الموسوعة التاريخية

عدد النتائج ( 2497 ). زمن البحث بالثانية ( 0.01 )

العام الهجري : 64 الشهر القمري : ذي القعدة العام الميلادي : 684
تفاصيل الحدث:

لمَّا مات يَزيدُ بن مُعاوِيَة أَقْلَع جَيشُه عن مكَّة، وهم الذين كانوا يُحاصِرون ابنَ الزُّبيرِ وهو عائِذٌ بالبيتِ، فلمَّا رجَع حُصينُ بن نُميرٍ السَّكونيُّ بالجيشِ إلى الشَّام بعدَ أن عرَض الحُصينُ على ابنِ الزُّبيرِ أن يُبايِعَه بالخِلافَة شَرْطَ أن يَأتِيَ معهم للشَّامِ؛ لكنَّ ابنَ الزُّبيرِ رفَض الذِّهابَ إلى الشَّام, كان يَزيدُ قد أَوْصى بالخِلافَة لابنِه مُعاوِيَة؛ لكنَّه لم يكُن راغِبًا فيها فترَكَها وجعَلَها شُورى للمسلمين. اسْتَفْحَل أَمْرُ ابنِ الزُّبير بالحِجازِ وما والاها، وبايَعَهُ النَّاسُ في العِراق وما يَتْبَعُه إلى أقصى مَشارِق دِيارِ الإسلامِ، وفي مِصْرَ وما يَتْبَعُها إلى أقصى بِلادِ المغربِ، وبايَعَت الشَّامُ أيضًا إلَّا بعضَ جِهاتٍ منها، ففي دِمشقَ بايَع الضَّحَّاكُ بن قيسٍ الفِهرىُّ لابنِ الزُّبيرِ، وفي حِمْص بايَع النُّعمانُ بن بَشيرٍ، وفي قِنَّسْرين زُفَرُ بن الحارثِ الكِلابيُّ، وفي فِلَسْطين بايَع ناتِلُ بن قيسٍ، وأَخرَج منها رَوْحَ بن زِنْباع الجُذاميَّ، ولم يكُن رافضًا بَيْعَة ابنِ الزُّبيرِ في الشَّام إلَّا مِنطقةُ البَلْقاءِ وفيها حَسَّان بن مالكِ بن بَحْدَل الكَلبيُّ. وقد كان الْتَفَّ على عبدِ الله بن الزُّبيرِ جَماعةٌ مِن الخَوارِج يُدافِعون عنه، منهم نافعُ بن الأزرقِ، وعبدُ الله بن إباض، وجَماعةٌ مِن رُؤوسهم, فلمَّا اسْتَقَرَّ أَمْرهُ في الخِلافَة قالوا فيما بينهم: إنَّكم قد أَخْطأتُم لأنَّكم قاتَلتُم مع هذا الرَّجُلِ ولم تَعْلَموا رَأيَه في عُثمان بن عفَّان -وكانوا يَنْتَقِصون عُثمانَ- فاجْتَمَعوا إليه فسألوه عن عُثمانَ فأجابهم فيه بما يَسُوؤهُم، فعند ذلك نَفَرُوا عنه وفارقوه وقَصَدوا بِلادَ العِراق وخُراسان، فتَفَرَّقوا فيها. صَرَّح العديدُ مِن العُلماءِ والمُؤَرِّخِين بأنَّ بَيْعَة ابنِ الزُّبير بَيْعَة شَرْعِيَّةٌ، وأنَّه أَوْلى بها مِن مَرْوان بن الحكمِ, فيَروِي ابنُ عبدِ البَرِّ، عن مالكٍ أنَّه قال: إنَّ ابنَ الزُّبيرِ كان أفضل مِن مَرْوان وكان أَوْلى بالأمرِ منه، ومِن ابنِه عبدِ المَلِك. ويقولُ ابنُ كثيرٍ عن ابنِ الزُّبيرِ: ثمَّ كان هو الإمام بعدَ مَوتِ مُعاوِيَة بن يَزيدَ لا مَحالَة، وهو أَرْشَدُ مِن مَرْوان بن الحكمِ، حيث نازَعَهُ بعدَ أن اجْتَمَعت الكَلِمَةُ عليه، وقامَت البَيْعَة له في الآفاقِ، وانْتَظَم له الأمرُ، والله أعلم.

العام الهجري : 422 الشهر القمري : ربيع الأول العام الميلادي : 1031
تفاصيل الحدث:

تجَدَّدَت الفِتنةُ ببغدادَ بينَ السُّنَّة والشِّيعة، وكان سبَبُ ذلك أنَّ الوزيرَ أبا القاسم عليَّ بنَ أحمد الملَقَّب بالمذكور أظهَرَ العَزمَ على الغَزاة، واستأذن الخليفةَ في ذلك، فأَذِنَ له، وكُتِبَ له منشورٌ من دار الخلافة، وأعطى عَلَمًا، فاجتمَعَ له لفيفٌ كثيرٌ، فسار واجتاز ببابِ الشعير، وطاق الحراني، وبين يديه الرِّجالُ بالسِّلاحِ، فصاحوا بذِكرِ أبي بكرٍ وعُمَرَ، رَضِيَ الله عنهما، وقالوا: هذا يومُ مُعاوية، فنافَرَهم أهلُ الكَرخِ ورَمَوهم، وثارت الفِتنةُ، ونُهِبَت دورُ اليَهودِ؛ لأنَّهم قيل عنهم إنَّهم أعانوا أهلَ الكَرخِ، فلمَّا كان الغدُ اجتمع السُّنَّةُ من الجانِبَينِ، ومعهم كثيرٌ مِن الأتراكِ، وقصدوا الكَرخَ، فأحرقوا وهَدَّموا الأسواق، وأشرف أهلُ الكَرخِ على خُطَّةٍ عظيمة. وأنكَرَ الخليفةُ ذلك إنكارًا شديدًا، ونَسَب إليهم تخريقَ عَلامتِه التي مع الغزاةِ، فركب الوزيرُ فوَقَعَت في صَدرِه آجُرَّة، فسَقَطَت عِمامَتُه، وقُتِلَ مِن أهل الكرخِ جماعةٌ، وأُحرِقَ وخُرِّبَ في هذه الفتنةِ سُوقُ العَروسِ، وسوقُ الصَّفَّارين، وسوقُ الأنماط، وسوق الدقَّاقين، وغيرها، واشتد الأمرُ، ووقع القتالُ في أصقاع البلَدِ مِن جانبيه، وقَتَلَ أهلَ الكَرخِ، ونهر طابق، والقَلَّائين– صَنعتُهم القَليُ-، وباب البصرة، وفي الجانب الشَّرقيِّ أهل سوقِ الثلاثاء، وسُوق يحيى، وباب الطاق، والأساكفة، والرهادرة، ودرب سليمان، فقُطِعَ الجِسرُ ليُفَرَّقَ بين الفريقين، ودخل العَيَّارون– والعيارون: لُصوصٌ يَمتَهِنونَ النَّهبَ والدعارةَ - البلدَ، وكَثُرَ الاستقفاءُ بها ليلًا ونهارًا. وأظهر الجندُ كراهةَ المَلِك جلالِ الدَّولة، وأرادوا قَطعَ خُطبتِه، ففَرَّقَ فيهم مالًا وحَلَفَ لهم فسَكَنوا، ثم عاودوا الشَّكوى إلى الخليفةِ منه، وطَلَبوا أن يأمُرَ بقَطعِ خُطبتِه، فلم يُجِبْهم إلى ذلك، فامتنع حينئذ جلالُ الدَّولة من الجلوس، ودامت هذه الحالُ إلى عيدِ الفِطرِ، ثمَّ حدث في شوال فتنةٌ بين أصحابِ الأكْيِسة وأصحابِ الخِلعانِ، وهما شيعةٌ، وزاد الشَّرُّ، ودام إلى ذي الحِجَّة، فنودي في الكَرخِ بإخراجِ العَيَّارين، فخرجوا، واعتَرَض أهلُ باب البصرة قومًا مِن قُمٍّ أرادوا زيارةَ مَشهدِ عليٍّ والحُسَين، فقَتَلوا منهم ثلاثةَ نَفَر، وامتنَعَت زيارةُ مَشهَدِ موسى بنِ جَعفَر.

العام الهجري : 498 الشهر القمري : جمادى الأولى العام الميلادي : 1105
تفاصيل الحدث:

هو السلطان ركن الدولة بركيارق بن السلطان ملكشاه بن السلطان ألب أرسلان بن داود بن سلجوق بن دقماق السلجوقي أبو المظفر، كانت سلطنته اثنتي عشرة سنة وأربعة أشهر، جرت له خطوبٌ طويلة وحروب هائلة، خُطِب له ببغداد ست مرات, فقاسى من الحروب واختلاف الأمور عليه ما لم يقاسِه أحد، واختلفت به الأحوال بين رخاء وشدة، ومُلكٍ وزواله، وأشرفَ في عدة نُوَب بعد إسلام النعمة على ذَهاب المُهجة, ولم يُهزَم في حروبه غيرَ مرَّة واحدة، وكان أمراؤه قد طمعوا فيه للاختلاف الواقع بينه وبين أخيه محمد، حتى إنهم كانوا يطلبون نوَّابَه ليقتلوهم، فلا يمكِنُه الدفعُ عنهم، وكان متى خطب له ببغداد وقع الغلاءُ، ووقفت المعايشُ والمكاسِبُ، وكان أهلها مع ذلك يحبُّونه، ويختارون سلطانه, وكان حليمًا كريمًا، صبورًا عاقلًا كثيرَ المداراة، حَسَنَ القدرة، لا يبالِغُ في العقوبة، وكان عفوُه أكثر من عقوبته. ولما قويَ أمره هذه السنة وأطاعه المخالِفون وانقادوا له؛ أدركته منيته. كان قد مرض بأصبهان بالسلِّ والبواسير، فسار منها في محفة طالبًا بغداد، فلما وصل إلى بروجرد ضَعُف عن الحركة، فأقام بها أربعين يومًا، فاشتدَّ مرضه، فلما أيس من نفسِه خلع على ولده ملكشاه، وعمره حينئذ أربع سنين وثمانية أشهر، وخلع على الأمير إياز، وأحضر جماعةً من الأمراء، وأعلمهم أنه قد جعل ابنَه وليَّ عهده في السلطنة، وجعل الأميرَ إياز أتابكه -الأمير الوالد- وأمرهم بالطاعةِ لهما، ومساعدتهما على حفظ السلطنة لولده، والذب عنها، فأجابوا كلهم بالسمع والطاعة لهما، وبَذْل النفوس والأموال في حفظ ولده وسلطنته عليه، واستحلفهم على ذلك، فحلفوا، وأمرهم بالمسير إلى بغداد فساروا، فلما كانوا على اثني عشر فرسخًا من بروجرد وصلهم خبر وفاته، فلما سمع الأمير إياز بموته أمر وزيره الخطير المبيذي وغيره بأن يسيروا مع تابوته إلى أصبهان، فحُمِل إليها ودُفِن فيها، مات بركيارق عن عمر أربع وعشرين سنة وشهور. ثم خُطِب لملكشاه بن بركيارق ببغداد في جمادى الأولى، فلم يتِمَّ أمرُه، عدا عليه عمُّه محمد الذي كان ينازع أخاه بركيارق، فانتزع السلطنة وقتل الوصيَّ إياز.

العام الهجري : 569 الشهر القمري : رمضان العام الميلادي : 1174
تفاصيل الحدث:

أراد جماعةٌ مِن شيعة العُبَيديين ومحبِّيهم إقامةَ الدعوة، ورَدَّها إلى العاضد، فكان منهم عمارةُ بنُ أبي الحسن اليمني، وعبدُ الصمد الكاتب، والقاضي العويرس، والقاضي هبة الله بن كامل، وداعي الدُّعاة ابن عبد القوي، وغيرُهم من جند المصريِّين ورجالتهم السُّودان، وحاشيةُ القصر، ووافَقَهم جماعةٌ من أمراءِ صلاح الدين، وعَيَّنوا الخليفةَ والوزير، وتقاسَموا الدُّورَ، واتَّفَق رأيُهم على استدعاء الفرنجِ مِن صقليَّةَ، ومِن ساحِلِ الشامِ إلى ديارِ مِصرَ على شيءٍ بذلوه لهم من المالِ والبلاد، فإذا قصدوا البلادَ، فإن خرج صلاحُ الدين إليهم بنَفسِه ثاروا هم بالقاهرةِ ومِصرَ وأعادوا الدولةَ الفاطميَّةَ، وعاد مَن معه من العسكر الذين وافَقوهم عنه، فلا يبقى له مقامٌ مقابِلَ الفرنج، وإن كان صلاحُ الدين يقيمُ ويُرسِلُ العساكِرَ إليهم ثاروا به، وأخذوه أخذًا باليَدِ؛ لعدم وجود الناصرِ له والمُساعد، وأرسلوا إلى الفرنجِ بصقليَّةَ والساحِلِ في ذلك، وتقرَّرَت القاعدة بينهم، ولم يبقَ إلَّا رحيلُ الفرنج، وكان مِن لُطفِ الله بالمُسلِمينَ أنَّ الجماعةَ المصريين أدخلوا معهم في هذا الأمرِ الأميرَ زينَ الدين علي بن نجا الواعظ، المعروف بابن نجيَّة، ورتبوا الخليفةَ والوزيرَ والحاجِبَ والداعيَ والقاضيَ، إلَّا أن بني رزيك قالوا: "يكونُ الوزيرُ منا؛ وبني شاور قالوا: يكون الوزيرُ منا؛ فلمَّا علم ابن نجا الحالَ حضر عند صلاح الدين، وأعلَمَه حقيقةَ الأمر، فأمر بملازمتِهم ومخالَطتِهم ومُواطأتِهم على ما يريدونَ أن يفعلوه، وتعريفه ما يتجَدَّدُ أولًا بأول، ففعل ذلك وصار يُطالِعُه بكُلِّ ما عَزَموا عليه"، ثمَّ وصلَ رَسولٌ مِن ملك الفِرنجِ بالساحل الشاميِّ إلى صلاح الدين بهديَّةٍ ورسالةٍ، وهو في الظاهِرِ إليه، والباطِنِ إلى أولئك الجماعةِ، وكان يُرسِلُ إليهم بعضَ النصارى وتأتيه رسُلُهم، فأتى الخبَرُ إلى صلاح الدين من بلاد الفرنجِ بجليةِ الحال، فوضع صلاحُ الدينِ على الرسولِ بعضَ من يثقُ به من النصارى، وداخَلَه، فأخبره الرسولُ بالخبر على حقيقتِه، فقبض حينئذٍ على المُقَدَّمينَ في هذه الحادثة منهم: عمارة، وعبد الصمد، والعويرس، وغيرهم، وصَلَبَهم في ثاني رمضانَ.

العام الهجري : 570 الشهر القمري : محرم العام الميلادي : 1174
تفاصيل الحدث:

ظَفِرَ أهلُ الإسكندرية وعسكَرُ مصرَ بأسطولِ الفِرنجِ مِن صقليَّةَ، وكان سبَبُ ذلك إرسالَ أهل مصر إلى ملك الفرنج بساحلِ الشَّامِ، وإلى صاحبِ صقليَّةَ، ليَقصِدوا ديارَ مِصرَ ليثُوروا على صلاحِ الدين ويُخرجوه من مصر، فجَهَّزَ صاحبُ صقلية أسطولًا كبيرًا، وسَيَّرَه إلى الإسكندرية من ديار مصر، فوصلوا إليها في التاسع والعشرين من ذي الحجة سنة 569، على حينِ غَفلةٍ مِن أهلها وطمأنينةٍ، فخرج أهل الإسكندرية بعُدَّتِهم وسلاحِهم ليمنَعوهم من النزول، وأبعدوا عن البلدِ، فمنعهم الوالي من ذلك، وأمرهم بملازمة السور، ونزل الفرنجُ إلى البَرِّ مما يلي البحر والمنارة، وتقدموا إلى المدينة ونَصَبوا عليها الدبَّابات والمجانيق، وقاتلوا أشد قتال، وصبر لهم أهلُ البلد، وسُيِّرَت الكتُبُ بالحال إلى صلاح الدين يستدعونه لدفعِ العَدُوِّ عنهم، ووصل من العساكِرِ المسلمين كلُّ من كان له في أقطاعه، وهو قريبٌ من الإسكندرية، فقَوِيَت بهم نفوسُ أهل الإسكندرية، وأحسنوا القتالَ والصبر، فلما كان اليومُ الثالث فتح المسلمون باب البلَدِ وخرجوا منه على الفرنجِ مِن كل جانب، وهم غارُّون، واشتد القتالُ، فوصل المسلِمونَ إلى الدبابات فأحرقوها، وصَبَروا للقتال، فأنزل الله نَصْرَه عليهم، وفَشِلَ الفرنجُ وفتَرَ حربُهم، وكثُرَ القتل والجراح في رجالاتهم، وأما صلاح الدين فإنَّه لما وصله الخبر سار بعساكِرِه، وسيَّرَ مملوكًا له ومعه ثلاث جنائب ليجِدَّ السير عليها إلى الإسكندرية يبشِّرُ بوصوله، وسيَّرَ طائفة من العسكر إلى دمياط خوفًا عليها، واحتياطًا لها، فسار ذلك المملوك، فوصل الإسكندريةَ مِن يَومِه وقت العصر، والناسُ قد رجعوا من القتال، فنادى في البلدِ بمجيءِ صلاحِ الدين والعساكِر مُسرعين، فلمَّا سمع الناس ذلك عادوا إلى القتال، وقد زال ما بهم من تعَب وألمِ الجراح، وسمع الفرنجُ بقرب صلاح الدين في عساكره، فسُقِطَ في أيديهم، وازدادوا تعبًا وفتورًا، فهاجمهم المسلمونَ عند اختلاط الظلام، ووصلوا إلى خيامِهم فغَنِموها بما فيها من الأسلحةِ الكثيرة والتحمُّلات العظيمة، وكثُرَ القتل في رجالة الفرنجِ، فهرب كثيرٌ منهم إلى البحر، فغَلَبَهم أهلُ البلد وقهروهم، فصاروا بين قتيل وأسير، وكفى الله المسلمينَ شَرَّهم، وحاق بالكافرين مَكرُهم.

العام الهجري : 583 الشهر القمري : ذي الحجة العام الميلادي : 1188
تفاصيل الحدث:

قُتِلَ شَمسُ الدين محمَّد بن عبد الملك المعروف بابنِ المُقَدَّم يومَ عَرَفة بعَرَفاتٍ، وهو أكبَرُ الأمراء الصلاحية، وسبَبُ قتله أنَّه لما فتَحَ المُسلِمونَ بيت المقدس طَلَب إذنًا من صلاحِ الدين ليحُجَّ ويُحرِمَ مِن القدس، ويجمَعَ في سنةٍ بين الجِهادِ والحَجِّ وزيارة الخليل- عليه السلام- وما بالشام من مشاهِدِ الأنبياء، وبين زيارةِ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم أجمعين، فأَذِنَ له, وكان قد اجتمَعَ تلك السنة من الحُجَّاج بالشام الخَلقُ العظيم من بلاد العراق، والموصل، وديار بكر، والجزيرة، وخلاط، وبلاد الروم، ومصر وغيرها؛ لِيَجمعوا بين زيارة بيت المقدس ومكَّة، فجُعِلَ ابنُ المقدم أميرًا عليهم، فساروا حتى وصلوا إلى عرفات سالمين، ووقفوا في تلك المشاعِرِ، فلما كان عَشيَّةُ عرفةَ تجهَّزَ هو وأصحابُه ليسيروا مِن عَرَفات، فأمَرَ بضَربِ كوساته- قطعتان من نحاس تشبهان الترس الصغير، يُدَقُّ بأحدها على الآخَرِ بإيقاعٍ مخصوصٍ- التي هي أمارة الرحيل، فضربها أصحابُه، فأرسل إليه أميرُ الحاجِّ العراقي، وهو مجبر الدين طاش تكين، ينهاه عن الإفاضةِ مِن عرفات قبله، ويأمُرُه بكَفِّ أصحابه عن ضَربِ كوساته، فأرسل إليه: إني ليس لي معك تعَلُّقٌ؛ أنت أمير الحاجِّ العراقي، وأنا أميرُ الحاجِّ الشاميِّ! وكلٌّ منا يفعَلُ ما يراه ويختاره، وسار ولم يقف، ولم يسمعْ قَولَه، فلما رأى طاش تكين إصرارَه على مخالفَتِه رَكِبَ في أصحابه وأجناده، وتَبِعَه من غوغاء الحاجِّ العراقي وبطاطيهم، وطاعتهم، والعالم الكثير، والجم الغفير، وقصدوا حاجَّ الشام مهولين عليهم، فلمَّا قَرُبوا منهم خرج الأمرُ مِن الضبط، وعَجَزوا عن تلافيه، فهَجَم طماعة العراقِ على حاجِّ الشامِّ وفتَكوا فيهم، وقَتَلوا جماعةً ونُهِبَت أموالُهم وسُبِيَت جماعةٌ مِن نسائهم، إلا أنَّهن رُدِدنَ عليهم، وجُرِحَ ابنُ المقدم عِدَّةَ جراحات، وكان يكُفُّ أصحابَه عن القتال، ولو أذِنَ لهم لانتصف منهم وزاد، لكِنَّه راقب اللهَ تعالى، وحُرمةَ المكان واليوم، فلما أُثخِنَ بالجراحاتِ أخذه طاش تكين إلى خيمته، وأنزله عنده ليُمَرِّضَه ويستدرِكَ الفارِطَ في حَقِّه، وساروا تلك الليلةَ مِن عرفات، فلما كان الغدُ مات بمِنًى، ودُفِنَ بمَقبرةِ المُعلَّى.

العام الهجري : 791 الشهر القمري : جمادى الآخرة العام الميلادي : 1389
تفاصيل الحدث:

هو السُّلطانُ الغازي أبو الفتح غيَّاث الدنيا والدين: مراد الأول بن أورخان بن عثمان القايوي المعروف بغازي خداوندكار، التُركماني، ولِدَ سنة 726 (1326م). لَمَّا توفِّيَ والده الغازي أورخان سنة 761 جلس على سرير السلطنة, ووُلِدَ ابنُه السلطان يلدرم بايزيد خان عقيب جلوسِه على سرير السلطنة, ولما استَقَرَّ على سرير الملك كان الغزاةُ في روم إيلي منتظرينَ قُدومَه إليهم، فسار وجاوز البحر فاحتَلَّ مدينة أنقرة مقَرَّ سلطنة القرمان، ثم افتتح مدينة أدرنه في أوروبا في هذه السنة، ونقل إليها عاصمته واستمَرَّت عاصمة للدولة العثمانية إلى أن فتح محمد الفاتح مدينة القُسطنطينية سنة 853 (1453م) وفتح أيضًا مراد الأول مدينةَ فيلبه عاصمة الرومللي الشرقية، وفتح القائد أفرينوس بك مدينتي وردار وكلجمينا باسم سلطان العثمانيين، وبذلك صارت مدينة القسطنطينية محاطةً مِن جهة أوروبا بأملاك آلِ عُثمان منذ عَهْدِ مراد الأول, وصارت الدولة العَليَّة متاخمةً لإمارات الصرب والبلغار وألبانيا المستقلة, ولَمَّا دخل الربيع في شعبان سنة 791 خرج السلطان مراد الأول بجيشٍ عَرَمرم فالتقى في أول شهر رمضان بالصِّربِ، وانتصر عليهم, فبينما كان السلطان يتفرج بين القتلى مع أصحابه إذ نهض من بين الصرعى رجلٌ من الصرب، وكان من أمرائِهم، فقصد السلطان، فهَمَّ الحواشي أن يمنَعُوه فنهاهم السلطانُ فجاء كأنَّه يُظهِرُ الطاعة، فضربه بخنجر كان قد خبَّأه في كمِّه فجَرحَه جُرحًا مُنكرًا فلَحِقَ القوم ذلك الصربي فقَتَلوه، ثم خَيَّموا على السلطان طاقةً، فأنزلوه فيها، فلم يمض عليه يوم حتى توفي, فتكون مدةُ سلطنته إحدى وثلاثون سنة، وعمره خمس وستون. وكان قد بنى لنفسِه تربة في قرب جامعه بقبلوجه، فحملوه إلى بروسا –بورصة- مع تابوت ابنه يعقوب جلبي، فدفنوهما في تلك القبَّة، وبنيت قبة في موضع شهادته. قال حاجي خليفة: "كان مرادُ الأول من أجلِّ الملوك قَدْرًا ودِينًا، وكان دائِمَ الغَزوِ بحيث أفنى عمُرَه في الجهاد، وكان منصورًا في حروبه كثيرَ الخير، مواظِبًا على الجماعات في الصَّلَواتِ" ثم جلس على سرير السلطنة بعده ابنُه السلطان بايزيد الأول.

العام الهجري : 1012 الشهر القمري : ربيع الأول العام الميلادي : 1603
تفاصيل الحدث:

هو السلطان أبو العباس المنصور أحمد، المعروف بالذهبي ابن أبي عبد الله محمد الشيخ المهدي بن محمد القائم بأمر الله الزيداني الحسني السعدي، واسطةُ عِقد الملوك الأشراف السعديين، وأحدُ ملوك المغرب الأقصى العِظام. كانت ولادته بفاس سنة 956, وأمُّه الحُرَّة مسعودة بنت الشيخ الأجلِّ أبي العباس أحمد بن عبد الله الوزكيتي، وكانت من الصالحات الخيرات, وكان أبوه المهدي ينبِّه على أن ابنَه أحمد واسطةُ عِقد أولاده. نشأ المنصور في عَفافٍ وصيانة وتعاطٍ للعلم ومُثافنةٍ لأهله عليه، وكانت مخايل الخِلافة لائحةً عليه إلى أن تمَّ أمره. كان طويلَ القامة ممتلئ الخدين واسِعَ المنكبين، تعلوه صفرةٌ رقيقة، أسود الشعر أدعج أكحل ضيِّق البلج، برَّاق الثنايا، حسن الشكل جميل الوجه، ظريف المنزِع لطيف الشمائل. بويعَ له بالحكم بعد وفاة أخيه عبد الملك في معركة وادي المخازن 986. قال الفشتالي: "لما كانت وقعة وادي المخازن ونصر الله دينَه وكَبَتَ الكفرَ وأهلَه واستوسق الأمرُ للمنصور، كتب إلى صاحب القسطنطينية العظمى، وهو يومئذ السلطان مراد الثالث بن سليم الثاني، وإلى سائر ممالك الإسلام المجاورين للمغرب يعرِّفُهم بما أنعم الله به عليه من إظهارِ الدين وهلاك عَبَدة الصليب واستئصال شأفتِهم، فوردت عليه الأرسالُ من سائر الأقطار مهنئين له بما فتح الله على يدِه، وكان أول من وفد عليه رسولُ صاحب الجزائر ثم تلته أرسالُ طاغية البرتغال، وهو الريكي القائم بأمرهم" واستمر أحمد المنصور على منهج أخيه في بناء المؤسسات، واقتناءِ ما وصلت إليه الكشوفاتُ العلمية، وتطويرِ الإدارة والقضاء والجيش، وترتيبِ الأقاليم وتنظيمها، وكان أحمد المنصور يتابع وزراءه وكبارَ موظفيه ويحاسِبُهم على عدم المحافظة على أوقات العمل الرسمية، أو التأخير في الردِّ على المراسلات الإدارية والسياسية، وأحدث حروفًا لرموز خاصة بكتابة المراسَلات السريَّة؛ حتى لا يُعرَفَ فحواها إذا وقعت في يد عدوٍّ. توفي المنصور في الدار البيضاء خارجَ فاس فدُفِن فيها، ثم نُقِل إلى مراكش، ثم خلَفَه بعده ابنه زيدان الذي استخلفه والدُه المنصور بعد أن أَيِس من صلاحِ ابنه الكبير محمد الشيخ المأمون.

العام الهجري : 1218 الشهر القمري : محرم العام الميلادي : 1803
تفاصيل الحدث:

في الوقتِ الذي كانت الحربُ دائرةً بين الشريف غالب وعثمان المضايفي في الطائفِ، كان الأميرُ سعود بن عبد العزيز يجمَعُ البواديَ والحاضرة في السبلة الموقع القريب من بلدة الزلفي، فلما اجتمعوا إليه رحَلَ بهم إلى الحجاز ونزل العقيقَ المعروف عند المعان، وكان ذلك وقتَ الحَجِّ, وكانت الحُجَّاج الشاميَّة والمصريَّة والمغربية وغيرُهم في مكة، وهم في قوَّةٍ هائلةٍ وعُدَّة عظيمة، فهَمُّوا بالخروج إلى سعود والمسير إلى قتاله، ثم تخاذَلوا وفسَد أمرُهم وانصرفوا إلى أوطانِهم، فألقى الله الرعبَ في قلب الشريفِ غالب وهو في مكَّة فلم يستقِرَّ فيها، فانهزم إلى جُدَّةَ هو وأتباعُه من العساكِرِ، وحمل خزائِنَه وذخائِرَه وبعضَ متاعِه وشوكتِه, وترك أخاه عبد المعين في مكَّةَ يدبِّرُ شؤونها فكتب عبد المعين إلى الأمير سعود يَعرِضُ عليه السَّمعَ والطاعة وعلى أن يستبقيَه في إمارةِ مكَّةَ، وأرسل الكتابَ مع بعض علماء مكة, فلما اجتمع هؤلاء العلماءُ بالأمير سعود في السَّيلِ وعرضوا عليه الكتاب قَبِلَ ما فيه وأعطاهم كتابًا بالأمان وموافقتِه على بقاءِ ولاية الشريف عبد المعين على مكَّةَ, ثم إنَّ سعودًا وجموعه أحرموا بالعُمرة، ودخلوا مكَّةَ واستولَوا عليها بدون قتال، وأعطى أهلَها الأمانَ وبذَلَ لهم من الصَّدَقاتِ والعطاء الشيءَ الكثير, فلما قضى سعودٌ العمرة فرَّق أهلَ النَّواحي يهدِمونَ القبابِ التي بُنِيت على القُبورِ والمشاهِدِ الشِّركيةِ بأنفُسِهم ففعلوا، وكان في مكَّةَ من هذا النوع شيءٌ كثيرٌ في أسفَلِها وأعلاها ووسَطَها وبيوتها، فأقام فيهم أكثَرَ من عشرينَ يومًا وأهل مكَّةَ يهدمونَها، حتى لم يبقَ مِن تلك المشاهِدِ والقِبابِ إلا أعدموها وجعلوها ترابًا!  كانت العادة أن يصلِّيَ في المسجِدِ الحرامِ بالجماعةِ الحاضرةِ أحدُ الأئمَّةِ من المذاهب الأربعةِ، ثم يتلوه غيرُه، فأمر الأميرُ سعود بإبطال تلك العادةِ وألَّا يصلِّي في المسجِدِ الحرام إلَّا إمامٌ واحدٌ، فيصلي الصُّبحَ الشافعيُّ، والظُّهرَ المالكيُّ، وهكذا بقية الأوقات، ويصلِّي الجمعةَ مفتي مكَّةَ عبد الملك القلعي الحنفي, وأمر بتدريس كشفِ الشبُهاتِ في المسجد الحرام في حَلقةٍ يحضُرُها العلماء والأهالي ففعلوا, وكان الشريفُ في هذه المدةِ يراسل سعودًا، وطلبَ الصُّلحَ وبَذَل المالَ، وهو يريد أن يحصِّنَ جُدَّة.

العام الهجري : 422 الشهر القمري : ذي الحجة العام الميلادي : 1031
تفاصيل الحدث:

هو الخليفةُ أبو العَبَّاسِ أحمَدُ بنُ الأميرِ إسحاقَ بنِ المُقتَدِرِ جَعفرِ بنِ المُعتَضِدِ العباسيِّ البغداديِّ. ولِدَ سنة 336. وأمُّه اسمُها: تمني, ماتت في دولتِه، وكان أبيضَ كَثَّ اللِّحيةِ يَخضِبُ, دَيِّنًا عالِمًا متعَبِّدًا وقورًا، مِن جِلَّةِ الخُلفاءِ وأمثَلِهم. عَدَّه ابنُ الصَّلاحِ في الشَّافعيَّة؛ فقد تفَقَّه على أبي بشرٍ أحمَدُ بنُ محمَّدٍ الهَرَويِّ. قال الخطيبُ البغدادي: "كان القادِرُ باللهِ مِن السِّترِ والدِّيانةِ، وإدامةِ التهَجُّدِ باللَّيلِ وكثرةِ البِرِّ والصَّدَقات على صِفةٍ اشتُهِرَت عنه" وكان قد صَنَّفَ كِتابًا في الأصولِ ذكر فيه فضائِلَ الصَّحابةِ على ترتيبِ مَذهَبِ أهل الحديث, وأورد في كتابِه فضائِلَ عُمَرَ بنِ عبد العزيز، وإكفارَ المُعتَزِلة والقائلينَ بخَلقِ القُرآنِ, وكان الكِتابُ يُقرأُ كُلَّ جُمعةٍ في حلقةِ أصحابِ الحديث. قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ: "كان في أيَّامِ المتوكِّلِ قد عَزَّ الإسلامُ حتى ألزَمَ أهلَ الذِّمَّةِ بالشُّروطِ العُمَرِيَّة وألزموا الصِّغارَ، فعَزَّت السُّنَّة والجماعة, وقُمِعَت الجَهميَّةُ والرَّافِضةُ ونحوهم، وكذلك في أيَّامِ المُعتَضِد، والمُهتدي، والقادرِ بالله، وغيرِهم من الخُلفاِء الذين كانوا أحمَدَ سِيرةً وأحسَنَ طريقةً مِن غَيرِهم, وكان الإسلامُ في زَمَنِهم أعَزَّ، وكانت السُّنَّةُ بحَسَبِ ذلك" أمَرَ القادِرُ باللهِ بعَمَلِ مَحضَرٍ يتضَمَّنُ القَدحَ في نَسَبِ العُبَيديَّة، وأنَّهم منسوبونَ إلى ديصان بنِ سعيدٍ الخرَّميِّ، أخذَ عليه خُطوطَ العُلَماءِ والقُضاة والطَّالبيِّينَ، كما استتابَ فُقَهاءَ المُعتَزِلة، فأظهروا الرُّجوعَ وتبَرَّؤوا من الاعتزالِ والرَّفضِ والمقالاتِ المخالفةِ للإسلامِ. تُوفِّيَ القادِرُ بالله وكانت خلافتُه إحدى وأربعينَ سَنةً وثلاثةَ أشهُرٍ وعشرين يومًا، وكانت الخلافةُ قَبلَه قد طَمِعَ فيها الديلَمُ والأتراك، فلَمَّا وَلِيَها القادِرُ بالله أعاد جِدَّتَها، وجَدَّد ناموسَها، وألقى اللهُ هَيبَتَه في قلوبِ الخَلقِ، فأطاعوه أحسَنَ طاعةٍ وأتَمَّها، فلمَّا مات القادِرُ بالله جلَسَ ابنُه القائِمُ بأمرِ الله أبو جعفرٍ عبدُ الله، وجُدِّدَت له البيعةُ، وكان أبوه قد بايَعَ له بولايةِ العهدِ سنةَ 421، واستقَرَّت الخلافةُ له، وأوَّلُ مَن بايَعَه الشَّريفُ أبو القاسِمِ المرتضى، وأرسل القائِمُ بأمرِ اللهِ قاضيَ القُضاةِ أبا الحسَن الماوَرديَّ إلى المَلِك أبي كاليجار؛ ليَأخُذَ عليه البَيعةَ، ويَخطُبَ له في بلادِه، فأجابَ وبايَعَ، وخَطَب له في بلادِه.

العام الهجري : 584 الشهر القمري : رمضان العام الميلادي : 1188
تفاصيل الحدث:

هو الأميرُ الكبيرُ، العلَّامة فارِسُ الشام، مجدُ الدِّينِ، سلالةُ الملوك والسلاطين مؤيَّدُ الدولة، أبو المظفَّر أسامة بن الأمير مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني الشيزري. وُلِدَ بشيزر سنة 488. أحد الشعراء المشهورين. قيل: كان يحفظ من شعر الجاهليَّة عشرةَ آلاف بيت. قال الذهبي: "سافر إلى مصر, وكان من أمرائِها الشيعة، ثم فارقها وجرت له أمورٌ، وحضر حروبًا ألَّفَها في مجلَّدٍ فيه عبر". قال يحيى بن أبي طيئ الشيعي في (كتابه تاريخ الشيعة): "كان ابن منقذ إماميًّا، حسن العقيدة، إلَّا أنه كان يداري عن منصبه، ويُتاقي". كان ابن منقذ عُمُره تاريخًا مستقلًّا وحده، وكانت داره بدمشق، وكانت مَعقِلًا للفضلاء ومنزِلًا للعلماء، وله أشعار رائقة، ومعانٍ فائقة، ولديه عِلمٌ غزير، وعنده جُودٌ وفضل كثير، وكان من أولادِ ملوك حصن شيزر، وهذا الحِصنُ قريب من حماة، وكان لآل منقذ الكنانيين يتوارثونَه من أيام صالح بن مرداس، ثم انتقل إلى مصر فأقام بها مُدَّةً أيام الفاطميين، في وزارة العادل ابن السلار، واتصل ابن منقذ بعبَّاس الصنهاجي، فحَسَّن له قتل زوج أمه ابن السلار، فقتله، ثم ولَّاه الظافر الوزارة فاستبد بالأمرِ, ولَمَّا علم الأمراء والأجناد أنَّ قَتلَ ابن السلار  مِن فِعلِ ابن منقذ، عزموا على قتله، فخلا بعباسٍ، وقال له: كيف تصبِرُ على ما أسمع مِن قَبيحِ القول؟ قال: وما ذلك؟ قال: الناسُ يزعمون أن الظافِرَ يفعَلُ بابنك نصر، وكان نصر خصيصًا بالظافر، وكان ملازمًا له ليله ونهاره، وكان من أجملِ النَّاسِ صُورةً، وكان الظافِرُ يُتَّهَم به، فانزعج لذلك عبَّاسٌ وعَظُم عليه، وقال: كيف الحيلةُ؟ قال: تقتُلُه فيذهب عنك العار، فذكر الحالَ لولده نصر، فاتَّفقا على قتلِ الظافر فقَتَله نصر, ثم عاد ابنُ منقذ إلى الشام، فقدم على الملك صلاح الدين في سنة 570, وله نَظمٌ في الذِّروة, منه ديوانُ شعر كبير، وأشعار في مدح السلطان صلاح الدين، وله كتاب لباب الآداب، والبديع، وأخبار النساء، وغيرها، وكان صلاح الدين يفَضِّل ديوانه على سائر الدواوين، وكان في شبيبته شَهمًا شجاعًا، قتل أسدًا وَحدَه مُواجَهةً. توفِّي في هذه السنة ليلة الثلاثاء الثالث والعشرين من رمضان، عن عمر ست وتسعين سنة، ودُفِن شرقي جبل قاسيون.

العام الهجري : 814 العام الميلادي : 1411
تفاصيل الحدث:

في أواخرِ القرنِ السادسِ الهِجريِّ كانت حَضرَموتُ مَيدانًا لِلمُناوراتِ السياسيةِ والفَوضى، حيث الصِّراعاتُ بينَ أطرافٍ مُتعدِّدةٍ، كبَني راشِدٍ وبَني يَمانٍ، وعَساكِرِ الغُزِّ الهاجمين مِنَ العَساكرِ المِصريةِ، وجُيوشِ ابنِ مَهديٍّ اليَمنيِّ، وغَيرِها مِنَ القَبائلِ والعَشائرِ الحَضرَميةِ، كبَني نَهدٍ وبَني حارِثةَ، فكانت حَضرَموتُ مُتفرقةً بينَ وُلاةٍ مُتعدِّدينَ، مُنتشرًا فيها النَّهبُ وسَفكُ الدِّماءِ، ولم يَنفَعْها احتِلالُ الأيُّوبيِّينَ لها. وفي ظِلِّ هذا الوَضعِ رأى آلُ كَثيرٍ -وهم أعظَمُ قبائِلِ هَمَدانَ، وهم قَبائلُ مُتعدِّدةٌ- أنْ يُؤسِّسوا لِأنفُسْهم دولةً، وأنْ يَكونَ لهم دَورٌ في إنهاءِ حالةِ الفَوْضى والفِتنةِ المُكتَسِحةِ في حَضرَموتَ. فاقتَرَب بَنو كَثيرٍ مِن مَشايخِ العِلْمِ والصَّلاحِ مِن آلِ البَيتِ العَلويِّينَ ومِن أهلِ السُّنةِ، على أمَلِ تأسيسِ دولةٍ سُنِّيةٍ شافعيةٍ، على أنقاضِ المَذهبِ الأباضيِّ الذي انتَهت دولتُه عامَ 561هـ. بدأ آلُ كَثيرٍ بتَقويةِ نُفوذِهمُ السياسيِّ، وفي عامِ 683هـ تحالَفَ آلُ كَثيرٍ مع سالمِ بنِ إدريسَ الحَبُوظيِّ، أميرِ ظَفارِ، الذي أخَذَ يَتوسَّعُ في الاستيلاءِ على البُلدانِ بحَضرَموتَ، وتولَّى آلُ كَثيرٍ إدارةَ العَسكريةِ الحَبُوظيَّةِ، ثم لم يَلبَثْ أنِ انهَزَم سالمُ بنُ إدريسَ وقُتلَ على يَدِ السُّلطانِ المُظفَّرِ الغَسَّانيِّ مَلكِ الدولةِ الرَّسوليةِ. وأخَذَ آلُ كَثيرٍ بعدَ مَقتلِ سالمِ بنِ إدريسَ في تَثبيتِ ما بأيديهم مِنَ القُرى، والاستيلاءِ على مَناطِقَ أُخرى، وكانَ مُلكُهم يَنبسِطُ مَرَّةً ويَتقلَّصُ أُخرى، لِتَخاصُمِهم وتَنازُعِهم فيما بَينَهم، وفيما بينَ غَيرِهم مِنَ المُنافِسينَ، وفي أواخِرِ القرنِ الثامِنِ الهِجريِّ تَفرَّغَ أبناءُ جَعفرِ بنِ بَدرٍ الكَثيريِّ وهم (يَمانيٌّ ومُدرِكٌ وعُمَرُ) لِمُناوشةِ قَبيلةِ الظلفانِ، والتفَتَ أفرادُ الوحدةِ الكَثيريةِ الآخَرون إلى تَدبيرِ السَّلطنةِ، وفي هذه الأثناءِ وُلد السُّلطانُ علِيُّ بنُ عُمَرَ بنِ جَعفرٍ الكَثيريُّ، الذي به أصبحتِ الدولةُ الكَثيريةُ رَسميةً، يَعرِفُها جُمهورُ أهلِ القُطرِ الحَضرميِّ. وكانت بدايةُ الدولةِ الكَثيريةِ الأولى حين غادَرَ السُّلطانُ علِيُّ بنُ عُمَرَ "بُورَ" سنةَ 814هـ، واتَّصلَ بالشيخِ عليِّ بنِ عُمَرَ باعَبَّادٍ وغيرِه مِن رِجالِ الصَّلاحِ، وكانوا يَعِدُونه بالاستيلاءِ على ظَفارِ وجَميعِ بُلدانِ حَضرَموتَ، فاشتَدَّ عَزمُه بذلك، وشرَعَ في تَذليلِ العَقباتِ، يُحارِبُ ويَغزو حتى استتَبَّ له الأمرُ، وخضَعَت له الرِّقابُ واستَحقَّ لَقَبَ سُلطانٍ.

العام الهجري : 1160 الشهر القمري : جمادى الآخرة العام الميلادي : 1747
تفاصيل الحدث:

هو الملك نادر شاه الأفشار التركماني، ويعرف كذلك باسم "نادر قـُلي بگ" ولد نادر شاه في محرم 1100هـ/ 22 نوفمبر 1688م وجلس على العرش في شوال 1148هـ وهو مؤسِّس الأسرة الأفشارية التي حكمت إيران. كانت قبيلةُ أفشار هي إحدى القبائل التركمانية التي فرَّت من وجه المغول تاركةً تركستان، واستقرت في أذربيجان، فأرسل الشاه إسماعيل الصفوي قِسمًا من هذه القبيلة إلى الجزء الشمالي من خراسان وأسكنهم فيها بالقرب من منبع نهر كوبكان. كان أول أمر نادر شاه من قطَّاع الطرق, ثم جمع رجاله ورأى من مصلحته العمل كقائد عسكر لطهماسب الثاني آخر شاهات الدولة الصفوية, كان لنادر شاه الفضلُ في حركة المقاومة العسكرية لتحرير إيران من الاحتلال الأفغاني، وبعد نجاحه أخذ اسمُه يصعد في إيران حتى انتهى به الأمر إلى أن نصَّب نفسه شاهًا لإيران بعد أن عزل طهماسب الثاني, وأعلن نهايةَ الدولة الصفوية في إيران. عُرف نادر شاه بأنه محارب عسكري مشهور بحملاته العسكرية, ويعدُّ واحدًا من أكبر الغزاة الفاتحين في تاريخ إيران الحديث، حيث قام بعدة حملات ناجحة في الهند وأفغانستان وضِد الدولة العثمانية وآسيا الوسطى، وحَسَبت له روسيا حسابه كقوَّة فتية في المنطقة، وتحالفت معه ضد العثمانيين. فلما زادت قسوةُ نادر شاه ورأى الناس ظلمَه وتعسُّفَه، خافه الأمراء فتآمروا على قتلِه، وفي جملتهم بعضُ القواد من الأفشار، وكان منهم رئيسُ الحرس الذي أعانهم فدخلوا عليه وهو نائم فقتلوه في سريره ليلة 11 من جمادى الثانية, ثم أرسلوا وراءَ علي شاه ابن أخي نادر شاه فحكَّموه على إيران، لكنه كان ضعيفًا خاملًا، فجاء أخوه إبراهيم الذي حكم العراق باسمه وعزله، وكان علي شاه قد قَتَل كل آل نادر عدا حفيدًا له اسمه شاه رخ ميرزا، وأما إبراهيم فلم يدُم طويلًا حتى قتله حرَّاسه وولَّوا مكانه شاه رخ الصغير، لكن قائد الجيوش ميرزا محمد أسَرَه وسمل عينيه وأعيد بعد فترة، حيث جاء علي خان رئيس جيش إيران فأخرجه من سجنه وأعاده، لكنه رضي ببلاد خراسان وحسبُ, وصارت إيران في قبضة كريم خان زند، وأخذت الولايات تستقِلُّ واحدة تلو الأخرى.

العام الهجري : 1168 الشهر القمري : صفر العام الميلادي : 1754
تفاصيل الحدث:

هو الخليفةُ العثماني محمود الأول ابن السلطان مصطفى الثاني ابن السلطان محمد الرابع بن إبراهيم الأول بن أحمد الأول بن محمد الثالث بن مراد الثالث بن سليم الثاني بن سليمان القانوني بن سليم الأول. وُلِدَ في 4 محرم سنة 1108هـ 3 أغسطس سنة 1696 تولى السلطان محمود السلطنة بعد ثورة على السلطان أحمد الثالث الذي كان يميل إلى مصالحة الدولة الصفوية, فثار عليه الانكشارية في  15 ربيع الأول 1143 فقتلوا الصدرَ الأعظم والمفتي وقبوادان باشا أميرال الأساطيل البحرية؛ بحجة أنَّهم مائلون لمسالمة العجم، ثم أعلنوا عزل السلطان أحمد ونادوا بابن أخيه محمود الأول خليفةً للمسلمين وأميرًا للمؤمنين، فأذعن السلطان أحمد الثالث وتنازل عن الملك بدون معارضة, ولما تولى السلطان محمود لم يكن له إلا الاسم فقط، وكان النفوذ لبطرونا خليل, يولِّي من يشاء ويعزل من يشاء، حتى عِيلَ صَبرُ السلطان محمود من استبداده فتخلص من الانكشارية لتعدِّيهم وتجاوزهم حدودَهم, وفي عهد السلطان محمود استأنفت الدولة الحربَ مع مملكة الفرس، وتغلبت الجيوش العثمانية على جنود الشاه طهماسب في عدة وقائع انتهت بصلح بين الدولتين، الذي عارضه نادر شاه أكبر ولاة الدولة الصفوية، والذي قام بعد ذلك بعزل الشاه طهماسب، ثم أنهى حكم الدولة الصفوية في بلاد فارس، وتولى هو عرش إيران، ودخل في صراع مع الدولة العثمانية. ولحُسن حظِّ الدولة في عهد السلطان محمود أن تقلَّدَ منصب الصدارة رجل محنك اشتهر بحسن السياسة وسمو الإدراك هو الحاج محمد باشا الذي لم يغفل طرفة عين عن جمع الجيوش وتجهيز المعدات، حتى تمكَّن من إيقاف تقدُّم الروس في بلدان الدولة العلية, وانتصرت جيوشُها على النمسا التي طلبت الصلحَ بواسطة سفير فرنسا. توفِّي السلطان محمود الأول يوم الجمعة 27 صفر عن عُمرِ ستين سنة مأسوفًا عليه من جميع العثمانيين؛ لاتصافه بالعدل والحِلمِ ومَيلِه للمساواة بين جميع رعاياه بدون نظرٍ لفئة دون أخرى، وكانت مدة حكمه 25 سنة، وفي أيامه السعيدة اتسع نطاقُ الدولة بآسيا وأوروبا، ثم قام بعده أخوه عثمان الثالث خلفًا له، وبويع في جامعِ أبي أيوب الأنصاري، وهنَّأه سفراء أوروبا.

العام الهجري : 370 العام الميلادي : 980
تفاصيل الحدث:

سُيِّرَت العساكِرُ مِن مِصرَ لقتالِ المفرج بن جراح، وسبَبُ ذلك أنَّ ابنَ جَرَّاح عظُمَ شَأنُه بأرض فلسطينَ، وكثُرَ جَمعُه، وقَوِيَت شوكتُه، وبالغ هو في العيثِ والفساد، وتخريبِ البلاد، فجهز العزيزُ الفاطمي العساكرَ وسَيَّرَها، وجعل عليها القائِدَ يلتكين التركي، فسار إلى الرملة، واجتمع إليه من العربِ، من قيسٍ وغيرها، جمعٌ كثيرٌ، وكان مع ابنِ جَرَّاح جمعٌ يرمون بالنُّشَّاب، ويقاتلون قتالَ الترك، فالتَقَوا ونشبت الحرب بينهما، وجعل يلتكين كَمينًا، فخرج على عسكرِ ابنِ جراح من وراء ظهورهم، عند اشتداد الحرب، فانهزموا وأخذَتْهم سيوفُ المصريين، ومضى ابن جراح منهزمًا إلى أنطاكية، فاستجار بصاحبِها فأجاره، وصادف خرُوج مَلِك الروم من القسطنطينيَّة في عساكرَ عظيمةٍ يريدُ بلاد الإسلام، فخاف ابنُ جراح، وكاتَبَ بكجور بحمص والتجأ إليه، وأمَّا عسكَرُ مِصرَ فإنَّهم نازلوا دمشقَ، مخادعين لقسَّام الجبيليِّ التَّرَّاب، لم يظهروا له إلَّا أنهم جاؤوا لإصلاحِ البَلَدِ، وكفِّ الأيدي المتطَرِّقة إلى الأذى، وكان القائد أبو محمود قد مات في هذه السَّنةِ، وهو والي البلد، ولا حُكْمَ له، وإنما الحُكمُ لقَسَّام، فلما مات قام بعده في الولايةِ جَيشُ بن الصمصامة، وهو ابنُ أخت أبي محمود، فخرج إلى يلتكين وهو يظُنُّ أنه يريد إصلاحَ البلد، فأمره أن يخرجَ هو ومن معه وينزِلوا بظاهر البلد، ففَعَلوا. وحَذِرَ قَسَّام، وأمر مَن معه بمباشرةِ الحَربِ، فقاتلوا دفعاتٍ عِدَّة، فقوي عسكر يلتكين، ودخلوا أطرافَ البلد، ومَلَكوا الشاغور، وأحرقوا ونهبوا، فاجتمع مشايخُ البلَدِ عند قَسَّام، وكَلَّموه في أن يخرجوا إلى يلتكين، ويأخذوا أمانًا لهم وله، فانخذل وذَلَّ، وخضع بعد تجبُّرِه وتكبُّرِه، وقال: افعلوا ما شئتُم، وعاد أصحابُ قَسَّام إليه، فوجدوه خائفًا، مُلقِيًا بيده، فأخذ كلُّ لنَفسِه. وخرج شيوخُ البلد إلى يلتكين، فطلبوا منه الأمانَ لهم ولقسام، فأجابهم إليه، وكان مبدأُ هذه الحرب والحصر في المحرم لعشرٍ بَقِينَ منه، والدخول إلى البلد لثلاث بقين منه، ولم يعرض لقسَّامٍ ولا لأحدٍ مِن أصحابه، وأقام قسَّام في البلد يومين ثم استتَرَ، فأخذ كلَّ ما في داره وما حولها من دورِ أصحابِه وغيرِهم، ثمَّ خرج إلى الخيام، فقصد حاجِبَ يلتكين وعَرَّفه نفسَه، فأخذه وحَمَله إلى يلتكين، فحمله يلتكينُ إلى مصر، فأطلقه العزيزُ، واستراح النَّاسُ من تحكُّمِه عليهم، وتغَلُّبِه بمن تبعه من الأحداثِ مِن أهلِ العيثِ والفَسادِ.