أُسِّستِ المَملَكاتُ القُعَيْطيَّةُ في حَضرَموتَ على يَدِ عُمَرَ بنِ عَوَضِ بنِ عبدِ اللهِ القُعَيْطيِّ، والأسرةُ القُعَيْطيَّةُ تَرجعُ جُذورُها إلى قَبيلةِ يافِعٍ، فبَعدَ مَوتِ السُّلطانِ بَدرٍ أبي طُوَيرِقٍ الكَثيريِّ، دخَلَ حُلَفاؤُه مِنَ السَّلاطينِ في تَطاحُنٍ على السُّلطةِ، حتى إنَّ بَعضَ السَّلاطينِ الكَثيريِّينَ استَنجَدَ بالجيشِ الإماميِّ في صَنعاءَ، فكانَ أنْ تلاشَت تَدريجيًّا السُّلطةُ الكَثيريةُ، وأصبَحتِ الشِّحرُ وحَضرَموتُ ضِمنَ الحُكومةِ المركزيةِ في صَنعاءَ، فاضطُرَّ الكَثيريونَ إلى الاستِنجادِ بقَبائِلِ يافِعٍ ضِدَّ السُّلطةِ الإماميةِ، فتمكَّنوا مِن إخراجِها مِن حَضرمَوتَ، ولكنَّ المنطقةَ وقعت في يَدِ يافِعٍ، وانتَهتِ الدولةُ الكَثيريةُ الأولى، وظهرَ حُكمُ الطوائفِ اليافعيةِ بساحِلِ حَضرمَوتَ على أنقاضِ الكَثيريِّينَ، وبَعدَ أن قامتِ الدولةُ الكَثيريةُ الثانيةُ في القرنِ التاسعِ الهِجريِّ كانَ تركيزُ سَلاطينِها على استِعادةِ تِرْيَمَ وسَيْئُونَ مِن يَدِ اليافعيِّينَ، واستَولى أيضًا الكَثيريونَ على الشِّحرِ مِنَ اليافعيِّينَ، لكنِ استَطاعَ التحالُفُ القُعَيْطيُّ بقيادةِ عَوَضِ بنِ عُمَرَ مع الكَسَاديِّ إخراجَ الكَثيريِّينَ منها، وأصبَحتِ الشِّحرُ منذُ ذلك الحينِ جُزءًا مِنَ السَّلطنةِ القُعَيْطيَّةِ، ووُقِّعتِ اتفاقيةٌ اعتَرفوا فيها لِآلِ كَثيرٍ بتِرْيَمَ وسَيْئُونَ.
ثم وَقَعت خِلافاتٌ بينَ القُعَيْطيِّينَ والكَسَاديِّينَ، ورأت بريطانيا أنْ تَمنحَ حمايَتَها للقُعَيْطيِّ بَدَلًا مِنَ الكَسَاديِّ، وحَذَّرتِ الكَثيريِّينَ مِن مُساعدةِ الكَسَاديِّ، وسمَحَت للقُعَيْطيِّ بشَنِّ هُجومٍ على المُكَلَّا، وانتهى أمرُ الكَسَاديِّ، واعترفَت انجِلتِرا بسَلطنةِ القُعَيْطيِّ على الشِّحرِ والمُكَلَّا، ووَقَّعوا اتفاقيةَ حِمايةٍ، وكذلك فَعَلوا مع السَّلطنةِ الكَثيريةِ في حَضرَموتَ، حَكَمتِ الدولةُ الكَثيريةُ سَيْئُونَ وتِرْيَمَ، وتريس والغرف ومريمة والغَيْل، في الوقتِ الذي حَكمت فيه الدولةُ القُعَيْطيَّةُ المُكَلَّا والشِّحرَ وغَيْل أبا وزير وجميعَ بُلدانِ الشواطئِ، وتمت مُحاولاتٌ لِتَهدئةِ الوَضعِ المُحتَدِمِ بينَ الدولةِ الكَثيريةِ، والدولةِ القُعَيْطيَّةِ، لِيَتسَنَّى تنظيمُ شُؤونِ بِلادِ حَضرَموتَ، فكانت مُعاهدةُ عَدَنٍ عامَ 1336هـ، ثم كانَ في عامِ 1346هـ مؤتمرُ سِنغافورةَ، الذي أذاعت فيه الدولتان القُعَيْطيَّةُ والكَثيريةُ بَلاغًا رَسميًّا إلى أهالي حَضرَموتَ كافةً بتَجديدِ الاتِّحادِ وتَوثيقِ عُرى الصَّداقةِ والتَّعاونِ.
بعد أن سيطر المهديُّون على السودان كلِّها وجاءت الأوامِرُ الإنجليزية للمصريين بالانسحابِ مِن السودان، ثمَّ أخذت إنجلترا بالعمل لاستعادة السودانِ، ووافق ذلك هزيمةَ إيطاليا أمام الحبشة، فاستنجدت إيطاليا بإنجلترا فتشَكَّل الجيشُ المصري الإنجليزيُّ، وتجمَّعَ في حلفا في ذي القعدة 1313هـ / أيار 1896م ليستعيدَ السودان، وقاد الجيشَ كتشنر الضابِطَ الإنجليزيَّ، ثم أُعطِيَت الأوامِرُ للتقَدُّمِ إلى السودان، وحدث صدامٌ أوَّلًا بين دوريةٍ مِن هذا الجيشِ والأنصارِ، ثمَّ حَدَثت معركةُ فركة في السادس والعشرين من ذي الحجة / حزيران، ولم يكن عددُ السودانيين يزيدُ على ثلاثة آلافٍ، على حين كان الجيشُ المقابِلُ عشرةَ آلاف بعتاده الكامِلِ، فقُتِلَ من السودانيين قائِدُهم حمودة ومعه ثمانمائة مقاتل، وأُسِرَ سِتُّمائة وتراجَعَ البقيَّةُ إلى دنقلة، ثمَّ جَرت اتصالاتٌ سريَّةٌ بين الضبَّاط الإنجليز وأعيان كردفان وزعيم الكبابيش وعبد الله ولد سعدٍ زعيم قبيلة الجعليين؛ لإعادة الحكم المصري، غيرَ أنَّ الجيش المصري قد أُصيب بكارثة انتشار الكوليرا في صفوفِه، ووجد أميرُ دنقلة أنَّه لا يستطيعُ الصمود أمامَ الغزاة فأخلى مدينتَه ودخَلَها كتشنر دون مقاومةٍ، ووصل مدينة مروى ومد الإنجليزُ خطًّا حديديًّا بسرعة بين حلفا وأبو حمد، وحاولت قوةٌ مهدية المقاومةَ في أبو حمد غيرَ أنَّها قد هُزِمَت أمام قوة السلاح رغمَ ما قدَّمت من تضحية، وكذلك انسحب أمير بربر إلى أم درمان، وجاءت قوةٌ من الجيش المصري من سواكِن على البحر الأحمر وتقَدَّمت نحو الداخل وأخذت مدينةَ كسلا من أيدي الإيطاليين، وذلك في 26 رجب 1315هـ / 20 ديسمبر 1897م، وانتصر كتشنر على قائدِ الجيش السوداني محمود في بلدة النخيلة على نهر عطبرة في 15 ذي القعدة 1315هـ / 6 نيسان 1898م وتقدَّم الإنجليزُ بجنودِهم المصريين نحو الجنوبِ وجَرَت معركةُ كرري في ربيع الثاني 1316هـ / أيلول 1898م وقُتِلَ فيها عشرة آلافٍ مِن الأنصارِ أتباعِ حركةِ المهديِّ، ودخل كتشنر الخرطومَ ورُفِع عليها العَلمانِ المصريُّ والإنجليزي، وتم التفاهمُ مع الفرنسيين في فاشودة.
هو علي عدنان إرتكين مندريس المعروف بعدنان مندريس رئيس وزراء تركيا، ولِدَ في مدينة أيدين سنة 1317هـ، وهو سياسيٌّ حقوقي، ورجل دولة تركي ومن دهاة الأتراك, شارك في تأسيسِ رابع حزب معارِض معتَرَف به في تركيا، كما أنه يعتبَرُ أوَّلَ رئيس وزراء منتَخَب ديمقراطيًّا في تركيا عام 1385هـ, دخل الانتخاباتِ مُرشَّحًا للحزب الديموقراطي سنة 1950م ببرنامج توقَّعَت له كلُّ الدراسات الفشَلَ المطلق، فمع أنَّه خرج من حزب أتاتورك العلماني بعد أن انشقَّ عنهم، فقد كان من ضمن تعهُّداتِه التي أطلقها للأتراك في حملته الانتخابية أنَّه إذا نجح في الانتخابات برئاسة الوزراء يتعَهَّدُ بعودة الأذان باللغة العربية، والسماح للأتراك بالحَجِّ، وإعادة إنشاء المساجد، وتدريس الدين بالمدارس، وإلغاء تدخُّل الدولة في لباس المرأة، فكانت نتيجة الانتخابات حصولَ حزب أتاتورك العلماني على 32 مقعدًا، بينما حصل حزب مندريس الديموقراطي على 318 مقعدًا! وتسَلَّم عدنان مندريس منصِبَ أوَّلِ رئيس منتخب للوزراء، وجلال بايار رئيس الحزب رئيسًا للجمهورية، وقد عمل مندريس منذ فوزِ حِزبِه في الانتخابات على استعادة هويَّة تركيا الإسلامية التي صادرها كمال أتاتورك، فشرع بتنفيذِ وُعودِه التي أعلنها أثناء العملية الانتخابية؛ فعقد أول جلسة لمجلس الوزراء في غرة رمضان تيمُّنًا بالشهر الكريم، وسَمَح بالأذان باللغة العربية، وأطلق حريةَ لباس المرأة، وحرية تدريس الدين، وبدأ بتعمير آلافِ المساجد بعد أن كانت ممنوعةً من البناء، وأخلى المساجِدَ التي كانت الحكومةُ السابقة تستعمِلُها مخازن للحبوب، وأعادها لتكونَ أماكن للعبادة، كما سمح بتعليم اللغة العربية، وقراءة القرآن الكريم وتدريسه في جميع المدارس حتى الثانوية، وأنشأ أكثَرَ من عشرين معهدًا لتخريج الوعَّاظ والخطباء وأساتذة الدين، وسمح بإصدار المجلات والكتب التي تدعو إلى التمسك بالإسلام، وتقارَبَ مع العرب ضِدَّ إسرائيل، وفرض الرقابةَ على الأدوية والبضائع التي تُصنَعُ في إسرائيل، بل طَرَد السفير الإسرائيلي سنة 1956م، فتآمر عليه الأعداءُ في الداخل والخارج، فانقلب عليه جنرالات الجيش، وتم قتله -رحمه الله- شنقًا مع اثنين من وزرائه بعد محاكمةٍ صورية!
هو الحاج سير أحمدو بلو بن الأمير إبراهيم بن فودي: زعيمٌ سياسيٌّ نيجيري شمالي. مفكرٌ إسلاميٌّ سياسي كان من أبرز قادةِ مقاومة الاستعمار الإنجليزي. وُلِدَ سنة 1909م بقرية رابا، وتعلَّم في كُتَّابها سنتين، ثم أخذه أخوه إلى مدينة صكتو؛ لِيُلحِقَه بمدرسةٍ ابتدائية هناك، فدرس فيها القرآنَ الكريم، والحساب، واللغة الإنجليزية، والتاريخ، لكنَّه أبدى أسَفَه حين رأى أنَّ التاريخَ الذي يَدرسُه تاريخ إنجلترا بدلًا من تاريخ بلادِه. كان جادًّا في دراسته ما جعَله بعد خمسِ سنين يتخرَّجُ بتفوق على أقرانه، وفي عام 1926م انتقل إلى كلية المعلِّمين في كاتسينا؛ ليتخرَّج معلِّمًا، فعاد إلى مدرسته الأولى في صكتو ليدرِّسَ بها اللغةَ الإنجليزية، والهندسة، ومبادئ اللغة العربية، وفي عام 1934م عيَّنه السُّلطان رئيسًا لمركز (رابا) مسقط رأسِه بعد وفاة ابن عمِّه، فكان أصغرَ رئيسٍ من بين 45 رئيسًا؛ إذ كان عمره 24 سنةً، فكان أوَّلُ عملٍ أقدَمَ عليه هو مكافحةَ الجهل والأميَّة في قريته، حتى إنه لم يكُنْ فيها مَن يَعرف القراءةَ والكتابةَ سواه، فأنشَأ مدرسةً تولَّى التَّدريسَ فيها بنفسه، فلمَّا تعلَّم عددٌ من أهل القرية القراءة والكتابة فَتح فصولًا أخرى، حتى بُنيت أوَّلُ مدرسةٍ نظاميَّة في القرية. في عام 1938م انتقل أحمد بلو إلى (غسو)، وقد عيَّنه السلطان الحاج أبو بكر تفاوة بيليوا رئيسُ وزراء حكومة اتحاد نيجيريا مُشرفًا على 14 مركزًا في سلطنة صكتو، وبهذا اكتسب بلو مهاراتٍ إدارية. ولما أُعلِنَت الحربُ العالمية الثانية عُيِّن بلو ضابطًا للحرب في صكتو. وفي عام 1948م سافر بلو إلى لندن؛ لدراسة نظُمِ الحكم المحلي، وفي عام 1949م ذهب إلى عاصمة نيجيريا لاجوس لأوَّلِ مرة حين توفي وزير صكتو، وأصبح يمثِّل صكتو، وحين بدأت إجراءاتُ تعديل الدستور النيجيري اجتمع الشماليون في (كدونا)، واختاروا مندوبَين منهم للاشتراك في هذا العمل المهم، وكان أحدهما: أحمدو بلو. وفي عام 1953م تقلَّد وزارتَيْ تطوير المجتمع والحكومة المحلية، وفي أكتوبر 1954م أصبح بلو رئيسًا لوزراء الإقليم الشمالي، وظل في هذا المنصب حتى تم اغتياله رحمه الله.
وُلِدَ الشيخ حسنين في حي باب الفتوح بالقاهرة في (16 من رمضان 1307هـ / 6 من مايو 1890م)، وتَعهَّدَه أبوه بالتربية والتعليم، فما إن بلغ السادسةَ حتى دفَعَ به إلى مَن يُحَفِّظه القرآنَ الكريم، وأتمَّه وهو في العاشرة على يد الشيخ محمد علي خلف الحسيني شيخ المقارئ المصرية، وهيَّأه أبوه للالتحاق بالأزهر، فحفَّظه متونَ التجويد، والقراءات، والنحو، ثم التحق بالأزهر، وهو في الحاديةَ عَشْرةَ من عمره، وتلقَّى العلم على شيوخ الأزهر، من أمثال الشيخ عبد الله دراز، ويوسف الدجوي، ومحمد بخيت المطيعي، وعلي إدريس، والبجيرمي، فضلًا عن والده الشيخ محمد حسنين مخلوف، ولمَّا فتحت مدرسةُ القضاء الشرعي أبوابَها لطلاب الأزهر، تقدَّم للالتحاق بها، وتخرَّج بعد أربع سنواتٍ حائزًا على عالِميَّة مدرسة القضاء سنةَ (1332هـ / 1914م)، وبعد التخرُّج عمل الشيخ حسنين مخلوف بالتدريس في الأزهر لمدة عامَينِ، ثم التحقَ بسلك القضاء قاضيًا شرعيًّا في قنا سنةَ (1334هـ / 1916م)، ثم تنقَّل بين عدَّة محاكمَ في "ديروط"، و"القاهرة"، و"طنطا"، حتى عُيِّن رئيسًا لمحكمة الإسكندرية الكلية الشرعية سنةَ (1360هـ / 1941م)، ثم رُقِّيَ رئيسًا للتفتيش الشرعي بوزارة العدل سنةَ (1360هـ / 1942م)، ثم عُيِّنَ نائبًا لرئيس المحكمة العُليا الشرعية سنةَ (1363هـ / 1944م)، حتى تولَّى منصبَ الإفتاء في (3 من ربيع الأول 1365هـ / 5 من يناير 1946م)، وظلَّ في المنصب حتى (20 من رجب 1369هـ / 7 من مايو 1950م)، عندما بلغ انتهاءَ مدَّة خِدْمته القانونية، فاشتغل بإلقاء الدروس في المسجد الحسيني إلى أن أُعيد مرةً أُخرى ليتولَّى منصبَ الإفتاء سنةَ (1371هـ / 1952م)، واستمر فيه عامَينِ، وفي أثناء تولِّيه منصبَ الإفتاء اختير لعضوية هيئةِ كبارِ العلماءِ سنةَ (1367هـ = 1948م)، وبعد تَركه منصبَ الإفتاءِ أصبحَ رئيسًا للجنة الفَتْوى بالأزهر الشريف لمُدَّة طويلة، وكان عضوًا مؤسِّسًا لرابطة العالَم الإسلامي بالمملكة العربية السعودية، وشارَك في تأسيس الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، واختير في مجلس القضاءِ الأعْلى بالسعودية.
طالت الحياة بالشيخ حتى تجاوز المئةَ عامٍ، وتُوفيَ في 19 من رمضان 1410.
هو مصطفى كمال أتاتورك الملقَّب بالغازي؛ رئيس الجهورية التركية، وكلمة أتاتورك، تعني: أبو الأتراك، وهو الذى أسقط الخلافةَ الإسلاميةَ سنة 1343ه / 1924م. ولِدَ مصطفى كمال عام 1296هـ في مدينة سالونيك اليونانية وكانت تابعة للدولة العثمانية، من أمٍّ تدعى زبيدة، ونُسِبَ في بداية الأمر إلى زوج أمه علي رضا الذي لم يلبث أن توفِّي، ولم يتجاوز ربيبُه مصطفى الثامنةَ من العمر، وكانت زبيدة مُستهترة، وتمكَّنَت من تأمين زوجٍ لها، فغَضِبَ ولدها مصطفى منها، وترك البيتَ وذهب إلى بيت أخت علي رضا زوج أمه السابق، ودرس في المدارس الحربية في سالونيك، ومناستر، ثم التحق بالكلية الحربية في استانبول وتخرَّج منها، ثم تخرَّج من كلية الأركان برتبة رائد عام 1333هـ، وألَّف جمعية الوطن والحرية في الشام مع بعض المنفيِّين إليها، وكان يتدرَّبُ في لواء الفرسان، وعندما تمَّ تدريبُه عُيِّنَ في يافا غيرَ أنَّه هرب إلى مصر، ومنها انتقل بحرًا إلى سالونيك، واستطاع أن يجد وسيلةً لتعيينه هناك عن طريق الارتباطات التي أصبحت له، وعَمِلَ لجمعيته التي لم تلبَثْ أن انضمَّت إلى جمعية الاتحاد والترقي، ولم يستطِع البروزَ والظهور فيها؛ لأن أعضاءها لم يحترموه؛ لاستهتاره بالقِيَمِ، وانقطاعه إلى الأماكن الموبوءة من حانات، ومحلات للفجور؛ لذا فقد حقد عليهم أيضًا، ويبدو أنه كان على صلةٍ بجهة لها إمكاناتُها ولها نفوذها توجِّهُه وتحميه وترسُم له وتمَنِّيه وتعِدُه بأعلى منصب، أرسله أنور باشا وزير الحربية إلى طرابلس للقضاءِ على ثورة هناك، لكنه هرب من ليبيا، ثم أُرسِلَ ملحَقًا إلى بلغاريا قضى أيامَه في الخمور والمجون، ولَمَّا اندلعت الحرب العالمية الأولى كان يشتركُ حسب الحاجة تحت إمرة أحد القادة الألمان. وبعد الحرب وتوقيع هدنة مودروس بدأ الإنجليزُ في تهيئة مصطفى كمال لإسقاط الخلافة العثمانية، وإقامة دولة تركيا العلمانية الحديثة، وقد نجحَت في صناعته حتى كان كمال أشَدَّ عداء للإسلام والمسلمين من اليهودِ والنصارى! وفَعَل في تركيا مالم تفعَلْه جيوشُهم مجتمعةً، فما إن تولَّى رئاسة الجمهورية التركية حتى شَنَّ حربًا لا هوادةَ فيها على الإسلام والمسلمين، وفرض إجراءاتِ عَلْمَنة تركيا وفَصْلِها عن الإسلام والمسلمين بقوَّة النظام والسلاح؛ فقد كان هذا الديكتاتور مثلًا فريدًا في القسوة والتنكيل والأنانية المدمِّرة. لقد تجلَّت سياسة أتاتورك العلمانية في برنامج حزبه (حزب الشعب الجمهوري) لعام 1349هـ مرة، وعام 1355هـ مرة ثانية، والتي نصَّ عليها الدستور التركي، وهي المبادئُ الستة التي رُسِمَت بشكل ستة أسهُمٍ على علَمِ الحِزبِ، وهي: القومية، الجمهورية، الشعبية، العَلْمانية، الثورة، سلطة الدولة. هلك مصطفى كمال في 18 رمضان 10 نوفمبر 1938م بعد أن أُصيبَ قبل وفاته بسنين بمرضٍ عضال في الكلية لم يُعرَفْ كُنهُه. وكان يتعرَّضُ لآلام مبَرِّحة مزمنة لا تطاق، كانت السببَ في إدمانه على شربِ الخمر؛ مما أدى إلى إصابته بتليف الكبد، والتهاب في أعصابه الطرفية، وتعرُّضه لحالات من الكآبة والانطواء. ولما توفي دُفِنَ بعد تسعة أيام من وفاته بعد أن أمضى أكثَرَ من خمس عشرة سنة في الحكم. ثم جرت الانتخاباتُ وانتُخِبَ عصمت إينونو رئيسًا للجمهورية؛ فهو ثاني رئيس للجمهورية التركية الحديثة.
جاء التوقيعُ على وثيقةِ جنيفَ من أجْلِ السلام في الشرق الأوسط في أول ديسمبر 2003م، ليواكبَ خريطةَ الطريق الأمريكية، وهي الوثيقةُ التي ظلَّ وزيرُ الإعلام الفِلَسْطيني ياسر عبد ربه، ووزير العدل الإسرائيلي يوسي بيلين يتفاوَضان حولهَا على مدى ثلاث سنوات، حتى تمَّ التوقيعُ عليها بحضور مئات الشخصيات الدولية، وتَدْعو هذه الوثيقة إلى إنهاء النزاع الإسرائيلي - الفِلَسْطيني، وإحلال السلام بين الطرفَينِ، وقيام علاقات دبلوماسيةٍ وطبيعيةٍ كاملةٍ بين فلسطينَ وإسرائيلَ، وتضَعُ هذه الوثيقةُ -غيرُ الرسميَّة- برنامجًا زمنيًّا لتسوية النزاع، وتُشكِّلُ بديلًا لقرارات الأمم المتحدة ذاتِ الصلة بالصراع في حالة إقرارِها رسميًّا من الحكومَتَينِ الفِلَسْطينية والإسرائيلية. وأكَّدت ديباجة الوثيقة على ضرورة وضع حدٍّ لنزيف الدماء بين الشعبين الفِلَسْطيني واليهودي، واحترام حق الجانبَينِ في العيش داخلَ حدودٍ آمِنةٍ ومُعتَرَفٍ بها دوليًّا، وفيما يلي أبرزُ النقاط التي تضمَّنَتْها الوثيقةُ:
1- اعترافُ دولة إسرائيلَ بدولة فِلَسْطينَ فَورَ قِيامِها على مُعظمِ أراضي الضِّفة الغربية، وقطاع غزَّةَ، وقيام عَلاقات دبلوماسيةٍ، وقُنصليةٍ كاملةٍ فورًا، وتبادل السفراء في مدة أقصاها شهر من دخول الاتفاق حيِّزَ التنفيذِ.
2- تحتفظُ الدولتان بعاصمتَيْهما في مدينة القُدسِ على أنْ يكونَ ذلك في المناطق الخاضعة لكل طرفٍ، ويُسيطرُ الفِلَسْطينيون على القُدسِ العتيقة (الشرقية)، باستثناء الحي اليهودي، وحائط البراق (المبكى)، وسوف يخضَعُ المسجدُ الأقْصى للسيادة الفِلَسْطينية، على أنْ تكون حُريةُ الوصول إليه مكفولةً للجميع، تحت إشراف قوة دولية للمراقَبة.
3- يُمنَعُ اليهودُ من الصلاة بالمسجدِ الأقْصى، وتُمنَعُ جميعُ الحفائرُ الأثريةُ تمامًا فيه، ويتخذُ الطرفانِ إجراءاتٍ لضمانِ حريةِ وُصولِ اليهودِ إلى مزاراتهم الدينية المقدَّسة، ومنها بئرُ راحيلَ في بيت لحم، ومقبرةُ إبراهيمَ في مدينة الخليل.
4- تحتفظُ إسرائيلُ بحقِّ تمركزِ قواتٍ أمنيةٍ في تكتُّلِ مستعمَراتِ جوش عتصيون، بجنوب الضفة الغربية، والمستعمرات الواقعة في ضواحي القُدسِ.
5- تنتقِلُ السيادةُ إلى الجانب الفِلَسْطيني في مستعمَراتِ آرييل، وعفرات، وجبل أبو غنيم (حارحوما).
6- يتبادَلُ الجانبانِ السيادةَ في عدَّةِ مناطقَ منها مناطقُ في صحراء النقبِ تُتاخِمُ قطاع غزَّةَ، وسوف يتسلَّمُها الفِلَسْطينيون مُقابلَ مناطقَ بالضفة الغربية تحتفظُ إسرائيلُ بها، بدلًا من إعادتها للفِلَسْطينيين.
7- لم تنصَّ الوثيقةُ في أيٍّ من بنودِها على عبارةِ: "حق العودة للاجِئينَ الفِلَسْطينيين"، وبدلًا من ذلك سوف يتمُّ السماحُ بعودة عددٍ رَمزيٍّ من الفِلَسْطينيينَ، وتعويض اللاجئين عن ممتلَكاتٍ فَقَدوها من جرَّاء الاحتلال من خلال صندوقٍ خاصٍّ تتبرَّعُ إسرائيلُ برأس ماله.
8- يُقِرُّ الطرَفانِ الفِلَسْطيني والإسرائيلي بعدم المطالَبة بأي تعويضاتٍ، أو رفع دعاوى قضائيةٍ عن أحداثٍ وقعَت قبلَ توقيع الاتفاقِ.
ويمكِنُ القولُ: إنَّ وثيقةَ جنيفَ قد تناوَلَت مشروعَ التسوية الدائمة لقضية القُدس بتفصيلاتٍ أكثرَ من أيةِ وثيقةٍ، أو اتفاقيةٍ، أو إعلانِ مبادئَ سابقٍ، وذلك في سياق تسوية الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني بكافَّة جوانِبِه.
كان الأميرُ علي بن يحيى صاحب إفريقية لما استوحش من رجار صاحب صقلية، جدَّد الأسطول الذي له، فكثَّر عَدده وعُدده، وكاتب أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين بمراكش بالاجتماع معه على قصد جزيرة صقلية، فلما علم رجار ذلك كفَّ عن بعض ما كان يفعله، فاتفق أن عليًّا مات سنة 515، وولي ابنه الحسن، فلما دخلت سنة 516 سيَّرَ أمير المسلمين أسطولًا، ففتح نقوطرة بساحل بلاد قلورية، فلم يشكَّ رجار أن عليًّا كان سبب ذلك، فجدَّ في تعمير الشواني والمراكب، وحشد فأكثر، ومُنِع من السفر إلى إفريقية وغيرها من بلاد الغرب، فاجتمع له من ذلك ما لم يُعهَد مثله، قيل: كان ثلاثمائة قطعة، فلما انقطعت الطريق عن إفريقية توقَّع الأمير الحسن بن علي خروج العدو إلى المهدية، فأمر باتخاذ العُدد، وتجديد الأسوار، وجَمْع المقاتِلة، فأتاه من أهل البلاد ومن العرب جمع كثير، فلما كان جمادى الآخرة سنة 517 سار الأسطول الفرنجي في ثلاثمائة قطعة، فيها ألف فارس وفرس واحد، إلا أنهم لما ساروا من مرسى علي فرَّقتهم الريح، وغرق منهم مراكب كثيرة، ونازل من سَلِمَ منهم جزيرة قوصرة ففتحوها، وقتلوا من بها، وسَبَوا وغنموا، وساروا عنها، فوصلوا إلى إفريقية، ونازلوا الحصن المعروف بالديماس أواخر جمادى الآخرة، فقاتلهم طائفة من العرب كانوا هناك، والديماس حِصن منيع في وسطه حصن آخر، وهو مُشرِف على البحر، وسيَّر الحسن من عنده من الجموع إلى الفرنج، وأقام هو بالمهدية في جمع آخر يحفظها، وأخذ الفرنج حصن الديماس، وجنود المسلمين محيطة بهم، فلما كان بعد ليال اشتدَّ القتال على الحصن الداخل، فلما كان الليل صاح المسلمون صيحة عظيمة ارتجَّت لها الأرض، وكبَّروا، فوقع الرعبُ في قلوب الفرنج، فلم يشكُّوا أن المسلمين يهجمون عليهم، فبادروا إلى شوانيهم، وقتلوا بأيديهم كثيرًا من خيولهم، وغنم المسلمون منها أربعمائة فرس، ولم يسلم معهم غير فرس واحد، وغنم المسلمون جميع ما تخلَّف عن الفرنج، وقتلوا كلَّ من عجز عن الطلوعِ إلى المراكِبِ، فلما صعد الفرنج إلى مراكِبِهم أقاموا بها ثمانية أيام لا يقدِرون على النزول إلى الأرض، فلما أيسوا من خلاص أصحابهم الذين في الديماس ساروا والمسلمون يكبِّرون عليهم ويَصيحون بهم، وأقامت عساكِرُ المسلمين على حصن الديماس في أُمم لا يُحصَون كثرةً، فحَصَروه، فلم يُمكِنْهم فتحُه لحصانته وقوته، فلما عدم الماء على من به من الفرنج، وضجروا من مواصلة القتال ليلًا ونهارًا، فتحوا باب الحصن وخرجوا، فقُتِلوا عن آخِرِهم، وذلك يوم الأربعاء منتصف جمادى الآخرة من السنة، وكانت مدة إقامتهم في الحصن ستة عشر يومًا، ولما رجع الفرنج مقهورين أرسل الأمير الحسن البشري إلى سائر البلاد.
في خامس ذي الحجة اقتتل الأمير جكم الجركسي الظاهري، والأمير شيخ المحمودي نائب الشام، بأرض الرستن -فيما بين حماة وحمص- قُتِل فيها الأمير طولو نائب صفد، والأمير علاق نائب حماة، وجماعة كثيرة من الفريقين، وانهزم الأمير شيخ ومعه الأمير دمرداش المحمدي إلى دمشق، ومضى منها إلى الرملة يريد القاهرة، فإن الأمير شيخ توجَّه من دمشق بعد عيد الأضحى، ومعه الأمير دمرداش، فنزل مرج عذراء في عسكره يريد حمص، وقد نزل بها عسكر جكم عليهم الأمير، ونزل جكم على سلمية، فلبس الأمير دمرداش خلعة نيابة حلب الواصلة إليه مع تقليده وهو بالمرج، وقدِمَ إليهم الأمير عجل ابن نعير بعربه طالبًا أخذ ثأره من جكم، ووصل أيضًا ابن صاحب الباز يريد أيضًا أخذ ثأر أخيه من جكم، ومعه جمع من التركمان، فسار بهم الأمير شيخ من المرج في ليلة الاثنين الثالث عشر إلى أن نزل قارا ليلة الثلاثاء، فوصل تقليد العجل بن نعير بإمرة العرب، وقدِمَ الأمير علان نائب حماة وحلب - كان- من مصر، وقد استقر أتابك دمشق، ونزل الأمير شيخ حمص يوم الخميس السادس عشر، فكاتب الفريقان في الصلح فلم يتِمَّ، واقتتلا في يوم الخميس الثالث والعشرين بالرستن، فوقف الأمير شيخ والأمراء في الميمنة، ووقف العرب في الميسرة، فحمل جكم بمن معه على جهة الأمير شيخ فكسره، وتحول إلى جهة العرب، وقد صار شيخ إليها وقاتلوا قتالًا كبيرًا ثبتوا فيه، فلم يطيقوا جموع جكم وانهزموا، وسار شيخ بمن معه -من دمرداش وغيره- إلى دمشق، فدخلوها يوم السبت الخامس والعشرين، وجمعوا الخيول والبغال، وأصحابهم متلاحقيين بها، ثم مضوا من دمشق بكرة الأحد، فقدم في أثناء النهار من أصحاب الأمير جكم الأمير نكبيه، وأزبك، دوادار الأمير نوروز، ونزل أزبك بدار السعادة، وقدم الأمير جرباش، فخرج الناس إلى لقاء نوروز، فدخل دمشق يوم الاثنين السابع والعشرين، ونزل الإسطبل، ودخل الأمير جكم يوم الخميس آخره، ونادى ألا يشوش أحد على أحد، وكان قد شنق رجلًا في حلب رعى فرسه في زرع، وشنق آخر بسلمية، ثم شنق جنديًّا بدمشق على ذلك، فخافه الناس، وانكفُّوا عن التظاهر بالخمر، وقُتِل في وقعة الرستن الأمير علان نائب حماة وحلب، والأمير طولو نائب صفد، قُدِّما بين يدي الأمير جكم فضرب أعناقهما وعُنُقَ طواشي كان في خدمة الأمير شيخ، كان يؤذي جماعة نوروز المسجونين، ومضى الأمير شيخ إلى جهة الرملة.
لما تسلطن المنصور عثمان بن جقمق أساء تدبيرَ أمور الدولة فأخذ يعزِلُ ويولي ويعطي ويمنع دون رشدٍ ولا تدبيرٍ ولا توقيرٍ لكبير أو قديم، حتى أوغر صدورَ الأشرفية والمؤيدية عليه، وانتظم الصلح بين الطائفتين سرًّا فتحالفوا واتَّفقوا على الركوب في يوم بعينه، كل ذلك والمنصور ومماليك أبيه وحواشيه في غفلةٍ عن ذلك، وأكبَرُ همهم في تفرقة الإقطاعات والوظائف، وفي ظنِّهم أن دولتهم تدوم، وأنَّ الملك قد صار بيَدِهم، هذا مع عدم التفاتِهم لتقريبِ العُقلاء، ومشاورةِ ذوي التدبير وأرباب التجارب ممَّن مارس تغييرَ الدول والحروب والوقائع، وقد صار الناسُ عند الأمير الكبير إينال، ولَبِسوا السلاح، وأجمعوا على قتالهم، وأهلَّ شهر ربيع الأول يوم الاثنين، وفيه كان ابتداءُ الوقعة بين السلطان الملك المنصور عثمان وبين الأتابك إينال العلائي، وذلك أنَّه قدم الأمراء جميعًا إلى الرميلة يريدون طلوعَ القلعة، فتكاثرت المماليكُ عليهم واحتاطوا بهم، وأخذوهم غصبًا بأجمَعِهم، وعادوا بهم إلى بيت الأميرِ الكبير إينال العلائي، ولما اجتمع القومُ في بيت الأمير الكبير، وعَظُم جمعُهم، أتاهم الأمراءُ والخاصكية والأعيانُ من كل فجٍّ، حتى بقُوا في جمع موفور، فأعلنوا عند ذلك بالخروج عن طاعة الملك المنصور، والدخولِ في طاعة الأمير الكبير إينال، والأمير الكبير يمتنع من ذلك بلسانه، فلم يلتفتوا لتمنُّعِه، وأخفوا في لبس السلاح، فلَبِسوا في الحالِ عن آخِرِهم، وطلبوا الخليفةَ القائم بأمرِ الله حمزة، فحضر قبل تمامِ لُبسِهم السلاح، ولما حضر الخليفةُ أظهر الميل الكليَّ للأتابك إينال، وأظهر كوامِنَ كانت عنده من الملك المنصور وحواشيه وقام مع الأمراءِ في خلع المنصورِ أتمَّ قيام، ولما تكامل لبس المماليك والأمراء السلاح طلبوا من الأمير الكبير الركوبَ معهم والتوجُّهَ إلى بيت قوصون تجاهَ باب السلسلة، فامتنع تمنعًا ليس بذاك، ثم أجابهم في الحال، وركب هو والأمراءُ وحولهم العساكرُ مُحدِقة بهم إلى أن أوصلوهم إلى بيتِ قوصون، وأمَّا الملك المنصور لَمَّا بلغه ما وقع من القومِ في بيت الأمير الكبير تحقَّق مَن عنده من الأمراء والأعيان ركوبَ الأمير الكبير وخروجه عن الطاعة، فأمروا في الحال يشبك القرمي والي القاهرة أن يناديَ بطلوع المماليك السلطانية لأخذ النفقة، وأنَّ النفقة لكُلِّ واحد مائة دينار، فنزل يشبك من القلعة والمنادي بين يديه ينادي بذلك، إلى أن وصل إلى الرميلة تجاه باب السلسلة، فأخذته الدبابيسُ من المماليك، فتمَزَّقوا، وذهب القرمي إلى حال سبيلِه، ثم أمر الملك المنصور لأمرائِه وحواشيه بلُبس السلاح، فلبسوا بأجمعِهم، ولبس هو أيضًا، كل ذلك وآراؤهم مفكوكة، وكلمتهم غيرُ منضبطة، وابتدأ القومُ في القتال من يوم الاثنين هلال ربيع الأول، واشتدَّت الحرب، وجُرح من الطائفتين جماعة، وصار أمر الأميرِ الكبير في نموٍّ بمن يأتيه من المماليك السلطانية، ومضى نهارُ الاثنين بعد قتال كبيرٍ وقع فيه، وبات الفريقان في ليلة الثلاثاء على أُهبة القتال، وأصبحا يوم الثلاثاء على ما هم عليه من القتال والرميِ بالمدافع والنفوطِ والسهام من الجهتين، والجراحاتُ فاشية في الفريقين، ولم يكن وقت الزوال حتى كثُرَ عسكر الأمير الكبير إينال، واستفحل أمرُه، ثم في هذا اليوم لهج الخليفةُ أمير المؤمنين القائم بأمر الله حمزة بخلعِ الملك المنصور عثمان من الملك غيرَ مرة في الملأ، فقَوِيَ بذلك قلبُ أصحاب الأمير الكبير وجدُّوا في القتال، وتفرقَّوا على جهات القلعة، وجدُّوا في حصارها، وأصبحوا يومَ الأربعاءِ ثالث شهر ربيع الأول والقتال مستمِرٌّ، وأصحاب الملك المنصور تنسَلُّ منه إلى الأمير الكبير واحدًا بعد واحدٍ، ثم رسم الأمير الكبير بطلب القاضي محبِّ الدين بن الأشقر كاتب السر والقضاة الأربعة، فحضروا في الحال، وقد نزل الخليفةُ من القصر، وجلس عند الأمير الكبير هو والقضاة تكلَّموا مع الخليفة في خلع الملك المنصور عثمان بكلام طويل، ثم طلبوا بدر الدين ابن المصري الموقِّع فأملاه قاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني الشافعي ألفاظًا كتبها تتضَمَّن القدحَ في الملك المنصور وخلْعَه من السلطنة، وكان ذلك في أوائل نهار الجمعة، وخُلِعَ الملك المنصور من المُلك وحَكَم القضاة بذلك، وكانت مدةُ سلطنة الملك المنصور شهرًا واحدًا وثلاثة عشر يومًا، ثم سأل قاضي القضاة من حضر المجلس عن سلطنة الأمير الكبير إينال عليهم، فصاحوا بأجمَعِهم: نحن راضون بالأمير الكبير، وكرَّر القاضي عليهم القولَ غيرَ مرة وهم يردون الجوابَ كمقالتهم أولًا، وفرحوا بذلك، وسُرُّوا غاية السرور، وانفَضَّ المجلس على خلع الملك المنصور وسلطنةِ الأتابك إينال، هذا والقتال مستمر أشد ما يكون بين الطائفتين، وأصبح الناسُ في يوم الأحد سابع شهر ربيع الأول والقتالُ مستمِرٌّ بين الفريقين، ثم استطاع الأمير إينال أن يملكَ القلعة ثم أخذ المنصور عثمان ورسم بتسفيرِه إلى الإسكندرية وسُجِنَ بها، ثم حضر الخليفةُ والقضاة الأربعة وسائر أمراء الدولة، وبويع الأميرُ الكبير إينال بالسلطنة، ولقِّبَ بالملك الأشرف، ولَبِس خِلعةَ السلطنة.
سارَ عبدُ المُؤمِنِ بنُ علي إلى بجاية ومَلَكَها، ومَلَك جميعَ مَمالِكِ بني حَمَّاد. وكان لَمَّا أراد قَصْدَها سار من مراكِشَ إلى سبتة سنة 546، فأقام مُدَّةً يَعمُر الأسطولَ، ويَجمَعُ العساكِرَ القَريبةَ منه، فكتَبَ لِمَن في طريقِه إلى بجاية ليتجَهَّزوا ويكونوا على الحَرَكةِ أيَّ وَقتٍ طَلَبَهم، والنَّاسُ يَظُنونَ أنَّه يريدُ العبور إلى الأندلُسِ، فأرسل في قَطعِ السَّابلةِ عَن بلادِ شَرقِ المَغرِبِ بَرًّا وبَحرًا، وسار مِن سبتة في صفر سنة 547، فأسرع السَّيرَ وطَوى المراحِلَ، والعساكِرُ تلقاه في طريقِه، فلم يَشعُرْ أهلُ بجاية إلَّا وهو في أعمالها، وكان مَلِكُها يحيى بن العزيز بن حماد آخرَ مُلوكِ بني حمَّاد، وكان مُولَعًا بالصَّيدِ واللَّهوِ، لا ينظُرُ في شَيءٍ مِن أمورِ مَملَكَتِه، فلَمَّا اتَّصَلَ الخبَرُ بميمون بن حمدون، جمَعَ العساكِرَ وسار عن بجاية نحوَ عبد المؤمن، فلَقِيَهم مُقَدِّمةُ عبد المؤمن، وهم يزيدون على عشرينَ ألف فارس، فانهزم أهلُ بجاية مِن غَيرِ قِتالٍ، ودخَلَت مُقَدِّمةُ عبد المؤمن بجاية قَبلَ وصول عبدِ المؤمِنِ بيومين، وتفَرَّقَ جَميعُ عَسكَرِ يحيى بن عبد العزيز، وهَرَبوا برًّا وبحرًا، وتحَصَّن يحيى بقلعةِ قسنطينة الهوى، وهَرَبَ أخواه الحارِثُ وعبد الله إلى صقليَّةَ، ودخل عبدُ المؤمن بجاية، ومَلَك جميعَ بلاد يحيى بن العزيز بغَيرِ قِتالٍ، ثمَّ إنَّ يحيى نَزَل إلى عبدِ المُؤمِنِ بالأمان، فأمَّنَه، ولَمَّا فَتَحَ عبدُ المؤمِنِ بجاية لم يتعَرَّضْ إلى مالِ أهلِها ولا غَيرِه، وسَبَبُ ذلك أن بني حمدون استأمنوا فوفَى بأمانِه، وكان يحيى قد فَرِحَ لَمَّا أُخِذَت بلادُ إفريقيَّةَ مِن الحَسَنِ بنِ عَليِّ بنِ يحيى بن تميم بن المعز بن باديس فرحًا ظَهَرَ عليه، فكان يَذُمُّه، ويَذكُرُ مَعايبَه، فلم تَطُلِ المدَّةُ حتى أُخِذَت بلادُه هو، فسُبحانَ مُقَلِّبِ الأمورِ! ووصل الحسَنُ بنُ علي إلى عبدِ المؤمِنِ في جزائر بني مزغنان، واجتَمَعا عنده، فأرسل عبدُ المؤمن يحيى بن العزيز إلى بلادِ المغرب، وأقام بها، وأجرى عليه شيئًا كثيرًا, وأمَّا الحَسَنُ بن علي فإنَّه أحسَنَ إليه، وألزَمَه صُحبَتَه، وأعلى مرتَبَتَه، فلَزِمَه إلى أنْ فَتَحَ عبد المؤمن المهديَّة فجَعَلَه فيها، وأمَرَ واليَها أن يقتَدِيَ برأيِه ويَرجِعَ إلى قَولِه.
هو الإمامُ، قاضي القضاة أبو الفضل كمال الدين محمد بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري، الفقيه الموصلي الشافعي، بقيَّةُ الأعلام. وُلِدَ سنة 491, وكان والدُه أحد علماء زمانه يُلقَّب: بالمرتضى. لَمَّا قُتِلَ عماد الدين زنكي عند قلعةِ جعبر كان كمال الدين حاضرًا في العسكر هو وأخوه تاج الدين أبو طاهر يحيى، فلما رجع العسكَرُ إلى الموصل كانا في صُحبتِه, ولَمَّا تولى سيفُ الدين غازي بن عماد الدين زنكي فوَّضَ الأمورَ كُلَّها إلى القاضي كمال الدين وأخيه بالموصِل وجميع مملكته، ثمَّ إنه قبض عليهما في سنة 542 واعتقَلَهما بقلعة الموصل، ثمَّ إن الخليفة المقتفي شَفَعَ فيه وفي أخيه فأُخرِجا من الاعتقال، وقَعَدا في بيوتهما وعليهما الترسيمُ، ولما مات سيف الدين غازي رُفِعَ الترسيم عنهما، ثم انتقل كمال الدين إلى خدمة نور الدين محمود صاحب الشام في سنة 550 الذي احتفى به وأكرم وِفادتَه، فأقام بدمشق، ثم فوَّضَه نور الدين محمود في صفر سنة 555، نظَرَ الجامِعِ ودارَ الضرب وعمارة الأسوار والنَّظَر في المصالح العامة. واستناب ولَدَه وأولاد أخيه ببلاد الشام، وترقَّى القاضي كمال الدين إلى درجة الوزارة، وحَكَم في بلاد الشام في ذك الوقت، واستناب ولَدَه القاضي محيي الدين في الحُكم بمدينة حلب، ولم يكنْ شَيءٌ من أمور الدولة يخرجُ عنه، حتى الولاية وشد الديوان، ولَمَّا مات نور الدين وملك صلاح الدين دمشقَ أقَرَّه على ما كان عليه. وكان فقيهًا أديبًا شاعرًا كاتبًا ظريفًا فَكِهَ المجالسة، يتكَلَّمُ في الخلاف والأصول كلامًا حسنًا، وكان شهمًا جَسورًا كثير الصدقة والمعروف، وقَّفَ أوقافًا كثيرة بالموصل ونصيبين ودمشق، وكان عظيمَ الرياسة خبيرًا بتدبير المُلك، لم يكُنْ في بيته مثلُه ولا نال أحدٌ منهم ما ناله من المناصِبِ مع كثرة رؤساءِ بَيتِه، توفي القاضي كمال الدين في السادس من المحرم من هذه السنة، وقد كان من خيار القضاة وأخصِّ الناس بنور الدين محمود، ولَمَّا حضرته الوفاةُ أوصى بالقضاء لابنِ أخيه ضياء الدين بن تاج الدين الشهرزوري، مع أنَّه كان يجِدُ عليه؛ لِمَا كان بينه وبينه حين كان صلاحُ الدين سَجَنه بدمشق، وكان يعاكِسُه ويخالِفُه، ومع هذا أمضى وصيَّتَه لابن أخيه، فجلس في مجلسِ القضاءِ على عادةِ عَمِّه وقاعدتِه.
رحل المغولُ مِن دمشق على أنَّهم سيعودون زمن الخريف ليدخلوا مصر أيضًا، وعاد سيف الدين قبجق إلى دمشقَ يوم الخميس بعد الظهر خامس عشرين جمادى الأولى ومعه الألبكي وجماعة، وبين يديه السيوفُ مُسَلَّلة وعلى رأسه عصابةٌ، فنزل بالقصر ونودي بالبَلَدِ: نائبُكم قبجق قد جاء فافتَحوا دكاكينَكم واعملوا معاشَكم، ولا يغرر أحدٌ بنفسه هذا الزَّمان والأسعارُ في غاية الغلاءِ والقِلَّة، ولما كان في أواخر الشهر نادى قبجق بالبلد أن يخرُجَ الناس إلى قُراهم، وأمر جماعة وانضاف إليه خلقٌ من الأجناد، وكَثُرت الأراجيف على بابه، وعَظُم شأنه ودُقَّت البشائر بالقلعة، وركب قبجق بالعصائبِ في البلد والشاويشية بين يديه، وجهز نحوًا من ألف فارس نحو خربة اللصوصِ، ومشى مشيَ الملوك في الولاياتِ وتأمير الأمراءِ والمراسيم العالية النافذة، ثم إنَّه ضمن الخماراتِ ومواضِعَ الزنا من الحاناتِ وغيرها، وجُعِلَت دارُ ابن جرادة خارج من باب توما خمارةً وحانة أيضًا، وصار له على ذلك في كلِّ يومٍ ألفُ درهم، وهي التي دمَّرَتْه ومحقت آثارَه، وأخذ أموالًا أخرى من أوقاف المدارس وغيرها، ورجع بولاي من جهة الأغوار وقد عاث في الأرض فسادًا، ونهب البلادَ وخَرَّب ومعه طائفةٌ من التتر كثيرة، وقد خربوا قرًى كثيرة، وقتلوا من أهلها وسَبَوا خلقًا من أطفالها، وجبى لبولاي من دمشق أيضًا جباية أخرى، وخرج طائفةٌ من القلعة فقَتَلوا طائفة من التتر ونهبوهم، وقُتِلَ جماعة من المسلمين في غبون ذلك، وأخذوا طائفةً ممن كان يلوذ بالتتر، ورَسَمَ قبجق لخطيبِ البلَدِ وجماعة من الأعيان أن يدخُلوا القلعة فيتكَلَّموا مع نائِبِها في المصالحةِ، فدخلوا عليه يومَ الاثنين ثاني عشر جمادى الآخرة، فكلَّموه وبالغوا معه فلم يجِب إلى ذلك، وقد أجاد وأحسن وأرجل في ذلك بيَّضَ اللهُ وَجهَه، وفي ثامن رجب طلب قبجق القضاةَ والأعيان فحَلَّفَهم على المناصحة للدولة المحمودية- يعني قازان- فحلفوا له، وفي هذا اليوم خرج الشيخ تقيُّ الدين ابن تيمية إلى مخيَّم بولاي فاجتمع به في فكاكِ مَن كان معه من أسارى المُسلمين، فاستنقذ كثيرًا منهم من أيديهم، وأقام عنده ثلاثةَ أيامٍ ثم عاد، ثم راح إليه جماعةٌ من أعيان دمشق ثم عادوا من عنده فشُلحوا عند باب شرقي وأخَذَ ثيابَهم وعمائِمَهم ورجعوا في شرِّ حالة، ثم بعَثَ في طلبهم فاختفى أكثَرُهم وتغيَّبوا عنه.
جمعَ نُورُ الدِّينِ مَحمود بن زنكي عَسكَرَه وسار إلى بلادِ جوسلين الفرنجي، وهي شَماليَّ حَلَب منها تل باشر، وعين تاب، وإعزاز وغيرها، وعَزَمَ على مُحاصَرتِها وأخْذِها، وكان جوسلين فارِسَ الفِرنجِ غَيرَ مُدافَعٍ، قد جمع الشَّجاعةِ والرَّأيَ، فلَمَّا عَلِمَ بذلك جَمَعَ الفِرنجَ فأكثَرَ، وسار نحوَ نور الدين فالتَقَوا واقتتلوا، فانهزم المُسلِمونَ وقُتِلَ منهم وأُسِرَ جمعٌ كثيرٌ، وكان في جُملةِ مَن أُسِرَ سلاحُ دار نور الدين محمود، فأخذه جوسلين، ومَعَه سلاحُ نور الدين، فسَيَّرَه إلى الملك مسعود بن قلج أرسلان، صاحِبِ قونية، وأقصرا، وقال له: هذا سِلاحُ زَوجِ ابنَتِك، وسيأتيك بعده ما هو أعظَمُ منه، فلمَّا عَلِمَ نور الدين محمود الحالَ، عَظُمَ عليه ذلك، وأعمَلَ الحيلةَ على جوسلين، وهَجَرَ الراحةَ ليأخُذَ بثَأرِه، وأحضَرَ جَماعةً مِن أمراء التركمان، وبذَلَ لهم الرَّغائِبَ إن هم ظَفِروا بجوسلين وسَلَّموه إليه إمَّا قتيلًا أو أسيرًا؛ لأنَّه عَلِمَ أنَّه متى قَصَدَه بنفسه احتمى بجُموعِه وحُصونِه، فجعل التُّركمانُ عليه العُيونَ، فخرج مُتصَيِّدًا، فلَحِقَت به طائفةٌ منهم وظَفِروا به فأخذوه أسيرًا، فصانَعَهم على مالٍ يُؤدِّيه إليهم، فأجابوه إلى إطلاقِه إذا حضَرَ المالُ، فأرسل في إحضارِه، فمضى بعضُهم إلى أبي بكر بن الداية، نائِبِ نورِ الدين بحَلَب، فأعلَمَه الحالَ، فسَيَّرَ عَسكرًا معه، فكَبَسوا أولئك التُّركمانَ وجوسلين معهم، فأخذوه أسيرًا وأحضَروه عنده، وكان أسْرُه من أعظَمِ الفُتوحِ؛ لأنَّه كان شَيطانًا عاتيًا، شديدًا على المُسلِمينَ، قاسيَ القَلبِ، وأُصيبَت النصرانيَّةُ كافَّةً بأسْرِه، ولَمَّا أُسِرَ سار نور الدين إلى قلاعِه فمَلَكَها، وهي تل باشر، وعين تاب، وإعزاز، وتل خالد، وقورس، والراوندان، وبرج الرصاص، وحصن البارة، وكفرسود، وكفرلاثا، ودلوك، ومرعش، ونهر الجوز، وغير ذلك من أعمالِه، في مُدَّةٍ يسيرةٍ، وكان نورُ الدين كلَّما فتح منها حِصنًا نقل إليه مِن كُلِّ ما تحتاجُ إليه الحُصونُ؛ خَوفًا من نَكسةٍ تَلحَقُ بالمُسلِمينَ من الفِرنجِ، فتكون بلادُهم غيرَ مُحتاجةٍ إلى ما يَمنَعُها من العَدُوِّ.
لمَّا استقَرَّ الملك ناصر بالكرك وعَزَم على الإقامة بها بعد أن خرج من مصرَ على أنَّه يريد الحَجَّ، كتب كتابًا إلى الديار المصرية يتضَمَّنُ عَزلَ نَفسِه عن المملكة، فأثبت ذلك على القُضاةِ بمصر، وكان قد اشتَدَّ حَنَقُه، وصار في غاية الحَصرِ مِن تحَكُّم بيبرس الجاشنكيري- متذوِّق طعام السلطان- وسيف الدين سلار المغولي عليه، وعَدَم تصَرُّفِه ومَنْعه من كلِّ ما يريد، حتى إنه ما يصِلُ إلى ما يشتهي أكلَه لقِلَّةِ المُرَتَّب، فلولا ما كان يتحَصَّلُ له من أوقاف أبيه لما وجد سبيلًا إلى بلوغِ بعض أغراضِه، فكانت مُدَّةُ سلطنة الملك الناصر هذه عشر سنين وخمسة أشهر وسبعة عشر يومًا، ثم نفذَ على قضاة الشامِ وبُويِعَ الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير في السلطنةِ في الثالث والعشرين من شوَّال يوم السبت بعد العصر، بدار الأمير سيف الدين سلار، اجتمع بها أعيانُ الدولة من الأمراء وغيرهم وبايعوه وخاطبوه بالمَلِك المظَفَّر، ورَكِبَ إلى القلعة ومَشَوا بين يديه، وجلس على سريرِ المَملكة بالقلعة، ودُقَّت البشائِرُ وسارت البريدية بذلك إلى سائِرِ البلدان، وفي مستهَلِّ ذي القعدة وصل الأميرُ عز الدين البغدادي إلى دمشق فاجتمع بنائِبِ السلطنة والقضاة والأمراء والأعيان بالقَصرِ الأبلقِ، فقرأ عليهم كتابَ الناصر إلى أهل مصر، وأنَّه قد نزل عن الملك وأعرض عنه، فأثبَتَه القضاة وامتنع الحنبليُّ من إثباته وقال: ليس أحدٌ يترُكُ المُلكَ مُختارًا، ولولا أنَّه مُضطهدٌ ما تركه، فعُزِلَ وأقيم غيره، واستحلَفَهم للسلطانِ الملك المظفر ركن الدين بيبرس، وكُتِبَت العلامة على القلعة، وألقابُه على محالِّ المملكة، ودُقَّت البشائِرُ وزُيِّنَت البلد، ولما قرئَ كتاب الملك الناصر على الأمراءِ بالقصر، وفيه: إني قد صَحِبتُ الناس عشر سنين ثم اخترت المقامَ بالكرك، تباكى جماعةٌ من الأمراء وبايعوا كالمُكرَهين، وتولى مكانَ الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير الأميرُ سيف الدين بن علي، ويُذكَرُ أن أصل بيبرس هذا من مماليكِ الملك المنصور قلاوون البرجية، وكان شركسي الجِنسِ، ولم نعلم أحدًا ملَكَ مِصرَ مِن الشراكسة قبله إن صَحَّ أنه كان شَركسيًّا.