لما قَدِمَ المهتار عبدالرحمن الكرك أظهر كتبًا إلى الأمير سودون الظريف نائب الكرك باستعدادِه لحرب الأمير أيتمش، فاختلف أهلُ الكرك وافترقوا فرقتين: قيسية، ويمانية؛ فرأسَ قيسًا قاضي الكرك شرف الدين موسى ابن قاضي القضاة عماد الدين أحمد الكركي. ورأَسَ اليمن الحاجبُ شعبان بن أبي العباس. ووقعت فتنةٌ نُهِب فيها رحل المهتار عبد الرحمن والخِلعة التي أحضرها إلى النائب، وامتدَّت إلى الغور فنُهب، ورحل أهله وفَرَّ عبد الرحمن إلى جهة مصر. وكانت بين الطائفتين مقتلةٌ قُتِل فيها سِتَّةٌ، وجُرِح نحوُ المائة. وانتصر ابنُ أبي العباس ممَّن معه من يمن؛ لِمَيل النائب معهم على قيس، وقُبِض على القاضي شرف الدين موسى وأخيه جمال الدين عبد الله، وذُبِحا ومعهما ثمانيةٌ من أصحابهما، وأُلقوا في بئر من غير غسل ولا كفن، وأُخِذَت أموالُهم كُلُّها.
بعد هزيمةِ علي بك أمام أبي الذهب محمد بك اتَّجه علي بك إلى الشامِ، فاتفق مع (ظاهر) ظاهر العمر فاستطاعا أن يسيطرا على صفد، ثم ينطلق منها إلى الجهات الثانية فدخل عكا وتسلَّم ولايتها، واضطر السلطان أن يعترف بذلك لانشغاله بالحربِ مع الروس التي دعمت علي بك وظاهر العمر لمحاربة العثمانيين، فسارا إلى صيدا لاحتلالها والتقيا بالعثمانيين خارجها وانتصرا على جيوش الدولة العثمانية بدعمٍ مِن الأسطول الروسي في البحر المتوسط يتابعُهم ويدعمهم ويضربُ القوات العثمانية حتى ضربت بيروت وخربت جزءًا منها، ثم عاد علي بك إلى مصرَ ليتخلص من أبي الذهب محمد بك، وبذلك يحمي ظهرَه ليتابع مسيرته إلى الأناضول، فسار إلى مصر ومعه أربعمائة جندي روسي، وذلك في مطلع عام 1187هـ فالتقى الطرفان وانتصر أبو الذهب وقَتَل كلَّ من كان مع علي بك الذي توفِّيَ فيما بعد متأثرًا بجراحِه.
حج الإمامُ سعود بن عبد العزيز الحَجَّة الخامِسةَ برعاياه من جميعِ النواحي ودخل مكَّةَ واعتمر وحَجَّ ونصل قصر الشمالي المعروف في البياضة وأقام فيه, والشريف غالب يزورُه كُلَّ وقتٍ وهو لسعود بمنزلةِ أحدِ نوَّابه وأمرائه الذين في نجدٍ بالسَّمعِ والطاعة, وفشا الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر في مكةَ، فلا يُشرَبُ التنباك في الأسواق، وأمر سعود أن يُجعَلَ في أسواقها مَن يأمرُ بالصلاةِ إذا دخل وقتُها, وبذل سعود لغالبٍ هدايا وتحفًا جزيلةً وأعطاه غالِبٌ مِثلَ ذلك, ثم ارتحل الإمامُ منها إلى وطنِه، وبعث إلى المدينة مرابِطةً مِن جميع نواحي نجدٍ بدَلَ المرابِطة الذين فيها في القلعة، وهذه عادته في الثغور يجعلُهم فيها سَنةً ثمَّ يستبدل بهم غيرَهم؛ ليرجعوا إلى أهاليهم. ولم يحُجَّ في هذه السنة أحدٌ من أهل الشام ومصر والعراق والمغرب وغيرهم إلَّا شِرذمةٌ من أهل المغرب حجُّوا بأمانٍ وسلامٍ.
الأرطاوية موقع على طريق القوافل من الكويت إلى القصيم بالقرب من الزلفي، فيه مجموعة من الآبار، وأول من سكنها كان عددٌ من أهالي مدينة حرمة يقَدَّر عددهم بثلاثين رجلًا، وكانوا قد ارتحلوا في هذا العام من حرمة إلى الأرطاوية؛ بسبب نزاع دبَّ بينهم وبين أهلها حول تشدُّدهم الديني. فلما لم يطِبْ لهم المقام في حرمة اختاروا موضِعَ الأرطاوية حيث الآبار والموارد وجودة المرعى، ثم نزلها إحدى عشائر العريمات وشيخها قويعد بن الصريمة، وهي قسم من قبيلة حرب، بعد أن باعوا خيلها وجمالها وما عندها من العروض والأموال في سوق الكويت وغيره، وهبطت الأرطاوية فبَنَت فيها الدور وشرعت تُعنى بأمرين: الزراعة والعلم، وقد أهمل أفرادُها كلَّ شيء سواهما. ثم بعد معركة جراب أعطيت الأرطاوية لفيصل الدويش وجماعته من مطير الذي يعتبر المؤسِّس الحقيقي والزعيم لهجرة الأرطاوية، ثم بعد ذلك نشأت هجرة الغطغط وبعده تتابع نشوءُ الهجر.
بعد أن تنازل المَلِكُ فاروق مجبَرًا عن الملك لابنِه ولي العهد أحمد فؤاد الثاني، لم يكن للملك الجديد أيُّ عمل؛ إذ كان ما يزال طفلًا تحت الوصاية، وكان الأمر والنهي كله بيد قادةِ ثورة يوليو الضبَّاط الأحرار الذين أجبروا أباه على التنازُلِ، وفي 6 شوال / 18 حزيران أصدر مجلِسُ قيادة الثورة قرارًا بإلغاء النظام الملكي وإعلان النظامِ الجمهوري بمصر، وبعد أن عدَّد القرارُ سلبياتِ الأسرةِ الحاكمة من خيانةٍ وعبوديةٍ وعدم احترام للدستور، إلى غير ذلك، أعلن البيان الموقَّع من مجلس قيادة الثورة الجمهورية تولي اللواء محمد نجيب قائدِ الثورة رئاسةَ الجمهورية مع احتفاظه بسُلُطاتِه في ظِلِّ الدستور المؤقَّت الصادر في 10 شباط 1953م، ويستمِرُّ هذا النظام طوالَ فترة الانتقال، ويكونُ للشَّعبِ تحديدِ نوعِ الجمهورية، واختيار الرئيس عند إقرار الدستور الجديد.
تغيَّب عن هذه القِمة (غير العادية) كلٌّ من مصرَ ولِيبيا، وشاركت فيها 19 دولةً عربيةً، اعترَفَت ضِمنيًّا -ولأوَّلِ مرَّةٍ- بحقِّ إسرائيلَ في الوُجود. وصدَر عنه بيانٌ خِتامي تضمَّن مجموعةً مِن القرارات؛ أهمُّها:
- إقرارُ مَشروع السلامِ العربيِّ مع إسرائيلَ، وأهمُّ ما تضمَّنه: انسحابُ إسرائيلَ من جميع الأراضي العربيةِ التي احتلَّتها عام 1967م، وإزالةُ المستعمراتِ الإسرائيليةِ في الأراضي التي احتُلَّت بعد عام 1967م، وقيامُ الدولة الفِلَسطينية المستقِلةِ وعاصِمَتُها القدسُ، وتأكيدُ حقِّ الشعب الفِلَسطيني في تَقريرِ مَصيره، وتعويضُ مَن لا يَرغَبُ بالعودةِ.
- الإدانةُ الشديدةُ للعُدوان الإسرائيلي على الشعبينِ اللُّبناني والفِلَسطيني.
- بخُصوص الحربِ العراقيةِ الإيرانيةِ، دعا المؤتمرُ إلى ضَرورة التزامِ الطرفينِ لِقَرارات مجلسِ الأمن، وأعلَنَ أنَّ أيَّ اعتداء على أيِّ قُطْرٍ عربيٍّ اعتداءٌ على البلاد العربية جميعًا.
- مُساندة الصومالِ في مُواجهة وإخراج القوةِ الأثيويبيةِ مِن أراضيها.
تُوفي الشيخ رزق خليل حبَّة شيخُ عمومِ المقارئِ المصريةِ سابقًا، وقد وُلد بقرية كفر سليمان البحري بمحافظة دمياط شماليَّ مصرَ سنةَ 1918م
استمع إلى الشيخ أبي العينين شعيشع، وكان لا يزال فتًى صغيرًا، فأثَّرَ فيه تأثيرًا كبيرًا، فعزم على حفظ القرآنِ، وحفِظَه على الشيخ حسن سعيدة شيخ قريته، انتسب الشيخ رزق إلى الأزهر، ودرس فيه، ونال شهادةَ تخصُّص القراءات من كلية اللغة العربية، وعمِل مدرسًا بمعهد القراءات الثانوي بالخازندار (وكيل الخزانة)، ثم مفتشًا على مستوى الجمهورية من 1969م، حتى 1979م، ثم عُيِّنَ شيخًا للمقارئ المصرية سنةَ 1981م لشؤون المقرئين والمحفِّظين، ثم شيخًا لعمومِ المقارئِ المصرية سنةَ 1989م خلَفًا للشيخ عامر السيد عثمان، وكان الشيخ عضوًا بلجان تصحيح المصاحف، ولجنة اختبار القُرَّاء بالإذاعة.
حدَّدت منظمةُ الأُمم المتحدة للتربيةِ والعلوم والثَّقافة المشهورةُ باليونسكو اليوم الـ(18) من ديسمبر في كلِّ عامٍ يومًا عالميًّا للُّغة العربية، وذلك ضِمنَ الأيَّام الدولية التي تحتفِلُ بها المنظَّمة. وجاء قرارُ المَجلسِ التنفيذيِّ للمنظَّمة بناءً على طلبِ المملكة العربية السعودية والمغرب. وسبق أنْ بدَأَت المجموعةُ العربية لدى اليونسكو في ترتيب الاحتفالِيَّة الأولى لهذه المناسَبة وقامت بتدشينِ شعارٍ لليَومِ العالميِّ. واللغةُ العربية هي لغة (22) دولةً من الدُّول الأعضاء في اليونسكو، وهي لغةٌ رسميَّة في المنظَّمة، ويتحدَّث بها ما يزيد عن 422 مليون عربيٍّ، ويحتاج إلى استِخدامِها أكثرُ من مليارٍ ونصفٍ من المسلمين. وكانت الجمعيَّةُ العامَّة للأُمَم المتحدة في دورَتِها الثامنةِ والعشرين عامَ (1973م) قد اعتمَدَت اللغةَ العربيةَ ضِمنَ اللُّغاتِ الرسميَّةِ ولُغاتِ العملِ في الجمعيَّة العامَّة ولِجانِها الرئيسيَّةِ، إلى جانبِ الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والصِّينية والرُّوسية.
خرج مئاتُ الآلافِ من مسلِمي إثيوبيا في مظاهراتٍ كبيرةٍ بالعاصمة الإثيوبيَّة أديس أبابا وعدةِ مدنٍ أُخرى؛ استجابةً لدعوةِ ناشِطين في حركة "ليُسمع صوتُنا" الإثيوبية، وطالَبوا بحقِّهم في ممارسةِ شعائِرِهم الدينية دونَ تدخُّلِ الحكومة. ومنذ عامٍ أطلَق المسلِمون كلَّ أسبوعٍ دعوةً للحكومةِ إلى الالتزامِ بالدُّستور الإثيوبي الذي يحرِّم عليها التدخُّلَ في شؤونِ الأديان. وازداد غضبُ المسلمين بعد اعتقالِ اللجنةِ الممثِّلةِ لمَطالِبِهم لدى الحكومة، وبعد ظهورِ فيلم على القناة الرسمية الإثيوبية يتَّهِمُهم بالإرهاب دون إدانةٍ من المَحكمةِ. ورفض مسلِمُو إثيوبيا جميعَ التُّهم الموجَّهة إليهم من الحكومة. وبحسبِ الإحصاءات الرسميَّة فإنَّ عدد المسلمين يبلُغ نحو (34%) من تَعدادِ إثيوبيا، الذي يبلُغ حوالَي (85) مليون نسمة، كما نظَّم آلافُ المسلمين مظاهراتٍ متفرِّقةً من وقتٍ لآخرَ في العاصمة الإثيوبية ضدَّ تشجيعِ الحكومةِ لطائِفَةِ الأحباش!
عالمٌ ومُفكِّرٌ شِيعيٌّ لبنانيٌّ، وُلِدَ في بلدة شقرا قضاء بنت جبيل سنة 1316هـ الموافق 1946م، درس الابتدائيَّةَ والمتوسِّطةَ في بلدتِه، ودرس على والِدِه في علومِ اللُّغةِ والنَّحوِ والصَّرفِ والمنطِقِ.
هاجر إلى النجف عام ١٣٨٠هـ الموافق 1960م، فدخل كليَّةَ الفِقهِ وتخرَّج منها في العام ١٣٨٧هـ الموافق 1967م، ثم تابع دراساتِه العُليا حتى العام ١٣٩٢هـ الموافق 1972م؛ حيث عاد إلى جبل عامل، وسكن بلدتَه شقراء حتى العام ١٣٩٥هـ الموافق 1975م.
عُيِّن قاضيًا في مدينةِ صور حتى عام ١٣٩٧هـ الموافق 1977م؛ حيث انتقل إلى مدينة صيدا، وبَقِيَ رئيسًا لمحكمتِها حتى سنة ١٤١٨هـ الموافق 1997م، ثم نُقِلَ إلى المحكمةِ العُليا مُستشارًا.
ألَّف عددًا من الكُتُبِ؛ منها: الاجتماعُ العربيُّ الإسلاميُّ، نَقْد العَلْمَنة والفِكر الدِّيني، بين القوميَّة والإسلامِ، الإسلامُ والديمقراطيَّة، مساهماتٌ في النَّقدِ العربيِّ.
تُوفِّيَ بعد إصابتِه بفيروس كورونا.
وُلِد الشَّيخُ صالح بمدينةِ البَكيريَّةِ بمِنطَقةِ القصيمِ عام 1350 هـ، تخرَّج في كليَّةِ الشَّريعةِ بالرِّياضِ عام 1379هـ، وعَمِل بعدَ تخرُّجِه سكرتيرًا وملازِمًا قضائيًّا لمفتي الدِّيارِ السُّعوديَّةِ السَّابقِ الشَّيخِ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ آل الشَّيخِ، ثمَّ مُساعًدا لرئيسِ المحكمةِ الكُبرى في الرِّياضِ، ثمَّ صار رئيسًا للمَحكَمةِ عام 1384هـ، حصل على رسالةِ الماجستيرِ مِن المعهدِ العالي للقَضاءِ عامَ1389هـ،ثمَّ عُيِّنَ قاضي تمييزٍ وعُضوًا في الهيئةِ القضائيَّةِ العُليا.
وفي عام 1402هـ عُيِّنَ رئيسًا للهيئةِ الدَّائمةِ في المجلِسِ الأعلى للقَضاءِ، ثمَّ رئيسًا للمَجلِسِ في الهيئةِ العامَّةِ والدَّائمةِ، واستمرَّ كذلك حتى العام 1430هـ.
كان عضوًا في هيئةِ كبارِ العُلَماءِ، وعُضوًا في رابطةِ العالَمِ الإسلاميِّ، وكان إمامًا وخطيبًا.
توفِّيَ رحمه اللهُ عن عُمرٍ ناهز 90 عامًا بعد مُعاناةٍ مع المرَضِ.
هو أبو مُحرِزٍ الجَهْمُ بنُ صَفوانَ التِّرمِذيُّ، من أهلِ بَلخٍ، مولًى لبني راسِبٍ، ظهر في المائةِ الثَّانيةِ من الهِجرةِ، وهو حامِلُ لواءِ الجَهْميَّةِ ورأسُها، وإليه تنتَسِبُ، وقد ظهَرت بِدعتُه بتِرمِذَ .وكان قد خرج مع الحارِثِ بنِ سُرَيجٍ الذي تمرَّد على الدَّولةِ الأُمويَّة، وقتَله سَلْمُ بنُ الأحوَزِ المازنيُّ بمَرْوٍ نحوَ سنةِ 128 هـ .وقد كان أوَّلَ من أشهَر بدعةَ القَولِ بخَلقِ القرآنِ وتعطيلِ اللهِ عن صفاتِه. وكان يُنكِرُ الصِّفاتِ، ويُنزِّهُ الباريَ عنها بزَعمِه، ويقولُ: الإيمانُ عَقدٌ بالقلبِ، وإن تلفَّظ بالكُفرِ، ويزعم أنَّ اللهَ ليس على العَرشِ بل في كُلِّ مكانٍ، وقد قيل: إنَّه كان يُبطِنُ الزَّندقةَ، واللهُ أعلَمُ بذلك .وأخَذ مقالاتِ شيخِه الجَعْدِ بنِ دِرهَمٍ فأظهَرها، واحتجَّ لها بالشُّبُهاتِ العقليَّةِ ، فقد كان كثيرَ الِجدالِ والخُصوماتِ والمُناظَراتِ، ولم يكُنْ له بصرٌ بعلمِ الحديثِ، ولم يكنْ من المهتمِّينَ به، ولم يُعَدَّ من أهلِ العِلمِ قطُّ؛ إذ شغله علمُ الكلامِ عن ذلك، وقد نبَذ عُلَماءُ السَّلَفِ أفكارَه، وشنَّعوا عليه، ومَقَتوه أشَدَّ المَقْتِ .قال أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ: (الجَهْمُ وشيعتُه دَعَوا النَّاسَ إلى المُتشابهِ من القُرآنِ والحديثِ، فضلُّوا وأضلُّوا بكلامِهم بَشَرًا كثيرًا، فكان ممَّا بلغَنا من أمرِ الجَهْمِ عَدُوِّ اللهِ أنَّه كان من أهلِ خُراسانَ؛ من أهلِ تِرمِذَ، وكان صاحِبَ خُصوماتٍ وكلامٍ، وكان أكثَرُ كلامِه في اللهِ تعالى، فلقِيَ أُناسًا من المُشرِكين يقالُ لهم: السُّمَنِيَّةُ، فعرفوا الجَهْمَ، فقالوا له: نُكلِّمُك، فإن ظهَرَت حُجَّتُنا عليك دخَلْتَ في دينِنا، وإن ظهَرت حُجَّتُك علينا دخَلْنا في دينِك، فكان ممَّا كلَّموا به الجَهْمَ أن قالوا له: ألسْتَ تزعُمُ أنَّ لك إلَهًا؟ قال الجَهْمُ: نعم. فقالوا له: فهل رأيتَ إلهَك؟ قال: لا. قالوا: فهل سمِعتَ كلامَه؟ قال: لا. قالوا: فشَمِمْتَ له رائحةً؟ قال: لا. قالوا: فوجَدْتَ له حِسًّا؟ قال: لا. قالوا: فوجَدْت له مجَسًّا؟ قال: لا. قالوا: فما يُدريك أنَّه إلهٌ؟ قال: فتحيَّرَ الجَهْمُ، فلم يَدرِ مَن يعبُدُ أربعينَ يومًا!) .فبَقِيَ أربعين يومًا لا يَعبُدُ شيئًا! ثُمَّ لَمَّا خلا قلبُه من معبودٍ يألهُه، نقَش الشَّيطانُ اعتقادًا نَحَتَه فِكرُه، فقال: إنَّه الوجودُ المُطلَقُ! ونفى جميعَ الصِّفاتِ، واتَّصل بالجَعْدِ بنِ دِرهَمٍ .ذُكِر الجَهْمُ عِندَ عبدِ اللهِ بنِ المبارَكِ، فقال: (عَجِبتُ لشيطانٍ أتى إلى النَّاسِ داعيًا إلى النَّارِ، واشتَقَّ اسمَه عن جَهنَّمَ!) .وقال أبو مُعاذٍ البَلْخيُّ: (كان جَهْمٌ على مَعبَرِ تِرمِذَ، وكان رجُلًا كوفَّي الأصلِ، فصيحَ اللِّسانِ، لم يكُنْ له علمٌ، ولا مجالَسةٌ لأهلِ العلمِ، كان تكلَّم كلامَ المُتكلِّمينَ، وكلَّمه السُّمَنيَّةُ فقالوا له: صِفْ لنا ربَّك الذي تعبُدُه، فدخل البيتَ لا يخرُجُ كذا وكذا، قال: ثُمَّ خرج عليهم بَعدَ أيَّامٍ، فقال: هو هذا الهواءُ مع كُلِّ شيءٍ، وفي كُلِّ شيءٍ، ولا يخلو منه شيءٌ، قال أبو مُعاذٍ: كَذَب عَدُوُّ اللهِ، إنَّ اللهَ في السَّماءِ على عَرشِه، وكما وصَفَ نَفْسَه) .وقال يزيدُ بنُ هارونَ: (لعَنَ اللهُ الجَهْمَ ومَن قال بقَولِه، كان كافرًا جاحدًا، ترك الصَّلاةَ أربعينَ يومًا، يزعُمُ أنَّه يرتادُ دينًا، وذلك أنَّه شَكَّ في الإسلامِ).وقال ابنُ تيميَّةَ: (أوَّلُ من عُرِف في الإسلامِ أنَّه أنكَر أنَّ اللهَ يحِبُّ أو يُحَبُّ: الجَهْمُ بنُ صَفوانَ، وشيخُه الجَعْدُ بنُ دِرهَمٍ، وكذلك هو أوَّلُ من عُرِف أنَّه أنكر حقيقةَ تكليمِ اللهِ لموسى وغيرِه، وكان جَهْمٌ ينفي الصِّفاتِ والأسماءَ، ثُمَّ انتقَل بعضُ ذلك إلى المُعتَزِلةِ وغيرِهم، فنفَوا الصِّفاتِ دونَ الأسماءِ، وليس هذا قَولَ أحدٍ مِن سلَفِ الأمَّةِ وأئمَّتِها).
في هذه السَّنَةِ استَولَى الفِرنجُ على مَدينةِ طُليطِلة من بِلادِ الأندلس، وأَخذُوها من المسلمين، وهي من أَكبرِ البلادِ وأَحصَنِها. وسببُ ذلك أن الأذفونش، (ألفونسو السادس) مَلِكَ قشتالة، كان قد قَوِيَ شَأنُه، وعَظُمَ مُلكُه، وكَثُرت عَساكِرُه، مُذ تَفرَّقَت بِلادُ الأندلس، وصار كلُّ بَلدٍ بِيَدِ مَلِكٍ، كما دَبَّ النِّزاعُ بينهم واستَعانوا بالفِرنجَةِ على بَعضٍ، فحينئذٍ طَمِعَ الفِرنجُ فيهم، وأَخَذوا كَثيرًا من ثُغورِهم. وكان ألفونسو خَدَمَ صاحِبَ طُليطلة القادرَ بالله بنَ المأمونِ بن يحيى بن ذي النونِ، وعاش في طُليطلة سَنواتٍ، فعَرِفَ مِن أين يُؤتَى البلدُ، وكيف الطريقُ إلى مُلْكِها, ولم يكن أحدٌ من مُلوكِ الطَّوائفِ قادِرًا على نَجْدَتِها، حتى إنَّ المُعتَمِدَ بن عبَّاد صاحِبَ أشبيلية وهو أَقوَى مُلوكِ الطَّوائفِ لمَّا رَأى استِفحالَ أَمرِ ألفونسو وقُوَّتَه رَأى أن يَعقِدَ مُهادَنةً وصُلْحًا معه يَأمَن بها على أَراضِيه، فبَعَثَ وَزيرَهُ ابنَ عمَّارٍ لِيَتفاوَضَ مع ألفونسو، وتَمَّت المُعاهدَةُ والاتِّفاقُ على بُنودٍ منها: أن يُؤَدِّي المُعتَمِدُ الجِزيةَ سَنويًّا, ويُسمَح للمُعتَمِد بِغَزْوِ أراضي طُليطلة الجنوبية على أن يُسَلِّم منها إلى ألفونسو الأراضي الواقعةَ شمالي طليطلة, و لا يَعتَرِض المُعتَمِد على استِيلاءِ ألفونسو على طُليطلة, وفي شَوَّال سَنةَ 474هـ ضَربَ ألفونسو الحِصارَ على طُليطلة، وشَدَّدَ غاراتَه عليها، وظلَّ على ذلك أَربعَ سَنواتٍ كاملةً؛ يُخَرِّب في الزُّروعِ والأراضي والقُرى، وعاشَ الناسُ في ضِيقٍ وكَربٍ، وليس بين المسلمين مُجِيرٌ، قال ابنُ بسام: "دَخلَ على الأذفونش يومئذٍ جَماعةٌ فوَجَدوه يَمسَح الكرى من عَينيهِ، ثائرَ الرَّأسِ، خَبيثَ النَّفْسِ، فأَقبلَ عليهم بوَجهٍ كَريهٍ، وقال لهم: إلى متى تَتَخادَعون، وبأيِّ شَيءٍ تَطمعون؟ قالوا: بِنا بُغيَةٌ، ولنا في فُلانٍ وفُلانٍ أُمنِيَّةٌ، وسَمُّوا له بَعضَ مُلوكِ الطَّوائفِ، فصَفَّقَ بِيَديهِ، وتَهافَت حتى فَحَصَ برِجلَيهِ، ثم قال: أين رُسُلُ ابنِ عبَّادٍ؟ فجِيءَ بهم يَرفُلون في ثِيابِ الخَناعَةِ، وينبسون بأَلسِنَةِ السَّمعِ والطَّاعةِ. فقال لهم: مُذ كم تَحُومون عليَّ، وتَرومون الوصولَ إليَّ؟ ومتى عَهْدِكم بفُلانٍ؟ وأين ما جِئتُم به ولا كُنتم ولا كان؟ فجاءوا بجُملَةِ مِيرَةٍ، وأَحضَروها, ثم ما زادَ على أن رَكَلَ ذلك برِجلِه، وأَمَرَ بانتِهابِه كُلِّهِ؛ ولم يَبقَ مَلِكٌ من مُلوكِ الطَّوائفِ إلا أَحضرَ يَومئذٍ رُسُلَه، وكانت حالُه حالَ مَن كان قَبلَه. وجَعلَ أَعلاجَه يَدفَعون في ظُهورِهم، وأَهلُ طُليطلة يَعجَبون مِن ذُلِّ مَقامِهم ومَصيرِهم، فخَرجَ مَشيَختُها من عندِه وقد سُقِطَ في أَيدِيهم. وطَمِعَ كلُّ شيءٍ فيهم. وخَلُّوا بينه وبين البلدِ، ودَخلَ طُليطلة على حُكمِه، وأَثبَتَ في عَرصَتِها قَدَمَ ظُلمِه، حُكْمٌ مِن الله سَبَقَ به القَدَرُ، وخَرجَ ابنُ ذي النون خائبًا مما تَمَنَّاهُ، حدَّثنِي مَن رَآهُ يَومئذٍ بتلك الحالِ وبِيَدِه اصطرلاب يَرصُد فيه أيَّ وَقتٍ يَرحَل، وعلى أيِّ شَيءٍ يُعَوِّل، وأيَّ سَبيلٍ يَتَمَثَّل، وقد أَطافَ به النَّصارَى والمسلمون، أولئك يَضحَكون مِن فِعْلِه، وهؤلاء يَتَعجَّبون مِن جَهلِه. وعَتَا الطاغِيةُ الأذفونش -قَصَمَهُ الله- لحين استِقرارِه بطُليطلة واستَكبَر، وأَخَلَّ بمُلوكِ الطَّوائفِ في الجَزيرَةِ وقَصَّرَ، وأَخذَ يَتَجنَّى ويَتَعتَّب، وطَفِقَ يَتَشَوَّف إلى انتِزاعِ سُلطانِهم والفَراغِ مِن شانِهم" في الوقتِ الذي كانت قُوَّاتُ ألفونسو تُحاصِر فيه طُليطلة كان مُلوكُ الطَّوائفِ يُقَدِّمُون مِيثاقَ الوَلاءِ والمَحَبَّةِ له؛ مُمَثَّلَةً في الجِزيَةِ والإتاوَةِ، ولم يَجرُؤ أَحدٌ منهم على الاعتِراضِ عليه في ذلك إلاَّ المُتَوكِّل بن الأَفطَس الذي أُخْرِج من طُليطلة قُبيلَ دُخولِ الطَّاغيةِ، وفي الوقتِ نَفسِه الذي تُحَاصَر فيه طُليطلة كانت مَمالكُ الطَّوائفِ الأُخرى تَتَنازَع فيما بينها، أو تَرُدُّ غاراتِ النَّصارَى المُتواصِلَة عليها. ثم قام ألفونسو باتِّخاذِ طُليطلة عاصِمةً له وحَوَّلَ مَسجِدَها إلى كَنيسةً.
هو الشَّيخُ الإمامُ العالمُ العَلَمُ العلَّامةُ الفقيهُ الحافِظُ الزاهِدُ العابِدُ القدوةُ شيخُ الإسلامِ: تقيُّ الدين أبو العباس أحمد بن شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم بن أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم محمد بن الخضر بن محمد ابن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية الحراني ثمَّ الدمشقي، وكان مولِدُه يومَ الاثنين عاشر ربيع الأول بحران سنة 661، وقَدِمَ مع والده وأهلِه إلى دمشقَ وهو صغير، فسَمِعَ الحديثَ وقرأ بنفسِه الكثيرَ، وطلب الحديثَ وكُتُبَ الطبقاتِ والأثباتِ، ولازم السَّماعَ بنفسه مُدَّةَ سنين، وقَلَّ أن سَمِعَ شَيئًا إلَّا حَفِظَه، ثم اشتغل بالعلومِ، وكان ذكيًّا كثيرَ المحفوظ، فصار إمامًا في التفسير وما يتعلَّق به عارفًا بالفقه، فيقال: إنه كان أعرَفَ بفقه المذاهِبِ مِن أهلِها الذي كانوا في زمانِه وغيره، وكان عالِمًا باختلاف العلماء، عالِمًا في الأصول والفروعِ، والنحو واللغة، وغير ذلك من العلوم النَّقليَّة والعقلية، وما قُطع في مجلسٍ، ولا تكَلَّمَ معه فاضِلٌ في فنٍّ مِن الفنونِ إلَّا ظَنَّ أنَّ ذلك الفَنَّ فَنُّه، ورآه عارفًا به متقِنًا له، وأما الحديثُ فكان حامِلَ رايتِه حافظًا له مميِّزًا بين صحيحِه وسقيمِه، عارفًا برجاله متضَلِّعًا من ذلك، وله تصانيفُ كثيرة وتعاليقُ مُفيدة في الأصولِ والفروع، كمُلَ منها جملةٌ وبُيِّضَت وكُتِبَت عنه وقُرِئَت عليه أو بَعضُها، وجملةٌ كبيرةٌ لم يُكمِلْها، وأثنى عليه وعلى علومِه وفضائِلِه جماعةٌ من عُلَماءِ عَصرِه، وأمَّا أسماءُ مُصَنَّفاتِه وسيرته وما جرى بينه وبين الفُقَهاءِ والدولة وحَبسُه مراتٍ وأحوالُه، فلا يُحتَمَلُ ذِكرُ جَميعِها في هذا الموضِعِ، توفِّيَ في ليلة الاثنين والعشرين من ذي القعدة بقلعةِ دمشق بالقاعةِ التي كان محبوسًا بها، وحضر جمعٌ كثيرٌ إلى القلعة، وأُذِنَ لهم في الدخول عليه، وجَلَس جماعة عنده قبل الغُسلِ واقتصروا على مَن يُغَسِّلُه، فلما فُرِغَ مِن غُسلِه أُخرِجَ ثم اجتمع الخَلقُ بالقلعة والطريقِ إلى الجامعِ، وامتلأ بالجامع أيضًا وصَحنِه والكلاسة وباب البريد وباب الساعات إلى باب اللبادين والغوارة، وحضرت الجنازةُ في الساعة الرابعة من النهار أو نحو ذلك ووُضِعَت في الجامع، والجندُ قد احتاطوا بها يحفَظونَها من النَّاسِ مِن شِدَّة الزحام، وصُلِّيَ عليه أولًا بالقلعة، تقدَّمَ في الصلاة عليه أولًا الشيخ محمد بن تمام، ثم صُلِّيَ عليه بالجامِعِ الأمويِّ عَقيبَ صلاة الظهر، وقد تضاعَفَ اجتِماعُ الناس ثم تزايد الجَمعُ إلى أن ضاقت الرِّحابُ والأزِقَّة والأسواق بأهلِها ومَن فيها، ثم حُمِلَ بعد أن صُلِّيَ عليه على الرؤوس والأصابع، وخرج النَّعشُ به من باب البريد واشتدَّ الزحامُ وعَلَت الأصواتُ بالبُكاء والنَّحيب والترحُّم عليه والثَّناء والدعاء له، وألقى الناسُ على نعشِه مناديلَهم وعمائِمَهم وثيابَهم، وذهبت النِّعالُ مِن أرجُلٍ, وبالجملةِ كان يومُ جنازته يومًا مشهودًا لم يُعهَدْ مثلُه بدمشقَ إلَّا أن يكون في زمَنِ بني أمية حين كان الناسُ كثيرين، وكانت دار الخلافة، ثم دُفِنَ عند أخيه قريبًا من أذان العصر على التحديد، ولا يمكِنُ أحدًا حصرُ من حضر الجِنازةَ، وتقريبُ ذلك أنَّه عبارةٌ عمَّن أمكنه الحضورُ من أهل البلَدِ وحواضِرِه ولم يتخلَّفْ مِن الناس إلا القَليلُ مِن الصغار والمخَدَّرات، وما تخلَّفَ أحدٌ من أهل العلمِ إلَّا النفرُ اليسير تخلَّف عن الحضور في جنازته، وهم ثلاثةُ أنفس: وهم ابنُ جملة، والصدر، والقفجاري، وهؤلاء كانوا قد اشتهروا بمعاداتِه فاختَفَوا من الناس خوفًا على أنفُسِهم، بحيث إنَّهم علموا متى خرجوا قُتِلوا وأهلَكَهم الناس، ورُئيَت له مناماتٌ صالحةٌ عَجيبةٌ، ورُثِيَ بأشعارٍ كثيرة وقصائِدَ مُطَوَّلة جدًّا، وقد أُفرِدَت له تراجِمُ كثيرة، وصَنَّف في ذلك جماعةٌ من الفضلاء وغيرهم، ويدُلُّ على علمِه وفَضلِه مُصَنَّفاتُه، كالتفسير، ومنهاج السنة، ودرء تعارض العقل والنقل، وفتاويه التي جُمِعَت، وغيرها كثير، كان جريئًا قويًّا لا يخاف في الله لومةَ لائم، حثَّ الناسَ والأمراء على جهاد التتار، بل ذهب بنفسه لمقابلةِ مَلِكهم قازان حين جاء ليدخُلَ دمشق وقال له: أنت تدعي أنك مسلم فلمَ جئت تغزو بلاد الإسلامِ؟ وغير ذلك من المواقف المشَرِّفة، مثل وقت استفتاه السلطان الناصر محمد بن قلاوون في قَتْلِ الفقهاء والقضاة الذين كانوا ضِدَّه يومَ خَلَع نفسَه وكانوا مع المظفَّر بيبرس، وكان منهم من آذى الشيخَ نَفسَه، فلم يُفْتِ له الشيخُ بأذِيَّتِهم، بل بيَّنَ له حُرمةَ وقَدرَ العُلَماءِ، وقال: إنَّه لا ينتصر لنفسِه، وكلُّ من آذاه فهو في حِلٍّ، وهذا من تمامِ فَضلِه وحُسنِ خُلُقِه، وله الأثرُ الكبيرُ في مُناظرة أهلِ البِدَع والعقائِدِ الفاسدة بما أحيا اللهُ على يديه ممَّا اندرس بين النَّاسِ منها، فكان بحَقٍّ مُجَدِّدًا للدين، فرحمه الله تعالى وجزاه عن الإسلامِ والمسلمين خيرًا.
ظهر في إيران رجلٌ شيعي إسماعيلي اسمُه حسن علي شاه، وجمع حولَه عددًا كبيرًا من الإسماعيليَّةِ وغيرهم، فأرهبوا القوافل، وهاجموا القرى حتى ذاع صيتُه، وقَوِيت شوكته، وخَشِيَته الأسرة القاجارية الشيعية الحاكمةُ في إيران، فأُعجِبَ الناس بقوته، وانضموا تحت لوائِه؛ طمعًا في المكاسب المادية التي وعدهم بها، وكان الإنجليزُ في ذلك الوقت يعملون على بَسطِ الثورة ضِدَّ شاه إيران. وقام الإسماعيلي حسن علي بالثورة ضِدَّ الشاه القاجاري بعد أن وعَده الإنجليزُ بحكم فارس، لكِنَّ الثورة لم يُكتَب لها النجاح، حيث قَبَض عليه الشاه وسجنه، فتدخَّل الإنجليز للإفراج عنه، فتحقق لهم ذلك على أن يُنفى خارج إيران، فزيَّن له الإنجليز الرحيلَ إلى أفغانستان، فلما وصلها كشف أمرَه الأفغانُ، فاضطرَّ إلى الرحيل إلى الهند فأقام بها، واتخذ من مدينة بومباي مقرًّا له، واعترف به الإنجليزُ إمامًا للطائفة النزارية الإسماعيلية لقبوه بـ "آغا خان". وتجمَّع الإسماعيليون في الهند حوله، فلما رأى فيهم الطاعةَ العمياء، كما هي طاعة الإسماعيلية لأئمَّتهم، قَوِيَ عُوده، وأخذ ينظِّمُ شؤون طائفتِه إلى أن هلك سنة 1881م. ويعتبر حسن علي شاه مؤسِّسَ الأسرة الآغاخانية، وأوَّلَ إمام إسماعيلي يلقَّب بـ (أغاخان) وهو الإمامُ السادس والأربعون في ترتيب الأئمة الإسماعيلية في رأي هذه الفرقة، وصارت هذه الفرقةُ مِن الإسماعيلية تُعرَف بـ "الأغاخانية". وعقائد الأغاخانية هي عقائِدُ الإسماعيلية، ومِن أبرزها ما صاغه الأغاخانيون بأسلوبِهم، وما احتوته كتبُهم ونشراتهم؛ فبنى الإسماعيليون ومنهم الأغاخانيون معتقدَهم في الألوهية على ما أسموه (التنزيه والتجريد) وانتهوا إلى تعطيلِ الله سبحانه عن كلِّ وصفٍ وتجريدِه من كل حقيقة، وقالوا: "لا هو موجود، ولا لا موجود، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز..!" ونَفَوا أسماءه وصفاته بزعم أنه فوق متناول العقل. وصرفوا صفاتِ الله إلى أول مبدعٍ خلقه الله ـ بزعمهم ـ وهو العقل الأول، واعتبروا أن المخلوقاتِ كُلَّها وُجِدَت بواسطة العقل والنفس! حيث يقول مصطفى غالب، وهو من الإسماعيلية المعاصرين، في كتابه "الثائر الحميري الحسن الصباح": "والعقل الأوَّلُ أو المبدِعُ الأول في اعتقاد الإسماعيلية هو الذي رمز له القرآن بـ (القلم) في الآية الكريمة (ن * وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}، وهو الذي أبدع النفسَ الكلية التي رمز لها القرآن أيضًا بـ ( اللوح المحفوظ) ووصفت بجميع الصفات التي للعقل الكلي، إلَّا أن العقل كان أسبقَ إلى توحيد الله فسُمِّيَ بـ (السابق) وسميت النفس بـ (التالي)، وبواسطة العقل والنفس وُجِدَت جميع المبدعات الروحانية والمخلوقات الجسمانية، من جماد وحيوان ونبات وإنسان، وما في السموات من نجوم وكواكب. ويصرف الأغاخانيون صفات الربوبية والألوهية إلى أئمتهم؛ فقد ادَّعى الأغاخان الثالث أنَّ الإله متجسم فيه شخصيًّا وأن آلافًا من البشر يعتقدون ذلك. ويعتقدون أن النبوَّةَ مكتسبة وليست هبةً من الله، والنبي صلى الله عليه وسلم عندهم عبارةٌ عن شخص فاضت عليه من "السابق" بواسطة "التالي" -أي: العقل والنفس- قوةٌ قدسية صافية؛ ذلك أن الإنسانَ تميَّز عن سائر الموجودات بالاستعداد الخاص لفيض الأنوار عليه، وأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم يمثِّل أعلى درجات هذا الاستعداد، وأن هذه القوةَ القدسيَّةَ الفائضة على النبي صلى الله عليه وسلم لا تستكملُ في أول حلولها.. وأنَّ كمال هذه القوةِ أن تنتقل من الرسولِ الناطق إلى الأساسِ الصامت، أي الإمام، وهم بهذا الاعتقاد يعتبرون الإمامةَ مكملة للنبوة واستمرارًا لها، واشترطوا على النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يصِلَ إلى مرتبته أن يمرَّ بمرتبة الولي؛ لأنه يجمع في نفسه الولاية والنبوة والرسالة. ويعتقدون أن رسالةَ النبي صلى الله عليه وسلم محمد صلى الله عليه وسلم ليست آخرَ الرسالات، بل هي حلقةٌ من حلقات تتابُعِ النبوة التي انتهت بظهورِ إمامهم السابع محمد بن إسماعيل بن جعفر كما يزعمون. واعتقدوا أنَّه فاتح عهد جديد، وصاحِبُ شريعة نسخت شريعة محمد صلى الله عليه وسلم!! ويتوجَّه بعض الأغاخانيون بقِبلتِهم إلى حيث يقيمُ إمامُهم، وهم لا يقيمون الصلاةَ مع المسلمين، ولا يُسمُّون أماكِنَ عبادتهم مساجِدَ، إنما بيتُ الجماعة، والصلاة عندهم عبارةٌ عن مجموعة من السَّجَدات، وهم يجمعون في صلاتِهم بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، والأغاخانيون يعتبرون قبلةَ المسلمين الكعبة ليست سوى حِجارة، ويقولون إن الحج إليها في بداية الإسلام كان نظرًا للمستوى العقلي للنَّاسِ في ذلك الوقت، وبدلًا من ذلك يفضِّلون الذهاب للأغاخان وزيارته، وتقديم الولاء والإجلال له، ويوجدون بشكلٍ خاص في باكستان؛ حيث المركز الرئيسي في مدينة كراتشي، وفي المنطقة الشمالية الجبلية من باكستان مثل منطقة جيترال وكيلكيت، ويُعرَفون هناك بالهونزا، إضافةً إلى وجودٍ أقَلَّ في بعض المدن، مثل العاصمة إسلام أباد، ولاهور، وروالبندي. وفي غرب الهند في ولاية كجرات، لا سيما في مدينة بومباي. وكذلك في سوريا وخاصة في مدينة سلمية التابعة لمحافظة حماة، وفي بعضِ قراها، وفي جوار قلعة الخوابي قرب طرطوس، وفي قدموس. ويوجدون في شرق أفريقيا: في أوغندا وكينيا وتنزانيا وزنجبار وما حولها، وفي جزيرة مدغشقر جنوب شرق أفريقيا. كما يوجدون بشكل أقل في قم بإيران، وفي المناطق الجبلية لطاجيكستان، ومنطقة جبال الهندوكوش في أقصى الشمال الشرقي لأفغانستان، ويُعرَفون في أفغانستان باسم (مفتدي)، ولهم في عُمان حيٌّ خاص في مطرح بالقرب من مسقط. وينتشرون كذلك في بورما، أمَّا في طاجكستان وهي إحدى جمهوريات آسيا الوسطى، فإنهم يوجدون في إقليم بدخشان الذي يتمتع بما يشبه الحُكم الذاتي، ويقدَّر عددهم هناك بـ 100 ألف.