ظهر بالشامِ رجلٌ مِن القرامطة، وجمع جموعًا من الأعرابِ، وأتى دمشق، وأميرها طغج بن جف من قِبَل هارون بن خِمارَوَيه بن أحمد بن طولون، وكانت بينهما وقَعاتٌ، وكان ابتداءُ حال هذا القرمطيِّ أنَّ زكرَوَيه بن مهرَوَيه الداعية القرمطي الذي بدأ أمرُه في العراق هذا لَمَّا رأى أنَّ الجيوشَ مِن المعتَضِد متتابِعةٌ إلى مَن بسواد الكوفةِ مِن القرامطة، فإنَّ القتلَ قد أبادهم، سعى باستغواءِ مَن قَرُب من الكوفة من الأعرابِ: أسَد وطيئ وغيرهم، فلم يجِبْه منهم أحد، فأرسل أولادَه إلى كلب بن وبرة فاستغوَوهم، فلم يجِبْهم منهم إلَّا الفَخذُ المعروف ببني العليص بن ضمضَم بن عدِيِّ بن خباب ومواليهم خاصةً، فبايعوا في هذه السَّنة، بناحية السماوة، ابنَ زكرَوَيه، المسمَّى بيحيى، المُكنَّى أبا القاسم، فلقبوه الشيخ، وزعم أنَّه محمَّد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وقيل: لم يكن لمحمَّد بنِ إسماعيل ولدٌ اسمه عبد الله، وزعم أنَّ له بالبلاد مائة ألفِ تابعٍ، وأنَّ ناقتَه التي يركَبُها مأمورةٌ، فإذا تبعوها في مسيرِها نُصِروا، وأظهَرَ عَضُدًا له ناقصة، وذكَرَ أنَّها آيتُه، وأتاه جماعةٌ من بني الأصبع، أخلصوا له وتَسَمَّوا بالفاطميين، ودانُوا بدينه، فقصدهم شبلٌ غلامُ المعتَضِد من ناحية الرصافة فاغتَرُّوه فقتلوه، وأحرقوا مسجِدَ الرصافة، واعتَرَضوا كلَّ قرية اجتازوا بها حتى بلغوا هارونَ بنَ خمارَوَيه التي قوطِعَ عليها طغج بن جف، فأكثَروا القتلَ بها والغارة، فقاتَلَهم طغج، فهزموه غيرَ مَرَّة.
هو محمَّدُ بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، أبو عبدِ الله المهدي، أميرُ المؤمنين، لُقِّبَ بالمهدي رجاءَ أن يكون الموعودَ به في الأحاديثِ، فلم يكُنْ به. وُلِدَ بالحميمة من أرض البلقاء سنة 126هـ، وقيل 127هـ، ووليَ الخلافةَ بعد أبيه سنة 158هـ في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة، وعمُره إذ ذاك 33 سنة، وكان أسمرَ طويلًا جَعْدَ الشَّعرِ. وكان من مآثِره تتبُّعُه للزنادقة في عهدِه، حتى قُتِلَ عددٌ منهم صبرًا بين يديه, وقيل: إنَّ سبب وفاته أنَّه خرج إلى ماسبذان، بعد أن عزم على خلعِ ابنِه موسى الهادي والبيعة للرَّشيد بولايةِ العهد وتقديمه على الهادي، فبعث إليه فلم يأتِ فخرج المهديُّ إليه فمات في الطريق, بسبب إصابةٍ في ظَهرِه وهو يَلحَقُ الصيدَ، وقيل: بل مات مسمومًا، وكانت خلافتُه عشر سنين وشهرًا؛ ودُفِنَ تحت جوزة كان يجلِسُ تحتها، وصلى عليه ابنُه الرشيد.
هو أبو محمد الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، هو الإمامُ الحادي عشر عند الشيعة الذين يدَّعون عِصمَتَهم, كان مولدُه بسامرَّا بلد العسكرِ، ومنها أخذ لقبه، وأمُّه أمُّ ولدٍ. توفِّيَ في سامرا وله تسع وعشرون سنة. ودُفِنَ إلى جانب والده. والحسَنُ العسكري هو والد محمَّد المهدي الذي تزعمُ الرافضة أنَّه الإمام المنتظَر الذي سيخرجُ من السرداب، ولِدَ سنة ثمان وخمسين، وقيل: سنة ست وخمسين. عاش بعد أبيه سنتين، ولم يُعلَم كيف مات. وهم يدَّعون بقاءَه في السرداب منذ عام 262ه، وأنَّه صاحِبُ الزمان، وأنه حيٌّ يعلَمُ عِلمَ الأوَّلينَ والآخرين، ويعتَرِفون أنَّ أحدًا لم يَرَه أبدًا، فنسأل اللهُ أن يثبِّتَ علينا عُقولَنا وإيمانَنا!!
هو الفضلُ بنُ الربيعِ بنِ يونُسَ، الحاجِبُ الأميرُ أبو الفضل، مولِدُه سنة أربعين ومائة، وكان حاجبًا للرشيد ووزيرًا له، ولَمَّا مات الرشيدُ استولى على الخزائِنِ وقَدِمَ بها إلى الأمينِ محمَّد ببغداد ومعه البُردة والقَضيبُ والخاتَم، فأكرمه الأمينُ وفَوَّض إليه أمورَه، فصار إليه الأمرُ والنهي، ولَمَّا خلعَ الأمينُ أخاه المأمونَ مِن ولاية عهدِ الخلافة، استخفى ثم ظهرَ في أيامِ المأمونِ، فأعاده المأمونُ إلى رتبتِه إلى أن مات.
بعد أن أنهى الله فتنةَ بابك الخرمي، وقضى عليه وعلى جيشِه الأفشينُ ومن معه، وقبض على بابك وحَبَسه وراسَلَ المعتَصِمَ فأمره بتسييرهم إليه, فدخل الأفشينُ وبِصُحبتِه بابك على المعتَصِم سامرَّا، ومعه أيضًا أخو بابك في تجمُّلٍ عظيم، وقد أمر المعتَصِمُ ابنَه هارونَ الواثِقَ أن يتلقَّى الأفشين، وأمَرَ بابك أن يركَبَ على فيلٍ ليُشهَرَ أمرُه ويعرفوه، وعليه قباءُ ديباج وقَلَنْسُوة سمور مدورة، وقد هيؤوا الفيل وخَضَبوا أطرافَه ولَبَّسوه من الحرير والأمتعة التي تليق به شيئًا كثيرا، ولَمَّا أُحضِرَ بين يدي المعتَصِم أمر بقطعِ يَدَيه ورجليه وجَزِّ رأسِه وشَقِّ بَطنِه، ثم أمرَ بحَملِ رأسِه إلى خراسانِ وصَلبِ جُثَّته على خشبةٍ بسامِرَّا، وكان بابك قد شَرِبَ الخمرَ ليلةَ قَتلِه. لَمَّا قتَلَ المعتَصِمُ بابك الخرميَّ توَّجَ الأفشينَ وقلَّدَه وِشاحَينِ مِن جوهرٍ، وأطلق له عشرينَ ألفَ ألف درهمٍ، وكتب له بولايةِ السِّندِ، وأمَرَ الشعراءَ أن يدخُلوا عليه فيمدحوه على ما فعلَ مِن الخيرِ إلى المسلمين، وعلى تخريبِه بلادَ بابك التي يقال لها البذُّ، وتَرْكِه إيَّاها قِيعانًا وخَرابًا.
سبَبُ ذلك أنَّ موسى بن موسى كان من أعيانِ قُوَّادِ عبد الرحمن، وهو العامِل على مدينةِ تَطيلة، فجرى بينه وبين القُوَّادِ تحاسُدٌ سنةَ سَبعٍ وعشرين، فعصِيَ موسى بن موسى على عبد الرحمنِ بنِ الحَكَم، فسَيَّرَ إليه جيشًا واستعمل عليهم الحارِثَ بنَ يزيغ والقُوَّاد، فاقتتلوا عند برجة، فقُتل كثيرٌ من أصحاب موسى، وقُتِلَ ابنُ عَمٍّ له، وعاد الحارِثُ إلى سرقسطة، فسيَّرَ موسى ابنَه ألب بن موسى إلى برجة، فعاد الحارِثُ إليها وحصَرَها فمَلَكَها وقتَلَ ابنَ موسى، وتقَدَّمَ إلى أبيه فطلبه فحضر، فصالحه موسى على أن يخرُجَ عنها، فانتقل موسى إلى أزبيط، وبقِيَ الحارث يتطَلَّبُه أيامًا ثم سار إلى أزبيط، فحصر موسى بها فأرسل موسى إلى غرسية، وهو مِن ملوك الأندلسيِّينَ المُشرِكينَ، واتَّفقا على الحارث، واجتمعا وجعلا له كمايِنَ في طريقِه، واتخذَ له الخيلَ والرِّجالَ بموضِعٍ يقال له بلمسة على نهرٍ هناك، فلمَّا جاء الحارِثُ النَّهرَ خرج الكُمَناءُ عليه، وأحدَقوا به، وجرى معه قِتالٌ شديد، وكانت وقعةً عظيمةً، وأصابه ضربةٌ في وجهِه فَلَقَت عينَه، ثم أُسِرَ في هذه الوَقعةِ، فلمَّا سَمِعَ عبدُ الرحمن خبَرَ هذه الوقعةِ، عَظُمَ عليه، فجهَّزَ عسكرًا كبيرًا واستعمل عليه ابنَه محمدًا، وسيَّرَه إلى موسى في شهر رمضان من سنة تسع وعشرين ومائتين، وتقَدَّمَ محمد إلى بنبلونة، فأوقع عندها بجمعٍ كثيرٍ مِن المشركين، وقُتِلَ فيها غرسية، وكثيرٌ من المشركين، ثم عاد موسى إلى الخلافِ على عبد الرحمن، فجَهَّزَ جيشًا كبيرًا وسَيَّرَهم إلى موسى، فلمَّا رأى ذلك طلَبَ المُسالَمةَ، فأُجيبَ إليها وأعطى ابنَه إسماعيلَ رهينةً، وولَّاه عبدُ الرحمن مدينةَ تطيلة، فسار موسى إليها فوصلها وأخرجَ كلَّ من يخافُه، واستقَرَّت تطيلةُ في عمالتِه.
ملك مدينة بخارى شهابُ الدولة هارون بن سليمان إيلك المعروفُ ببغراخان التركي، وكان له كاشغر وبلاساغون إلى حدِّ الصين، وكان سبَبُ ذلك أنَّ أبا الحسن بنَ سيمجور لَمَّا مات ووليَ ابنُه أبو عليٍّ خُراسانَ بعده، فسار نحو بخارى، وقصَدَ بلادَ السامانيَّة، فاستولى عليها شيئًا بعد شيءٍ، فسيَّرَ إليه نوح جيشًا كبيرًا، واستعمل عليهم قائدًا كبيرًا من قوَّادِه اسمه انج، فلَقِيَهم بغراخان، فهَزَمهم وأسرَ انج وجماعةً مِن القُوَّادِ، فلمَّا ظَفِرَ بهم قَوِيَ طَمَعُه في البلاد وسار بغراخان نحو بخارى، فلَقِيَه فائِقٌ، واختَصَّ به، وصار في جملته، ونازلوا بخارى، فاختفى الأميرُ نوح ومَلَكَها بغراخانُ، ولَمَّا نزل بغراخان بُخارى وأقام بها استوخَمَها، فلَحِقَه مَرَضٌ ثقيل، فانتقل عنها نحوَ بلاد الترك، فلما فارقها ثارَ أهلُها بعَسكَرِه ففَتَكوا بهم وغَنِموا أموالهم، ووافَقَهم الأتراكُ الغزية على النَّهبِ والقَتلِ لعَسكرِ بغراخان، فلما سار بغراخان عن بُخارى أدركه أجَلُه فمات، ولَمَّا سَمِعَ الأمير نوح بمسيرِه عن بخارى بادر إليها فيمن معه من أصحابه، فدخلها وعاد إلى دارِ مُلكِه ومُلكِ آبائه، وفَرِحَ أهلُها به وتباشَروا بقُدومِه.
هو أبو عبدِ اللهِ أحمَدُ بنُ نصرِ بن مالك بن الهيثم الخُزاعي المروزي، ثم البغدادي، الإمامُ الكبيرُ الشَّهيدُ، ثِقةٌ فاضِلٌ، مِن كبارِ العُلَماء الآمِرينَ بالمعروفِ والنَّاهينَ عن المُنكَر. كان أحمَدُ بنُ نصرٍ يُخالِفُ مَن يقولُ: القُرآنُ مخلوقٌ، ويُطلِقُ لِسانَه فيه، مع غِلظةِ بالواثق، وكان يقولُ- إذا ذكَرَ الواثِقَ: فعَلَ هذا الخِنزيرُ، وقال هذا الكافِرُ، وفشا ذلك، فكان يغشاه رجلٌ يُعرَفُ بأبي هارونَ الشَّداخ وآخَرُ يقال له طالب، وغيرُهما، ودَعَوا الناسَ إليه، فبايعوه على الأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المنكر، وفرَّقَ أبو هارون وطالِبٌ في الناسِ مالًا، فأعطيا كلَّ رجلٍ دينارًا، واتَّعَدوا ليلةَ الخميس لثلاثٍ خَلَت من شَعبانَ لِيَضرِبوا الطبلَ فيها ويثوروا على السُّلطانِ، فافتضحَ أمرُهم فأرسل الواثِقُ إلى أحمدَ بنِ نصرٍ، فأخَذَه وهو في الحمَّامِ، وحمل إليه، وفَتَّش بيته، فلم يوجَدْ فيه سلاحٌ، ولا شيءٌ من الآلاتِ، فسَيَّرَهم محمد بن إبراهيم إلى الواثِقِ مُقَيَّدينَ على أُكُفِ بِغالٍ ليس تحتَهم وِطاءٌ، إلى سامِرَّا وكان قد أعدَّ له مجلِسَ قضاءٍ، فقال الواثِقُ: ما تقولُ بالقرآنِ؟ قال: كلامُ اللهِ، فقال الواثِقٌ: أمخلوقٌ هو؟ قال: كلامُ الله. قال: فما تقولُ في ربِّك أَتَراه يومَ القيامة؟ قال: يا أميرَ المؤمنينَ، قد جاءت الأخبارُ عن رسولِ الله صلى اللهُ عليه وسلَّم، أنَّه قال: ((تَرَونَ ربَّكم يومَ القيامةِ كما تَرَون القمَرَ- قال- لا تُضامُونَ في رُؤيتِه)) فنحن على الخبَرِ، فقال الواثِقُ لِمَن حوله: ما تقولونَ فيه؟ فقال عبدُ الرحمن بن إسحاق- وكان قاضيًا على الجانبِ الغربيِّ- وعِزِّكَ يا أميرَ المؤمنينَ، هو حلالُ الدَّمِ، وقال بعضُ أصحابِ ابنِ أبي دؤاد: اسقِني دَمَه، وقال ابنُ أبي دؤاد: هو كافِرٌ يُستتابُ، لعلَّ به عاهةً ونقْصَ عَقلٍ، كأنَّه كَرِهَ أن يُقتَلَ بسَببِه، فقال الواثِقُ: إذا رأيتُموني قد قمتُ إليه، فلا يقومَنَّ أحَدٌ، فإنِّي أحتَسِبُ خطايَ إليه، ودعا بالصَّمصامة- سيفِ عمرِو بنِ مَعدِيَكرِب الزبيدي- ومشى إليه، وهو في وسط الدار على نِطعٍ، فضربه على حبلِ عاتِقِه، ثمَّ ضربَ سيما الدمشقيُّ رقبَتَه، وحزَّ رأسَه، وطعنه الواثِقُ بطَرفِ الصمصامة في بطنِه، وحُمِلَ رأسُه إلى بغداد فنُصِبَ بها وأقيمَ عليه الحرَسُ، وكتَبَ في أذُنِه رقعة: هذا رأسُ الكافرِ، المُشرِك الضالِّ، أحمد بن نصر؛ فلم يزَلْ مَصلوبًا ستَّ سنين، ثمَّ حُطَّ وجُمِعَ بين رأسِه وبدنِه، ودفن بالجانبِ الشَّرقيِّ مِن بغداد في عهد المتوكِّل، وتتبَّعَ الواثِقُ أصحابَ أحمدَ بنِ نصر، فجُعِلوا في الحُبُوس، فرحمةُ اللهِ على أحمدَ بنِ نَصرٍ، وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ذكره الإمامُ أحمدُ بنُ حنبل يومًا، فقال: "رَحِمَه اللهُ، ما كان أسخاه بنَفسِه لله! لقد جاد بنَفسِه له".
هاجت الفتنةُ بدِمشقَ بين المُضَريَّة واليمانية، وكان رأس المضرِيَّة أبو الهيذام، واسمُه عامر بن عمارة بن خريم أحَد الفُرسان المشهورين، وكان سببُ الفتنة أنَّ عامِلًا للرشيد بسجستان قَتَل أخًا لأبي الهيذام، فخرج أبو الهيذامِ بالشام، وجمعَ جمعًا عظيمًا فرثى أخاه بأبياتٍ، ثمَّ إنَّ الرشيد احتال عليه بأخٍ له كتَبَ إليه فأرغَبَه، ثم شَدَّ عليه فكَتَّفه، وأتى به الرشيدَ، فمَنَّ عليه وأطلقه. وقيل: كان أوَّل ما هاجت الفتنةُ في الشام أنَّ رجُلًا من بني القين اقتتل مع رجلٍ مِن لخم أو جذام، فقُتِلَ رجلٌ من اليمانية، وطلبوا بدَمِه، فاجتمعوا لذلك، وكان على دمشق حينئذ عبدُ الصمد بن علي، فلمَّا خاف الناسُ أن يتفاقمَ ذلك اجتمع أهلُ الفَضلِ والرؤساءُ ليُصلِحوا بينهم، فأتوا بني القين فكَلَّموهم، فأجابوهم إلى ما طلَبوا فأتوا اليمانية فكلَّموهم، فقالوا: انصَرِفوا عنا حتى ننظُرَ، ثم ساروا فبيَّتوا بني القين، فقَتَلوا منهم ستَّمائة، وقيل ثلاثمائة، فاستنجَدَت القين قضاعة وسليحا فلم ينجدوهم، فاستنجدت قيسًا فأجابوهم، وساروا معهم إلى الصواليك من أرض البلقاء، فقتلوا من اليمانية ثمانمائة، وكثُرَ القتال بينهم فالتَقَوا مرَّات. وعُزِل عبد الصمد عن دمشق، واستُعمِلَ عليها إبراهيم بن صالح بن علي، فدام ذلك الشَّرُّ بينهم نحو سنتين، والتقَوا بالبثنية، فقُتِلَ من اليمانية نحوُ ثمانمائة، فأعادوا أيامَ الجاهلية، وقد هُدِّمَ سور دمشق حين ثارت الفتنةُ؛ خوفًا من أن يتغلب عليها أبو الهيذام المزِّي رأسُ القيسية، فلمَّا تفاقم الأمرُ بعث الرشيدُ مِن جهته موسى بن يحيى بن خالد ومعه جماعةٌ مِن القُوَّاد ورؤوس الكُتَّاب، فأصلحوا بين الناسِ، وهدأت الفتنةُ واستقام أمرُ الرعيَّة، وحملوا جماعاتٍ من رؤوس الفتنة إلى الرشيد، فرَدَّ أمرَهم إلى يحيى بن خالد، فعفا عنهم وأطلَقَهم.
أَمَرَ سُليمانُ بن عبدِ الملك أَخاهُ مَسلمَة بالسَّيْرِ إلى القُسطنطينيَّة وألَّا يَعود حتَّى يَفتَحها، فَجَهَّزَهُ بمائةٍ وعشرين ألفًا في البَرِّ، ومائةٍ وعشرين ألفًا مِن المُقاتِلَة في البَحْرِ، وأَخرَج لهم الأُعْطِيات، وأَنفَق فيهم الأَموالَ الكَثيرَة، وأَعلَمَهم بِغَزْوِ القُسطنطينيَّة والإقامَة عليها إلى أن يَفتَحوها، ولمَّا اجْتَمَع العَساكِر عند سُليمان أَمَّرَ عليهم أَخاه مَسلمَة، وكان معه داودُ بن سُليمان بن عبدِ الملك, فسار الجَيْش إلى أن نَزلُوا على القُسطنطينيَّة فحاصَرَها عامًا كامِلًا فشَتَوْا وصافُوا بها، حتَّى عَرَضَ أَهلُها الجِزْيَةَ على مَسلمَة، فأَبَى إلَّا أن يَفتَحها عَنْوَةً, وبَقوا مُحاصِرين القُسطنطينيَّة دون جَدْوَى إلى أن تُوفِّيَ سُليمان بن عبدِ الملك في العاشِر مِن صَفَر سَنَة 99هـ، وتَوَلَّى عُمَرُ بن عبدِ العزيز الخِلافَةَ، فعادوا إلى الشَّامِ دون أن يَفتَحوا القُسطنطينيَّة.
لَمَّا قام محمد بالمدينة ودعا لنفسه خرج أخوه إبراهيم في البصرة ودعا للبيعة، وقوِيَ أمره ثم غلبَ عليها وبايعه أهلُ الأهواز كذلك واستحوذَ على البلاد، وبعث إبراهيم إلى بلاد فارس فأخَذَها، وكذلك واسِط والمدائن والسَّواد، واستفحل أمرُه جدًّا، ولكنْ لَمَّا جاءه نعيُ أخيه محمد انكسر جدًّا، ثم إنَّ المنصورَ استدعى عيسى بن موسى وجيشَه وسيَّرَه لقتال إبراهيم حتى هزمه في موقعة باخمرا، وقُتِلَ إبراهيمُ كذلك وأُخِذَ رأسُه إلى المنصور، وكان ذلك في ذي الحجَّةِ من هذا العام،
لما قَدِمَ المهتار عبدالرحمن الكرك أظهر كتبًا إلى الأمير سودون الظريف نائب الكرك باستعدادِه لحرب الأمير أيتمش، فاختلف أهلُ الكرك وافترقوا فرقتين: قيسية، ويمانية؛ فرأسَ قيسًا قاضي الكرك شرف الدين موسى ابن قاضي القضاة عماد الدين أحمد الكركي. ورأَسَ اليمن الحاجبُ شعبان بن أبي العباس. ووقعت فتنةٌ نُهِب فيها رحل المهتار عبد الرحمن والخِلعة التي أحضرها إلى النائب، وامتدَّت إلى الغور فنُهب، ورحل أهله وفَرَّ عبد الرحمن إلى جهة مصر. وكانت بين الطائفتين مقتلةٌ قُتِل فيها سِتَّةٌ، وجُرِح نحوُ المائة. وانتصر ابنُ أبي العباس ممَّن معه من يمن؛ لِمَيل النائب معهم على قيس، وقُبِض على القاضي شرف الدين موسى وأخيه جمال الدين عبد الله، وذُبِحا ومعهما ثمانيةٌ من أصحابهما، وأُلقوا في بئر من غير غسل ولا كفن، وأُخِذَت أموالُهم كُلُّها.
لما توفِّيَ الأمير أبو الحسن علي بن موسى بن راشد مختطُّ مدينة شفشاون في شمال المغرب، وبقِيَت بيد أولاده يتولَّون رياستها ولم يزالوا فيها بين سِلمٍ وحرب إلى أن حاصرهم بها الوزير أبو عبد الله محمد بن عبد القادر ابن السلطان محمد الشيخ السعدي بجيوشِ عَمِّه السلطان أبي محمد عبد الله الغالب بالله، وصاحب شفشاون يومئذ الأمير الفاضل أبو عبد الله محمد ابن الأمير أبي الحسن علي بن موسى بن راشد، فلمَّا اشتَدَّ عليه الحصارُ خرج فيمن إليه من أهله وولده وقرابته، وصعدوا الجبلَ المطِلَّ على شفشاون، وذلك ليلة الجمعة الثاني من صفر من هذه السنة، وساروا إلى ترغة، فركبوا منها البحر يوم الجمعة تاسِعَ من هذا الشهر واستقَرَّ الأمير أبو عبد الله بالمدينة النبوية إلى أن مات بها.
هو بهاءُ الدَّولةِ أبو نَصرِ بنُ عَضدِ الدَّولة بنِ بُوَيه الديلميُّ الشيعيُّ، وهو المتحَكِّمُ حينئذٍ بالعراقِ، خلع بهاءُ الدَّولةِ الخليفةَ الطائِعَ للهِ، ونصَبَ القادرَ باللهِ مَكانَه. بينما كان هو خاضِعًا للسُّلطانِ محمودِ بنِ سبكتكين، مُداريًا له، مُؤثِرًا لمُصافاتِه بحُكمِ الجِوارِ. كان مرَضُه الذي مات فيه تتابع الصَّرَع مثل مرَضِ أبيه، وكان موتُه بأرجان، وحُمِلَ إلى مشهد أميرِ المؤمنين عليٍّ، فدُفِنَ عند أبيه عَضُدِ الدَّولة، وكان مُلكُه 24 سنة، وقيل 22 سنة، وعمره 42 سنة و9 أشهر، ولَمَّا توفِّيَ وَلِيَ المُلكَ بعده ابنُه سلطان الدَّولة أبو شُجاع، وسار من أرجان إلى شيراز، وولَّى أخاه جلالَ الدَّولةِ أبا طاهر بنَ بهاء الدَّولة البَصرةَ، وأخاه أبا الفوارِسِ كرمان. بقيَ أبو شجاعٍ في المُلكِ 12 سنة، وأَخَذَت الدَّولةُ البُويهيَّة تتناقَصُ خِلالَها.