سيَّرَ عبدُ الرحمن بن الحَكَم عبدَ اللهِ المعروفَ بابنِ البَلنسيِّ إلى بلادِ العَدُوِّ، فوصلوا إلى "ألبة" والقلاعِ، فخرج المشركونَ إليه في جَمعِهم، وكان بينهم حربٌ شديدة وقتالٌ عظيم، فانهزم المشركونَ، وقُتلَ منهم ما لا يُحصى، وجُمِعَت الرؤوس أكداسًا، وفي هذه السنة أيضًا خرج لذريق في عسكَرِه، وأراد الغارةَ على مدينةِ سالم من الأندلس، فسار إليه عبدُ الرحمن بن الحَكَم فوتون بن موسى في عسكَرٍ جرار، فلَقِيَه وقاتَلَه، فانهزم لذريقُ وكَثُر القتلُ في عسكَرِه، وسار فوتون إلى الحصنِ الذي كان بناه أهلُ ألبة بإزاء ثُغورِ المسلمين، فحَصَره، وافتَتَحه وهَدَمه.
هو القاسِمُ بنُ سلَّام الهروي الأزدِيُّ ولاءً، ولد بمدينة هراة سنة 157هـ, أحد أئمَّة اللُّغة والفقه والحديثِ، والقرآن والأخبار وأيَّام الناس، كان أبوه عبدًا روميًّا, فطلب أبو عبيدٍ العِلمَ وسَمِعَ الحديثَ ودرسَ الأدبَ والفقه، ثم ارتحل إلى العراقِ نحوَ سنة 176هـ، له المصنَّفات المشهورة المنَتِشرة بين الناس، حتى يقال: إنَّ الإمامَ أحمدَ كتب كتابَه الغريبَ بِيَدِه- وهو أشهر كتُبِه- قال هلالُ بن العلاء الرقي: "مَنَّ الله على المسلمينَ بهؤلاء الأربعة: الشافعيُّ، تفَقَّه في الفقه والحديث، وأحمدُ بن حنبل في المحنة، ويحيى بن مَعينٍ في نفي الكَذِب، وأبو عُبَيد في تفسيرِ غَريبِ الحديثِ، ولولا ذلك لاقتحم النَّاسُ المهالِكَ"، وكان أبو عبيدٍ قد ولد بهراة، وأقام في بغداد، ثم انتقل إلى مصر، وكانت وفاتُه بمكَّة- رحمه اللهُ تعالى، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرًا.
هي ثاني دولة مستقِلَّة تقوم في اليمَنِ ويُنسَبُ اليعفريون إلى الملوك الحِمْيَريين، ويعتبر يعفرُ بن عبد الرحيم المؤسِّسَ الفعليَّ لهذه الدولة، وكان الخليفةُ المعتَمِد قد عيَّنه عاملًا على صنعاءَ قبل أن يستقِلَّ بالسلطة ويؤسِّسَ الدولة، ولكِنَّ الخلافاتِ نَشَبت بين أفراد الأسرة اليعفريَّة، فضَعُف مركزُها لتنتهي لاحقًا وتدخُلَ في طاعة دولة الأئمَّة. في آخِرِ عهدِ المتوكِّلِ ابتدأت الدولةُ اليعفرية بصنعاء، وكان جَدُّهم عبدُ الرحيم بن إبراهيم الحوالي نائبًا عن جعفرِ بنِ سليمان بن علي الهاشميِّ، الذي كان واليًا للمعتَصِم على نجدٍ واليمَنِ وصَنعاءَ وما إليها، ولَمَّا توفي عبد الرحيم قام في الولايةِ مقامَه ابنُه يعفر بن عبد الرحيم، وهو رأس الدولة ومبدأُ استقلالِها إلَّا أنَّه كان يهابُ آلَ زياد ويدفَعُ لهم خَراجًا يُحمَلُ إلى زَبيدٍ، كأنَّه عامِلٌ لهم ونائبٌ عنهم، وكان ابتداءُ استقلالِ يعفر بن عبد الرحيم سنة 247هـ، واستمَرَّ مُلْكُ صنعاءَ في أعقابِه إلى سنة 387هـ
هو أبو عِقالٍ الأغلَبُ بن إبراهيم بن أغلب، أخو زيادة الله، كانت ولايتُه من قِبَل المعتَصِم بالله، وهو رابِعُ أمراء إفريقية مِن بني الأغلَبِ، ولم تطُلْ مُدَّةُ أيامِه، كانت ولايتُه سنتين وسبعةَ أشهر وسبعة أيَّام, لَمَّا تولَّى أبو عقالٍ أحسَنَ إلى الجند، وأزال مظالمَ كثيرةً، وزاد العُمَّالَ في أرزاقهم، وكَفَّ أيديَهم عن الرعية، وقطَعَ النَّبيذَ والخَمرَ عن القيروان. وكانت أيَّامُه أيَّامَ دَعةٍ وسكونٍ سوى عام 224هـ؛ انتفَضَ بعضُ الخوارجِ فسَيَّرَ إليهم عيسى بن ربعان فأخضَعَهم، ولَمَّا توفِّيَ ولِيَ أبو العباسِ محمَّد بن الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب بلادَ إفريقيَّة بعد وفاةِ والده، ودانت له إفريقيَّة.
هو حَيدرُ بنُ كاوس الملقَّب بالأفشين، أصلُه من التُّرك مِن أشروسنة تركستان، كان مجوسيًّا مِن سُلالةِ حُكَّام أشروسنة، اعتنق الإسلامَ زمنَ المأمونِ وأقام ببغدادَ عند المعتصِم، وعَظُم محلُّه عنده, وهو من كِبارِ قادةِ المأمونِ والمعتَصِم، تولى إخمادَ الكثيرِ مِن الفِتَن والثَّوراتِ، وأهمُّها ثورةُ بابك الخرمي، ولكن كان يطمَحُ لتولِّي خُراسان بدل عبدالله بن طاهرٍ، فقيل: إنَّه هو الذي حرَّضَ المازيار للخروجِ على ابنِ طاهرٍ حتى يولِّيَه المعتَصِمُ حَربَه، ومِن ثمَّ ولايةَ خُراسان، ولَمَّا قُبِض على المازيار أقَرَّ بكُتُب الأفشين له، فغَضِبَ المعتَصِمُ منه وأمر بالقبضِ عليه، فتمَّ ذلك ليلًا فحبَسَه ثمَّ عَمِلَ له مجلِسَ قَضاءٍ بحُضورِ أحمدَ بنِ أبي دؤاد المعتزلي، ووزيرِه محمَّد بن عبد الملك بن الزيَّات، ونائبِه إسحاقَ بنِ إبراهيم بن مصعب، فاتُّهِم الأفشينُ في هذا المجلس بأشياءَ تدُلُّ على أنَّه باقٍ على دينِ أجدادِه مِن الفُرسِ، وكان ذلك في أواخِرِ عام 225هـ، ثم بقي في السجنِ إلى أن مات فيه، ثم أُخرِجَ فصُلِبَ بجَنبِ بابك الخرمي ثمَّ أُنزِلَ وأُحرِقَ.
خرج بفلسطينَ المُبرقَعُ أبو حربٍ اليمانيُّ الذي زعَمَ أنَّه السُّفياني، فدعا بالأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المنكرِ أولًا، إلى أن قَوِيَت شَوكتُه، فادعى النبوَّةَ. وكان سببُ خُروجِه أن جنديًّا أراد النزولَ في داره، فمنَعَتْه زوجتُه، فضَرَبها الجنديُّ بسوطٍ فأثَّرَ في ذراعها، فلما جاء المُبرقَعُ شكَت إليه، فذهب إلى الجنديِّ فقَتَله وهَرَب، ولَبِسَ بُرقعًا لئلَّا يُعرَف، ونزل جبالَ الغَور مُبرقَعًا، وحَثَّ الناسَ على الأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر، فاستجاب له قومٌ مِن فلَّاحي القُرى، وقَوِيَ أمرُه، فسار لحَربِه رجاءُ الحضاريُّ- أحدُ قُوَّاد المعتَصِم- في ألفِ فارسٍ، وأتاه فوجَده في مائةِ ألفٍ، فعسكر بإزائِه ولم يجسِرْ على لقائِه. فلمَّا كان أوانُ الزِّراعةِ تفَرَّقَ أكثَرُ أصحابِه في فلاحتِهم وبَقِيَ في نحو الألفينِ، فواقعه عند ذلك رجاءُ الحضاريُّ المذكور، وأسَرَه وحبَسَه حتى مات خنقًا في آخِرِ هذه السَّنةِ.
لَمَّا مات المعتَصِم ثارت القيسيَّة بدمشقَ وعاثوا وأفسَدوا وحَصَروا أميرَهم، فبعث الواثِقُ إليهم رجاءَ بنَ أيوب الحضاري، وكانوا مُعسكِرينَ بمَرج راهط، فنزل رجاءٌ بدير مران، ودعاهم إلى الطاعةِ، فلم يَرجِعوا فواعَدَهم الحربَ بدَومة يومَ الاثنين. فلما كان يومُ الأحد، وقد تفَرَّقت، سار رجاءٌ إليهم، فوافاهم وقد سار بعضُهم إلى دومة، وبعضُهم في حوائجه، فقاتَلَهم وقتل منهم نحوَ ألف وخمسمائة، وقُتِلَ مِن أصحابِه نحوُ ثلاثمائة، وهرَبَ مُقَدَّمُهم ابنُ بيهس، وصَلَحَ أمرُ دمشق.
هو أبو إسحاقَ محمَّد المعتَصِم بالله بن هارون الرَّشيد بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، ثامِنُ الخُلَفاءِ العباسيِّينَ، وُلِدَ سنة 179ه يوم الخميسِ لثماني عشرة مَضَت من ربيع الأول، بُويع بالخلافةِ يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلةً بَقِيَت من رجب سنة ثماني عشرة ومائتين، وبعد ذلك بأيَّامٍ اجتمع جماعةٌ من الجند وشغَّبوا وتحدَّثوا في بيعةِ العبَّاسِ بنِ المأمونِ وأظهروا خلافَ المعتَصِم، ومَضَوا بأسْرِهم إلى مضارِبِ العبَّاسِ فخرج إليهم وقال لهم: أيَّ شيءٍ تُريدونَ منِّي؟ قالوا: نبايعُك بالخلافةِ، قال: أنا قد بايعتُ عمِّي ورَضيتُ به، وهو كبيرى وعندي بمنزلةِ المأمونِ، فانصرفوا خائبينَ، واستمَرَّت في عهدِه فِتنةُ القَولِ بخَلقِ القُرآن, وإنَّما حثَّ المعتَصِمَ على ذلك وحمَلَه على ما فعل به أحمَدُ بنُ أبى دؤادَ؛ لأنَّه كان معتزليًّا، وكان الإمامُ أحمدُ إمامَ السُّنَّة. وحين أحضَرَه المعتَصِم بين يديه سلَّم وتكلَّم بكلامٍ أعجب النَّاسَ، فالتَفَت المعتَصِمُ إلى ابنِ أبى دؤاد، وقال: ذكرتُم أنَّ الرجُلَ عامِّيٌّ، وأراه يذكُرُ بَيتًا قديمًا وشهد له كلُّ من حضر بأنَّه مِن سُراةِ بني شَيبانَ، ثمَّ قال: وذكَرْتُم لي أنَّه جاهِلٌ، وما أراه إلَّا مُعرِبًا فَصيحًا، فأكرَمَ الإمامَ أحمدَ. وكان الإمامُ أحمَدُ بنُ حنبل إلى أن مات يُثني على المعتَصِم ويذكُرُ فِعلَه به ويترحَّمُ عليه. غزا المعتَصِمُ مدينةَ عَمُّوريَّة، وهي من أعظَمِ مُدُنِ الرُّوم كالقُسطنطينيَّة لرَدِّ عدوانِ مَلِك الرومِ على المسلمينَ في زبطرة، فكانت غزوةً مشهورةً نصر اللهُ فيها الإسلامَ والمُسلِمينَ، وكان بدءُ عِلَّتِه أنَّه احتجم أوَّلَ يومٍ في المحَرَّم، واعتَلَّ عِندَها،وكانت خلافتُه ثماني سنينَ وثمانية أشهُر ويومين، وتوفِّيَ بمدينةِ سامِرَّاء.
هو بِشرُ بنُ الحارثِ بنِ علي المعروفُ بالحافي، مِن أهلِ مَروٍ، ولِدَ سنة 152هـ سكن بغدادَ، كان من أكابرِ الزُّهَّاد، وأخبارُه في الزُّهدِ والوَرَع مشهورةٌ جِدًّا ومعروفة، أثنى عليه غيرُ واحدٍ مِن الأئمَّةِ في عبادتِه وزهادتِه وورَعِه ونُسكِه وتقَشُّفِه. قال الإمامُ أحمد يوم بلَغَه مَوتُه: "لم يكُنْ له نظيرٌ إلَّا عامِرُ بنُ عبد قيس، ولو تزوَّجَ لتَمَّ أمْرُه"، وذكر غيرُ واحدٍ أن بِشرًا كان شاطِرًا في بدءِ أمْرِه، وأنَّ سبَبَ تَوبتِه أنَّه وجد رقعةً فيها اسمُ اللهِ عَزَّ وجلَّ، في أتونِ حَمَّام، فرفعها ورفع طرْفَه إلى السَّماءِ، وقال: سيِّدي اسمُك ههنا مُلقًى يُداسُ! ثم ذهب إلى عطَّارٍ فاشترى بدرهمٍ غالية وضَمَّخَ تلك الرقعةَ منها، ووضعها حيثُ لا تُنالُ، فأحيا اللهُ قلْبَه وألهَمَه رُشدَه، وصار إلى ما صار إليه من العبادةِ والزَّهادة، ورحَل بِشرٌ في طلَبِ العِلمِ إلى مكَّة والكوفةِ والبصرة، وسَمِعَ مِن وَكيعٍ وشَريكِ بن عبد الله، وإسماعيل بن عُلَيَّة وحمَّاد بن زيد، ومالك بن أنس، وأبي يوسفَ القاضي، وابن المبارك، وهُشَيم، والمعافى بن عِمران، والفُضَيل بن عياض، وأبي نُعَيمٍ، في خَلْقٍ كثيرٍ. غيرَ أنَّه لم يتصَدَّ للراويةِ، فلم يُضبَطْ عنه من الحديثِ إلَّا اليسيرُ. قال إبراهيم الحربي: "ما أخرَجَت بغدادُ أتَمَّ عَقلًا منه، ولا أحفَظَ للِسانِه منه، ما عُرِفَ له غِيبةٌ لمسلمٍ، وكان في كُلِّ شَعرةٍ منه عَقلٌ، ولو قُسمَ عَقلُه على أهلِ بغداد لصاروا عُقَلاءَ وما نقَصَ مِن عَقلِه شَيءٌ". وحين مات اجتمع في جنازتِه أهلُ بغداد عن بَكرةِ أبيهم، فأُخرِجَ بعد صلاةِ الفَجرِ فلم يستقِرَّ في قَبرِه إلَّا بعد العَتَمة، فرَحِمَه اللهُ تعالى وأعلى درجَتَه.
سبَبُ ذلك أنَّ موسى بن موسى كان من أعيانِ قُوَّادِ عبد الرحمن، وهو العامِل على مدينةِ تَطيلة، فجرى بينه وبين القُوَّادِ تحاسُدٌ سنةَ سَبعٍ وعشرين، فعصِيَ موسى بن موسى على عبد الرحمنِ بنِ الحَكَم، فسَيَّرَ إليه جيشًا واستعمل عليهم الحارِثَ بنَ يزيغ والقُوَّاد، فاقتتلوا عند برجة، فقُتل كثيرٌ من أصحاب موسى، وقُتِلَ ابنُ عَمٍّ له، وعاد الحارِثُ إلى سرقسطة، فسيَّرَ موسى ابنَه ألب بن موسى إلى برجة، فعاد الحارِثُ إليها وحصَرَها فمَلَكَها وقتَلَ ابنَ موسى، وتقَدَّمَ إلى أبيه فطلبه فحضر، فصالحه موسى على أن يخرُجَ عنها، فانتقل موسى إلى أزبيط، وبقِيَ الحارث يتطَلَّبُه أيامًا ثم سار إلى أزبيط، فحصر موسى بها فأرسل موسى إلى غرسية، وهو مِن ملوك الأندلسيِّينَ المُشرِكينَ، واتَّفقا على الحارث، واجتمعا وجعلا له كمايِنَ في طريقِه، واتخذَ له الخيلَ والرِّجالَ بموضِعٍ يقال له بلمسة على نهرٍ هناك، فلمَّا جاء الحارِثُ النَّهرَ خرج الكُمَناءُ عليه، وأحدَقوا به، وجرى معه قِتالٌ شديد، وكانت وقعةً عظيمةً، وأصابه ضربةٌ في وجهِه فَلَقَت عينَه، ثم أُسِرَ في هذه الوَقعةِ، فلمَّا سَمِعَ عبدُ الرحمن خبَرَ هذه الوقعةِ، عَظُمَ عليه، فجهَّزَ عسكرًا كبيرًا واستعمل عليه ابنَه محمدًا، وسيَّرَه إلى موسى في شهر رمضان من سنة تسع وعشرين ومائتين، وتقَدَّمَ محمد إلى بنبلونة، فأوقع عندها بجمعٍ كثيرٍ مِن المشركين، وقُتِلَ فيها غرسية، وكثيرٌ من المشركين، ثم عاد موسى إلى الخلافِ على عبد الرحمن، فجَهَّزَ جيشًا كبيرًا وسَيَّرَهم إلى موسى، فلمَّا رأى ذلك طلَبَ المُسالَمةَ، فأُجيبَ إليها وأعطى ابنَه إسماعيلَ رهينةً، وولَّاه عبدُ الرحمن مدينةَ تطيلة، فسار موسى إليها فوصلها وأخرجَ كلَّ من يخافُه، واستقَرَّت تطيلةُ في عمالتِه.
خرج المجوسُ كما سمَّاهم الأندلسيُّون، وهم النرماند أو الفايكونغ، في نحو ثمانين مركبًا، فحَلُّوا بأشبونة، ثمَّ أقبلوا إلى قادس، وشذونة، ثم قَدِموا على إشبيلية فدخَلوها قَسرًا، واستأصلوا أهلَها قَتلًا وأسْرًا. فبَقُوا بها سبعة أيام، يسقونَ أهلَها كأسَ الحِمامِ. واتَّصلَ الخبَرُ بالأميرِ عبدِ الرحمن بن الحَكَم، فقَدِمَ على الخيلِ عيسى بن شهيد الحاجِب، وتوجَّه بالخيلِ عبدُ الله ابن كليب وابنُ رستم وغيرُهما من القوَّاد، واحتل بالشَّرف. وكتب إلى عمَّال الكور في استنفارِ النَّاس، فحَلُّوا بقُرطبة، ونفَرَ بهم نصرُ الفتى. وتوافت للمجوسِ مراكِبُ على مراكِبَ، وجعلوا يَقتُلونَ الرِّجالَ، ويَسْبُونَ النساء، ويأخذون الصِّبيان، وذلك بطولِ ثلاثة عشر يومًا، وكانت بينهم وبين المسلمينَ ملاحِمُ. ثم نهضوا إلى قبطيل، فأقاموا بها ثلاثةَ أيَّام، ودخلوا قورة، على اثني عشرَ ميلًا من إشبيلية، فقتلوا من المسلمين عددًا كثيرًا، ثم دخلوا إلى طليلطِة، على ميلين من إشبيلية، فنزلوها ليلًا، وظهروا بالغَداةِ بمَوضعٍ يُعرَف بالنخارين، ثم مَضَوا بمراكبهم، واعتَرَكوا مع المسلمين. فانهزم المسلمون، وقُتِلَ منهم ما لا يُحصى. ثم عادوا إلى مراكِبِهم. ثم نهضوا إلى شذونة، ومنها إلى قادس، وذلك بعد أن وجَّه الأميرُ عبدُ الرحمن قوَّادَه، فدافعهم ودافَعوه، ونُصِبَت المجانيقُ عليهم، وتوافت الأمدادُ مِن قُرطُبة إليهم. فانهزم المجوسُ، وقُتِلَ منهم نحوٌ من خمسمائة عِلجٍ، وأصيبت لهم أربعةُ مراكِبَ بما فيها، فأمر ابنُ رستم بإحراقِها وبَيعِ ما فيها من الفَيءِ. ثم كانت الوقعةُ عليهم يوم الثلاثاء لخَمسٍ بقين من صفر، قُتِلَ فيها منهم خلقٌ كثيرٌ، وأُحرِقَ مِن مراكبهم ثلاثون مَركبًا. وعلق من المجوس بإشبيليةَ عددٌ كثيرٌ، ورُفِعَ منهم في جذوعِ النَّخلِ التي كانت بها. وركب سائِرُهم مراكِبَهم، وساروا إلى لبلة، ثم توجَّهوا منها إلى الأشنونة فانقطع خَبَرُهم. ولَمَّا قتل اللهُ أميرَهم، وأفنى عديدَهم، وفتح فيهم، خرجت الكتُبُ إلى الآفاقِ بخبَرِهم. وكتب الأميرُ عبد الرحمن إلى مَن بطنجةَ مِن صِنهاجة، يُعلِمُهم بما كان مِن صُنعِ الله في المجوس، وبما أَنزَلَ فيهم من النِّقمةِ والهَلَكةِ، وبعثَ إليهم برأسِ أميرِهم وبمائتي رأسٍ مِن أنجادِهم.
كان سببُ ذلك أنَّ بني سُليم كانت تُفسِدُ حولَ المدينة بالشَّرِّ، ويأخذون ما أرادوا من الأسواقِ بالحجازِ بأيِّ سِعرٍ أرادوا، وزاد الأمرُ بهم إلى أن وقَعُوا بناسٍ مِن بني كِنانة وباهلة، فأصابُوهم، وقتلوا بعضَهم، فوَجَّهَ محمَّدُ بن صالح- عامِلُ المدينةِ- إليهم حمَّادَ بنَ جريرٍ الطبري، وكان مَسلَحةً لأهل المدينة، في مائتي فارسٍ، وأضاف إليهم جندًا غيرَهم، وتَبِعَهم متطوِّعة، فسار إليهم حمَّاد، فلَقِيَهم بالرويثة، فاقتتلوا قتالًا شديدًا فانهزمت سودانُ المدينةِ بالنَّاسِ، وثَبَت حمَّادٌ وأصحابُه، وقُرَيشٌ والأنصارُ، وقاتلوا قتالًا عظيمًا، فقُتِل حمَّادٌ وعامةُ أصحابِه وعَدَدٌ صالحٌ مِن قريشٍ والأنصار، وأخذ بنو سُلَيم الكُراعَ والسِّلاحَ، والثياب، فطَمِعوا ونهبوا القُرى والمناهِلَ ما بين مكَّة والمدينة، وانقطع الطريقُ. فوَجَّه إليهم الواثِقُ بغا الكبيرَ أبا موسى في جمعٍ من الجند، فقَدِمَ المدينةَ في شعبان، فلَقِيَهم ببعض مياه الحرَّة من رواء السورقية قريتِهم التي يأوُون إليها وبها حُصون، فقتل بغا منهم نحوًا من خمسين رجلًا وأسر مِثلَهم، وانهزم الباقون، وأقام بغا بالسَّورقية، ودعاهم إلى الأمانِ على حُكم الواثق، فأتوه متفَرِّقين فجَمَعَهم، وترك من يُعرَفُ بالفسادِ، وهم زُهاءَ ألفِ رجل، وخلَّى سبيل الباقين، وعاد بالأَسْرى إلى المدينة، فحبَسَهم ثم سار إلى مكَّة. فلما قضى حَجَّه سار إلى ذاتِ عِرقٍ بعد انقضاء الموسِمِ، وعرض على بني هلالٍ مِثلَ الذي عرضَ على بني سُليم، فأقبلوا وأخذ من المفسدينَ نحوًا من ثلاثمائةِ رَجُلٍ، وأطلق الباقين، ورجع إلى المدينةِ فحَبَسَهم.
لم تَزَل هذه الفتنةُ ساريةً مِن أيام المأمونِ إلى أيَّامِ المُعتَصِم ثمَّ إلى أيام الواثق، فبَقِيَ على نفسِ مِنوالِ صاحِبَيه السابقَينِ، يمتَحِنُ العلماء بمسألة خَلْقِ القرآنِ ومسألةِ رؤية الله تعالى يومَ القيامة، وسُجِنَ مَن سُجِن وقُتِل من قُتل بسبب هذا، حتى ورد كتابُ الخليفةِ هارون الواثقُ إلى الأعمالِ بامتحانِ العُلَماءِ بخلقِ القُرآنِ، وكان قد منع أبوه المعتَصِمُ ذلك، فامتحَنَ الناسَ ثانيًا بخَلْقِ القرآن. ودام هذا البلاءُ بالنَّاسِ إلى أن مات الواثِقُ وبُويع المتوكِّلُ جَعفرٌ بالخلافة، في سنة اثنتينِ وثلاثين ومائتين، فرفع المتوكِّلُ المِحنةَ ونشَرَ السُّنَّةَ، بل إنَّ الأمرَ استفحَلَ بالواثِقِ أكثَرَ مِن ذلك؛ فإنَّه أمَرَ أيضًا بامتحانِ الأُسارى الذين وَفِدوا من أَسْرِ الفِرنجِ بالقَولِ بخَلقِ القُرآنِ وأنَّ اللهَ لا يُرى في الآخرةِ، فمن أجاب إلى القَولِ بخَلقِ القُرآنِ وأنَّ الله لا يرى في الآخرةِ فُودِيَ، وإلَّا تُرِكَ في أيدي الكُفَّار، وهذه بدعةٌ صَلعاءُ شَنعاءُ، عَمْياءُ صَمَّاءُ، لا مُستنَدَ لها مِن كِتابٍ ولا سُنَّةٍ ولا عقلٍ صَحيحٍ، بل الكتابُ والسُّنَّة والعَقلُ الصَّحيحُ بخِلافِها.
غزا بالصائفة جليقية محمَّد بن الأمير عبد الرحمن بن الحَكَم، فحَصَرها، وحصَرَ مدينة ليون، ورماها بالمجانيقِ. فلمَّا أيقنَ أهلُها بالهلاك خرجوا ليلًا، ولجؤوا إلى الجبالِ والغِياض، فأحرقَ محمَّدٌ ما فيها، وأراد هدمَ سُورِها، فوجد سعتَه ثمانيَ عشرة ذراعًا فتركه، وأمعن في بلادِ الشِّركِ قتلًا وسبيًا.