أرسَل سعدُ بن أبي وَقَّاص العَساكِرَ إلى الجَزيرةِ، فخرَج عِياضُ بن غَنْمٍ إليها وفي صُحبَتِه أبو موسى الأشعريُّ, وعُمَرُ بن سعدِ بن أبي وَقَّاص -وهو غُلامٌ صغيرُ السِّنِّ ليس إليه مِن الأمر شيءٌ- وعُثمانُ بن أبي العاصِ، فنزَل الرُّها, فصالَحهُ أهلُها على الجِزيَة, وصالَحَت حَرَّانُ على ذلك, ثمَّ بعَث أبا موسى الأشعريَّ إلى نَصِيبِين, وعُمَرَ بن سعدٍ إلى رَأْسِ العَيْنِ, وسار بنفسه إلى دارا, فافْتُتِحَت هذه البُلدان، وبعَث عُثمانَ بن أبي العاصِ إلى أرْمِينِيَة, فكان عندها شيءٌ مِن قِتالٍ قُتِلَ فيه صَفوانُ بن المُعَطَّلِ السُّلَميُّ, ثمَّ صالَحهُم عُثمانُ بن أبي العاصِ على الجِزيَةِ، على كلِّ أهلِ بيتٍ دينارٌ.
بعدَ أن فُتِحَت نَهاوَنْد اطْمَأنَّ عُمَرُ بن الخطَّاب رضِي الله عنه للانْسِياحِ داخِلَ فارِسَ كُلِّها، فأَمَرَ بذلك، وكان ممَّن أُمِرَ بذلك نُعيمُ بن مُقرِّن أخو النُّعمانَ، فسار إلى هَمَذان ففتَحها واسْتخلَف عليها يَزيدَ بن قيسٍ، ثمَّ سار هو باتِّجاهِ الرَّيِّ -موقع طِهْران اليوم- ففتَحها كذلك، ثمَّ بعَث بأخيه سُويدِ بن مُقرِّن إلى قُومِس فأخذها سِلْمًا، وصالَح أهلَها، وجاء إليه أهلُ جُرْجان وطَبَرِستان وصالَحوهُ، وكان نُعيمٌ قد بعَث وهو بِهَمَذان بُكيرَ بن عبدِ الله إلى أَذْرَبِيجان، ثمَّ أَمَدَّهُ بعبدِ الله بن سِماكِ بن خَرَشَةَ ففتَح بعضَ بِلادِ أَذْرَبِيجان، في حين كان عُتبةُ بن فَرْقَد يَفتحُ البِلادَ مِن الجِهَةِ الثَّانيةِ.
هو سعدُ بن أبي وقَّاص مالكِ بن أُهَيْب، الزُّهريُّ القُرشيُّ، صَحابيٌّ مِن أوائلِ مَن دَخلوا في الإسلامِ، وكان في السَّابعة عشر مِن عُمُرهِ، ولم يَسبِقْهُ في الإسلامِ إلَّا أبو بكرٍ، وعَلِيٌّ، وزَيدٌ، وهو أحدُ العَشرةِ المُبَشَّرين بالجنَّة، فكان مِن المُتَقَدِّمين في الإسلامِ، شَهِد المَشاهِدَ كُلَّها، أوَّلُ مَن رَمى بِسَهمٍ في سَبيلِ الله، وله قال النَّبِيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: (ارْمِ سعدُ فِداكَ أبي وأُمِّي). كان مُجابَ الدَّعوَة، وَلِيَ إِمْرَةَ الكوفَة لِعُمَر، لم يَحْضَرْ الجَملَ ولا صِفِّينَ ولا التَّحْكيمَ، قاتَل في سَبيلِ الله، وفتَح الله على يَديهِ الكَثيرَ مِن بِلادِ فارِسَ أيَّام عُمَر، تُوفِّي في العَقيقِ قُرْب المدينةِ، وحُمِلَ إلى البَقيعِ ودُفِنَ فيه، وكان آخرَ المُهاجرين مَوتًا.
بعد أن عادت الأمور في بغداد للأمين، كان جيشُ المأمون بقيادة طاهر بن الحسين وهَرثمةَ بنِ أعيَنَ قادمًا إلى بغداد، فلمَّا اقتَرَبوا منه عادت الفوضى وخَلَعَت بعضُ الأقاليم الأمين وبايَعَت للمأمون، حتى إنَّ موسم الحج دُعِيَ فيه للمأمون، ثم حاصر الجيشُ بغداد فضَعُفَ أمر الأمين وخاصَّةً أنَّ طاهِرَ بنَ الحسين قد استولى على الضِّياعِ والإنتاجِ، وأجابه كثير من قوَّاد الأمين إلى بيعةِ المأمون، ثم دخل جيشُ المأمون إلى بغداد وحصل القتالُ فيها حتى لم يبقَ مع الأمين إلَّا القليلُ؛ ممَّا اضطَّره إلى طلب الأمانِ من هرثمة بن أعين الذي أمَّنَه وأخذه في سفينةٍ، وقد كان حصل تخريبٌ وتحريقٌ كثيرٌ في بغداد، بدُخولِ الجيشِ وحُصولِ القتالِ، وهذه عادةُ كلِّ فتنةٍ، نسألُ اللهَ السلامةَ.
هو أبو زرعة عُبَيد الله بن عبد الكريم الرازي، أحدُ الحُفَّاظ المشهورين. كان مولِدُه في الريِّ بإيران سنة مائتين، وقيل سنة تسعين ومائة, من كبار الحُفَّاظ وسادات أهلِ التقوى. قيل: إنَّه كان يحفَظُ سِتَّمائة ألفِ حديثٍ، وكان فقيهًا وَرِعًا زاهِدًا عابدًا متواضِعًا خاشعًا، أثنى عليه أهلُ زمانه بالحفظِ والدِّيانة، وشَهِدوا له بالتقَدُّم على أقرانه، قال أحمد بن حنبل: "ما عبَرَ جِسرَ بغداد أحفَظُ من أبي زُرعة", قال أبو حاتم: "لم يُخلِّفْ بعده مِثلَه، فِقهًا وعِلمًا وصِيانةً وصِدقًا. وهذا ممَّا لا يُرتابُ فيه, ولا أعلَمُ في المشرِقِ والمغربِ من كان يفهَمُ هذا الشَّأنَ مِثلَه", وقال إسحاقُ بنُ راهَوَيه: "كلُّ حديثٍ لا يحفَظُه أبو زُرعةَ، فليس له أصلٌ".
كان الأَميرُ تَميمُ بن المُعِزِّ بن باديس صاحِب المَهدِيَّةِ قد أَكثرَ غَزْوَ بِلادِ الرُّومِ في البَحرِ، فخَرَّبَها، وشَتَّتَ أَهلَها، فاجتَمَعوا من كلِّ جِهَةٍ، واتَّفَقوا على إنشاءِ الشواني -سُفُن حَربيَّة ضَخمَة - لِغَزوِ المَهدِيَّة، ودَخلَ معهم البيشانيون، والجنوبيون، وهما من الفِرنج، فأَقاموا يُعمِّرون الأُسطولَ أَربعَ سِنين، واجتَمَعوا بجَزيرَةِ قوصرة في أَربعِ مائةِ قطعةٍ، فأَرادَ تَميمٌ أن يُسَيِّر عُثمانَ بنَ سَعيدٍ المَعروف بالمُهْرِ، مُقَدَّم الأُسطولِ الذي له، لِيَمنَعَهم من النُّزولِ، فمَنعَه من ذلك بعضُ قُوَّادِه، فجاءَت الرُّومُ، وأَرسَلوا، وطَلَعوا إلى البَرِّ، ونَهَبوا، وخَرَّبوا، وأَحرَقوا، ودَخَلوا زويلةَ ونَهَبوها، وكانت عَساكرُ تَميمٍ غائبةً في قِتالِ الخارجِين عن طاعَتِه، ثم صالَحَ تَميمٌ الرُّومَ على ثلاثين ألف دِينارٍ، وَرَدِّ جَميعِ ما حَووهُ مِن السَّبْيِ.
كان أهلُ العبث والفساد بنيسابور قد طمعوا في نهب الأموال وتخريب البيوت، وفِعلِ ما أرادوا، فإذا نُهوا لم ينتهوا، فلما كان الآن تقدمَ المؤيد أي أبه بقبض أعيان نيسابور، منهم نقيب العلويين أبو القاسم زيد بن الحسن الحسيني وغيره، وحبسهم في ربيع الآخر، وقال: أنتم الذين أطمعتم المفسدين حتى فعلوا هذه الفِعال، ولو أردتم منعهم لامتنعوا، وقتل من أهل الفساد جماعةً، فخربت نيسابور بالكلية، ومن جملة ما خُرِّبَ مسجدُ عقيل، كان مَجمَعًا لأهل العلم، وفيه خزائن الكتب الموقوفة، وكان من أعظم منافعِ نيسابور، وخُرِّب أيضًا من المدارس ثماني مدارس للحنفية، وسبع عشرة مدرسة للشافعية، وأُحرق خمسُ خزائن للكتب، ونُهِب سبع خزائن كتب وبيعت بأبخس الأثمان.
عَمِلَ السُّلطانُ النَّاصِرُ محمد بن قلاوون بابًا من خَشَبِ السنط الأحمر، وصَفَّحه بفِضَّة زِنتُها خمسة وثلاثون ألفَ درهم وثلاثمائة درهم، ومضى به الأميرُ سيف الدين برسبغا الساقي إلى مكَّة، فقُلِعَ باب الكعبة العتيق، ورُكِّبَ هذا الباب وأخذ بنو شيبةَ الباب العتيق، وكان من خَشَبِ الساسم المصَفَّح بالفِضَّة، فوجدوا عليه ستين رطلًا من فِضَّة تقاسَموها فباعوها كلُّ دِرهمٍ بدرهمين، لأجلِ التبَرُّك، (وهذا خطأٌ من وجهَينِ: الأول: أنَّه رِبًا. والثاني: أنَّه لا يُتبَرَّكُ بمثل هذه الأشياءِ، وإن كانت بابًا للكعبة!) وتُرِكَ خَشَبُ ذلك الباب داخِلَ الكعبة، وعليه اسمُ صاحِبِ اليمن في الفردتين، واحدةٌ عليها: اللهُمَّ يا وليُّ يا عليُّ، اغفِرْ ليوسُفَ بنِ عُمَرَ بنِ عليٍّ.
لما طلب البيزنطيون المساعدةَ من العثمانيين ضِدَّ الصرب، أدرك بذلك العثمانيون ضَعفَ البيزنطيين، فرأى أورخان سلطانُ العثمانيين أن ينتَقِلَ إلى الضفة الغربية من مضيقِ الدردنيل ليتقَدَّمَ بعدها إلى أوروبا فيتمَكَّنَ من الإحاطة بالقسطنطينية والهجومِ عليها من الغرب؛ حيث عجز المسلمون عن فتحها من الشرقِ، فأرسل ابنه الكبير سليمان لدراسة هذه الخطة، وفي هذا العام اجتاز سليمانُ مضيق الدردنيل ليلًا مع أربعين رجلًا من أبطالِه، ولما وصلوا إلى الضفة الغربية استولوا على الزوارق الروميَّة الراسية هناك وعادوا بها إلى الضفة الشرقيَّة؛ إذ لم يكن للعثمانيين أسطول، ثم انتقلوا إلى الشاطئِ الأوربيِّ فاحتلوا قلعة تزنب وغاليبولي التي فيها قلعة جنا- القلعة المشهورة- وأبسالا ورودستو، وهذه كلها تقع على مضيق الدردنيل من الجنوب إلى الشمال حتى تصبح رودستو على بحر مرمرة.
نظَّمَ القائِدُ الوزير تيمور طاش باشا فِرَق الخيَّالة العثمانيين المسمَّاة سياهيه أو سياه- على نظام جديد، واختار أن تكون أعلامهم باللون الأحمر الذي لا يزال شعارَ الدَّولة التركية حتى الآن، وأقطع كلَّ نَفَرٍ منهم جزءًا من الأرض يزرعه أصحابه الأصليون مسيحيين كانوا أو مسلمين في مقابلة دَفعِ جُعْلْ مُعَيَّن لصاحب الإقطاع، وذلك بشرط أن يسكنَ الجنديُّ في أرضه وقت السلمِ ويستَعِدَّ للحرب عند الاقتضاءِ على نفقَتِه، وأن يُقَدِّمَ أيضًا جنديًّا آخر معه، وكان كل إقطاع لم يتجاوزْ إيراده السنوي عشرين ألف غرش، يسمى تيمار، وما زاد إيراده على ذلك يسمى زعامت، وكانت هذه الإقطاعات لا يرثها إلَّا الذكور من الأعقابِ، وإذا انقرضت الذرية من الذكور ترجِعُ إلى الحكومة، وهي تُقطِعُها إلى جندي آخر بنفس هذه الشروط
كان مؤسِّسُ الدعوة السنوسية محمد بن علي المعروف باسم السنوسي الكبير في الجزائر حين دراستِه في فاس تأثَّر كثيرًا بالحركة الصوفية هناك، وخاصة أولئك الذين ينتَمون إلى الطريقة التيجانية، والتحَقَ فيما بعد بجماعاتٍ متعددة من المتصوَفِّة حين كان يدرُسُ في الحجاز على الشيخِ الإدريسي، وكان يحمِلُ أفكارًا إصلاحيَّةً وتجديدية، فقام بإيجاد طريقة صوفية خاصةٍ به حين كان في مكَّةَ، أطلق عليها اسمَ السنوسية، وكانت من دعوته مقاومةُ النفوذ الأجنبي، ووجد السنوسي أنَّ بلادَه الجزائر بدأت تسقُطُ في يد الفرنسيين، فاستقر به المقامُ في برقة؛ حيث أسَّس زاوية البيضاء، ثم أقيمت العديدُ مِن الزوايا والمراكز الدينية والتربوية على الطريقة السنوسية، ولاقت دعوته صدًى في سكان الصحراء من الشمال الأفريقي كله والسودان.
دعت الحُكومةُ الأندونيسيَّةُ إلى عقدِ مؤتمر للأديان في جاكرتا عام 1387هـ / 1967م فلبَّى الدعوةَ مَن وُجِّهت إليهم، وعُقِدَ المؤتمر في دار المجلس الاستشاري الأعلى ووجَّه فيه الرئيسُ سوهارتو نداءً إلى أتباع الأديان؛ كي يركِّزَ كُلٌّ منهم اهتمامَه التامَّ على مهمة تصعيد مستوى الوعيِ الدينيِّ في أبناء طائفته، وأن يحرصوا على الحيلولة دونَ أن تُحِسَّ طائفة من الطوائف أنَّها مُعَرَّضة لدعايات طائفة أخرى ومُستهدَفة لنشاطها، وقدَّم الجانبُ الإسلامي في المؤتمر أسلوبًا للتراضي، وقد صِيغَ في مشروع ميثاق بين الأديان ملبيًّا نداءَ الرئيس سوهارتو، ولكِنَّ الجانب النصراني -سواء كان الكاثوليكي أو البروتستانتي- قد قابل ذلك المشروعَ بالرَّفض التام، على الرغم من أنَّ النصارى أقلِّيَّة وقد سُوُّوا بالأكثرية المُطلَقة!
تُوفِّي بالسُّعودية الشَّيخُ الدكتور محمد روَّاس قلعجي السُّوريُّ الأصلُ، عن عُمر يناهز الـ(80) عامًا، قضى الكثيرَ منها في التأليفِ والفقهِ والتعليمِ، وفي البُحوث العلميَّة الإسلاميَّة. والدُّكتور محمد رواس قلعجي -رحمه الله- من مواليدِ مدينةِ حَلَب عامَ (1934م)، وحَصَل على الدكتوراه من جامعةِ الأزهرِ بمصرَ في عامَ (1975). وقد تأثَّر كثيرًا بمحدِّث حلبَ الشَّيخِ محمد راغب الطباخ -رحمه الله- كما تأثَّر بالشَّيخِ منتصر الكتاني في كلِّيَّة الشريعةِ بجامعة دِمَشق. تولَّى التفتيشَ في مديرية أوقافِ حلبَ، ثم تنقَّل بين الكُويت والسعودية أستاذًا جامِعيًّا وباحِثًا أكاديمِيًّا. وانشَغَل كثيرًا بجَمْع مَعاجمَ لفقهِ كبارِ الصَّحابة وكبارِ السَّلف، وجمع ذلك بلُغَة علميَّةٍ معاصِرَة.
ضَعُفَ أمرُ الخلافة جِدًّا، وبعث الراضي باللهِ إلى محمَّد بن رائق- وكان بواسط- يدعوه إليه ليولِّيَه إمرةَ الأمراءِ ببغداد، وأمْرَ الخراجِ والمغلِّ في جميع البلاد والدواوين، وأمر أن يَخطُبَ له على جميعِ المنابِرِ، وأنفذ إليه بالخِلَع، فقَدِمَ ابنُ رائق بغداد على ذلك كُلِّه، ومعه الأميرُ بجكم التركي غلامُ مرداويج، وهو الذي ساعد على قتل مرداويج، واستحوذ ابنُ رائق على أموالِ العراقِ بكَمالِه، ونقل أموالَ بيت المال إلى داره، ولم يَبقَ للوزيرِ تَصَرُّفٌ في شيء بالكلية، ووهى أمرُ الخلافة جدًّا، واستقَلَّ نوَّابُ الأطراف بالتصَرُّفِ فيها، ولم يبقَ للخليفةِ حُكمٌ في غيرِ بغداد ومعاملاتها، ومع هذا ليس له مع ابنِ رائقٍ نفوذٌ في شيءٍ ولا تفَرُّدٌ بشيءٍ، ولا كَلِمةٌ تطاع، وإنَّما يَحمِلُ إليه ابنُ رائق ما يحتاجُ إليه من الأموال والنَّفَقات وغيرها، وهكذا صار أمرُ مَن جاء بعده من أمراءِ الأكابِرِ، كانوا لا يرفعونَ رأسًا بالخليفة، وأمَّا بقية الأطراف فالبصرةُ مع ابن رائقٍ هذا، يولِّي فيها من شاء، وخوزستان إلى أبي عبد الله البريدي، وقد غلبَ ابنُ ياقوت على ما كان بيده من مملكةِ تستر وغيرها، واستحوذ على حواصِلِها وأموالِها، وأمر فارسَ إلى عماد الدولةِ بنِ بُوَيه ينازعه في ذلك وشمكيرُ أخو مرداويج، وكرمانُ بيدِ أبي علي محمَّدِ بن إلياس بن اليَسَع، وبلادُ الموصِلِ والجزيرة وديار بكر ومُضَر وربيعة مع بني حمدان، ومصرَ والشَّام في يدي محمد بن ظغج الإخشيدي، وبلاد إفريقيَّة والمغرب في يد القائمِ بأمر الله ابن المهدي الفاطمي، وقد تلقَّبَ بأمير المؤمنين، والأندلس في يد عبد الرحمن بن محمَّد، والملَقَّب بالناصر الأموي وقد لقَّبَ نفسَه كذلك بأمير المؤمنين، وخراسان وما وراء النهر في يد السعيد نصر بن أحمد الساماني، وطبرستان وجرجان في يد الديلم، والبحرين واليمامة وهَجَر في يد أبي طاهر سليمان بن أبي سعيد الجنابي القرمطي.
كان القاسِمُ بنُ حَمُّود بقُرطبةَ تَولَّى الحُكمَ بعد أخيه عليِّ بنِ حَمُّود, ثمَّ قام عليه ابنُ أخيه يحيى بنُ علي بن حمود بمالقةَ، فهرب القاسِمُ مِن قُرطبةَ بلا قتالٍ، وصار بأشبيليَّةَ، ثم عاد إليها مرَّةً أخرى، فبقي القاسِمُ بقُرطبةَ شُهورًا واضطَرَب أمرُه، وغَلَب ابنُ أخيه يحيى على المدينةِ المعروفةِ بالجزيرةِ الخضراءِ، وهي كانت مَعقِلَ القاسِمِ، وبها كانت امرأتُه وذخائِرُه، وغلب ابنُ أخيه الثاني إدريسُ بنُ علي صاحِبُ سبتةَ على طنجةَ، وهي كانت عُدَّةُ القاسِمِ يلجأُ إليها إن رأى ما يخافُه بالأندلس، ثمَّ إنَّ أهلَ قُرطبةَ زَحَفوا إلى البربرِ، فانهزم البربرُ عن القاسمِ وخَرَجوا من الأرباضِ كُلِّها في شعبان سنة 414، ولَحِقَت كلُّ طائفةٍ مِن البربرِ ببلَدٍ غَلَبَت عليه، وقصَدَ القاسِمُ أشبيليَّةَ وبها كان ابناه محمَّدٌ والحسن, فلمَّا عَرَفَ أهلُ أشبيليَّةَ خُروجَه عن قُرطُبة ومَجيئَه إليهم، طردوا ابنَيه ومن كان معهما مِن البربرِ وضَبَطوا البلَدَ وقَدَّموا على أنفُسِهم ثلاثةً مِن أكابِرِ البَلَدِ. لَحِقَ القاسِمُ بشَرِيش، واجتَمَعَ البَربرُ على تقديمِ ابنِ أخيه يحيى، فزَحَفوا إلى القاسِمِ فحاصروه حتى صار في قبضةِ ابنِ أخيه، وانفرَدَ ابنُ أخيه يحيى بولايةِ البربر. وبَقِيَ القاسِمُ أسيرًا عنده وعند أخيه إدريسَ بعده إلى أن مات إدريسُ، فقُتِلَ القاسمُ خَنقًا سنة 431، وحُمِلَ إلى ابنه محمَّدِ بنِ القاسم بالجزيرة، فدَفَنَه هناك. فكانت ولايةُ القاسِمِ منذ تسمَّى بالخلافةِ بقُرطبةَ إلى أن أسَرَه ابنُ أخيه سِتَّةَ أعوامٍ، ثم كان مقبوضًا عليه ستَّ عشرةَ سَنةً عند ابني أخيه يحيى وإدريس، إلى أن قُتِلَ. مات القاسِمُ وله ثمانون سنة، وله مِن الولد محمد والحسن، أمُّهما أميرةُ بنتُ الحَسَنِ بن قَنُّون بن إبراهيم بن محمد بن القاسم بن إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب.