تولَّى نور مُحمَّد تراقي الشُّيوعيُّ رئاسةَ الدَّوْلة بعد انقلابِهِ على مُحمَّد داود؛ من أجْلِ أن يُطبِّقَ النِّظام الماركسيَّ في البلاد، فعقدتْ روسيا معه مُعاهدةَ صداقةٍ ثُنائيَّة في 5 ديسمبر؛ لدَعمِهِ اقتصاديًّا وعسكريًّا، ولكن سادتِ البلادَ مَوْجةُ غضبٍ من الأوضاعِ السياسيَّةِ الجديدةِ والغريبةِ على الشعب, فقد سعى تراقي إلى تطبيقِ الماركسيَّةِ على كُلِّ الأصعدة دون اعتبار للتقاليد والأعْراف التي نشَأَ عليها الشَّعْب، فجَرَّ تراقي البلادَ إلى مشارف حَرْبٍ أهليَّةٍ، ولم تُنقِذْهُ معاهدةُ 5 ديسمبر، فوقَعَ خِلافٌ بين الرئيس نور مُحمَّد تراقي وبين رئيس وُزرائِهِ حفيظ الله أمين حول الحُكم، وعندما سافَرَ نور مُحمَّد لحُضور مُؤتمَر عدم الانحياز في هافانا عاصِمة كوبا مرَّ بموسكو، فطُلِبَ منه هناك قَتْلُ حفيظ الله أمين، ثم اجتَمَعَ السَّفير الرُّوسيُّ مع الرئيس نور مُحمَّد وأرسلا وراء حفيظ الله ليقتلوه، لكنَّ حفيظ الله نجا من مُحاولة اغتيالٍ، وفي 22 شوال 1399هـ / 14 أيلول 1979م اعتُقِل نور مُحمَّد تراقي؛ حيث تم اغتيالُهُ على يَدِ رفيقِ دَربِهِ حفيظ الله أمين الذي تولَّى رئاسةَ الجمهورية إضافةً إلى رئاسةِ الوُزراء، ثم بعد شَهرٍ أُعلِنَ عن وَفاةِ الرئيس نور مُحمَّد تراقي.
رشيد عبد الحميد كرامي سياسيٌّ لبنانيٌّ، شغل مَنصِب رئيسِ الوزراء ثمانِ مرَّات، أوَّلُها بين سبتمبر 1955 ومارس 1956 وآخرُها بين إبريل 1984 إلى وفاته في يونيو 1987م. ينتمي رشيد كرامي إلى عائلة سياسيَّة عريقةٍ؛ إذ شغل والدُه وأخوه عمر مَنصِب رئيس الوزراء. وُلد رشيد كرامي في بلدة بالقُرب من طرابلس في لبنان، في عائلة من أهمِّ العائلات السياسية اللبنانيَّة. كان والدُه عبد الحميد كرامي رئيسًا للوزراء لأشهُرٍ قليلةٍ في حكومة 1945. وكذلك أخوه الأصغر عمر كرامي شغل مَنصِب رئيس الوزراء. بعد تخرُّج رشيد كرامي من جامعة القاهرة كلية الحقوق، وحصوله على درجة الليسانس في سنة 1940م بدأ تمرينَه كمُحامٍ في طرابلس. وانتُخب في البرلمان اللبناني سنة 1951م ليشغل المنصب الشاغر نتيجةً لموت والده. وفي نفس السَّنة أصبح وزيرًا للعدل في حكومة رئيس الوزراء حسين العويني. وفي سنة 1953م أصبح وزيرًا للاقتصاد والشؤون الاجتماعية في حكومة عبد الله اليافي. اغتُيل رشيد كرامي على إثر تفجير طائرةٍ عموديةٍ عسكريَّة كان يستقِلُّها. وأُدين سمير جعجع قائدُ القوات اللبنانية بتدبير الاغتيال بعد الحرب، وحُكم عليه بالقتل، ثم بالسجن المُؤبَّد قبل أن يُطلق سراحه سنة 2005م.
وُلد جون جارانج في عام 1945م في قبائل دينكا جنوبَ السودان، لعائله نصرانية من قبائل الدينكا الجنوبية المعروفة بعبادة السماء، وقد أرسلته عائلتُه إلى الولاياتِ المتحدة لتلقِّي تعليمِه، فدرسَ في كلية جرنيل، بولاية أيووا، ثم عاد إلى السودان عام 1982م، معَ بداية الحرب الأهلية معَ حركة أنانيا الجنوبية، ثم عاد إلى الولايات المتحدة مرةً ثانيةً لتلقِّي تدريب عسكري في فورت بينينج، جورجيا، وكان أولَ اختبار لجارانج في حرب العصابات عامَ 1962م، في بداية الحرب الأهلية مع حركة أنانيا الجنوبية، وبعد ذلك بعَشْر سنواتٍ، وقَّعَت الحكومة المركزية اتفاقًا مع أنانيا، وصار الجنوب منطقةَ حُكم ذاتي. استوعب الجيشُ السودانيُّ جارانج وآخرين، حيث انتقلوا للعيش في الخرطوم، لكنْ بعد خمس سنواتٍ من اكتشاف البترول في الجنوب السوداني عام 1978م، اندلعت الحرب الأهلية مرةً ثانيةً، وكان طرفاها القواتِ الحكوميةَ والحركةَ الشعبيةَ لتحرير السودان، وجناحُها العسكريُّ الجيشَ الشعبيَّ لتحرير السودان، وقد ترأَّسَ الحركةَ الشعبيةَ إثْرَ تخلُّصه من زعيمها ويليام نون، تمَّ تَعيينُه النائبَ الأولَ لرئيس السودان، ورئيس حكومة جنوب السودان، وقائد الحركة الشعبية لتحرير السودان، تُوفي عندما تحطَّمت مِروحيَّتُه وهو عائدٌ من أوغندا.
تُوفِّي الداعيةُ والمفكِّر الإسلاميُّ العراقيُّ الدكتور عبد الكريم زيدان عن عُمر يناهز (97) عامًا، بعدَ حياةٍ حافِلَةٍ بالعطاءِ الفِكريِّ والتَّربويِّ، والتأليفِ والتَّدريس. وزيدان عِراقيُّ الجنسيَّة مقيمٌ في اليَمَن منذُ سنواتٍ، يدرِّس في جامعةِ الإيمانِ التي يَرأَسُها الشَّيخُ عبد المجيد الزنداني. ويعدُّ زيدان أحدَ أبرزِ وُجوهِ الفِكرِ الإسلامي ومنظِّري الدَّعوةِ، تقلَّد العديدَ من المناصِبِ، وله عشراتُ المؤلَّفات في القانون والشَّريعة، والدِّراسات الإسلاميَّةِ. تَعلَّم رحمه الله القرآنَ الكريم في مكاتِبِ تعليمِ القرآن الأهليَّة، ثم تخرَّج في كلِّيَّة الحقوِق بالعاصمة بغداد، ثم الْتحَق بمعهدِ الشَّريعة الإسلاميَّة في جامعة القاهرة، كما حَصَل على شهادةِ الدكتوراه في الشَّريعة الإسلاميَّة من جامعة القاهرة أيضًا عامَ (1962م)، ثم زاوَلَ مِهنَةَ التَّدريس والإشرافِ على طُلَّاب الدِّراسات العليا سنواتٍ طويلةً في عدد من الجامعات، وتولَّى عِدَّةَ مناصِبَ عِلميَّةٍ فيها، كما كان عُضوًا في مجلِس المَجمَع الفقهيِّ الإسلامي التابِع لرابطةِ العالَم الإسلاميِّ في مكَّة المكرَّمة، ونال جائزةَ الملك فَيصل المعروفة عن كتابه (الموسوعة): ((المفصَّل في أحكام المرأة والبيت المسلِم))، وله مؤلَّفاتٌ علميَّة كثيرةٌ في مُختَلَف الاختِصاصاتِ الشرعيَّة والقانونيَّة والفِكرِيَّة والدَّعويَّة، التي تمَّ اعتِمادُها كمَوادَّ دِراسيَّةٍ في العديدِ من الجامِعات العربيَّة والإسلاميَّة.
عندما نزل إبراهيم باشا على الدرعية رتَّبَ قبوسَه ومدافِعَه وقنابره على جهاتِ الدرعية الأربعة، وكان عبد الله بن سعود قد رتَّب جموع أهل الدرعية ومن كان عنده من أهل الآفاقِ مقابِلَ قوات الباشا، ومن أبرز القادة الذين كانوا مع عبد الله إخوانُه فيصل وإبراهيم وفهد، وتركي الهزاني صاحب حريق نعام، وعبد الله ابن القاضي أحمد العريني رئيس سدير، ومحمد العميري رئيس المحمل، تولى هؤلاء قيادةَ الجبهات، ومعهم المدافع والمتاريس، وفي كل برج من أبراج الجهات فيه رجالٌ من رؤساء أهلِها وأشياخهم وأثقالِهم الذين ليس لهم شِدَّةٌ في الحرب، وإنما عليهم حِفظُ نواحيهم, فلما نزل الباشا وفَرَّق عساكره تجاه جموعِ أهل الدرعية وقعت الحربُ بينهم واضطرمت نارُها وطار في السماء شَرُّها وشرارها، فتخاللت بينهم القنابرُ والقبوس والمدافع، وصار مطرها فوق تلك الجموعِ متتابعًا فاشتدَّ القتال وتصادم الأبطال، والحرب بين الروم وبين أهل الدرعية سجالٌ، واستمرَّت الحربُ والحصار ستة أشهر، أظهر فيها أهلُ الدرعية ضروبًا من البطولة والتضحية، وشهدت الحربُ عددًا من المعارك والوقائع بين الطرفين، مثل وقعة المغيصيبي، والحريقة، ووقعة غبيراء، ووقعة سمحة، كما حصلت مقتلة عظيمة بين الفريقين عند السليماني النخل المعروف في الدرعية, ووقعة البليدة، ووقعة شعيب قليقل، ووقعة كتلة الشعيب, ووقعة الرفيعة، وفي أثناء الحرب اشتعلت النار في زهبة الباشا وما في خزائنِه من البارود والرصاص وجميع الجيخان، وكان لثورتها أمر هائل لا يكادُ يُوصَفُ، وسُمِعَ صوتها مسيرة ثلاثة أيام أو أربعة، وأهلكت خيلًا ورجالًا وأحرقت خيامًا وأزوادًا وأثاثًا، وهربت العساكرُ في رؤوس الجبال، ووقع في قلوبِهم الرعبُ، وكان لهذه الحادثة وهَنٌ عظيمٌ على الروم، وهمَّ أهلُ الدرعية أن يحملوا عليهم ويدهموهم فيه، فلم يفعلوا وكان أمرُ الله قدرًا مقدورًا، فتراجع الرومُ وثبتوا، ثم أرسل الباشا إلى جميع نواحي نجد، وأخذوا من كل بلدٍ ما فيها من خزانة الجبخان وتتابع عليه بعد ذلك الجبخان والعساكر من مصر، وأتت إليه الرجال والقوافل، وهو في الدرعية من البصرة والزبير مع أهل نجد الذين فيهما ممن كان أجلاهم سعود عن نجد وأخذوا أموالهم. فتتابع عليه القوافِلُ من الأرز والحنطة والتنباك وجميع حاجات العساكر، وسارت إليه القوافِلُ أيضًا من جميع نواحي نجدٍ بجميع ما ينوب العساكِرُ، فثبت الباشا في موضعه وتعاظم أمرُه وتزايد بالحرب على الدرعية، فحاربها حربًا عظيمًا وهم ثابتون، والخارج منها كلَّ ليلة من أهل النواحي ومن أهلها يبذل الباشا لهم الأمان، وقُتِل أثناء الحرب فيصل بن سعود بن عبد العزيز. يقول ابن بشر: "كان الروم إذا قُتِل منهم ألف أتى بدَلَهم ألفان، وتتابع العساكِرُ من مصر على الدرعية في كل أسبوع وشهر يأتي من مصر عسكرٌ وقافلة من الطعام والأمتاع وما ينوب تلك العساكر، فلما طال الحصار وكثرت الأمداد من مصر على الروم، وأهل الدرعيةِ كُلَّ يوم يَنقُصون، وذلك بتقدير الحيِّ القيومِ، وإليه يُرجَعُ الأمر كلُّه، وما ربُّك بغافلٍ عمَّا يعملون، واستمروا في تلك المحاجي قريبَ ستة أشهر، وصار في تلك المدة وقعاتٌ عديدة لا يحيطُ بها العلم ولا يدرِكُها من أرادها القلم" وبعد وقعة الرفيعة خرج من الدرعية رئيسُ الخيالة غصاب العتيبي وهو ممن يُظَنُّ به الصِّدقُ مع آل سعود والصبر معهم فأصاب أهلَ الدرعية كآبةٌ ووَهَنٌ من خروجه، فلما خرج قصد الباشا فقَوِيَ عزم الباشا على الحربِ، فقرب القبوس من البلد، وفي صبيحة ثالث ذي القعدة حَمَل الروم على الدرعية من جميع الجهات الأربع فاقتحموها ودخل الرومُ الدرعية وقاتلهم الناسُ مِن منازلهم واشتَدَّ القتال حول قصر غصيبة المشهور الذي بناه الإمام سعود بن عبد العزيز، كان قد تحصَّن فيه سعد بن عبد الله سعود مع عِدَّة رجال، فجَرَّ عليهم الباشا القُبوس والقنابر، فلما رأى عبد الله بن سعود البوارَ، انتقل إلى منزلِه في الطريف وترك مخيَّمَه وثِقلَه في موضعِه، فأقبل الباشا بقبوسه وقنابره ومدافعه ونزل إلى باب المنزل واشتَدَّت وطأة الروم عليهم، فحماهم الله وكَفُّوا عنهم فهَمُّوا بالمصالحة، فتأبى الباشا، فشَمَّرَ الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وشَهَر سيفَه وندَبَ للقتال، فاجتمع عليه أهلُ البجيري ونهضوا على الرومِ مِن كل جانب كأنهم الأسودُ، فأخرجوا الروم وقتلوا منهم مئاتٍ، ثم أرسلوا إلى الباشا وطلبوا الصلحَ فأجاب إليه بعدما كان آبيًا، ولان بعدما كان قاسيًا. وقيل: قُتِل من عساكر الروم في هذا الحصار 10 آلاف مقاتِلٍ، ومِن أهل الدرعية ألفٌ وثلاثمائة مقاتل.
توفِّي رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ولم يَنُصَّ على الخليفةِ مِن بعدِه صَراحةً - وإنَّ كانت هناك إشاراتٌ ودِلالاتٌ مِن النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم على تَوْلِيَةِ أبي بكرٍ -والله أعلم- ثمَّ اجتمع الأنصارُ في سَقيفَة بني ساعِدة ليُبايعوا رجلًا منهم، وهو سعدُ بن عُبادَة، فحضر المُهاجرون إليهم، وأخبرهم أبو بكرٍ أنَّ هذا الأمْرَ يجب أن يكونَ في قُريش، فهُمْ أوسطُ العرب نَسَبًا ودارًا، ثمَّ رشَّح عُمرَ، أو أبا عُبيدةَ للخِلافة؛ ولكنَّ عُمر أبى إلَّا أنَّ يُبايَع لأبي بكرٍ، مُبَيِّنًا فَضلَه وصُحبتَه للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم. فبايَعهُ عُمرُ، ثمَّ بايَعهُ أهلُ السَّقيفةِ، ثمَّ بايَعهُ النَّاسُ في اليوم الثَّاني البَيْعةَ العامَّة، أمَّا تَخلُّف علِيّ عن البيعة في السَّقيفَة فكان لانشغالِه بتَجهيزِ وتَكفينِ النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وأمَّا ما يُقال مِن أنَّه تأخَّر عن البَيْعة حتَّى وَفاة فاطمةَ رضِي الله عنها فليس له مُسْتَنَدٌ صحيح، ويبعد أن يَبقى ستَّة أَشهُر غير مُبايع له وهو الذي أعانه وكان تحت إمْرتِه كلّ تلك الفَترة، وخاصّة في حُروب الرِّدَّةِ، بل إنَّ البيعة الثَّانية من عليٍّ لأبي بكر بعد وفاة فاطمة رضي الله عنهم كانت تأكيدًا للبيعة الأولى وحسمًا لمادة الفتنة.
بعد أن اتَّفَقَ فَريقُ عَلِيِّ بن أبي طالبٍ وفَريقُ مُعاويةَ على التَّحْكيمِ بعدَ القِتالِ الذي دارَ في صِفِّينَ وعاد كلُّ فَريقٍ إلى مَكانِه الأوَّلِ، فسار علِيُّ بن أبي طالبٍ عائِدًا إلى الكوفَةِ، وفي الطَّريقِ انْحازَت جَماعةٌ ممَّن لم يكونوا راضِينَ عن التَّحكيمِ وكانوا يَرَوْن أنَّ التَّحْكيمَ فقط لِكتابِ الله لا للرِّجالِ، فانصرفوا إلى حَرُوراءَ وبدأوا يَبُثُّون هذه الفِكرةَ، خارِجِينَ عن عَلِيٍّ مُنابِذِينَ له، فأرسَل إليهم عَلِيٌّ الرُّسُلَ يُناقِشونَهُم لَعلَّهُم يَثُوبون للحَقِّ، وكان مِن أولئك الرُّسُلِ ابنُ عبَّاسٍ، وعاد على يَديهِ قُرابةَ الألفي رجلٍ، ثمَّ سار عَلِيٌّ بِنَفسِه إليهم وحاجَجَهُم فرَجَعوا إلى الكوفةِ، ولكنَّهم بَقَوْا يَقولون: لا حُكْمَ إلَّا لله. وعَلِيٌّ يقولُ: كَلِمَةُ حَقِّ أُرِيدَ بها باطلٌ. ثمَّ لمَّا أراد عَلِيٌّ الخُروجَ للشَّامِ بعدَ فَشَلِ التَّحْكيم، بدأ الخَوارجُ يَتَسلَّلون مِن جَيشِه إلى النَّهْرَوان، فبدأوا بالفَسادِ فقَتَلوا عبدَ الله بن خَبَّابِ بن الأَرَتِّ مع نِسْوَةٍ آخَرين، فأرسَل عَلِيٌّ إليهم رسولًا فقَتلوهُ، ممَّا اضْطَرَّ عَلِيًّا للعَودةِ إليهم ومُقاتَلتِهم، فطلَب منهم تَسْليمَ قَتَلَةِ عبدِ الله فأَبَوْا وتَمَرَّدوا وبدأوا القِتالَ، فحارَبهُم عَلِيٌّ فأبادَهُم في النَّهْرَوان إلَّا اليَسيرَ الذين بَقوا بعدَ ذلك في الكوفةِ والبَصرَةِ يَنشُرون أفكارَهُم وهُم مُتَسَتِّرون.
لمَّا امْتَنع عَمرُو بن سعيدِ بن العاصِ على عبدِ الملك خرَج أيضًا قائدٌ مِن قُوَّادِ الضَّواحي في جبلِ اللُّكَّامِ وتَبِعَهُ خَلْقٌ كثيرٌ مِن الجَراجِمَة (نسبة لقبيلة جرجم)، والأَنباطِ (مجموعة من العرب ينتمون إلى نبط بن ‘سماعيل)، وآباقِ عَبيدِ المسلمين، وغَيرِهم، ثمَّ سار إلى لُبنان، فلمَّا فرَغ عبدُ الملك مِن عَمرِو بن سعيدِ أَرسَل إلى هذا الخارِج فبَذَل له كُلَّ جُمُعةٍ ألفَ دِينارٍ، فرَكَن إلى ذلك ولم يُفسِد في البِلادِ، ثمَّ وضَع عليه عبدُ الملك سُحيمَ بن المُهاجِر، فتَلَطَّفَ حتَّى وصَل إليه مُتَنَكِّرًا فأظهَر له مُمالأتَه وذَمَّ عبدَ الملك وشَتَمَه ووَعَدهُ أن يَدُلَّهُ على عَوْراتِه، وما هو خيرٌ له مِن الصُّلْح. فوَثِقَ به. ثمَّ إنَّ سُحيمًا عَطَفَ عليه وعلى أَصحابِه وهم غَارُون غافِلون بجيشٍ مع مَوالي عبدِ الملك وبَنِي أُمَيَّة وجُنْدٍ مِن ثِقاتِ جُنْدِهِ وشُجْعانِهم كان أَعَدَّهم بمكانٍ خَفِيٍّ قريبٍ وأَمَر فنُودِي: مَن أتانا مِن العَبيدِ -يعني الذين كانوا معه- فقَتَل الخارِجَ ومَن أعانَهُ مِن الرُّومِ، وقُتِلَ نَفَرٌ مِن الجَراجِمَة والأنباط، ونادَى المُنادِي بالأمانِ فيمَن لَقِيَ منهم، فتَفَرَّقوا في قُراهُم، وسُدَّ الخَلَلُ، وعاد سُحيمُ بن المُهاجِر إلى عبدِ الملك، ووَفَّى للعَبيدِ.
عَيَّنَ الوَليدُ بن عبدِ الملك عُمَرَ بنَ عبدِ العزيز على إِمارَةِ المَدينَة بعدَ أن عَزَلَ هِشامَ بن إسماعيلَ عن وِلَايَتِها، ثمَّ ضَمَّ إليه وِلايَةَ الطَّائِف سنة 91هـ، وبذلك صار وَالِيًا على الحِجازِ كُلِّها, وكانت إمارتُه عليها أربعَ سِنين غير شَهرٍ أو نَحوِه، فقَدِمَها وَالِيًا وثَقَلُه على ثلاثين بَعِيرًا، فنَزَل دارَ مَرْوان، وجَعَل يَدخُل عليه النَّاسُ فيُسَلِّمون، فلمَّا صلَّى الظُّهْرَ دَعَا عَشرةً مِن الفُقَهاء الذين في المدينة: عُرْوَةَ بن الزُّبير، وأبا بَكْر بن سُليمان بن أبي خَيْثَمَة، وعُبيدَ الله بن عبدِ الله بن عُتْبَة بن مَسْعود، وأبا بَكْر بن عبدِ الرَّحمن بن الحارِث، وسُليمان بن يَسار، والقاسِم بن محمَّد، وسالِم بن عبدِ الله بن عُمَرَ، وعبدَ الله بن عُبيدِ الله بن عُمَرَ، وعبدَ الله بن عامِر بن ربِيعَة، وخارِجَة بن زَيدٍ، فدَخَلُوا عليه، فقال لهم: إنَّما دَعَوْتُكم لِأَمْرٍ تُؤْجَرُون عليه, وتَكُونون فيه أَعوانًا على الحَقِّ، لا أُريدُ أن أَقْطَعَ أَمْرًا إلَّا بِرَأْيِكم، أو بِرَأْيِ مَن حَضَر منكم، فإن رَأيتُم أَحدًا يَتَعَدَّى, أو بَلَغَكُم عن عامِلٍ لي ظُلْمٌ، فأُحَرِّجُ اللهَ على مَن بَلغَهُ ذلك إلَّا بَلَّغَنِي. فخَرجُوا يَجْزُونَهُ خَيْرًا وافْتَرقوا.
كان أَمرُ الدَّعوة العَبَّاسِيَّة قد اسْتَفحَل خِلالَ السَّنوات الماضِيَة وقَوِيَ أَمرُها جِدًّا في خُراسان وما حولها، حتَّى بَدأَت البُعوثُ تَسيرُ إلى العِراق فخَرَج مَرْوان بن محمَّد بِجَيشٍ إليهم مِن حَرَّان حتَّى بلَغ الزَّاب وحَفَر خَندقًا وكان في عِشرين ومائة ألف، وسار أبو عَوْن وهو القادِمُ إلى العِراق للدَّعوة العَبَّاسِيَّة إلى الزَّاب، فوَجَّه أبو سَلمَة إلى أبي عَوْن عُيينَة بن موسى، والمِنْهالِ بن فَتَّان، وإسحاق بن طَلحَة، كُلُّ واحدٍ في ثلاثةِ آلاف، فعَبَر عُيينَة بن موسى في خَمسةِ آلاف، فانْتَهى إلى عَسكرِ مَرْوان، فقاتَلَهم حتَّى أَمْسَوا، ورَجَع إلى عبدِ الله بن عَلِيٍّ وأَصبحَ مَرْوان فعَقَد الجِسرَ وعَبَر عليه، فنَهاهُ وُزراؤهُ عن ذلك، فلم يَقبَل وسَيَّرَ ابنَه عبدَ الله، فنَزَل أَسفلَ مِن عَسكرِ عبدِ الله بن عَلِيٍّ، فبَعَث عبدُ الله بن عَلِيٍّ المُخارِقَ في أَربعةِ آلاف نحو عبدِ الله بن مَرْوان، فسَرَّح إليه ابنُ مَرْوان الوَليدَ بن مُعاوِيَة بن مَرْوان بن الحَكَم، فالْتَقَيا، فانْهزَم أصحابُ المُخارِق وثَبت هو فأُسِرَ هو وجَماعَة وسَيَّرَهم إلى مَرْوان مع رُؤوسِ القَتلى، وأَرسَل مَرْوان إلى عبدِ الله يَسأَله المُوادَعَة فلم يَقبَل ثمَّ حَصَل قِتالٌ بينهم كانت فيه هَزيمةُ مَرْوان ومَن معه وَفَرَّ مَرْوان إلى حَرَّان.
خرج المهديُّ بنفسِه إلى تونُسَ وقرطاجَنَّة وغيرِهما يرتادُ موضعًا على ساحِلِ البحر يتَّخِذُ فيه مدينةً، وكان يجِدُ في الكتُبِ خروجَ أبي يزيدَ على دولته، ومن أجلِه بنى المهديَّةَ، فلم يجِدْ مَوضِعًا أحسَنَ ولا أحصَنَ مِن موضع المهديَّة، وهي جزيرةٌ متَّصِلةٌ بالبَرِّ كهيئة كفٍّ متَّصِلةٍ بزِندٍ، فبناها وجعلها دار مُلكِه، وجعل لها سورًا مُحكَمًا وأبوابًا عظيمةً، وزْنُ كُلِّ مِصراعٍ مائةُ قنطارٍ، وكان ابتداءُ بنائها يوم السبت لخمسٍ خَلَونَ مِن ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثمائة، فلَّما ارتفع السورُ أمَرَ راميًا أن يرميَ بالقوس سهمًا إلى ناحية المغرب، فرمى سهمَه فانتهى إلى موضِعِ المُصلَّى، فقال: إلى موضعِ هذا يَصِلُ صاحِبُ الحِمارِ، يعني أبا يزيدَ الخارجيَّ؛ لأنّه كان يركب حمارًا، وكان يأمُرُ الصُّنَّاعَ بما يعملون، ثمَّ أمر أن يُنقَرَ دار صناعة في الجبلِ تَسَعُ مائةَ شيني- مركب بَحَري- وعليها بابٌ مُغلَقٌ؛ ونقَرَ في أرضِها أهراءً للطعامِ، ومصانِعَ للماء، وبنى فيها القصورَ والدُّورَ، فلما فرغ منها قال: "اليومَ أمَّنتُ على الفاطميَّات"، يعني بناتِه، وارتحل إليها، ولَمَّا رأى إعجابَ الناس بها، وبحصانتها، كما يقول: هذا لساعةٍ مِن نهار، وكان كذلك لأنَّ أبا يزيد وصل إلى موضعِ السهم، ووقف فيه ساعةً، وعاد ولم يظفَرْ.
رأى النَّاصِرُ أميرُ الأندلس أن تكونَ الدَّعوةُ له في مخاطباته والمُخاطَباتِ له في جميعِ ما يَجري ذِكرُه فيه، بأميرِ المؤمنين، فعَهِدَ إلى أحمد بن بقيٍّ القاضي صاحِبِ الصلاة بقُرطبةَ بأن تكون الخُطبةُ يوم الجمعة مُستهَلَّ ذي الحجة بذلك. ونَفَذت الكتبُ إلى العمَّال فيه، ونُسخة الرسالة النافذة في ذلك: بسم اللهِ الرَّحمنِ الرحيم. أمَّا بعدُ؛ فإنَّا أحقُّ من استوفى حَقَّه، وأجدرُ من استكمَلَ حَظَّه، ولَبِسَ من كرامة الله ما ألبَسَه؛ لِلَّذي فضَّلَنا اللهُ به، وأظهَرَ أثرَتَنا فيه، ورفع سلطانَنا إليه، ويَسَّرَ على أيدينا إدراكَه، وسهَّلَ بدَولتنِا مَرامَه، ولِلَّذي أشاد في الآفاقِ مِن ذِكْرِنا، وعُلُوِّ أمرِنا، وأعلن مِن رجاء العالَمينَ بنا، وأعاد مِن انحرافِهم إلينا، واستبشارهم بدولتنا. والحمدُ لله وليُّ النِّعمةِ والإنعامِ بما أنعَمَ به، وأهلُ الفَضلِ بما تفضَّلَ علينا فيه, وقد رأينا أن تكونَ الدَّعوةُ لنا بأميرِ المؤمنين، وخروجَ الكتب عنا وورودَها علينا بذلك؛ إذ كُلُّ مدعُوٍّ بهذا الاسم غيرِنا مُنتَحِلٌ له، ودخيلٌ فيه، ومتَّسِمٌ بما لا يستحِقُّه. وعَلِمْنا أنَّ التماديَ على تركِ الواجِبِ لنا من ذلك حَقٌّ أضعناه، واسمٌ ثابتٌ أسقطناه. فأْمُرِ الخطيبَ بموضِعِك أن يقولَ به، وأَجْرِ مُخاطباتِك لنا عليه، إن شاء الله. والله المستعان, كُتِبَ يوم الخميس لليلتينِ خلتا من ذي الحجة سنة 316.
استولى مُحمَّدُ بنُ رائق على بلاد الشامِ فدخل حمصَ أوَّلًا فأخذها، ثم جاء إلى دمشقَ وعليها بدر بن عبد الله الإخشيد المعروف ببدر الإخشيد وهو محمَّد بن طغج، فأخرجه ابنُ رائق من دمشق قهرًا واستولى عليها، ثم ركبَ ابن رائق في جيشٍ إلى الرملة فأخذها، ثمَّ إلى عريش مصر فأراد دخولَها فلقيه محمد بن طغج الإخشيدي فاقتتلا هناك فهَزَمه ابنُ رائق واشتغل أصحابُه بالنهبِ ونزلوا بخيام المصريين، فكَرَّ عليهم المصريونَ فقَتَلوهم قتلًا عظيما، وهرب ابنُ رائق في سبعين رجلًا من أصحابه، فدخل دمشقَ في أسوأِ حالٍ وشَرِّها، وأرسل له ابنُ ظغج أخاه أبا نصر بن طغج في جيشٍ فاقتتلوا عند اللجون في رابع ذي الحجة، فهزم ابنُ رائق المصريين وقُتِلَ أخو الإخشيد فيمن قُتل، فغَسَّلَه ابنُ رائق وكفَّنَه وبعث به إلى أخيه بمصرَ وأرسل معه ولَدَه وكتب إليه يحلِفُ أنَّه ما أراد قَتْلَه، ولقد شَقَّ عليه، وهذا ولدي فاقتَدْ منه، فأكرَمَ الإخشيدُ ولدَ مُحمَّد بن رائق، واصطلحا على أن تكونَ الرَّملةُ وما بعدها إلى ديار مصرَ للإخشيد، ويحمِلُ إليه الإخشيد في كلِّ سَنةٍ مائة ألف دينار وأربعين ألف دينار، وما بعد الرملةِ إلى جهة دمشق تكونُ لابنِ رائقٍ.
لَمَّا استقَرَّ المُلكُ لمسعود بن سبكتكين بعد أبيه أقرَّ بما كان قد فتَحَه أبوه من الهندِ نائبًا يُسمَّى أحمد ينالتكين، وقد كان أبوه محمَّد استنابه بها ثقةً بجَلَدِه ونَهضَتِه، فرَسَخت قَدَمُه فيها، وظَهَرت كِفايته. ثمَّ إنَّ مسعودًا بعد فراغِه مِن تقرير قواعِدِ المُلك، والقَبضِ على عَمِّه يوسف والمخالفين له، سار إلى خراسان عازمًا على قَصدِ العراق، فلمَّا أبعد عصى ذلك النائِبُ بالهند، فاضطُرَّ مسعودٌ إلى العودة، فأرسَلَ إلى علاء الدَّولة بنِ كاكويه. وأمَّرَه على أصبهان على مالٍ يؤدِّيه إليه كلَّ سنة، وكان علاء الدَّولة قد أرسل يطلُبُ ذلك، فأجابه إليه، وأقَرَّ ابنَ قابوس بن وشمكير على جرجان وطبرستان على مالٍ يؤدِّيه إليه، وسَيَّرَ أبا سهل الحمدوني إلى الرَّيِّ للنظَرِ في أمورِ هذه البلاد الجبليَّة، والقيامِ بحفظها، ولَمَّا سار أبو سهل إلى الريِّ أحسَنَ إلى النَّاسِ، وأظهَرَ العدل، فأزال الأقساطَ والمصادراتِ، وكان تاش فراش والي الرَّيِّ السابقِ قد ملأ البلادَ ظُلمًا وجَورًا، حتى تمنَّى الناسُ الخلاصَ منه ومِن دولة ابن سبكتكين، وخَرِبت البلادُ، وتفَرَّق أهلُها، فلمَّا وَلِيَ الحمدوني، وأحسن وعَدَل، عادت البلادُ فعَمَرت، والرَّعيَّة أمِنَت، وكان الإرجافُ شديدًا بالعراق لَمَّا كان المَلِك مسعود بنيسابور، فلمَّا عاد سكن النَّاس واطمأنُّوا.
استولى الخوارجُ المُقيمونَ بجبال عُمان على مدينةِ الولاية، وسبَبُ ذلك أنَّ صاحِبَها الأمير أبا المُظَفَّر ابن الملك أبي كاليجار كان مُقيمًا بها، ومعه خادِمٌ له قد استولى على الأمورِ، وحَكَم على البلاد، وأساء السيرةَ في أهلها، فأخذ أموالَهم، فنفروا منه وأبغَضوه، وعَرَفَ إنسانٌ من الخوارجِ- يقالُ له ابنُ راشدٍ- الحالَ، فجمع مَن عنده منهم فقَصَد المدينةَ، فخرج إليه الأميرُ أبو المُظَفَّر في عساكِرِه، فالتَقَوا واقتَتَلوا، فانهزمت الخوارجُ وعادوا إلى موضِعِهم، وأقام ابنُ راشد مدَّةً يجمَعُ ويحتَشِدُ، ثم سار ثانيًا، وقاتله الديلم فأعانه أهلُ البلد لسوءِ سِيرةِ الديلم فيهم، فانهزم الديلم، وملَكَ ابنُ راشد البلد وقتل الخادِمَ وكثيرًا من الديلم، وقبض على الأميرِ أبي المظفَّر وسَيَّرَه إلى جباله مُستَظهرًا عليه، وسَجَن معه كُلَّ مَن خَطَّ بقلمٍ مِن الديلم، وأصحابَ الأعمال، وأخرب دارَ الإمارة، وقال: هذه أحقُّ دارٍ بالخراب، وأظهَرَ العدل، وأسقَطَ المكوسَ، واقتصر على رَفعِ عُشرِ ما يَرِدُ إليهم، وخطَبَ لنَفسِه، وتلقَّبَ بالراشد بالله، ولَبِسَ الصوف، وبنى موضعًا على شَكلِ مسجد، وقد كان هذا الرجلُ تَحَرَّك أيضًا أيامَ أبي القاسم بن مكرم، فسَيَّرَ إليه أبو القاسِمِ مَن منعه وحصَرَه وأزال طَمَعَه.