هو سعدُ بنُ إبراهيم زغلول، لُقب بزعيم نهضة مصر السياسية، وكان من أبرز خطبائِها في عصره. ولِدَ في إبيانة من قرى الغربية في يوليو عام 1858م وتوفِّيَ والده وهو في الخامسة، التحق سعد زغلول في السابعة من عمره بكُتَّاب القرية، حيث مكث فيه خمس سنوات، تعلَّم فيه القراءة والكتابة، وحَفِظ القرآن الكريم في سنة 1873م. ثم انتقل سعد زغلول إلى القاهرة للالتحاق بالأزهر، وتتلمذ على يد الشيخ محمد عبده، ولازم جمالَ الدين الأفغاني مدة، واشتغل بالتحرير في جريدة الوقائع المصرية مع الشيخ محمد عبده، واشترك بالثورة العُرابية، وقُبِض عليه سنة 1299هـ بتهمة الاشتراك في جمعية سرية، قيل إنها تسعى لقلب نظام الحكومة، فسُجِن شهورًا، ثم أُفرِجَ عنه، وحصل على إجازة الحقوق، واشتغل بالمحاماةِ حتى اختيرَ قاضيًا ثم مستشارًا، ثم تولى وزارة المعارف، فالعدل، فوكالة رئاسة الجمعية التشريعية، وقاد مصر بعد الحرب العالمية الأولى فتسَلَّم رئاسة الوزراء، ورئاسة مجلس النواب، وقام بالثورات ضِدَّ الإنجليز وظهر في صورة البطل الذي عَمِلَ على استقلال البلاد، مع أنَّ كل ما كان يفعَلُه تحت مرأى ومسمع إنجلترا!! وكان منعه من العمل السياسي واعتقالُه ونفيُه أكثَرَ من مرة قد ساهم في جعله زعيمًا وطنيًّا نافس زعماء وطنيين مصريين، مثل: مصطفى كامل، وخليفته محمد فريد، بل قيل إن بريطانيا هي من كلَّفته بالعمل للسفر إلى باريس لعَرضِ قضية استقلال البلاد، ومع ذلك منعته من السفر، ثم نفته إلى مالطا؛ ليصبح بذلك بطلًا وزعيمًا وطنيًّا يُصَفِّق لكل قراراته الجمهورُ المصري!! وكانت زوجته صفية فهمي التي تُعرَف بصفية زغلول على مبدأ الغربِ، هي من قامت بحرق حجابها بعد أن خلعَتْه هي وهدى شعراوي في ميدان الإسماعيلية في إحدى المظاهرات المنَدِّدة بالاحتلال الإنجليزي لمصر خلال ثورة 1919م!! لَمَّا عاد سعد زغلول من بريطانيا سنة 1920م كبطل وزعيم قومي أُعِدَّ لاستقباله خيمتان كبيرتان: خيمة للرجال، وخيمة للنساء، ولَمَّا نزل من الطائرة بدلًا من أن يتجه إلى خيمة الرجال توجَّه إلى خيمة النساء، وكانت مليئة بالنساء المحجَّبات، فلما وصل الخيمة استقبلته هدى شعراوي أمام الناس جميعًا، وعليها حجابُها، فنزع حجابَها عن وجهها فصَفَّقَت هي وصَفَّق جميعُ النساء الحاضرات ونزَعْن حجابهن!!
لَمَّا بلغ الأمير فاروق سن الرابعة عشرة طلب السير مايلز لامبسون من الملك فؤاد ضرورةَ سفر ابنه الأمير فاروق إلى بريطانيا لمواصلةِ الدراسة وأصَرَّ على ذلك بشدة رافضًا أيَّ محاولة من الملك فؤاد لتأجيل سفره حتى يبلغ سن السادسة عشرة، فتقرَّر سفرُ فاروق إلى بريطانيا ولكن دون أن يلتحِقَ بكلية إيتون، بل تم َّإلحاقه بكلية وولتش للعلوم العسكرية؛ ونظرًا لكونه لم يبلغ الثامنة عشرة -وهو أحد شروط الالتحاق بكلية وولتش- فقد تم الاتفاق على أن يكون تعليمُه خارج الكلية على يد معلِّمين من نفس الكلية، وقد رافق فاروق خلال سفرِه بعثةٌ مُرافِقةٌ له برئاسة أحمد حسنين باشا؛ ليكون رائدًا له -والذي كان له دور كبير في حياته بعد ذلك- بالإضافة إلى عزيز المصري الذي كان نائبًا لرئيس البعثة وكبيرًا للمعلمين، بالإضافة إلى عمر فتحي حارسًا للأمير وكبير الياوران فيما بعد، وكذلك الدكتور عباس الكفراوي كطبيب خاص، وصالح هاشم أستاذ اللغة العربية، بالإضافة إلى حسين باشا حسني كسكرتير خاص، والذي كان وجوده عاملًا مساعدًا للأمير على الانطلاق؛ فقد شجَّعه على الذهاب إلى المسارح والسينما ومصاحبة النساء ولعب القمار، بينما كان عزيز المصري دائم الاعتراض على كل تلك التصرفات، وكان فاروق بحُكمِ ظروف نشأته القاسية والصارمة يميل إلى حسين باشا ويتمرَّدُ على تعليمات وأوامر عزيز المصري، وفي تلك الفترة كان المرض قد اشتَدَّ على الملك فؤاد، وأصبح على فراش الموت، فاقترحت بريطانيا تشكيل مجلس وصاية مكوَّن من ثلاثة أعضاء، هم: الأمير محمد علي توفيق؛ ابن عم الأمير فاروق، وقد كان ذا ميول إنجليزية، وكان يرى دائمًا أنه أحق بعرش مصر، والثاني: هو محمد توفيق نسيم باشا، رئيس الوزراء الأسبق، وهو من رجال القصر، والثالث: هو الإمام الأكبر الشيخ المراغي، وعندما علم الأمير فاروق بشدَّةِ مرض والده ورغبته في أن يرى ابنه، طلب العودةَ إلى مصر لرؤية والده ووافقت بريطانيا بعد تردُّد على عودة فاروق إلى مصر في زيارة ليعودَ بعدها لاستكمال دراسته إلَّا أنه وقبل أن يسافر فاروق إلى مصر لرؤية والده كان والده الملك فؤاد الأول قد لقِيَ ربه في 28 أبريل 1936م. وعاد فاروق إلى مصر وقطع دراستَه ليجلس على كرسي العرش.
كان سُليمان بن عبدِ الملك كُلَّما فَتَح قُتيبةُ بن مُسلِم فَتْحًا في عَهدِ الوَليد يقول لِيَزيد بن المُهَلَّب: ألا تَرَى إلى ما يَفتَح الله على قُتيبَة؟ فيقول يَزيدُ: ما فَعَلَت جُرجان التي قَطَعَت الطَّريقَ، وأَفْسَدت قُومِس ونَيْسابور. ويقول أَيضًا: هذه الفُتوح لَيسَت بِشَيءٍ، الشَّأنُ هي جُرجان. فلمَّا وَلَّاهُ سُليمانُ خُراسانَ لم يكن لِيَزيد هِمَّة غَير جُرجان، فسار إليها في مائةِ ألف مِن أَهلِ الشَّام والعِراق وخُراسان سِوَى المَوالِي والمُتَطَوِّعَة، ولم تكُن جُرجان يَومئذٍ مَدينَة إنَّما هي جِبالُ ومَخارِم وأَبواب يقوم الرَّجُلُ على بابٍ منها فلا يُقْدِم عليه أَحَدٌ. فابْتَدَأَ بقُهِسْتان فحاصَرَها، وكان ذلك، فإذا هُزِمُوا دَخَلوا الحِصْنَ. فخَرَجوا ذات يَومٍ وخَرَج إليهم النَّاسُ فاقْتَتَلوا قِتالًا شديدًا، فحَمَل محمَّدُ بن سَبْرَة على تُرْكِيٍّ قد صَدَّ النَّاسَ عنه فاخْتَلَفا ضَرْبَتينِ، فثَبُتَ سَيفُ الترُّكي في بَيْضَة ابنِ أبي سَبْرَة، وضَرَبَه ابنُ أبي سَبْرَة فقَتَلَه، ورَجَع وسَيفُه يَقطُر دَمًا وسَيفُ الترُّكي في بَيْضَتِه، فنَظَر النَّاسُ إلى أَحسَن مَنظَرٍ رَأَوْهُ. وخَرَج يَزيدُ بعدَ ذلك يَومًا يَنظُر مَكانًا يَدخُل منه عليهم، وكان في أربعمائة مِن وُجوهِ النَّاسِ وفُرسانِهم، فلم يَشعروا حتَّى هَجَم عليهم التُّركُ في نحو أربعةِ آلاف فقاتَلوهُم ساعَة، وقاتَلَ يَزيدُ قِتالًا شديدًا، فسَلِمُوا وانْصَرَفوا، وكانوا قد عَطِشُوا، فانْتَهوا إلى الماءِ فشَرِبوا، ورَجَع عنهم العَدُوُّ. ثمَّ إنَّ يَزيدَ أَلَحَّ عليهم في القِتال وقَطَع عنهم المَوادَّ حتَّى ضَعُفوا وعَجَزوا. فأَرسَل صُول دِهْقان قُهِسْتان إلى يَزيدَ يَطلُب منه أن يُصالِحَه ويُؤَمِّنَه على نَفسِه وأَهلِه ومالِه لِيَدفَع إليه المَدينَة بما فيها، فصالَحَه ووَفَّى له، ودَخَل المَدينَة فأَخَذ ما كان فيها مِن الأَموالِ والكُنوزِ والسَّبْيِ ما لا يُحصَى، وقَتَل أَربعةَ عَشر ألف تُرْكِي صَبْرًا، وكَتَب إلى سُليمان بن عبدِ الملك بذلك، ثمَّ خَرَج حتَّى أَتَى جُرجان، وكان أَهلُ جُرجان قد صالَحَهم سَعيدُ بن العاص، وكانوا يَجْبُون أَحيانًا مائة ألف، وأَحيانًا مائتي ألف، وأَحيانًا ثلاثمائة ألف، ورُبَّما أَعطوا ذلك ورُبَّما مَنَعوه، ثمَّ امْتَنَعوا وكَفَروا فلم يُعْطوا خَراجًا، ولم يَأْتِ جُرجانَ بعدَ سَعيدٍ أَحَدٌ ومَنَعوا ذلك الطَّريق، فلم يكُن يَسلُك طَريقَ خُراسان أَحَدٌ إلَّا على فارِس وكَرْمان. وبَقِيَ أَمرُ جُرجان كذلك حتَّى وَلِيَ يَزيدُ خُراسان وأَتاهُم فاسْتَقبَلوه بالصُّلْح وزادوه وهابوه، فأَجابَهم إلى ذلك وصالَحَهم. وقد أَصابَ يَزيدُ بجُرجان تاجًا فيه جَوْهَر، فقال: أَتَرَوْنَ أَحدًا يَزهَد في هذا؟ قالوا: لا. فدَعا محمَّد بن واسِع الأزدي فقال: خُذْ هذا التَّاجَ. قال: لا حاجَة لي فيه. قال: عَزَمْتُ عليك. فأَخَذه، فأَمَر يَزيدُ رَجُلًا يَنظُر ما يَصنَع به، فلَقِيَ سائِلًا فدَفَعَه إليه، فأَخَذ الرَّجُلَ السَّائِلَ وأَتَى به يَزيدَ وأَخبَره، فأَخَذ يَزيدُ التَّاجَ وعَوَّضَ السَّائِلَ مالًا كَثيرًا.
لما فرغ الفرنجُ من إصلاح أمْرِ عكا، ساروا مستهلَّ شعبان نحو حيفا مع شاطئ البحر لا يفارِقونَه، فلما سمع صلاح الدين برحيلِهم نادى في عسكره بالرحيلِ، فضايقوا الفرنج في مسيرِهم، وأرسلوا عليهم مِن السهام ما كاد يحجُبُ الشمس، ووقعوا على ساقةِ الفرنج، فقتلوا منها جماعةً، وأسَروا جماعةً، وأرسل الأفضَلُ بن صلاح الدين إلى والِدِه يستَمِدُّه ويُعَرِّفُه الحال، فأمر صلاح الدين العساكِرَ بالمسير إليه، فاعتذروا بأنَّهم ما ركبوا بأُهبةِ الحَربِ، وإنما كانوا على عَزمِ المسيرِ لا غير، فبَطَل المددُ وعاد مَلِك الإنكليز إلى ساقة الفرنج، فحماها، وجَمَعَهم، وساروا حتى أتوا حيفا، فنَزَلوا بها، ونزل المسلمونَ لِيُقيموا في قرية بالقرب من الفرنج، وأحضر الفرنجُ مِن عكا عِوَض من قُتِلَ منهم وأُسِرَ ذلك اليوم، وعِوَضَ ما هلك من الخيل، ثم ساروا إلى قيسارية، والمسلمون يسايرونَهم ويتخَطَّفون منهم مَن قَدَروا عليه فيَقتُلونه، لأن صلاح الدين كان قد أقسم أنَّه لا يظفَرُ بأحدٍ منهم إلا قَتَلَه بمن قَتَلوا بعكا، فلما قاربوا قيسارية لاصقهم المسلمون، وقاتلوهم أشدَّ قتال، فنالوا منهم نيلًا كثيرًا، ونزل الفرنجُ بها، وبات المسلمون قريبًا منهم، فلما نزلوا خرجَ من الفرنج جماعةٌ فأبعدوا عن جماعتِهم، فأوقع بهم المسلمون الذين كانوا في اليزك – المقَدِّمة- فقتلوا منهم وأسروا، ثم ساروا من قيساريَّة إلى أرسوف، وكان المسلمونَ قد سبقوهم إليها، ولم يُمكِنْهم مسايرة الفرنج لضِيقِ الطريق، فلما وصل الفرنجُ إليهم حمل المسلمون عليهم حملة منكرة وألحقوهم بالبحر، ودخله بعضُهم فقُتِل منهم كثير، فلما رأى الفرنجُ ذلك اجتمعوا، وحملت الخيَّالة على المسلمين حملةَ رجل واحد، فوَلَّوا منهزمين، فلما انهزم المسلمون عنهم قُتِلَ خلق كثير، والتجأ المنهزمون إلى القلب، وفيه صلاحُ الدين، وكان بالقُربِ من المسلمين روضةٌ كثيرة الشجر، فدخلوها وظَنَّها الفرنج مكيدةً، فعادوا، وزال عنهم ما كانوا فيه من الضِّيقِ، ثم سار الفرنجُ إلى يافا فنزلوها، ولم يكُنْ بها أحد من المسلمين، فملكوها، وسار صلاحُ الدين عنهم إلى الرملة، واجتمع بأثقالِه بها، وجمع الأمراء واستشارهم فيما يفعل، فأشاروا عليه بتخريبِ عسقلان، فأمر بتخريبِها، فخُرِّبَت تاسع عشر شعبان، وأُلقِيَت حجارتها في البحر، وهَلَك فيها من الأموال والذخائر التي للسُّلطانِ والرعية ما لا يُمكِنُ حَصرُه، وعفى أثَرَها حتى لا يبقى للفرنجِ في قَصدِها مَطمَعٌ، ولَمَّا سمع الفرنج بتخريبها أقاموا مكانَهم ولم يسيروا إليها، فلما خَرِبَت عسقلان رحل صلاح الدين عنها ثاني شهرِ رمضان، ومضى إلى الرملة فخَرَّبَ حِصنَها وخَرَّب كنيسة لد، ثم سار صلاح الدين إلى القدس بعد تخريبِ الرملة، فاعتَبَرَه وما فيه من سلاحٍ وذخائر، وقرَّرَ قواعِدَه وأسبابه، وما يُحتاج إليه، وعاد إلى المخيم ثامن رمضان، وفي هذه الأيام خرج ملك الإنكليز من يافا، ومعه نفرٌ من الفرنج من معسكرهم، فوقع به نفرٌ من المسلمين، فقاتلوهم قتالًا شديدًا، وكاد ملك الإنكليز يؤسَرُ، ففداه بعضُ أصحابه بنَفسِه، فتخلَّصَ المَلِكُ وأُسِرَ ذلك الرجُل.
لما نشب القتالُ مع المغول أمر خوارزم شاه بتحصين بخارى وسمرقند, ثم قفل ليجمع العساكِرَ من الأنحاء لقتال المغول، فلما فرغ من ذلك رحل عائدًا إلى خراسان، فعبر جيحون، ونزل بالقرب من بلخ فعسكر هناك، وأمَّا الكُفَّار فإنهم رحلوا بعد أن استعدوا يطلبون ما وراء النهر، فوصلوا إلى بخارى بعد خمسة أشهر من وصول خوارزم شاه، وحصروها، وقاتلوها ثلاثة أيام قتالًا شديدًا متتابعًا، فلم يكن للعسكر الخوارزمي بهم قوة، ففارقوا البلد عائدين إلى خراسان، فلما أصبح أهلُ البلد وليس عندهم من العسكر أحد ضَعُفَت نفوسهم، فأرسلوا القاضي، وهو بدر الدين قاضي خان، ليطلب الأمانَ للناس، فأعطَوهم الأمان، وكان قد بقي من العسكر طائفةٌ لم يمكِنْهم الهرب مع أصحابهم، فاعتصَموا بالقلعة، فلما أجابهم جنكيزخان إلى الأمان فُتِحَت أبواب المدينة يوم الثلاثاء رابع ذي الحجة، فدخل الكفَّار بخارى، ولم يتعرضوا لأحدٍ بل قالوا لهم: كل ما هو للسلطان عندكم من ذخيرة وغيره أخرِجوه إلينا، وساعِدونا على قتال مَن بالقلعة؛ وأظهروا عندهم العَدلَ وحسن السيرة، ودخل جنكيزخان بنفسِه وأحاط بالقلعة، ونادى في البلدِ بأن لا يتخلف أحدٌ ومن تخلَّف قتل، فحضروا جميعُهم، فأمرهم بطم الخندق، فطمُّوه بالأخشاب والتراب وغير ذلك، حتى إن الكفار كانوا يأخذونَ المنابر وربعات القرآن فيلقونهم في الخندقِ- فإنا لله وإنا إليه راجعون- وبحَقٍّ سمَّى الله نفسَه صبورًا حليمًا، وإلا كان خسف بهم الأرض عند فِعل ِمثل هذا، ثم تابعوا الزحف إلى القلعة وبها نحو أربعمائة فارس من المسلمين، فبذلوا جهدهم، ومنعوا القلعة اثني عشر يومًا يقاتلون جميع الكفار وأهل البلد، فقتل بعضهم، ولم يزالوا كذلك حتى زحفوا إليهم، ووصل النقَّابون إلى سور القلعة فنَقَبوه، واشتد حينئذ القتال، ومن بها من المسلمين يرمونَ ما يجدون من حجارة ونار وسهام، فغَضِبَ اللعين، ورد أصحابَه ذلك اليوم، وباكرهم من الغد، فجَدُّوا في القتال، وقد تعب مَن بالقلعة ونصبوا، وجاءهم ما لا قِبَل لهم به، فقهرهم الكفار ودخلوا القلعة، وقاتلهم المسلمون الذين فيها حتى قُتِلوا عن آخرهم، فلما فرغ من القلعة نادى أن يُكتَبَ له وجوه الناس ورؤساؤهم، ففعلوا ذلك، فلما عرضوا عليه أمَرَ بإحضارهم فحضروا، فقال: أريد منكم النقرةَ -قطع مذابةٌ من الذَّهب أَو الفِضَّة- التي باعكم خوارزم شاه، فإنَّها لي، ومن أصحابي أُخِذَت، وهي عندكم، فأحضر كل من كان عنده شيء منها بين يديه، ثم أمرهم بالخروج من البلد، فخرجوا من البلد مجردين من أموالهم، ليس مع أحد منه غير ثيابه التي عليه، ودخل الكفار البلد فنهبوه وقتلوا من وجدوا فيه، وأحاط بالمسلمين، فأمر أصحابه أن يقتَسِموهم، فاقتَسَموهم، وكان يومًا عظيمًا من كثرة البكاءِ مِن الرجال والنساء والولدان، وتفَرَّقوا وتمزقوا كل ممزق، واقتسموا النساء أيضًا، وأصبحت بخارى خاويةً على عروشها كأنْ لم تغنَ بالأمس، وارتكبوا من النساء العظيم، والناس ينظرون ويبكون، ولا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسِهم شيئًا مما نزل بهم، فمنهم من لم يرضَ بذلك، واختار الموت على ذلك فقاتل حتى قُتِل، ومن استسلم أخذ أسيرًا، وألقوا النار في البلد، والمدارس، والمساجد، وعذبوا الناس بأنواع العذاب في طلب المالِ.
شرع السلطانُ الأشرفُ صلاحُ الدين خليلُ بن قلاوون في الاهتمامِ بفَتحِ عَكَّا، وبعثَ الأميرَ عِزَّ الدين أيبك الأفرم أمير جاندار إلى الشامِ لتجهيزِ أعوادِ المجانيق، فقَدِمَ دِمشقَ وجُهِّزَت أعوادُ المجانيق، وبرزت في أول ربيع الأول وتكامَلَت في الثاني عشر، وسار بها الأميرُ عَلَم الدين سنجر الدواداري أحدُ أمراء الشام، ثم فُرِّقَت على الأمراء مقَدَّمي الألوف، فتوجَّهَ كل أمير ومضافيه بما أمر بنقله منها، وخرج من القاهرةِ الأمير سيف الدين طغريل الأيغاني إلى استنفار الناسِ مِن الحصون بممالكِ الشام، فوصل المظفَّر صاحب حماة إلى دمشق في الثالث عشر بعسكره وبمجانيقِ وزردخاناه- خزانة الأسلحة- ووصل الأميرُ سيف الدين بلبان الطباخي نائبُ الفتوحات بعساكِرِ الحصون وطرابلس، وبالمجانيق والزردخاناه في الرابع عشر، وتوجَّه الأميرُ حسام الدين لاجين نائبُ الشام بالجيشِ مِن دمشق في العشرينَ مِن ربيع الأول، وسار جميعُ النواب بالعساكر إلى عكا، وكان السلطانُ الأشرف خليل توجَّه بالعساكِرِ يوم الثلاثاء ثالث ربيع الأول يريد أخْذَ عَكَّا، وسيَّرَ حريمه إلى دمشق فوصلوا إليها في سابع ربيع الآخر، وسار السلطان فنزل عكَّا في يوم الخميس ثالث ربيع الآخر، ووصلت المجانيقُ يوم ثاني وصولِه وعدَّتُها اثنان وتسعون منجنيقًا، فتكاملَ نَصبُها في أربعة أيام، وأُقيمَت الستائرُ ووقع الحصارُ، وقد أتت جمائِعُ الفرنجِ إلى عكا أرسالًا من البحر، صار بها عالمٌ كبير، فاستمَرَّ الحصارُ إلى سادس عشر جمادى الأولى، وكثُرَت النقوب بأسوارِ عَكَّا، فلما كان يومُ الجمعة السابع عشر عزم السُّلطانُ على الزحف، فرَتَّب كوساته- قطعتان من نحاس تشبهانِ الترسَ الصغيرَ يُدَقُّ بأحدها على الآخر بإيقاع مخصوص- على ثلاثمائة جمل، وأمر أن تُضرَبَ كُلُّها دفعة واحدة، وركب السلطانُ وضُرِبَت، فهال ذلك أهلَ عكا، وزحف بعساكِرِه ومن اجتمع معه قَبلَ شروق الشمس، فلم ترتفع الشمسُ حتى علت السناجِقُ- الرايات- الإسلاميَّة على أسوار عكا، وهرب الفرنجُ في البحر وهلك منهم خلقٌ كثير في الازدحام، والمسلمون يقتُلونَ ويأسِرونَ وينهَبونَ فقَتَلوا ما لا يحصى عَدُّه كثرةً، وأخذوا من النساءِ والصبيان ما يتجاوَزُ الوصفَ، وكان عند فتحها أن أقبل من الفرنجِ نحوُ عشرة آلاف في هيئةٍ مُستأمنين، ففَرَّقهم السلطان على الأمراء فقتلوهم عن آخِرِهم، وكانت مدَّةُ حصار عكا أربعة وأربعين يومًا، واستُشهِدَ من المسلمين الأميرُ علاء الدين كشتغدي الشمسي ودُفِنَ بجلجولية، وعزُّ الدين أيبك العزي نقيب العساكر، وسيفُ الدين أقمش الغتمي، وبدرُ الدين بيليك المسعودي، وشرفُ الدين قيران السكزي، وأربعةٌ من مقَدَّمي الحلقةِ، وجماعةٌ من العسكر، وفي يومِ السبت الثامن عشر وقع الهدمُ في مدينة عكا، فهُدِّمَت الأسوار والكنائسُ وغيرها وحُرِقَت، وحُمِلَ كثير من الأسرى بها إلى الحصونِ الإسلاميَّة.
دارت مَعركةٌ بين "محمود غازان" سلطانِ الدولةِ الإيلخانية المغوليَّة, والذي أعلن هو وكثيرٌ من التتار دخولَهم في الإسلام سنة 694, و"النَّاصر قلاوون" سلطانُ دولة المماليك، وكانت معركةً هائلةً أسفرت عن انتصار غازان وجنودِه؛ بسَبَبِ تفَوُّقِهم في العِدَّة والعتاد، وتعَرَّض السلطانُ الناصر محمد قلاوون لمؤامرةٍ لخَلعِه, فقد تحرَّك غازان متَّجِهًا إلى بلاد الشام فقَطَع الفرات، وكانت الأخبارُ قد وصلت إلى السلطنةِ وتجهَّزَ العسكرُ مِن مصر ووصل إلى دمشقَ وتجهز عسكر دمشق، ووصلت الأخبارُ أن غازان قد وصل قريبًا من حلب في جيشٍ عظيم، حتى هرب كثيرٌ من أهل حلب وحماة إلى دمشق، ووصل العسكرُ المصري إلى دمشق، ثم خرج السلطانُ بالجيش من دمشق يوم الأحدِ سابع عشر ربيع الأول، ولم يتخَلَّف أحد من الجيوش، وخرج معهم خلقٌ كثير من المتطَوِّعة، فلما وصل السلطانُ إلى وادي الخزندار عند وادي سلمية قريبًا من حمص، التقى مع التَّتَر هناك يوم الأربعاء السابع والعشرين من ربيع الأول وتصادما، وقد كَلَّت خيولُ السلطان وعساكِرُه مِن السَّوْق؛ والتحم القتالُ بين الفريقين، وحمَلَت ميسرةُ المسلمين عليهم فكسَرتَهم أقبحَ كَسرةٍ، وقَتَلوا منهم جماعة كثيرة نحو خمسةِ آلاف أو أكثر، ولم يُقتَل من المسلمين إلا اليسير، ثم حملت القلبُ أيضًا حملةً هائلة وصَدَمت العدوَّ أعظمَ صَدمةٍ، وثبت كلٌّ من الفريقين ثباتًا عظيمًا، ثم حصل تخاذلٌ في عسكَرِ الإسلام بعضُهم في بعضٍ؛ بلاءً مِن الله تعالى، - فانهزمت ميمنةُ السلطان بعد أن كان لاح لهم النصرُ، فلا قوةَ إلا بالله، ولما انهزمت الميمنةُ انهزم أيضًا من كان وراء السناجق- الرايات- السلطانية من غير قتالٍ، وألقى الله تعالى الهزيمةَ عليهم فانهزم جميعُ عساكر الإسلام بعد النصر، وساق السلطان في طائفة يسيرةٍ من أمرائه ومدبري مملكتِه إلى نحو بعلبك وترَكوا جميع الأثقال مُلقاةً، فبقيت العُدَد والسِّلاح والغنائم والأثقالُ ملأت تلك الأراضي حتى بقيت الرماحُ في الطرقِ كأنَّها القَصَبُ لا ينظر إليها أحدٌ، ورمى الجندُ خُوذَهم عن رؤوسِهم وجواشنَهم وسلاحَهم تخفيفًا عن الخيلِ لتنجيَهم بأنفسهم، وقصد الجميعُ دمشق، وكان أكثَرُ من وصل إلى دمشق من المنهزمين من طريق بعلبك، ولما بلغ أهلَ دمشق وغيرها كسرةُ السلطانِ عَظُمَ الضجيج والبكاء، وخرجت المخَدَّراتُ حاسراتٍ لا يعرفن أين يذهبن والأطفالُ بأيديهن، وصار كل واحد في شغلٍ عن صاحِبِه إلى أن ورد عليهم الخبَرُ أن ملك التتار قازان مسلِمٌ، وأن غالِبَ جَيشِه على ملَّة الإسلام، وأنهم لم يتْبَعوا المنهزمين، وبعد انفصال الوقعة لم يقتلوا أحدًا ممن وجَدوه، وإنما يأخذونَ سلاحَه ومركوبَه ويُطلِقونه، فسكن بذلك روعُ أهل دمشق قليلًا، ثم صار من وصل إلى دمشق أخذَ أهلَه وحواصِلَه بحيث الإمكان وتوجَّه إلى جهة مصر، وبقي من بقيَ بدمشق في خمدةٍ وحَيرةٍ لا يدرون ما عاقبةُ أمرهم؛ فطائفةٌ تغَلَّب عليهم الخوفُ، وطائفةٌ يترجَّونَ حَقنَ الدماء، وطائفةٌ يترجَّون أكثَرَ من ذلك من عَدلٍ وحُسنِ سيرة.
هي أكبرُ الجُزُرِ اليُونانيَّة، وخامسُ أكبرِ جَزيرة في البحرِ الأبيضِ المتوسِّط، وصَل المسلمون إلى كَرِيت في وقتٍ مُبَكِّر، إذ ضرَبوا الحِصارَ عليها ولم يَنتصِف القَرنُ الأوَّلُ الهجريُّ بعدُ؛ ولكنَّهم لم يَتمكَّنوا مِن فَتحِها، إذ أن قُوَّتَهم البَحريَّة لم تكُن قد تكامَلَت بعدُ. رَوَى البَلاذُرِيُّ: غَزا جُنادةُ بن أبي أُمَيَّة أَقْرِيطِش، فلمَّا كان زمن الوَليدِ بن عبدِ الملك فتَح بعضَها ثمَّ أغلق، وغَزاها حُمَيدُ بن مَعْيوفٍ الهَمْدانيُّ في خِلافَة الرَّشيدِ ففتَح بعضَها، وكان المسلمون قد شُغِلوا بالقِتالِ في جَبَهاتٍ أُخرى، مما أعان على بَقاءِ حُكْمِ الرُّومِ في كَرِيت؛ ولكنَّه لم يكُن وَطِيدَ الدَّعائِم للاخْتِلاف في مَذاهِب الدِّين بين الحاكِمين والمَحْكومين.
وكان سَبَب ضَرْبها أنَّ عبدَ الملك بن مَرْوان كتَب في صُدورِ الكُتُبِ إلى الرُّوم: "قل هو الله أحد" وذَكَر النَّبِيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، مع التَّاريخ، فكَتَب إليه مَلِكُ الرُّوم: إنَّكم قد أَحْدَثْتُم كذا وكذا، فاتركوه وإلَّا أتاكُم في دَنانيرنا مِن ذِكْرِنا نَبِيَّكم ما تَكرهُون. فعَظُم ذلك عليه. فأحضر خالدَ بن يَزيدَ بن مُعاوِيَة فاسْتَشارهُ فيه، فقال: حَرِّمْ دَنانيرَهُم واضْرِب للنَّاس سِكَّةً فيها ذِكْر الله تعالى. فضَرَب الدَّنانيرَ والدَّراهِمَ. ثمَّ إنَّ الحَجَّاج ضَرَب الدَّراهِم ونَقَش فيها: "قل هو الله أحد" فكَرِهَ النَّاسُ ذلك لِمَكان القُرآن؛ لأنَّ الجُنُبَ والحائضَ يَمَسُّها، ونَهى أن يَضرِب أحدٌ غيرُه.
لمَّا قَرُبَت وَفاةُ سُليمان كان يُريد أن يَعْهَد لِوَلَدِهِ داود؛ لكنَّ رَجاء بن حَيْوَة صَرَفَهُ عن ذلك، فسَأَلَهُ عن عُمَر بن عبدِ العزيز فأَثْنَى رَجاءُ عليه، فجَعَل سُليمانُ الأَمْرَ لِعُمَر بن عبدِ العزيز، ثمَّ لِيَزيد بن عبدِ الملك بَعدَهُ، فكان لِرَجاء الفَضْل في إحْكام ذلك بعدَ مَوتِ سُليمان، فقرأ عليهم كِتابَ سُليمان بعدَ أن أَخَذَ البَيْعَةَ على الكِتابِ منهم، ثمَّ أَجْلَس عُمَرَ بن عبدِ العزيز على المِنْبَر بعدَ أن صَلَّى عُمَرُ على سُليمان، ثمَّ انْتَقل إلى دارِ الخِلافَة بعدَ أن فَرَغَت مِن أَهلِ سُليمان وبايَعَه كذلك عبدُ العزيز بن الوَليد، وبذلك تَمَّت له الخِلافَةُ.
هو الإمامُ حَبرُ القرآنِ: نافع بن عبدالرحمن بن أبي نعيم، أحدُ القُرَّاء السبعة، أصلُه من أصبهان، ولد بالمدينة سنة 70 وقيل 71هـ في خلافة عبدالملك بن مروان, وكان أسودَ اللونِ حالكًا صبيحَ الوجهِ حسَنَ الخُلُق، فيه دُعابة، أخذ القراءةَ عَرضًا عن جماعةٍ مِن تابعي أهلِ المدينة، أقرأَ النَّاسَ دهرًا طويلًا؛ نيفًا عن سبعين سنة، وانتهت إليه رياسةُ القراءة بالمدينة، قيل: إنه كان يُشَمُّ منه رائحةُ المِسكِ حين يقرأُ القرآن، وكان زاهدًا جوادًا، صلى في مسجد النبيِّ صلَّى الله عليه وسلم ستينَ سنةً، وكان الإمامُ أحمَدُ يُقَدِّمُ قراءتَه على قراءةِ عاصم، توفِّيَ في المدينةِ.
تمرَّدَ متولي المغربِ محمَّد بن مقاتل العكي، وظلَم وعسَفَ واقتطَعَ مِن أرزاق الأجنادِ وآذى العامَّةَ، فخرج عليه تمامُ بنُ تميم التميمي نائبُه على تونس، فزحَفَ إليه فبَرَز لملاقاته العكي، فهَزَمه ابنُ تميمٌ، فتحَصَّنَ العكيُّ بالقيروان في القصرِ، وغلَبَ تمَّام على البلد، ثم نزل العكيُّ بأمانٍ وانسحب إلى طرابلس، فنهض لنُصرتِه إبراهيمُ بنُ الأغلب، فتقهقر تمَّام إلى تونُسَ ودخل ابنُ الأغلب القيروانَ، فصلى بالنَّاسِ وخطب وحَضَّ على الطاعةِ، ثم التقى ابنُ الأغلب وتمَّام فانهزم تمَّام، واشتَدَّ بغضُ الناسِ للعكيِّ، وكاتبوا الرشيدَ فيه، فعَزَله وأقَرَّ عليهم إبراهيمَ بن الأغلبِ.
استطاع البويهيُّون أن يتحَكَّموا في الخليفة، ويُسيطِروا على الدولة، ويُديروها بأنفُسِهم، ففي أيام مُعِزِّ الدولة جرَّدوا الخليفةَ مِن اختصاصاته، فلم يبقَ له وزيرٌ، وإن كان له كاتِبٌ يديرُ أملاكَه فحَسبُ، وصارت الوزارةُ لمُعز الدولة يستوزِرُ لنَفسِه من يريد، وكان من أهمِّ أسبابِ ضَعفِ الخلافة وغروب شمسِها أن البويهيين (الديلم) كانوا من المُغالينَ في التشيُّع، وهم يعتَقِدونَ أنَّ العباسيِّينَ قد أخذوا الخلافةَ واغتَصَبوها من مستحِقِّيها؛ لذلك تمَرَّدوا على الخليفةِ والخلافةِ بصفة عامة، ولم يطيعوها ولم يَقدُروها قَدْرَها. وقد بلغ معزُّ الدولة مكانةً عالية، فكان الحاكِمَ الفِعليَّ في بغداد مع إبقائِه على الخليفةِ، غيرَ أنَّه ما لبث أن قَبَضَ عليه، وفقأَ عينَيه.
لَمَّا استولى باذ الكردي على الموصِل، اهتم صمصام الدولة ووزيرُه ابن سعدان بأمرِه، فوقع الاختيارُ على إنفاذِ زيار بن شهراكويه، وهو أكبَرُ قُوَّادهم، فأمره بالمسيرِ إلى قتاله، وجَهَّزه، وبالغ في أمرِه، وأكثَرَ معه الرجالَ والعُدَد والأموال، وسار إلى باذ، فخرج إليهم، ولَقِيَهم في صفر، فأجْلَت الوقعةُ عن هزيمةِ باذ وأصحابِه، وأُسِرَ كثيرٌ مِن عَسكرِه وأهْلِه، وحمُلِوا إلى بغداد فشُهِروا بها، ومَلَك الدَّيلمُ الموصِلَ، فراسل باذ الكردي زيارًا وسعدًا يطلبُ الصلح، فاستقَرَّ الحال بينهم، واصطلحوا على أن تكون ديارُ بكرٍ لباذ، والنِّصفُ من طور عبدين أيضًا، وانحدرَ زيار إلى بغداد، وأقام سعدٌ بالموصل.
جَمَعَ أَميرٌ كَبيرٌ مِن أُمراءِ خراسان جَمْعًا كَثيرًا، وسار بهم إلى نيسابور، فحَصَرَها، فاجتَمَع أَهلُها وقاتَلوهُ أَشَدَّ قِتالٍ، ولازَمَ حِصارَهم نحوَ أربعين يومًا، فلمَّا لم يَجِد له مَطْمَعًا فيها سار عنها في المُحرَّمِ سَنةَ 489هـ، فلمَّا فارَقَها وَقَعَت الفِتنَةُ بها بين الكَرامِيَّة وسائرِ الطَّوائفِ من أَهلِها، فقُتِلَ بينهم قَتلَى كَثيرةٌ، وكان مُقَدَّمُ الشافعيَّةِ أبا القاسمِ بن إمامِ الحَرمَينِ أبي المعالي الجُويني، ومُقَدَّمُ الحَنفيَّةِ القاضي محمدَ بنَ أَحمدَ بنِ صاعِد، وهُما مُتَّفِقان على الكَرامِيَّةِ، ومُقَدَّمُ الكَرامِيَّةِ محمشاد، فكان الظَّفَرُ للشافعيَّةِ والحَنفيَّةِ على الكَراميَّةِ، فخَرِبَت مَدارِسُهم، وقُتِلَ كَثيرٌ منهم ومن غَيرِهم، وكانت فِتنَةٌ عَظيمةٌ.