في يوم الخميس الثاني عشر محرم ورد الخبر من نائب حلب يشبك البجاسي أن شاه سوار نائب أبلستين خرج عن طاعةِ السلطان سيف الدين خشقدم، ويريد المشيَ على البلاد الحلبية، فرسم السلطانُ في الحال بخروج نائب طرابلس ونائب حماة إلى جهة البلاد الحلبية لمعاونة نائب حلب إن حصل أمر، ثم عيَّن السلطان تجريدة- خيل لا رَجَّالة فيها- من مصر إلى جهات البلاد الحلبية إن ألجأت الضرورة إلى سفرهم، ثم إنَّ الأمير بردبك نائب الشام خرج من دمشق بعساكرها في آخر المحرم إلى جهة حلب لمعاونة نائب حلب على قتال شاه سوار، كما أن جميع نواب البلاد الشامية قد خرجوا من أعمالهم إلى البلاد الحلبية، لقتال شاه سوار بن دلغادر، كان بردبك قد تهاون في قتال شاه سوار، وخذل العسكر الشامي لِما كان في قلبه من الملك الظاهر خشقدم، فكان ذلك سببًا لكسر العسكر الشامي والحلبي وغيرهم ونهْبِهم، وقتل في هذه الواقعة نائب طرابلس قاني باي الحسني المؤيدي، ونائب حماة تنم خوبي الحسيني الأشرفي، وأتابك دمشق قراجا الخازندار الظاهري، وأتابك حلب قانصوه المحمدي الأشرفي، وغيرهم من أمراء البلاد الشامية، وغيرهم، ثم ورد الخبر من البلاد الحلبية من أمر شاه سوار، وقتل أكابر أمراء البلاد الشامية، ونهبه للبلاد الحلبية، وأخذه قلاع أعمالها، وأنَّ نائب الشام بردبك في أسره، وأن يشبك البجاسي نائب حلب دخل إلى حلب على أقبح وجهٍ، وورد الخبَرُ بأن الأمير بردبك نائب الشام فارق شاه سوار، وقدم إلى مرعش طائعًا، ثم سار إلى منزلة قارا في يوم الخميس السابع عشر ربيع الآخر، ثم استطاع الجيش بعد ذلك من أسر شاه سوار وأخذ إلى القاهرة وقتل فيها وعُلِّقَ على باب زويلة.
هو السلطانُ أبو عبد الله محمد بن محمد بن علي بن مخلوف بن زيدان، الملقَّب بالقائم بأمر الله، عميد الأسرة السعدية وسلطان المغرب. كان قد نشأ على عفافٍ وصلاحٍ وحجٍّ للبيت الحرام، وقيل: كان مجابَ الدعوةِ، من قرَّاءِ القرآن، ومن أهلِ العلمِ والدين، ولم يكن من بيت الرياسةِ، وكان له اطِّلاعٌ على تواريخ قُطره وعوائدِ جيله وأخلاقهم وطبائعهم، ورأى ما وصل إليه مُلكُ بني وطاس بالمغرب من الانحطاط والضعف، وتيقَّن أنَّه لا يصعب عليه تناولُه، فأعمل في ذلك فِكرَه وصار يحضُّ الناسَ على القيام بأمور دينهم والامتعاض لها، حتى ولي الأمرَ عندما بايعَتْه قبائل المغرب على حربِ البرتغال، وقدَّمت كلُّ قبيلة له عشرةَ رجال من أبنائها, فلما قضى الله ببيعته واجتماع الناس عليه، واطمأنت به في البلاد السوسية الدار وطاب له بها المقام والقرار؛ ندب الناس إلى بيعةِ أكبر ولديه، وهو الأمير أبو العباس أحمد المعروف بالأعرج، فبايعوه, ثم وفد على القائمِ بأمر الله أشياخُ حاحة والشياظمة لِما بلغهم من حسن سيرته ونصرة لوائه، فشَكَوا إليه أمر البرتغال ببلادهم, وشِدَّة شوكته واستطالته عليهم، وطلبوا منه أن ينتقل إليهم هو وولده ولي العهد، فأجابهم إلى ذلك ونهض معهم هو وابنه أبو العباس إلى الموضع المعروف بآفغال من بلاد حاحة، وترك ولده الأصغر أبا عبد الله محمد الشيخ بالسوس يرتِّب الأمور ويمهِّد المملكة ويباكر العدو بالقتال ويراوحه، واستمر الأمير أبو عبد الله القائم بمكانه من آفغال ببلاد حاحة مسموعَ الكلمة متبوعَ العقب إلى أن توفي بها وهو يجاهد النصارى الإسبان والبرتغال، ودفن بها ثم نقل إلى مراكش.
لما رأى أهل المغرب ما وقع بين السلطان أبي العباس أحمد الوطاسي صاحب فاس وأبي العباس أحمد السعدي المعروف بالأعرج صاحب مراكش من الاقتتال على الملك، والتهالك عليه، وفناء الخلق بينهم- دخلوا في الصلح بينهم والتراضي على قسمة البلاد، وحضر لذلك جماعةٌ من العلماء والصلحاء، منهم أبو حفص عمر الخطاب، وأبو الرواين المحجوب، وكان صاحب حالٍ وجذبٍ، فجعل الناس يوصونه بالسكوت مخافةَ أن يُفسِدَ عليهم أمرَهم، فلما دخلوا على أبي العباس الأعرج السعدي وأخيه ووزيره محمد الشيخ وتكلموا فيما جاؤوا لأجله، وجدوا فيهما شدةً وغلظة وامتناعًا من مساعدتهم على ما أرادوا، فحلف أبو حفص الخطاب لا دخلوها يعني فاسًا ما دمتُ على وجه الأرض فما دخلها السعديون حتى مات بعد مدة, وقد أُبرِمَ الصلح بين الطائفتين على أنَّ للسعديين من تادلا إلى السوس، ولبني وطاس من تادلا إلى المغرب الأوسط، وإن ممن حضر الصلح قاضيَ الجماعة بفاس أبا الحسن علي بن هارون المطغري، والإمامَ الشهير أبا مالك عبد الواحد بن أحمد الوانشريسي وغيرهما من مشايخ فاس, ولما تواطأت كلمةُ الحاضرين على الصلح وعقدوا شروطه وهدأت الأصوات وسكن اللجاج، أُتى بدواة وقرطاس ليكتب الصلح, فوضعت الدواةُ بين يدي أحد الفقهاء الحاضرين فوجم وانقبض ودفعَها عن نفسه استحياءً في ذلك المحفل أن يكتُب, فأنشأ أبو مالك الوانشريسي في الحين خطبةً بليغة ونسج الصلحَ على منوال عجيب، واخترع أسلوبًا غريبًا تحير فيه الحاضرون، وعجبوا من ثبات جأشه وجموم قريحته في مثل ذلك المشهد العظيم الذي تخرس فيه ألسن الفصحاء هيبةً وإكبارًا! فقام قاضي الجماعة وقبَّله بين عينيه، وقال: جزاك الله عن المسلمين خيرًا.
أعلن الكاردينال "خيمينيث" أن المعاهدة التي تم توقيعُها مع حكام غرناطة قبل مائة سنة والتي عقدت عام 879 لم تعُدْ صالحة أو موجودة، وأعطى أوامرَه بتنصير جميع المسلمين في غرناطة دون الأخذ برأيهم، أو حتى تتاح لهم فرصةُ التعرف إلى الدين الجديد الذي يساقون إليه، ومن يرفُض منهم عليه أن يختار أحد أمرين: 1- إما أن يغادر غرناطة إلى إفريقيا دون أن يحمل معه أي شيء من أمواله، ودون راحلةٍ يركبها هو أو أحد أفراد أسرته من النساء والأطفال، وتُصادَر أمواله. 2- وإما أن يُعدَمَ علنًا في ساحات غرناطة باعتباره رافضًا للنصرانية, فكان من الطبيعي أن يختار عدد كبير من أهالي غرناطة الهجرةَ بدينهم وعقائدهم، فخرج قسمٌ منهم تاركين أموالهم سيرًا على الأقدام، غيرَ عابئين بمشاقِّ الطرقات، ومجاهِلِ وأخطار السفر إلى إفريقيا من دون مال أو راحلة، في مشهد يشبه هجرة الصحابةِ رضي الله عنهم إلى الحبشة! وبعد خروجِهم من غرناطة كانت تنتظرُهم عصابات الرعاع الإسبانية والجنود الإسبان، فهاجموهم وقتلوا معظمَهم، وعندما سمع الآخرون في غرناطة بذلك آثروا البقاء بعد أن أدركوا أنَّ خروجهم من إسبانيا يعني قتْلَهم، وبالتالي سيقوا في قوافِلَ للتنصير والتعميد كُرهًا! ومن كان يكتشفُه الإسبان أنه قد تهرَّب من التعميد تتمُّ مصادرة أمواله وقتله علنًا! وقد فرَّ عدد كبير من المسلمين الذين رفضوا التعميدَ إلى الجبال المحيطة في غرناطة محتمين في مغاورها وشعابها الوعرة، وأقاموا فيها لفترات، وأنشؤوا قرى عربية مسلمة، وكان الملكُ الإسباني يُشرفُ بنفسه على الحملات العسكرية الكبيرة التي كان يوجِّهها إلى الجبال؛ حيث كانت تلك القرى تُهدَمُ ويُساق أهلُها إلى الحرق أو التمثيل بهم وهم أحياء، في الساحات العامة في غرناطة- رحمهم الله رحمة واسعة، وجعلهم في عِداد الشهداء.
بعد فوزِ الاتحاديِّين بأغلبيةٍ كبيرةٍ وإعلان الدستور أرادوا أن يُتِمُّوا خطَطَهم الراميةَ إلى خلع الخليفة، فبدؤوا يثيرونَ الفوضى والقلاقِلَ في الدولة بطُرُق غير مباشرة، وادَّعى رجال الاتحاد أنَّ الدستورَ معرَّضٌ للإلغاء والحريةَ مهدَّدةٌ؛ لذا فقد تقَدَّم الجيشُ المرابط في سلانيك بإمرةِ محمود شوكت لحماية الدستورِ والمجلس النيابي، عِلماً أنه كان فيه عناصِرُ أجنبية ترتدي الزيَّ العسكري، ووصل الجيشُ إلى العاصمة، فألقى الحصارَ عليها، ثمَّ سار إلى مقر إسماعيل حقي رئيس الجيش النظامي فقتَلوه ومَن معه، ثم ساروا إلى قصر يلدز مقَرِّ السلطان، فقاموا فيه بمذبحة بلا سببٍ ونهبوا القصرَ، ثم شكَّل المجلِسُ النيابيُّ مجلِسًا أطلقوا عليه اسمَ المجلس الملكي، فاجتمع مع مجلسِ الحركة وقَرَّروا خَلْعَ السلطان عبد الحميد باستصدار فتوى من شيخِ الإسلام، واستدعى المجلِسُ الصدر الأعظم توفيق باشا لتكليفِه بإبلاغ القرار إلى الخليفة فرفَضَ، فكلف المجلسُ وفدًا من الفريق البحري عارف حكمت، وآرام الأرمني، وعمانوئيل قره صو اليهودي، وأسعد طوبطاني، وذهب الوفد إلى الخليفة، وقرأ الفتوى، فتقَبَّل السلطان ذلك مع إنكارِه إحضارَهم عمانوئيل اليهودي معهم، خاصَّةً أن عمانوئيل هذا سبق أن زار السلطانَ مع هرتزل في وفدٍ يهوديٍّ يستأذنونه في الهجرةِ إلى فلسطين، فرفض طلبهم وإغراءَهم له، وأمر بطردِهم، فتوعَّد عمانوئيل السلطانَ بأنَّ هذا الرفض سيكَلِّفُه كثيرًا. نُقِلَ السلطانُ إلى سلانيك مع أسرته ومرافقيه، وبقي تحت حراسةِ الاتحاديين حتى حرب البلقان، ثم نُقِلَ إلى قصر بكلربكي في استانبول، وبقي فيه إلى أن توفي عام 1336هـ وكانت مُدَّةُ خلافته أكثر من ثلاث وثلاثين سنة، وتسلَّم الحكمَ صوريًّا أخوه محمد رشاد.
استمَرَّت المقاومة في موريتانيا ولم تهدأ رغمَ سُقوطِ الدولة العثمانية، ورغْم استطاعة الفرنسيين بَسْطَ سيطرتهم ونفوذِهم على البلاد بسبَبِ تفوُّقِهم العسكري في الرجال والسلاح. وفي أثناء أحداثِ الحرب العالمية الثانية بدأت بوادِرُ الدعوة للاستقلال بالظهور؛ إذ برز حزبان هما: حزب الاتحاد الوطني، وحزب منظمات الشباب. بعد ذلك انحصرت مطالِبُ الحزبين بالمطالبة بالاستقلال المباشر، فتوحَّدا في حزب واحد عام 1367هـ وهو حزب التفاهم الموريتاني، إلَّا أن الانقسامَ عاد من جديد فظهر حزب التفاهم الموريتاني بزعامة أحمد بن حرمة بابانا. وحزب الاتحاد التقدمي الموريتاني بزعامة المختار أنجاي. وأجريت انتخاباتٌ عامة لاختيار نائب في الجمعية الوطنية الفرنسية بباريس (حسب نص دستور فرنسا على أن يكون أعضاء مجلس الجمعية الوطنية من الوحدات الإقليمية) ففاز المختارُ أنجاي بالنيابة في عام 1376 هـ. أما أحمد بن حرمة فقد غادر موريتانيا ليعيشَ في المغرب بعد عودة الملك محمد الخامس من المنفى. بعد ذلك زادت المطالبةُ بالاستقلال؛ فعُقِد في منتصف عام 1379 /1958 مؤتمَرٌ في عاصمة مالي باماكو. وكان من مقرراته ضرورةُ اعتراف فرنسا بحق تقرير المصير؛ إذ كانت تخشى اندلاع الثورات كما حدث في الجزائر. فأصدر رئيس وزراء فرنسا «غي موليه» قانونَ الإصلاح الإداري عام 1376 / 1957 والذي نصَّ على إجراء انتخابات في كلِّ إقليم؛ لاختيار جمعية عامة تتولى تشكيل الحكومة. وفي 21 شوال 1376ه / 20 أيار 1957 تشكَّلت أولُ حكومة ذات استقلال ذاتي في موريتانيا. وأوجدت السلطاتُ الفرنسية نظامًا خاصًا أسمته استقلالًا داخليًّا؛ حيث عَيَّنَت إلى جانب الحاكم العام شخصًا موريتانيًّا اسمه نائب رئيس المجلس، وكانت الحكومةُ صوريَّةً.
هو الشيخُ محمد محمد الراوي عضوُ مَجمَعِ البحوثِ الإسلاميةِ، وعضوُ هيئةِ كِبارِ العلماءِ بالأزهرِ. وُلِدَ في قريةِ "ريفا" محافظةَ أسيوطَ غُرَّةَ فبرايرَ 1928م. حَفِظَ القرآنَ الكريمَ في سنٍّ مُبكِّرةٍ في القريةِ، حيثُ كانت المعاهدُ الأزهريةُ لا تَقبَلُ الطالبَ في السنةِ الأولى إلا بحِفظِ القرآنِ الكريمِ كُلِّه. وبعد الانتهاءِ من الدراسةِ في معهدِ أسيوطَ تقدَّم إلى كُليَّةِ أصولِ الدينِ بالقاهرةِ، وحصَلَ منها على الشهادةِ العالِميَّةِ عامَ 1954م. وحصَلَ على الشهادةِ العالِميَّةِ مع تخصُّصِ التدريسِ من كُليَّةِ اللُّغةِ العربيةِ عامَ 1956م. وعمِلَ بعد تخرُّجِه بقسمِ الدعوةِ في وزارةِ الأوقافِ، ثم أصبَحَ مُفتِّشًا عامًّا في مراقبةِ الشُّؤونِ الدينيةِ. نُقِلَ بعدها إلى مَجمَعِ البحوثِ الإسلاميةِ بالقاهرةِ، وعَمِلَ بالمكتبِ الفنِّيِّ بالمَجمَعِ. وابتُعِثَ من الأزهرِ إلى نيجيريا لتدريسِ اللغةِ العربيةِ وعُلومِ القرآنِ، وطُلِبَ لجامعةِ الإمامِ محمدِ بنِ سعودٍ الإسلاميةِ بالرياضِ، وانتَقَلَ إليها بدايةً من العامِ الدراسيِّ 1390هـ، واستمرَّ بها مدةً تزيدُ على خمسٍ وعشرين سنةً عَمِلَ خلالها في: كليَّةِ اللغةِ العربيةِ مُدرِّسًا للتفسيرِ والحديثِ، وكليةِ العلومِ الاجتماعيةِ من بدايةِ إنشائِها، وأسهَمَ في قيامِ كليَّةِ أصولِ الدِّينِ، وعمِلَ بها أستاذًا للقرآنِ وعلومِه، ورئيسًا لقسمِ القرآنِ أكثَرَ من ثلاثةَ عشَرَ عامًا، وأسهَمَ في إنشاءِ المعهدِ العالي للدعوةِ الإسلاميةِ، وقام بإلقاءِ المُحاضَراتِ فيه، وأشرَفَ على كثيرٍ من الرسائلِ العلميَّةِ ما بين ماجستير ودكتوراه في كليةِ أصولِ الدينِ وغيرِها من كليَّاتِ الجامعةِ. واشترك في مناقشةِ كثيرٍ من الرسائلِ العِلميةِ في جامعةِ الإمامِ محمدِ بن سعودٍ، وجامعةِ أمِّ القُرى بمكةَ المكرمةِ، والجامعةِ الإسلاميةِ بالمدينةِ المنوَّرةِ، وجامعةِ الملكِ سعودٍ. تُوفِّيَ -رحمه الله- في القاهرةِ عن عمرٍ ناهزَ 89 عامًا. وصُلِّيَ عليه في الجامعِ الأزهرِ.
ولِدَ الشيخُ الدكتورُ محمد أديب الصالح في مدينةِ قطنا -جنوبَ غَربِ دِمَشقَ- في العامِ 1926 م، وعاش يتيمًا، ولكنَّ والدتَه عوَّضَتْه عن عنايةِ الوالدِ بانقطاعِها لرِعايتِه، والاهتمامِ بشَأنِه، وقد بدأ تعليمَه في إحدى مدارسِ قطنا الابتدائيةِ، ومنها انتقل إلى دِمَشقَ، حيثُ أحرَزَ شهادةَ الكفاءةِ العامَّةِ ثم شَهادةَ الكليةِ الشرعيةِ، التي كانتْ تُعَدُّ مَعهدًا عِلميًّا رفيعَ المستوى، ثم حصَلَ على الثانويةِ الشرعيةِ مع الثانويةِ العامَّةِ عامَ 1946م، وبذلك تهيَّأ للدراسةِ الجامعيةِ، ثم أُوفد إلى الأزهَرِ عامَ 1947م، والتحَقَ بكليَّةِ أصولِ الدِّينِ، ثم تفرَّغَ للتدريسِ، فعَمِلَ في ثانويَّاتِ حلَبَ ودِمَشقَ ودُورِ المعلِّمين ما بين العامَينِ 1949 و1956. وأُسنِدَت إليه مُهمَّةُ مُعيدٍ في كليَّةِ الشريعةِ بجامعةِ دِمَشقَ، وأُوفِدَ إلى جامعةِ القاهرةِ لتحضيرِ الإجازةِ العليا -الدكتوراه- في كليةِ الحقوقِ، وكان موضوعُ أُطروحَتِه (تفسيرَ النصوصِ في الفقهِ الإسلاميِّ- دراسة مقارِنة) التي أحرَزَ بها مرتبةَ الشَّرَفِ الأولى مع التبادلِ بين الجامعاتِ. من شُيوخِه: الشيخُ محمد أبو زهرة، والشيخُ علي الخفيف، والشيخُ فرج السنهوريُّ. ثم عادَ إلى دمشقَ ليستأنِفَ عمَلَه في جامِعَتِها والتدريسَ فيها، ثم أُعيرَ إلى الجامعةِ الأردنيَّةِ لتدريسِ التفسيرِ والحديثِ والثقافةِ الإسلاميةِ على مدى سنتَينِ، ثم استُقدِمَ بعدَها أستاذًا زائرًا إلى جامعةِ الملكِ سُعودٍ -الرياض آنَذاك-، وكذلك دُعِيَ زائرًا إلى جامعةِ الإمامِ محمدِ بنِ سعودٍ الإسلاميةِ، وإلى كليةِ التربيةِ للمعلمين والمعلمات في قطَرَ، حتى استقرَّ أخيرًا في جامعةِ الإمامِ محمد بنِ سعودٍ الإسلاميةِ. تولى فيها رئاسةَ قِسمِ السُّنَّة وعلومِها، إلى جانبِ مُشاركاتِه في مناقشةِ رسائلِ الماجستير والدكتوراه فيها، وفي كلٍّ من الجامعةِ الإسلاميةِ في المدينةِ المُنوَّرةِ، وجامعةِ أمِّ القرى بمكةَ المكرمةِ، إلى أنْ تُوفِّيَ -رحمه الله- بمدينةِ الرياضِ.
كثُرَ تنافرُ الأمراء واختلافهم، وانقطع نوروز، وجكم الجركسي الظاهري، وقنباي، عن الخدمة، ودخل شهر رمضان وانقضى، فلم يحضروا للهناء بالعيد، ولا صلَّوا صلاة العيد مع السلطان، فلما كان يوم الجمعة ثاني شوال ركبوا للحرب، فنزل السلطان من القصر إلى الإسطبل عند سودن طاز، وركب نوروز وجكم وقنباي، وقرقماس الرماح، ووقعت الحربُ من بكرة النهار إلى العصر، ورأس الأمراءَ نوروز وجكم، وخصمهم سودن طاز، فلما كان آخر النهار بعث السلطان بالخليفةِ المتوكل على الله وقضاة القضاة الأربع إلى الأمير الكبير نوروز في طلب الصلح، فلم يجد بدًّا من ذلك، وترك القتال، وخلع عنه آلة الحرب، فكفَّ الأمير جكم الدوادار أيضًا عن الحرب، وعد ذلك مكيدةً من سودن طاز، فإنه خاف أن يغلِبَ ويُسَلِّمَه السلطان إلى الأمراء، فأشار عليه بذلك حتى فعله، فتمَّت مكيدته بعدما كاد أن يؤخذ؛ لقوة نوروز وجكم عليه، وبات الناس في هدوء، فلما كان يوم السبت الغد ركب الخليفة وشيخ الإسلام البلقيني، وحلَّفوا الأمراء بالسمع والطاعة للسلطان، وإخماد الفتنة، فطلع الأمير نوروز إلى الخدمة في يوم الاثنين خامسه، وخُلِعَ عليه، وأُركِبَ فرسًا خاصًّا بسرج، وكنفوش ذهب، وطلع الأمير جكم في ثامنه وهو خائف، ولم يطلع قنباي، ولا قرقماس، وطُلِبا فلم يُوجَدا، وجُهِّز إليهما خلعتان، على أن يكون قنباي نائبًا بحماة، وقرقماس حاجبًا بدمشق، ونزل جكم بغير خِلعة حنقًا وغضبًا، فما هو إلا أن استقر في داره، ونزل إليه سرماش رأس نوبة، وبشباي الحاجب بطلب قنباي، ظنًّا أنه اختفى ليلبس الخلعة بنيابة حماة، فأنكر أن يكون عنده وصرفهما، وركب من ليلته بمن معه من الأمراء والمماليك وأعيانهم قمش الخاصكي الخازندار، ويشبك الساقي، ويشبك العثماني، وألطبغا جاموس، وجانباي الطيبي، وبرسبغا الدوادار، وطرباي الدوادار، وصاروا كلهم على بركة الحبش خارج مصر، ولحق به الأمير قنباي، وقرقماس الرماح، وأرغز، وغنجق، ونحو الخمسمائة من مماليك السلطان، وأقاموا إلى ليلة السبت عاشره، فأتاهم الأمير نوروز، والأمير سودن من زاده رأس نوبة، والأمير تمربغا المشطوب، في نحو الألفين، فسُرَّ بهم، وأقاموا جميعًا إلى ليلة الأربعاء، وأمرُهم يزيد ويقوى بمن يأتيهم من الأمراء والمماليك، فنزل السلطان من القصر في ليلة الأربعاء الرابع عشر إلى الإسطبل عند سودن طاز، وركب بكرةَ يوم الأربعاء فيمن معه، وسار من باب القرافة بعد ما نادى بالعرض، واجتمع إليه العسكر كله، وواقع جكم ونوروز، وكسرهما، وأسَرَ تمربغا المشطوب، وسودن من زاده، وعلى بن أينال، وأرغر، وفرَّ نوروز وجكم في عدة كبيرة يريدون بلاد الصعيد، وعاد السلطان ومعه الأمير سودن طاز إلى القلعة مُظفَّرًا منصورًا، وبعث بالأمراء المأسورين إلى الإسكندرية في ليلة السبت السابع عشر، وانتهى نوروز وجكم إلى منية القائد وعادوا إلى طموه، ونزلوا على ناحية منبابه من بر الجيزة تجاه القاهرة، فمنع السلطان المراكبَ أن تعديَ بأحدٍ منهم في النيل، وطلب الأمير يشبك الشعباني من الإسكندرية، فقدم يوم الاثنين التاسع عشر إلى قلعة الجبل، ومعه عالم كبير ممن خرج إلى لقائه، فباس الأرض ونزل إلى داره، وفي ليلة الثلاثاء عِشرينه: ركب الأمير نوروز نصف الليل، وعدى النيل، وحضر إلى بيت الأمير الكبير بيبرس الأتابك، وكان قد تحدَّث هو والأمير إينال باي بن قجماس له مع السلطان، حتى أمنه ووعده بنيابة دمشق، وكان ذلك من مكر سودن طاز، فمشى ذلك عليه، حتى حضر فاختلَّ عند ذلك أمر جكم وتفرَّق عنه من معه، وفرَّ عنه قنباي وصار فريدًا، فكتب إلى الأمير بيبرس الأتابك يستأذنه في الحضور، فبعث إليه الأمير أزبك الأشقر رأس نوبة، والأمير بشباي الحاجب، وقدما به ليلة الأربعاء في الحادي والعشرين إلى باب السلسلة من الإسطبل السلطاني، فتسلَّمه عدوه الأمير سودن طاز وأصبح وقد حضر يشبك وسائر الأمراء للسلام عليه، فلما كانت ليلة الخميس الثاني والعشرين قُيِّدَ وحمل في الحراقة -سفينة- إلى الإسكندرية، فسُجِن بها حيث كان الأمير يشبك مسجونًا، وفي يوم الخميس هذا خرج المحمَلُ وأمير الحاج نكباي الأزدمري، أحد أمراء الطبلخاناه، وكان قد ألبس الأمير نوروز تشريف نيابة دمشق في بيت الأمير بيبرس يوم الأربعاء، فقُبِض عليه من الغد يوم الخميس، وحُمل إلى باب السلسلة، وقُيِّد وأخرج في ليلة الجمعة الثالث والعشرين إلى الإسكندرية، فسُجِن بها أيضًا، وغضب الأميران بيبرس وإينال باي، وتركا الخدمة السلطانية أيامًا، ثم أُرضيا، واختفى الأميران قانباي وقرقماس، فلم يُعرَف خبرهما.
حصَرَ أتابك زنكي دمشقَ مَرَّتين؛ فأمَّا المرَّة الأولى فإنَّه سار إليها في ربيعٍ الأوَّل مِن بعلبَكَّ بعد الفراغِ مِن أمرِها، وتقريرِ قواعِدِها وإصلاحِ ما تَشَعَّثَ منها، ليَحصُرَها، فنزل في البقاعِ، وأرسل إلى جمالِ الدِّينِ صاحِبِها يبذُلُ له بلدًا يقتَرِحُه ليُسَلِّمَ إليه دمشق، فلم يجِبْه إلى ذلك، فرحل وقصَدَ دمشق، فنزل على داريا ثالثَ عَشَرَ ربيع الأول فالتفَّت الطلائِعُ واقتَتَلوا، وكان الظَّفَرُ لعَسكرِ زنكي، وعاد الدِّمشقيُّونَ مُنهَزمِينَ، فقُتِلَ كثيرٌ منهم، ثم تقَدَّمَ زنكي إلى دمشق، فنزل هناك، ولَقِيَه جمعٌ كثيرٌ مِن جُندِ دِمشقَ وأحداثِها ورجَّالةِ الغوطة، فقاتلوه، فانهزم الدمشقيُّونَ، وأخَذَهم السَّيفُ، فقَتَلَ فيهم وأكثَرَ، وأسَرَ كذلك، ومن سَلِمَ عاد جريحًا. وأشرف البلدُ ذلك اليومَ على أن يُملَكَ، لكِنْ عاد زنكي عن القِتالِ وأمسك عنه عِدَّةَ أيام، وتابع الرُّسُلَ إلى صاحب دمشق، وبذل له بعلبَكَّ وحمص وغيرهما ممَّا يختاره من البلاد، فمال إلى التَّسليم، وامتنع غيرُه من أصحابِه مِن ذلك، وخَوَّفوه عاقِبةَ فِعلِه، وأن يَغدِرَ به كما غدَرَ بأهلِ بعلبك، فلمَّا لم يُسَلِّموا إليه عاود القتالَ والزَّحفَ، ثم إنَّ جمالَ الدين صاحب دمشق مَرِضَ ومات ثامِنَ شعبان، وطَمِعَ زنكي حينئذ في البلدِ، وزحف إليه زحفًا شديدًا؛ ظنًّا منه أنَّه ربَّما يقَعُ بين المُقَدَّمينَ والأمراء خلافٌ فيَبلُغُ غَرَضَه، وكان ما أمَّلَه بعيدًا، فلما مات جمالُ الدين ولي بعده مجيرُ الدين أبق وَلَدُه، وتولى تدبيرَ دَولَتِه مُعينُ الدين أنر فلم يَظهَرْ لِمَوتِ أبيه أثرٌ مع أنَّ عَدُوَّهم على باب المدينة، فلما رأى معين الدين أنَّ زنكي لا يفارِقُهم، ولا يزول عن حَصرِهم، راسَلَ الفِرنجَ، واستدعاهم إلى نُصرتِه، وأنْ يتَّفِقوا على مَنعِ زنكي عن دِمشقَ، وبذل لهم بُذولًا من جُملَتِها أن يَحصُرَ بانياس ويأخُذَها ويُسَلِّمَها إليهم، وخوَّفَهم مِن زنكي إنْ مَلَك دمشق، فعَلِموا صِحَّةَ قَولِه إنَّه إن مَلَكَها لم يَبقَ لهم معه بالشَّامِ مَقامٌ، فاجتَمَعَت الفِرنجُ وعَزَموا على السَّيرِ إلى دمشق ليَجتَمِعوا مع صاحِبِها وعَسكَرِها على قتالِ زنكي، فحين عَلِمَ زنكي بذلك سار إلى حوران خامِسَ رمضان، عازمًا على قتالِ الفِرنجِ قبل أن يجتَمِعوا بالدِّمشقيِّينَ، فلمَّا سَمِعَ الفرنجُ خَبَرَه لم يفارقوا بلادَهم، فلما رآهم كذلك عاد إلى حَصرِ دمشقَ ونزل بعذرا شماليَّها سادس شوال، فأحرَقَ عِدَّةَ قُرًى من المرج والغوطة، ورحل عائدًا إلى بلادِه، ووصل الفِرنجُ إلى دِمشقَ واجتمعوا بصاحِبِها وقد رحل زنكي، فعادوا، فسار مُعين الدين أنر إلى بانياس في عَسكرِ دِمشقَ، وهي في طاعةِ زنكي، لِيَحصُرَها ويُسَلِّمَها إلى الفرنج؛ وكان واليها قد سار قبل ذلك منها في جَمعٍ مِن جَمْعِه إلى مدينة صور للإغارةِ على بلادها، فصادفه صاحِبُ أنطاكيةَ وهو قاصِدٌ إلى دمشق نجدةً لصاحِبِها على زنكي، فاقتتلا، فانهزم المُسلِمونَ وأخَذوا واليَ بانياس فقُتِلَ، ونجا مَن سَلِمَ منهم إلى بانياس، وجمعوا معهم كثيرًا من البِقاعِ وغيرِها، وحَفِظوا القلعة، فنازلها مُعين الدين، فقاتلهم، وضَيَّقَ عليهم، ومعه طائفةٌ مِن الفِرنجِ، فأخذها وسَلَّمَها إلى الفرنج، وأمَّا الحَصرُ الثاني لدمشق، فإنَّ زنكي لَمَّا سَمِعَ الخبَرَ بحِصارِ بانياس عاد إلى بعلبك ليدفَعَ عنها مَن يحصُرُها، فأقام هناك، فلمَّا عاد عسكر دمشق، بعد أن مَلَكوها وسَلَّموها إلى الفرنج، فَرَّق أتابك زنكي عَسكَرَه على الإغارة على حوران وأعمالِ دمشق، وسار هو جريدة مع خواصِّه، فنازل دمشقَ سَحَرًا ولم يعلَمْ به أحَدٌ مِن أهلِها، فلمَّا أصبح النَّاسُ ورأوا عَسكَرَه خافوا، وارتَجَّ البَلَدُ، واجتمع العسكَرُ والعامَّةُ على السورِ وفُتِحَت الأبوابُ وخَرَج الجندُ، والرجَّالة فقاتلوه، فلم يتمَكَّن عسكرُ زنكي من الإقدامِ في القِتالِ؛ لأنَّ عامَّةَ عَسكَرِه تفَرَّقوا في البلاد للنَّهِب والتَّخريب، وإنَّما قصد دمشقَ لِئلَّا يَخرُجَ منها عَسكَرُه إلى عَسكَرِهم وهم متفَرِّقون، فلما اقتتلوا ذلك اليومَ قُتِلَ بينهم جماعةٌ ثم أحجم زنكي عنهم وعاد إلى خيامِه، ورحل إلى مرج راهط، وأقام ينتَظِرُ عودةَ عَسكَرِه، فعادوا إليه وقد ملؤوا أيديَهم من الغنائِم؛ لأنَّهم طرقوا البلادَ وأهلُها غافلونَ، فلَمَّا اجتمعوا عنده رحَلَ بهم عائدًا إلى بلادِهم.
هو أحمد بن أويس بن الشيخ حسن النوين بن حسين بن أقبغا بن أيلكان بن القال غياث الدين سلطان العراق. أوَّل ما ولي إمرة البصرة من أخيه حسين، فلما اختلف الأمراء على حسين خرج من بغداد إلى تبريز، فقدم أحمد بالجنود واغتال أخاه وقام بالسلطنة، وذلك في صفر سنة أربع وثمانين، وقبض على أعيان الأمراء فقتلهم وأقام أولادهم، فثار عليه من بقي ببغداد مع أخيه شيخ على شاه زاده؛ فآل الأمر إلى أن قتل واستبد أحمد فسار السيرة الجائرة وقتل في يوم واحد ثمانمائة نفس من الأعيان وانهمك في اللذات، واتفق أن تيمورلنك نازل شاه منصور صاحب شيراز وقتله وبعث برأسه إلى بغداد، والتمس منهم ضرب السكة باسمه، فلم يُطِعْه أحمد، فنزل تيمورلنك بغداد في شوال سنة خمس وتسعين، ففرَّ منها ابن أويس بأهله وما يعزُّ عليه من ماله، فلحقه عسكر تيمورلنك بالحلة فهزموه ونهبوا ما معه وخربوا الحلة، وقَصَد الشام فوصل إلى الرحبة واستأذن الظاهر في القدوم عليه، فأجابه بما يطيب خاطره وأمر النواب بإكرامه، ثم جهز السلطان أحمد بن أويس في أول شعبان سنة 796 ورسم له بجميع ما يحتاج إليه، فدخل بغداد في رمضان فوجد بها مسعود الخراساني من جهة تيمورلنك، ففر وأقام أحمد ببغداد، واستخدم جنودًا من العرب والتركمان، ووقع الوباء ببغداد، ففر أحمد إلى الحلة، وجرى على سيرته السيئة من سفك الدماء والجِدِّ في أخذ أموال الرعية، ولم يزل على ذلك إلى أن عاد تيمورلنك طالبًا الشام، ففرَّ أحمد إلى قرا يوسف بن قرا محمَّد بن بيرم خجا صاحب الموصل واستنجد به فسار معه، وكان أهل بغداد قد كرهوه فحاربوه وهزموهما معًا، فدخلا بلاد الشام واستأذنا أمير حلب وكان يومئذٍ دقماق من جهة الناصر فرج، وذلك في شوال سنة 802، فلم يأذن لهم فخرج لمحاربتهم فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فانهزم أهل حلب وأُسِرَ دقماق، فبلغ الناصر ذلك فغضب وأمر بتجهيز عساكر الشام، فتوجهوا ففر قرا يوسف فأوقعوا بأحمد فكسروه ونهبوا ما معه وبعثوا بسيفه إلى الناصر. رجع أحمد إلى بغداد فأقام بها قليلًا فثار عليه ولده طاهر بن أحمد ففر منه وأتى إلى قرا يوسف فسار معه وقاتلا طاهرًا بالحلة، فانهزم وغرق، ودخل أحمد بغداد ثم غدر أحمد بجماعة كانوا عنده من جهة قرا يوسف عدتهم خمسون نفسًا من أعيان دولته، فغضب قرا يوسف وسار لمحاربة أحمد، فهرب ثم اختفى في بئر ببغداد، فأمر قرا يوسف بطم البئر، فطُمَّت فما شكُّوا في هلاكه، واتفق أنه كان بالبئر فرجة فخرج منها ابن أويس ومضى إلى تكريت ثم إلى حلب، وملك قرا يوسف بغداد فأخذها منه تيمورلنك, فكتب قرا يوسف إلى أحمد ليجتمعا على قتال عسكر تيمورلنك فنازلا مرزا أبي بكر بن تيمورلنك بالسلطانية سنة 808، فهزموه وقتلوا ابنه, وملك قرا يوسف تبريز ورجع أحمد إلى بغداد، فاستأذنه قرا يوسف فيمن يقيمه في السلطنة، فأذن له بإقامة ولده بزق ففعل، وذلك في سنة إحدى عشرة، فقدم مرزا شاه في طلب ثأر ولده، فواقعه قرا يوسف فقتل، وغنم قرا يوسف جميع ما كان معه, واتفق في غضون ذلك أن أحمد لما تغلب على طباعه من الغدر مضى إلى تبريز فملكها، ونهب جميع ما وجده لقرا يوسف وولده، فرجع إليه وقاتله فانهزم منه، وذلك في ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة، فلم يزل قرا يوسف يتطلب ابن أويس إلى أن ظفر به فأكرمه، ثم سجنه ثم دسَّ عليه من خنقه، فمات في آخر يوم من ربيع الآخر، واستقرت قدم قرا يوسف في بغداد وتبريز، وكان أحمد بن أويس سفاكًا للدماء، متجاهرًا بالقبائح، وله مشاركة في عدة علوم، كالنجوم والموسيقى، وله شعر كثير بالعربية وغيرها؛ وكتب الخط المنسوب، وكانت له شجاعة ودهاء وحِيَل، ومحبة في أهل العلم.
هو سَعيدُ بن جُبَير بن هِشام الأَسَدِيُّ الوالِبِيُّ مَوْلاهُم الكوفيُّ، أبو محمَّد، كان وِعاءًا مِن أَوْعِيَة العِلْم, قال خُصَيف: كان أَعْلَمَهم بالقُرآن مُجاهِد، وأَعْلَمَهم بالحَجِّ عَطاء، وأَعْلَمَهم بالحَلال والحَرام طاووس، وأَعْلَمَهم بالطَّلاق سَعيد بن المُسَيِّب، وأَجْمَعَهم لِهذه العُلوم سَعيد بن جُبير. لقد مات سَعيد بن جُبَير وما على ظَهْر الأرضِ رَجُل إلَّا يَحتاجُ إلى عِلْمِ سَعيد, وكان ابنُ جُبَير يقول بعدَ أن تَخَفَّى عن الحَجَّاج: (وَدِدْتُ لو أنَّ النَّاس أَخَذوا ما عِندي مِن العِلْم فإنَّه ممَّا يُهِمُّني). كان سَبَبَ قَتْلِ الحَجَّاج لابنِ جُبَير خُروجُه مع عبدِ الرَّحمن بن محمَّد بن الأشعث، وكان الحَجَّاج قد جَعَله على عَطاء الجُنْد حين وَجَّه ابنَ الأشعث إلى مَلِك التُّرْك رتبيل لِقِتالِه، فلمَّا خَلَعَ ابنُ الأَشعث الحَجَّاجَ كان سَعيدُ بن جُبَير فيمَن خَلَعَ، فلمَّا هُزِمَ ابنُ الأشعث ودَخَل بِلادَ رتبيل هَرَب سَعيد بن جُبَير إلى أَصْبَهان، فكَتَب الحَجَّاجُ إلى عامِلِهِ بِأَخْذِ سَعيد بن جُبَير، فخَرَج العامِل مِن ذلك بأن أَرسَل إلى سَعيد يُعَرِّفُه ذلك ويَأمُره بمُفارَقَتِه، فسارَ عنه فأَتَى أَذْرَبِيجان فطالَ عليه القِيامُ فاغْتَمَّ بها، وقد تَخَفَّى ابنُ جُبَير عن الحَجَّاج اثنا عَشَر سَنَةً، كان يَحُجُّ ويَعْتَمِر في كُلِّ سَنَةٍ فَتْرَةَ تَخفِّيه إلى أن خرج في مكَّة, فكان بها إلى أن وَلِيَها خالدُ بن عبد الله القَسري، فأشار مَن أشار على سَعيد بالهَرَب منها، فقال سَعيدٌ: والله لقد اسْتَحْيَيْتُ مِن الله، مم أَفِرُّ، ولا مَفَرَّ مِن قَدَرِهِ. فأَرسلَه خالدٌ القَسري إلى الحَجَّاج، ثمَّ إنَّ الحَجَّاج قَتَلَه، وقِصَّتُه مَشهورَة، ولم يَبْقَ الحَجَّاج بعدَ قَتلِه كَثيرًا، وكان يقول بعدَ ذلك: مالي ولابنِ جُبَير. فرَحِمَ الله سَعيدَ بن جُبَير.
خرج حسان بن مجالد بن يحيى بن مالك بن الأجدع الهمداني، وكان خروجُه بنواحي الموصِل بقريةٍ تُسمَّى بَافَخَّارى، قريب من الموصل على دجلة، فخرج إليه عسكرُ الموصِل، وعليها الصقر بن نجدة، فالتقَوا واقتَتلوا وانهزم عسكرُ الموصِل على الجِسر، وأحرق الخوارجُ أصحابُ حسَّان السوقَ هناك ونهبوه. ثم إنَّ حسانَ سار إلى الرقَّةِ ومنها إلى البحر ودخل إلى بلد السِّند، وكانت الخوارجُ مِن أهل عمان يُدخِلونَهم ويَدَعونهم، فاستأذَنَهم في المصير إليهم، فلم يجيبوه، فعاد إلى الموصِل، فخرج إليه الصقرُ أيضًا والحسَنُ بن صالح بن حسان الهمداني وبلال القيسي، فالتقَوا فانهزم الصقرُ وأُسِرَ الحسنُ بن صالح وبلال، فقتَل حسانُ بلالًا واستبقى الحسنَ؛ لأنَّه من همدان، ففارقه بعضُ أصحابه لهذا، وكان حسانُ قد أخذ رأيَ الخوارج عن خالِه حفصَ بنِ أشيم، وكان من علماء الخوارجِ وفُقَهائِهم، ولَمَّا بلغ المنصورَ خروجُ حَسَّان، قال: خارجيٌّ مِن همدان؟ قالوا: إنَّه ابن أخت حفص بن أشيم. فقال: فمن هناك؟ وإنَّما أنكر المنصورُ ذلك؛ لأن عامَّة همدان شيعةٌ لعليٍّ، وعزمَ المنصورُ على إنفاذ الجيوش إلى الموصِل والفَتكِ بأهلها، فأحضرَ أبا حنيفة، وابنَ أبي ليلى، وابنَ شبرمة، وقال لهم: إنَّ أهل الموصل شَرَطوا إليَّ أنَّهم لا يَخرُجون عليَّ، فإن فعلوا حلَّت دماؤهم وأموالهم، وقد خرجوا. فسكتَ أبو حنيفة وتكلَّم الرجُلانِ وقالا: رعِيَّتُك، فإنْ عَفَوتَ فأهلُ ذلك أنت، وإن عاقبتَ فبما يستحقُّون. فقال لأبي حنيفة: أراك سكتَّ يا شيخُ؟ فقال: يا أميرَ المؤمنين، أباحوك ما لا يملِكونَ، أرأيتَ لو أنَّ امرأةً أباحَت فرجَها بغير عقدِ نكاحٍ ومِلكِ يمينٍ، أكان يجوزُ أن تُوطأَ؟! قال: لا! وكفَّ عن أهل الموصل، وأمرَ أبا حنيفةَ وصاحِبَيه بالعودة إلى الكوفةِ.
ثار في الشرق من الأندلس رجلٌ من بربر مكناسة، كان يعلِّمُ الصبيان، وكان اسمُه شقنا بن عبد الواحد، وكانت أمُّه تُسمى فاطمة، وادَّعى أنَّه من ولد فاطمةَ رَضِيَ الله عنها، ثم مِن ولَد الحُسين بن علي رضي الله عنهما، وتَسمَّى بعبد الله بن محمَّد، وسكن شنت برية، واجتمع عليه خلقٌ كثير من البربر، وعظُمَ أمرُه، وسار إلى عبد الرحمن الداخِل الأموي فلم يقِف له وراغ في الجبالِ، فكان إذا أمِنَ انبسط، وإذا خاف صَعِدَ الجبال بحيث يصعُبُ طَلبُه، فاستعمل عبد الرحمن على طليطِلة حبيبَ بن عبد الملك، فاستعمل حبيبٌ على شنت برية سليمانَ بنَ عثمان بن مروان بن أبان بن عثمان بن عفان، وأمَرَه بطلب شقنا. فنزل شقنا إلى شنت برية، وأخذ سليمانَ فقتله، واشتدَّ أمرُه، وطار ذِكرُه وغلب على ناحية قورية، وأفسدَ في الأرض فعاد عبد الرحمن الداخل فغزاه في سنة 152 بنفسِه، فلم يثبُتْ له فأعياه أمرُه، فعاد عنه وسيَّرَ إليه سنة ثلاث وخمسين بدرًا مولاه، فهَرَب شقنا وأخلى حصنَه شطران، ثم غزاه عبد الرحمن بنفسِه سنة 154، فلم يثبُتْ له شقنا، ثم سيَّرَ إليه سنة خمس وخمسين أبا عثمان عبيد الله بن عثمان، فخَدَعه شقنا وأفسد عليه جُندَه، فهرب عبيد الله، وغَنِم شقنا عسكرهَ وقتلَ جماعةً من بني أميَّة كانوا في العسكر. وفي سنة خمس وخمسين أيضًا سار شقنا بعد أن غَنِم عسكرَ عُبَيد الله إلى حصن الهواريين المعروف بمدائن، وبه عاملٌ لعبد الرحمن، فمكرَ به شقنا حتى خرج إليه، فقتله شقنا وأخذ خيلَه وسلاحَه وجميعَ ما كان معه، ثم بقي أمرُه مستمرًّا إلى أن اغتالَه بعضُ أصحابه سنة 160
هو أبو إسحاقَ محمَّد المعتَصِم بالله بن هارون الرَّشيد بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، ثامِنُ الخُلَفاءِ العباسيِّينَ، وُلِدَ سنة 179ه يوم الخميسِ لثماني عشرة مَضَت من ربيع الأول، بُويع بالخلافةِ يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلةً بَقِيَت من رجب سنة ثماني عشرة ومائتين، وبعد ذلك بأيَّامٍ اجتمع جماعةٌ من الجند وشغَّبوا وتحدَّثوا في بيعةِ العبَّاسِ بنِ المأمونِ وأظهروا خلافَ المعتَصِم، ومَضَوا بأسْرِهم إلى مضارِبِ العبَّاسِ فخرج إليهم وقال لهم: أيَّ شيءٍ تُريدونَ منِّي؟ قالوا: نبايعُك بالخلافةِ، قال: أنا قد بايعتُ عمِّي ورَضيتُ به، وهو كبيرى وعندي بمنزلةِ المأمونِ، فانصرفوا خائبينَ، واستمَرَّت في عهدِه فِتنةُ القَولِ بخَلقِ القُرآن, وإنَّما حثَّ المعتَصِمَ على ذلك وحمَلَه على ما فعل به أحمَدُ بنُ أبى دؤادَ؛ لأنَّه كان معتزليًّا، وكان الإمامُ أحمدُ إمامَ السُّنَّة. وحين أحضَرَه المعتَصِم بين يديه سلَّم وتكلَّم بكلامٍ أعجب النَّاسَ، فالتَفَت المعتَصِمُ إلى ابنِ أبى دؤاد، وقال: ذكرتُم أنَّ الرجُلَ عامِّيٌّ، وأراه يذكُرُ بَيتًا قديمًا وشهد له كلُّ من حضر بأنَّه مِن سُراةِ بني شَيبانَ، ثمَّ قال: وذكَرْتُم لي أنَّه جاهِلٌ، وما أراه إلَّا مُعرِبًا فَصيحًا، فأكرَمَ الإمامَ أحمدَ. وكان الإمامُ أحمَدُ بنُ حنبل إلى أن مات يُثني على المعتَصِم ويذكُرُ فِعلَه به ويترحَّمُ عليه. غزا المعتَصِمُ مدينةَ عَمُّوريَّة، وهي من أعظَمِ مُدُنِ الرُّوم كالقُسطنطينيَّة لرَدِّ عدوانِ مَلِك الرومِ على المسلمينَ في زبطرة، فكانت غزوةً مشهورةً نصر اللهُ فيها الإسلامَ والمُسلِمينَ، وكان بدءُ عِلَّتِه أنَّه احتجم أوَّلَ يومٍ في المحَرَّم، واعتَلَّ عِندَها،وكانت خلافتُه ثماني سنينَ وثمانية أشهُر ويومين، وتوفِّيَ بمدينةِ سامِرَّاء.