جزيرةَ قُبرص سنة 979هـ وعَمِلوا على توطيدِ دَعائِمِ الإسلامِ بها وأسكَنوا فيها كثيرًا من المسلِمين حتى صار عددُ المسلمين فيها ثلاثةَ أضعاف النصارى، وهكذا غدت الجزيرة بلدًا إسلاميًّا خالصًا وجزءًا من أمَّةِ الإسلام.وعندما ضَعُفَت الدولةُ العثمانية وقَوِيَت أوروبا التي أخذت في التهامِ جَسَدِ الدولة قطعةً قِطعةً، وكان الإنجليزُ أعدى أعداء المسلمين ينظُرون لقبرص نظرةً خاصةً باعتبارِها قاعدةً هامةً في الطريقِ إلى الهندِ، فأكره رئيسُ وزراء إنجلترا دزرائيلي اليهوديُّ السلطانَ عبد الحميد الثاني على قَبولِ معاهدة دفاع مشترك سنة 1296هـ تكون قبرص بموجِبِها تحت الحماية الإنجليزية نظيرَ 92800 جنيه إسترليني. وعندما احتَلَّت إنجلترا قبرص كان أكثَرُ سُكَّانِها مسلمين، فعَمِلوا قبل كلِّ شيءٍ على إضعاف المُسلِمين بتشجيعِ هِجرةِ النصارى اليونان لقُبرص، وفي نفس الوقتِ ضَغَطت على المسلمين الأتراك للهجرةِ منها، واستمَرَّت إنجلترا على نفسِ السياسةِ حتى قيام الحربِ العالمية الأولى، عَمِلت إنجلترا بجانبِ خلخلة التركيبة السكانية وإضعافِ قوَّة المسلمين إلى نشرِ الفساد والانحلالِ داخِلَ الجزيرة، وعَهِدوا إلى اليهود بالكثيرِ مِن المناصب، والذين أنشؤوا بدورهم مراكِزَ تجارية كبيرة بالبلدِ، وجعلوها مقرًّا لعصابات الصهاينة، وعندما قامت دولةُ اليهود الخبيثة كانت قُبرص من أوائِلِ مَن اعتَرَف بها.
المؤسِّسُ الحقيقي للصهيونية اليهوديَّة السياسية هو (تيودور هرتزل) 1860-1904م، الذي كان منهجُه يكمُنُ في توظيف اليهودِ لحلِّ مشاكل الغرب والنَّظَر إلى المسألة اليهودية كمُشكلةٍ سياسيةٍ دوليةٍ غربيةٍ تجتَمِعُ كُلُّ الأمم المتحضِّرة (أي الغربية) لمناقشتِها وإيجاد حلٍّ لها، لكن ذلك سيتمُّ بمراقبة الرأي العام الغربي، وبمعاونة صادقةٍ مِن الحكومات المعنيَّة. دعا هرتزل إلى هجرةٍ يهودية عَلَنية بمساعدة دولة أوروبيَّة كبرى معتَمِدًا على فقراء اليهود الذين يشكِّلون قوةً عاملةً رخيصةً، ومُشجِّعًا البرجوازية اليهودية على الهجرة؛ لأنَّها ستجد في الوطن الجديد مجالًا لممارسةِ حرِّيتِها بعيدةً عن منافسة البرجوازية الأوروبية. ويُعتَبَرُ كتاب هرتزل دولة اليهود الذي صدر سنة 1896م ذا أثرٍ كبيرٍ في تشكُّل الحركة الصهيونية الحديثة وتطورها، وقبل أن يَنشُرَ كتابُه قام بنشاطٍ فعَّال التقى خلالَه شخصياتٍ يهوديةً ثريَّةً بحث معها مشروعَ الدولة اليهودية، مثل: المليونير الشهير (البارون هيرش)، كما التقى مع عدد من القادة البريطانيين الصهيونيين في لندن سنة 1895م، منهم (صموئيل منونتامو) الثري اليهودي، والنائب في مجلس العُموم عن حزب الأحرار، ودوَّن إثرَ لقائِه معه بعضَ الأفكار المتعلِّقة بفلسطين الكبرى بدَلَ القديمة. وحاول مرارًا الاتصالَ بالسلطان العثماني لحثِّه على منحِ اليهودِ فلسطينَ.
ضرَبَت إسرائيلُ المفاعِلَ النَّووي الذي أقامته فَرنسا على بُعْد عشرةِ أميالٍ ونصف الميل جنوب شَرق بغدادَ، واشتَرَكت في العمليةِ 8 طائرات (فالكون - ف16) مُقاتِلة وقاذِفة، في بطْنِ كلٍّ منها 900 كيلو جرام قنابل ثَقيلة، مُوجَّهة بأشعَّة اللِّيزر، تُغطِّيها 8 طائراتٍ أُخرى (إيجل - ف15) مُزَّودة بصواريخ جو - جو، مِن طُراز «سبارو» و«سسايدوندر»، وبها خزاناتُ وَقودٍ إضافية، وأجهزةُ تَشويشٍ إلكتُرونية.. وقد عبَرت الطائراتُ خليجَ العقبةِ على عُلُوٍّ منخفضٍ.. وبعْدَ 1200 ميل قطعَتْها الطائراتُ بسُرعةِ 600 عقدةٍ، وصلَت إلى الهدفِ في الساعة السادسةِ و25 دقيقة بالتوقيتِ المحلِّي.. وفي ذلك التوقيتِ ارتفَعَت مَجموعةُ القاذفاتِ لِتُفْرِغَ ما في أحشائها مِن قنابلَ فوق قُبة المفاعل النَّووي الضخمةِ التي تقَعُ في ضاحية «التوثية» القريبة مِن بغدادَ، والتي تَحوطُها تِلالٌ صغيرةٌ وأشجارُ نَخيلٍ مُثمرةٌ.. استغرَقَت العمليةُ 3 دقائقَ، ثم انسحَبَت بعدها الطائراتُ بزاويةٍ تجعَلُها تَتلافى صواريخَ سام السُّوفيتية.. وتريَّثَت الطائراتُ قليلًا لِتَلتقِطَ صورًا جويةً للذِّكرى والعِبرةِ.. وقد أصدَرَت إسرائيلُ بيانًا أكَّدت فيه نَجاح التدميرِ بلا خسائرَ بشريةٍ من الجانبينِ.. ويُذكَر أن يومَ تنفيذَ العملية كان يومَ إجازةِ الخُبراء الأجانبِ، وعددُهم مائةُ خَبيرٍ.
قام التحالفُ الشماليُّ المعارضُ لحركة طالبان بتعيينِ بُرهان الدين ربَّاني رئيسًا لأفغانستانَ، وهو ثاني رئيس في كابولَ بعد سقوطِ الحكم الشيوعي فيها في إبريل 1992م، وكان قد خرج من كابول في 26 سبتمبر 1996م، على يد حركة طالبان، وظلَّ ينتقلُ في ولايات الشمال التابعةِ له. ويُعَدُّ ربَّاني أحدَ أبرز زعماء تحالُف المعارَضة الشمالي السياسيِّين، والمعارِض لطالبان.
ربَّاني من مواليد 1940م في مدينة فيض آباد مركز ولاية بدخشان، يَنتمي إلى قبيلةِ اليفتليين ذاتِ العِرقية الطاجيكية السُّنية، التحقَ بـمدرسة أبي حنيفة بكابول، وبعد تخرُّجه من المدرسة انضمَّ إلى جامعة "كابول" في كلية الشريعة عام 1960م، وتخرَّج فيها عامَ 1963م، وعُيِّن مدرسًا بها في عام 1966م، والتحق بجامعة الأزهر، وحصل منها على درجة الماجستير في الفلسفة الإسلامية، وعاد بها إلى جامعة كابول ليدرسَ الشريعة الإسلامية، واختارته الجمعية الإسلامية ليكونَ رئيسًا لها عام 1972م، وفي عام 1974م، حاوَلَت الشرطة الأفغانية اعتقالَه من داخل الحرم الجامعي، ولكنْ نجح في الهروب إلى الريف بمساعدة الطلبة.
لم يحظَ ربَّاني بآراء الناخِبينَ لقيادة الحركة الإسلامية في الانتخابات التي أُجْريت خارجَ أفغانستانَ عامَ 1977م، وهو ما أدَّى إلى انشقاق في الحركة الإسلامية التي انقسَمَت إلى حِزْبينِ: "الحزب الإسلامي" الذي كان يقودُه حكمتيار، و"الجمعية الإسلامية" التي كان يقودُها ربَّاني.