اعترفت إنجلترا باستقلال شرق الأردن، واحتفظت لنفسِها بالإشراف العسكريِّ، وبعضِ الإشرافِ الماليِّ عليه، والمعروف أنَّ هذا القسم كان تحت حكم ِالأمير عبد الله بن حسين بن شريف مكةَ، وفي 15 أيار أقيمَ حَفلٌ رَسميٌّ بمناسبة اعتراف بريطانيا باستقلالِ شرق الأردن، شارك فيه رجالاتُ الأردن وفلسطين، وأيضًا المندوب السامي البريطاني في فلسطين الصهيوني هربرت صموئيل، ومعه الجنرال كلايتون الذي يعمل في المكتب العربي في القاهرة، وكان له دورٌ كبير في عمليات الثورة العربية، وقد ألقى الأميرُ عبد الله خطبةً طويلة استهلَّها بمقدِّمة تاريخية عن مجد الأمة العربية، وما أصاب هذه الأمَّةَ بعد الدولة العباسية، ثم تحدَّث عن مفاوضاته مع جلالةِ ملك بريطانيا مُثمِّنًا اعتراف جلالته باستقلال هذا القِسمِ مِن المملكة العربية، وأن الحكومةَ ستشرع بتعديل قانون الانتخابات، ووضْعِ القانون الأساسيِّ لشرق الأردن، ثم شكر الأميرُ عبد الله كلَّ الذين ساهموا في إنجاز المعاهدة أو في خطوات الاستقلال، وإرساء قواعد الدولة، وخَصَّ بالشكر المندوبَ السامي في فلسطين الصهيوني هربرت صموئيل، وتناول فرنسا في حديثِه؛ حيث قال: "إني لآمُلُ أن يكونَ موقِفُ الدولة الفرنسية تجاهَ قضيتنا العربية المقدَّسة وتجاه القسم الشمالي الباقي من وطننا المحبوب آخِذًا بها إلى عهدٍ جديدٍ كافٍ للدَّلالةِ على احترامِ أبناء الثورة الفرنسية لحريةِ الأقوامِ واستقلالِها"
بعد تولِّي الملِكِ فاروق عرشَ مصرَ قام بحل مجلسِ النواب الذي كان يتمتَّعُ فيه حِزبُ الوفد بأغلبية كبيرة، وكان الوفديُّون قد أحرزوا هذه الأغلبيةَ في الانتخابات التي أُجرِيَت في مايو 1936م، وكانت الحياةُ السياسية في مصر في تلك الفترة تعتَمِدُ على ثلاث قوى رئيسية فاعلة، هم: الإنجليز، والقصر، وحزب الوفد. قبل أن يدخُلَ الجيش إلى المعادَلةِ ويقلِبَ توازنات القوى فيها، جلس فاروق على العرش مع اهتزازِ وتراجُعِ شعبية حزب الوفد بعد توقيعِه على اتفاقية 1936 والتي كانت مكروهةً ومرفوضةً شعبيًّا. وعلى الرغم من حداثة سنِّ فاروق في تلك الفترة إلا أنَّه أدرك ضرورة اكتساب تلك الشعبية المفقودة من الوفد، قأقال حكومة النحاس الوفدية في 30 ديسمبر 1937، أي: في نفس العام الذي تسلَّم فيه سلطاتِه الدستوريةَ كمَلِكٍ على البلاد، وكلَّف محمد محمود الذي كان رئيسًا لحزب الأحرار الدستوريين المُوالي للقصر بتشكيل الوزارة. وكان أوَّلُ ما استصدرته الوَزارة الجديدة مرسومًا بتأجيل انعقاد البرلمان شهرًا، ثمَّ حَلِّ مجلِسِ النوابِ ذي الأغلبية الوفدية، إلى أن تمَّت الانتخابات في 1938 ولم يحصُلِ الوفدُ إلا على 12 مقعدًا فقط، والملاحَظُ في تلك الفترة هو التعددية الحزبية السياسية القائمة، حتى ولو بشكلٍ صوريٍّ؛ حيث سُمِح في انتخابات 1938 مثلًا بأن يتِمَّ ترشيح المستقلين، والذين حصلوا على 55 مقعدًا بجانب أحزاب الأحرار الدستوريين، والهيئة السعدية برئاسة أحمد ماهر المنشَقِّ عن حزب الوفد، بالإضافة إلى الحزب الوطني، وحزب الوفد.
انضمَّ البكر إلى الأكاديميةِ العسكريةِ العراقية عامَ 1938م، بعدَ أن عمِلَ مُعلِّمًا لمدةِ 6 سنواتٍ، واشترَكَ البكر في بداياتِ حياتِه العسكريةِ في حركةِ رَشيد عالي الكيلاني ضِدَّ النُّفوذ البريطانيِّ في العراق عامَ 1941م، التي باءت بالفشَلِ، فدخَل على إثرِ ذلك السجنَ، وأُجبِرَ على التقاعدِ، ثم أُعيدَ إلى الوظيفةِ عامَ 1957م. وانضمَّ إلى تَنظيمِ الضُّباط الوطنيينَ الذي أطاح بالملَكِية في العراق عامَ 1958م، وأُجبِرَ على التقاعُدِ مرةً أُخرى عامَ 1959م بسببِ ضُلوعه في حركةِ الشوافِ في الموصلِ ضِدَّ عبد الكريم قاسم. كان البكر عضوًا بارزًا في حِزب البعثِ، ونظَّم في 8 فبراير 1963م حركةً مسلَّحة بالتعاونِ مع التيَّارات القوميةِ وعسْكريينَ مُستقلِّين؛ مما أدَّى إلى الإطاحةِ بالحكومةِ العسكريةِ لرئيس الوُزراء عبد الكريم قاسم. أصبَح البكر رئيسًا للوُزراء لمدةِ 10 أشهرٍ بعد حركةِ عام 1963م؛ حيث أطاح عبد السلام عارف بحكومةِ حِزبِ البعثِ في حركةِ 18 تشرين، بعدَ سلسلةٍ مِن الإخفاقات والانشقاقاتِ تعرَّض لها حِزب البَعثِ على خَلفيةِ أعمال العُنفِ التي مارسَتْها مليشيا حِزبُ البَعثِ الحرس القَومي. ثم قام البكرُ بتَنظيمِ حركةِ 17 تموز 1968م، التي أطاحت بالرئيسِ العراقي. ومع تقدُّم البكر في العُمرِ أصبح نائبُه صدَّامُ حسين الرئيسَ الفعليَّ للعراقِ عام 1979م؛ حيث استقال البكرُ في 16 تموز 1979 م مِن رئاسة العراق بحُجَّة ظُروفه الصِّحيةِ.
تعهَّد قادةُ حركَتَيْ حماس وفتح الفِلَسْطينيَّتينِ في مكَّة المكرَّمة بحقن الدماء الفِلَسْطينية، وتشكيل حكومة وَحْدة وطنيَّة، وَسْطَ تأكيدات بضرورة الوصول إلى اتفاقٍ، وقال الرئيس الفِلَسْطيني محمود عباس مُفتَتِحًا الجلسةَ: "لن نخرُجَ من هذا المكان المقدَّس إلَّا ونحن مُتَّفِقون"، ومن جانبِه قال رئيسُ المكتَب السياسي لحماس خالد مشعل في كلمة ألقاها بعد الرئيس الفلسطيني: "جئنا لنتَّفِق، ولن نغادرَ هذا المكان إلَّا مُتَّفِقين"، وأضاف أنَّ على المجتمع الدولي أنْ يحترمَ اتفاق الفِلَسْطينيِّين، ويَعترِفَ بواقعِهم، "ويتعاملَ معه بجِدِّيَّة"، داعيًا المجتمِعينَ إلى "حوارٍ على قاعدة الانفتاحِ والأُخوَّة والمحبَّة"، وحضرَ الاجتماعَ رئيسُ الحكومة الفِلَسْطينية إسماعيل هنية الذي دعا من جهته "إلى الاتفاق على ميثاق شرفٍ يُحرِّمُ الاقتتال، ويُعزِّزُ الوَحْدةَ الوطنية"، وأضاف: "نُريدُ اتِّفاقًا شاملًا، وليس فقط اتِّفاقًا جزئيًّا يُنْهي حالةَ الاحتقان"، وأكَّد عباس أنَّه اتَّفق مع مِشعل على برنامج للمُحادَثات يَتمحورُ حولَ "تشكيل حكومة الوَحْدة الوطنية"، وتعزيز "أُسس الشراكة"، و"إعادة بناءِ وتأهيل مُنظَّمة التحرير الفِلَسْطينية"، و"تعميق الوِفاق الوطني"، وفي ختام الجلسة الافتتاحية دَعا مشعل مناصري وناشطي حركَتَيْ حماس وفتح إلى أنْ يَلتَزِموا، ويَنضَبِطوا انضباطًا كاملًا دونَ أيِّ تجاوُزاتٍ في الشارع الفِلَسْطيني؛ من أجْل إعطاء فُرصة لنجاح الحوارِ، علمًا أنَّ الداعيَ لهذه القمة هو خادمُ الحرمَينِ الشريفَينِ الملك عبد الله بن عبد العزيز رحمَه اللهُ.
أفرج الأمير شيخ المحمودي نائب الشام عن الأمير سودن تلي الحمدي، والأمير طوخ، والأمير سودن اليوسفي، وهم الذين طلبهم السلطان، فامتنع من إرسالهم إليه حتى غضب، وسار من مصر إلى دمشق ليأخُذَ الأمير شيخ، ثم أظهر شيخ ما في نفسه، وصرح بالخروج عن طاعة السلطان، وأخذ في الاستعداد، وطلب الأمراء الذين أفرج عنهم إليه بالمرج، في ليلة الثامن والعشرين من المحرم واستدعى قضاة دمشق وفقهاءها، وتحدث معهم بحضرة الأمراء بجواز محاربة السلطان، فأفتاه شهاب الدين أحمد بن الحسباني بما وافق غرَضَه، ثم في شهر صفر أوله السبت في ليلة السبت نزل السلطان باللجون، فشاع بين العسكر تنكُّر قلوب المماليك الظاهرية على السلطان، وتحدثوا بإثارة فتنة لتقديمه مماليكه الجلب -هكذا يُعرَفون- عليهم، واختصاصه بهم، وكثرة عطائه لهم، فلما أصبح السلطان رحل ونزل بيسان من آخره، فما هو إلا أن غربت الشمس، واشتد اضطراب الناس، وكثر قلق السلطان وخوفُه طول الليل إلى أن طلع الفجر، فرحل إلى جهة دمشق، وفي ليلة الخميس سادسه نزل السلطان الكسوة، ففر الأمير علان وجماعة من المماليك إلى جهة الأمير شيخ، فركب السلطان بكرة يوم الخميس ودخل دمشق، وفي ثاني ربيع الأول سارت أطلاب السلطان والأمراء من دمشق إلى الكسوة، وتبعهم السلطان بعساكره، وعليهم آلة الحرب، فبات بالكسوة، وأصبح راحلًا إلى جهة الأمير شيخ، وسار بكرة يوم الثلاثاء، فمر بالصنمين، ونزل من آخره برأس الماء على بريد من الصنمين، وبات فقَدِمَ الخبر بالتقاء كشافة السلطان بكشافة الأمير شيخ، وأسْرِهم رجلًا من الشيخية، وسار السلطان بكرةَ يوم الأربعاء إلى قرية الحراك، فنزل نصف النهار ثم رحل رحيلًا مزعجًا، ظنَّ الناس أن العدو قد طرقهم، فجدَّ في مسيره ونزل عند الغروب بكرك البثنية من حوران، وفي يوم الخميس سار السلطان إلى أن نزل ظاهر مدينة بصرى، فتحقق هناك خبر الأمير شيخ، وأنه في عصر يوم الأربعاء الماضي بلغه أن السلطان قد سار في إثره، فرحل فَزِعًا يريد صرخد، فأقام السلطان على بصرى إلى بكرة السبت، وقَدِمَ عليه ببصرى من الشيخية الأمير برسباي والأمير سودن اليوسفي، فكتب بذلك إلى دمشق، ثم سار ونزل بقرية عيون -تجاه صرخد- فكانت حرب بين أصحابه وبين الشيخية، قُتِل فيها فارسان من الشيخية، وجرح من السلطانية جماعة، ففرَّ منهم جماعة إلى الأمير شيخ، فلَحِقوا به، وكثر تخوُّف السلطان من أمرائه ومماليكه، وبلغه أنهم عوَّلوا على أنه إذا وقع مصاف الحرب، تركوه ومضوا إلى الأمير شيخ، فبات ليلته مستعدًّا لأن يُؤخَذ، ودبَّر أمرًا كان فيه نجاتُه، وسار بهم فلم يفجأ القوم إلا وقد طلع عليهم من ثنية هناك، وقد عبأ الأمير شيخ أصحابه، فأوقف المصريين ناحية، وقدم عليهم الأمير تمراز الناصري نائب السلطة، ووقف في ثقاته -وهم نحو الخمسمائة فارس- وحطم عليهم السلطان بنفسه ومن معه، فانهزم تمراز بمن معه من أول وهلة، وثبت الأميرُ شيخ فيمن معه، فكانت بينهم معارك صدرًا من النهار، وأصحاب الأمير شيخ تنسَلُّ منه، وهو يتأخر إلى جهة القلعة، وكانت الحرب بين جدران مدينة صرخد، فولى السلطان وطاق الشيخية، وانتهب أصحابه جميع ما كان فيه من خيل وجِمال، وثياب وأثاث، وخيام وآلات، وغيرها، فحازوا شيئًا كثيرًا، واستولى السلطان على جامع صرخد، وأصعده أصحابَه، فرَمَوا من أعلى المنارة بمكاحل النفط والأسهم الخطالية على الأمير شيخ، وحمل السلطان عليه حملة واحدة منكرة، فانهزم أصحاب شيخ، والتجأ في نحو العشرين إلى قلعة صرخد، وكانت خلف ظهره، وقد أعدها لذلك، فتسارع إليه عدة من أصحابه، وتمزَّق باقيهم، فأحاط السلطان بالمدينة، ونزل على القلعة، فأتاه الأمراء فهَنَّؤوه بالظفر، وامتدت الأيدي إلى صرخد، فما تركوا بها لأهلها جليلًا ولا حقيرًا، حتى أخذوه نهبًا وغصبًا، فامتلأت الأيدي مما لا يدخل تحت حصر، ولم يزل السلطان على قلعة صرخد يرميها بالمدافع والسهام، ويقاتل من بها ثلاثة أيام بلياليها، حتى أحرق جسر القلعة، فامتنع الأمير شيخ ومن معه بداخلها، وركبوا أسوارها، فأنزل السلطان الأمراء حول القلعة، وألزم كل أمير بقتال جهة من جهاتها، واستدعى المدافع ومكاحل النفط من الصبيبة وصفد ودمشق، ونَصَبها حول القلعة، وتمادى الحصر ليلًا ونهارًا، حتى قدم المنجنيق من دمشق على مائتي جمل، فلما تكامل نَصبُه ولم يبقَ إلا أن يرمي بحجره ترامى الأمير شيخ ومن معه من الأمراء على الأمير الكبير تغري بردي الأتابك، وألقوا إليه ورقة في سهم من القلعة، يسألونه فيها الوساطة بينهم وبين السلطان، فما زال حتى بعثه السلطان إليهم، فصعد إلى القلعة ومعه الخليفة وكاتب السر فتح الله، وجماعة من ثقات السلطان، في يوم السبت الثامن والعشرين، فجلسوا على شفير الخندق، وخرج الأمير شيخ، وجلس بداخل باب القلعة، ووقف أصحابه على رأسه، وفوق سور القلعة، وتولى كاتب السر محادثة الأمير شيخ، فطال الخطب بينهما، واتسع مجال الكلام؛ فتارة يعظه، وأخرى يؤنِّبه ويوبِّخُه، وآونة يعدِّدُ بالله على السلطان من جميل الأيادي وعوائد النصر على أعدائه، ويخوِّفه عاقبة البغي، وفي كل ذلك يعتذر الأمير شيخ، ثم انصرفوا على أن الأمير شيخ لا يقابل السلطان أبدًا خوفًا من سوء ما اجترمه، وقبيح ما فعله، فأبى السلطان إلا أن ينزل إليه، وأعاد الأمير تغري بردي وفتح الله فقط، بعدما ألح تغري بردي على السلطان في سؤاله العفو، فأحلف الأمير شيخ، وأخذ منه الأمير كمشبغا الجمالي وأسنبغا، بعدما خلع عليهما، وأدلاهما بحبال من سور القلعة، ثم أرخى أيضًا ابنه ليبعث به إلى السلطان، فصاح الصغير وبكى من شدة خوفِه، فرحمه من حضر، وما زالوا به حتى نشله، وتصايح الفريقان من أعلى القلعة، وفي جميع خيم العسكر، فرحًا وسرورًا بوقوع الصلح، وذلك أن أهل القلعة كانوا قد أشفَوا على الأخذ لقلة زادهم ومائهم، وخوفًا من حجارة المنجنيق، فإنها كانت تدمرهم تدميرًا، لو رمى بها عليهم، وأما العسكر فإنهم كانوا طول إقامتهم يسرحون كل يوم، فينهبون القرى نهبًا قبيحًا، ويأخذون ما يجدونه من الغلال والأغنام وآلات النساء، ويعاقبون من ظفروا به حتى يُطلِعَهم على ما عنده من علف الدواب وغيره، وفيهم من يتعرَّض للحريم فيأتون من القبائح بما يشنع ذكره، وهذا وهم في خصاصة من العيشِ، وقلة من المأكل، وكادت بركة صرخد أن يُنزح ماؤها، ومع ذلك فإن أصحاب السلطان معظمهم غير مناصِح له، لا يريدون أن يظفر بالأمير شيخ خشية أن يتفرغ منه لهم؛ فلهذا حسن موقع الصلح من الطائفتين، وبات العسكر على رحيل، وأصبحوا يوم الأحد، فركب الأمير تغري بردي، وكاتب السر فتح الله، والأمير جمال الدين، ومعظم الأمراء، فصعدوا إلى قلعة صرخد، وجلسوا على شفير خندقها فخرج الأمير شيخ وجلس بداخل باب القلعة، ووقف من معه على رأسه، ومن فوق السور، وأحلف فتح الله من بقي مع الأمير شيخ المحمودي من الأمراء للسلطان، وهم: جانم نائب حماة، وقرقماس ابن أخي دمرداش نائب صفد، وتمراز الأعور، وأفرج الأمير شيخ عن يحيي بن لاقي وتجار دمشق، وغيرهم ممن كان مسجونًا معه، وبعث للسلطان تقدمة فيها عدة مماليك، وتقرر الحال على مسير الأمير شيخ نائبًا بطرابلس، وأن يلبس التشريف السلطاني إذا رحل السلطان، فلما عادوا إلى السلطان رحل من صرخد، وقد رحل أكثر المماليك من الليل، فسار في قليل من ثقاته، وترك عدة من الأمراء على صرخد، وأنفق فيهم خمسة وعشرين ألف دينار وستين ألف درهم فضة، خارجًا عن الغنم والشعير، ونزل زرع فبات بها، ثم في شهر جمادى الأولى في ثالثه: قرئ بدمشق كتاب السلطان بأنه قد ولى الأمير شيخ نيابة طرابلس، فإن قصد دمشق فدافعوه عنها وقاتلوه، وكان الأمير شيخ قد قصد دمشق، وكتب إلى الأمير بكتمر جلق بأنه يريد دخول دمشق، ليقضيَ بها أشغاله ويرحل إلى طرابلس، فكثر تخيُّل السلطان من دخوله إليها، وفي ليلة الجمعة عاشره نزل الأمير شيخ على شقحب، وكان الأمير بكتمر قد خرج إلى لقائه بعسكر دمشق، ونزل قبة يلبغا، ثم ركب ليلًا يريد كبس الأمير شيخ، فلقي كشافته عند خان ابن ذي النون، فواقعه فبلغ ذلك الخبر شيخًا، فركب وأتاه، فلم يثبت بكتمر، وانهزم وأتى الأمير شيخ فنزل بمن معه قبة يلبغا، ودخل بكرة يوم الجمعة إلى دمشق، ونزل بدار السعادة من غير ممانع، ثم تغلب على دمشق بدل نائبها نوروز الحافظي الذي لم يستطع دخول دمشق؛ لمكان شيخ فيها، بل ظل محصورًا في حماة مع نائبها.
الإمام العلامة البحر شيخ الحنابلة: أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبد الله البغدادي، الظفري، الحنبلي، المتكلم، صاحب التصانيف، شيخ الحنابلة في زمانه. ولد سنة 431 هـ, وكان يسكن الظفرية -محلة كبيرة بشرقي بغداد- ومسجده بها مشهور. كان إمامًا مُبرزًا في كثير من العلوم، خارق الذكاء قوي الحجة واللسان، اشتغل أول أمره بمذهب المعتزلة واتُّهِم بالانحراف عن مذهب السنة حتى أراد الحنابلة قَتْلَه، ثم أظهر توبته وأعلنها وأشهد عليها وكُتب في ذلك مجلسٌ شهده كبار الفقهاء. قال الذهبي: "أخذ ابن عقيل علم العقليات عن شيخَي الاعتزال أبي علي بن الوليد، وأبي القاسم بن التبان؛ صاحبي أبي الحسين البصري، فانحرف عن السنة، وكان يتوقد ذكاءً، وكان بحر معارف، وكنز فضائل، لم يكن له في زمانه نظير على بدعته". قال أبو طاهر السِّلَفي: "ما رأت عيني مثل أبي الوفاء ابن عقيل الفقيه؛ ما كان أحدٌ يقدر أن يتكلم معه؛ لغزارة علمه، وحسن إيراده، وبلاغة كلامه، وقوة حجته، تكلم يومًا مع شيخنا الكيا أبي الحسن، فقال له الكيا: هذا ليس مذهبك. فقال: أكون مثل أبي علي الجبَّائي، وفلان وفلان لا أعلم شيئًا؟! أنا لي اجتهاد متى ما طالبني خصم بالحجة، كان عندي ما أدفع به عن نفسي وأقوم له بحجتي. فقال الكيا: كذاك الظنُّ بك". قال ابن الجوزي: "جرت فتنة لأجل أبي الوفاء ابن عقيل، وكان أصحابنا قد نقموا عليه تردُّدَه إلى أبي علي بن الوليد؛ لأجل أشياء كان يقولها، وكان في ابن عقيل فطنة وذكاء، فأحب الاطلاع على كل مذهب يقصد ابن الوليد، وقرأ عليه شيئًا من الكلام في السر، وكان ربما تأوَّل بعض أخبار الصفات، فإذا أُنكِر عليه ذلك حاول عنه، واتَّفق أنه مَرِض فأعطى رجلًا ممن كان يلوذ به -يقال له: معالي الحائك- بعض كتبه، وقال له: إن متُّ فأحرِقْها بعدي، فاطلع عليها ذلك الرجل، فرأى فيها ما يدل على تعظيم المعتزلة والترحُّم على الحلاج، وكان قد صنَّف في مدح الحلاج جزءًا في زمان شبابه، وذلك الجزء عندي بخطه، تأوَّل فيه أقواله وأفعاله وفسَّر أسراره، واعتذر له، فمضى ذلك الحائك فأطلع على ذلك الشريف أبا جعفر وغيره، فاشتد ذلك على أصحابنا، وراموا الإيقاعَ به، فاختفى ثم التجأ إلى باب المراتب، ولم يزل في الأمر يختبط إلى أن آل إلى الصلاح في سنة خمس وستين وأربعمائة". وفي يوم الحادي عشر من محرم حضر أبو الوفاء ابن عقيل الديوان ومعه جماعة من الحنابلة واصطلحوا، وكانت نسخة ما كتبه ابن عقيل بخطه ونسب إلى توبته: "بسم الله الرحمن الرحيم، يقول علي بن عقيل بن محمد: إني أبرأ إلى الله تعالى من مذاهب المبتدعة والاعتزال وغيره، ومن صُحبة أربابه، وتعظيم أصحابه، والترحم على أسلافهم، والتكثر بأخلافهم، وما كنت علَّقتُه ووُجد خطي به من مذاهبهم وضلالاتهم فأنا تائب إلى الله تعالى من كتابته، وأنه لا تحل كتابته ولا قراءته ولا اعتقاده". قال ابن عقيل: "عصمني الله في شبابي بأنواع من العصمة، وقصَرَ محبتي على العلم، وما خالطت لعَّابًا قط، ولا عاشرتُ إلا أمثالي من طلبة العلم، وأنا في عشر الثمانين أجِدُ من الحرص على العلم أشدَّ مما كنت أجده وأنا ابن عشرين، وبلغت لاثنتي عشرة سنة، وأنا اليوم لا أرى نقصًا في الخاطر والفكر والحفظ، وحِدَّة النظر بالعين لرؤية الأهِلَّة الخفية إلا أن القوة ضعيفة". برع في الفقه والأصول، وله مصنفات أشهرها: كتاب الفنون، ولكن قيل: إنه لم يتمَّه. ولو تمَّ لأغنى عن كل المؤلفات! وله الرد على الأشاعرة في مسألة الحرف والصوت، وله الواضح في أصول الفقه، والفصول في الفقه الحنبلي، وغيرها. توفي بُكرةَ الجمعة ثاني عشر جمادى الأولى في بغداد عن 82 عامًا. وكان الجمع في الصلاة عليه يفوت الإحصاء؛ "قال ابن ناصر شيخنا: حزرتهم بثلاثمائة ألف. قال المبارك بن كامل: صُلِّي على شيخنا بجامع القصر، فأمَّهم ابن شافع، وكان الجمع ما لا يحصى، وحُمل إلى جامع المنصور، فصُلِّي عليه، وجرت فتنة وتجارحوا، ونال الشيخ تقطيعُ كفنه، ودُفن قريبًا من الإمام أحمد, وقال ابن الجوزي أيضًا فيه: هو فريد فنه، وإمام عصره، كان حسَنَ الصورة، ظاهِرَ المحاسن".
اهتم السلطانُ الظاهر بيبرس بأمر صفد، وأحضر العساكِرَ المجردة، ورحَّل الأمير بكتاش الفخري أميرَ سلاح بالدهليز السلطاني ونزل على صفد، وتبعه الأميرُ البندقدار والأميرُ عز الدين أوغان في جماعة، وحاصروها، هذا والسلطانُ مقيم على عكا حتى وافته العساكرُ، وعمل عدةَ مجانيقَ، ثم رحل والعساكِرُ لابسة، وساق إلى قربِ باب عكا، ووقفَ على تل الفضول، ثم سار إلى عين جالوت، ونزل على صفد يوم الاثنين ثامن شهر رمضان وحاصرها، فقدم عليه رسول متملك صور ورسل الفداوية، ورسول صاحب بيروت ورسول صاحب يافا، ورسل صاحب صهيون، وصار السلطان يباشر الحصارَ بنَفسِه، وقَدِمَت المجانيق من دمشق إلى جسر يعقوب وهو منزلة من صفد ثم نصبت المجانيقُ فرمي بها في السادس عشر، وصار السلطان يلازم الوقوف عندها وهي ترمي، وأتت العساكِرُ من مصر والشام، فنزلوا على منازلهم وفي ثاني يوم عيد الفطر: وقع الزحفُ على صفد، ودفع الزراقون النفطَ، ووعد السلطان الحجَّارين أنه من أخذ أول حجر كان له مائة دينار، وكذلك الثاني والثالث إلى العشرة، وأمر حاشيته بألا يشتغلوا بخدمته، فكان بين الفريقين قتال عظيم استُشهِدَ فيه جماعة، وكان الواحد من المسلمين إذا قُتِلَ جَرَّه رفيقه ووقف موضِعَه، وتكاثرت النقوبُ ودخل النقَّابون إليها، ودخل السلطانُ معهم، وبذل السلطانُ في هذا اليوم من المال والخِلَع كثيرًا، ونصب خيمةً فيها حكماء وجرائحية وأشربة ومآكل، فصار من يُجرَحُ من العُربان والفقهاء والفقراء وغيرهم يُحضَرُ إليها، وفي ثامنه: كانت بين الفريقين أيضًا مَقاتِلُ، وفي ليلة الرابع عشر: اشتد الزحف من الليل إلى وقت القائلة، فتفرق الناس من شدة التعب، فغضب السلطانُ من ذلك وأمر خواصَّه بالسَّوقِ إلى الصاواوين وإقامة الأمراء والأجداد بالدبابيس، وقال المسلمون على هذه الصورة، وأنتم تستريحون!! فأقيموا، وقبَضَ السلطان على نيف وأربعين أميرًا، وقيَّدَهم وسجَنَهم بالزردخاناه-خزانة السلاح-، ثم شفع فيهم فأطلَقَهم وأمرهم بملازمةِ مواضِعِهم، وضُرِبَت الطبلخاناه- الطبول والأبواق- واشتد الأمر إلى أن طلب الفرنجُ الأمان، فأمَّنَهم السلطان على ألا يخرجوا بسلاحٍ ولا لَأْمةِ حَربٍ ولا شيءٍ مِن الفضيات، ولا يُتلِفوا شيئًا من ذخائر القلعة بنارٍ ولا هدم، وأن يُفتَّشوا عند خروجهم، فإن وُجِدَ مع أحد منهم شيء من ذلك انتقَضَ العهد، ولم تزل الرسُلُ تتردد بينهم إلى يوم الجمعة الثامن عشر، ثم طلعت السناجق –رماح- الإسلاميَّة، وكان لطلوعها ساعةٌ مشهودة، هذا والسلطان راكِبٌ على باب صفد حتى نزل الفرنجُ كُلُّهم، ووقفوا بين يديه فرسم بتفتيشِهم، فوجد معهم ما يناقض الأمانَ من السلاح والفضيات، ووجد معهم عِدَّةً من أسرى مسلمين أخرجوهم على أنهم نصارى، فأخذ ما وجد معهم وأُنزِلوا عن خيولهم، وجُعِلوا في خيمةٍ ومعهم من يحفظهم، وتسَلَّمَ المسلمون صفد، وولى السلطانُ قلعَتَها الأميرَ مجد الدين الطوري، وجعل الأميرَ عز الدين العلائي نائب صفد، فلما أصبح حضر إليه النَّاسُ، فشكر اجتهادَهم واعتذر إليهم مما كان منه إلى بعضِهم، وإنه ما قصَدَ إلَّا حَثَّهم على هذا الفتح العظيم، وقال: من هذا الوقتِ نتحالَلُ، وأمَرَهم فركبوا، وأُحضِرَت خيالة الفرنج وجمعٌ من صفد، فضُرِبَت أعناقهم على تل قرب صفد حتى لم يبق منهم سوى نفرينِ، أحدهما الرسول، فإنه اختار أن يقيمَ عند السلطان ويُسلِم، فأسلم وأقطَعَه السلطانُ إقطاعًا وقَرَّبَه، والآخَرُ تُرِكَ حتى يخبِرَ الفرنج ممَّا شاهده، وصَعِدَ السلطانُ إلى قلعة صفد، وفَرَّق على الأمراء العُدَد الفرنجية والجواري والمماليك، ونَقَل إليها زردخاناه من عنده، وحمل السلطانُ على كتفه من السلاح إلى داخل القلعة، فتشَبَّه به الناس ونقلوا الزردخاناه في ساعةٍ واحدة، واستدعى السلطانُ الرجال من دمشق للإقامةِ بصفد، وقرر نفقةَ رجال القلعة في الشهرِ مبلغ ثمانين ألف درهم نقرةً واستخدم على سائر بلاد صفد، وعَمِلَ بها جامعًا في القلعة وجامعًا بالربض ووقفَ على المجنون نصف وربع الحباب، وللربع الآخر على الشيخ إلياس، ووقف قريةً منها على قبر خالد بن الوليد بحمص، وفي السابع عشر: رحل السلطان من صفد إلى دمشق.
تزايد الاختلافُ بين أمراء المماليك والخاصكية، وكثُر نفور الخاصكية من الأمير أيتمش الذي كان يتولَّى نيابة السلطنة بوصية السلطان برقوق، وخاصة أن السلطان فرجًا ما زال قاصرًا، وظنوا به وبالأمراء أنَّهم قد مالوا إلى نائب الشام الأمير تنم الحسني الذي بدأ يعصي عن الطاعة، واتفقوا معه على إفناء المماليك بالقتل والنفي، فحَذِرَ الأمراء منهم، واشتدت الوحشةُ بين الطائفتين، وتعيَّن من الخاصكية سودون طاز، وسودون بن زاده، وجركس المصارع، ووافقوا الأمير يشبك الشعباني الذي كان منافسًا لأيتمش، فصاروا في عصبة قوية وشوكة شديدة، وشرع كلٌّ من الأمراء والخاصكية في التدبير، والعمل على الآخر، ثم استدعى الملكُ الناصر فرج الأميرَ الكبير أيتمش إلى القصر، وقال له: يا عمِّ، أنا قد أدركت، وأريد أن أترشَّدُ، وكان هذا قد بيَّته معه الأمير يشبك، والأمير سودون طاز، فيمن معهما من الخاصكية، ليستبِدَّ السلطان ويحصُلَ لهم الغرض في أيتمش والأمراء، ويمتنع أيتمش من تصرُّف السلطان، فينفتح لهم باب إلى القتال، ومحاربة أيتمش والأمراء، فأجاب أيتمش السلطانَ بالسمع والطاعة، واتَّفق مع الأمراء والخاصكية على ترشيد السلطان، وأن يُمتثَلَ سائِرُ ما يرسُمُ به، فكان كما أراد ورُسم بترشيد السلطان، وافترق من يومئذ العسكر فريقان: فرقة مع أيتمش، وفرقة مع يشبك، وانقطع يشبك بداره، وأظهر أنه مريض، فحَذِرَ أيتمش ومن معه من الأمراء وظنوا أنَّها من يشبك حيلة، حتى إذا دخلوا لعيادته قبض عليهم، فلزم كلٌّ منهم داره واستعَدَّ، وأخلد أيتمش إلى العجز، وأعرض عن إعمال الرأي والتدبير، وكان قد تبيَّن منذ مات الظاهر عجزُه وعدم أهليته للقيام بالأمر، فلما كان ليلة الاثنين عاشر من شهر صفر أشيع من العصر ركوب العساكر للقتال، وماج الناس وكثرت حركاتهم، فلم يدخل الليل حتى لبس أيتمش ومن معه آلةَ الحرب، وملك أيتمش الصوة -قرية بشرقية مصر- تجاه باب القلعة، وأصعد عدةً من المقاتِلة إلى عمارة الأشرف تجاه الطبلخاناه؛ ليرموا على من فيها ومن يقف على باب القلعة، ولم يخرُج يشبك من بيته، وأخذ الأمير فارس حاجب الحجاب رأس الشارع الملاصِق لباب مدرسة السلطان حسن؛ ليقاتِلَ من يخرج من باب السلسلة، ودُقَّت بها الكوسات -قطعتان من نحاس يُدَقُّ بإحداهما على الأخرى- الحربية، ولبست المماليك السلطانية، ووقعت الحروبُ بين الفريقين من وقت العشاء الآخرة إلى السَّحَر، وقد نزل السلطان من القصر إلى الإسطبل، فاشتَدَّ قتال المماليك السلطانية، وثبت لهم الأمير فارس، وكاد يهزمُهم لولا ما كادوه من أخذ مدرسة السلطان حسن، ورَمْيه من أعلاها إلى أن هزموه، وأحاطوا بداره، وهزموا تغري بردي وأرغون شاه، بعدما أبلى تغري بردي بلاء كثيرًا، وأحاطوا بدورهما، فصار الجميع إلى أيتمش، وقد امتدَّت الأيدي إلى دُورِهم، فنهبوا ما فيها، فنادي أيتمش بالقاهرة وظواهرها: من قبض مملوكًا جركسيًّا من المماليك السلطانية، وأحضره إلى الأمير الكبير أيتمش يأخذُ عريةً فحنقوا من ذلك، وفارقه من كان معه من الجراكسة، وصاروا إلى جهة السلطان، ومالوا بأجمعِهم على أيتمش، فانهزم ممن بقي معه وقت الظهر من يوم الاثنين يريدون جهة الشام، وانهزم معه من الأمراء الألوف أرغون شاه أمير مجلس، وتغري بردي أمير سلاح، وغيرهم، فمرُّوا بالخيول السلطانية في ناحية سرياقوس، فأخذوا من جيادها نحو المائة، وساروا إلى دمشق، وتجمَّع من المفسدين خلائق، ونهبوا مدرسة أيتمش، وحفَروا قبر ولده الذي بها، وأحرقوا الرَّبعَ المجاور لها من خارج باب الوزير، فلم يُعمَر بعد ذلك، ونهبوا جامع أقسنقر، واستهانوا بحرمة المصاحف، ونهبوا مدرسةَ السلطان حسن، وأتلَفوا عِدَّةً من مساكن المنهزمين، وكسروا حبس الديلم وحبس الرحبة، وأخرجوا المسجونين.
هو السلطان سليم الأول بن بايزيد الثاني بن محمد الفاتح الغازي الملقب بياوز، أي: القاطع, وهو تاسع سلاطين الدولة العثمانية، وأول من تلقَّب بأمير المؤمنين من سلاطين بني عثمان. تولى سلطنة الدولة العثمانية سنة 918 بعد نزاع مع والده بايزيد، انتهى النزاع بتنازل والده له بالحكم بدعم من الانكشارية, وقد أظهر سليم منذ بداية حكمه ميلًا إلى تصفية خصومه ولو كانوا من إخوته أو أبنائهم, فبعد توليه السلطة عيَّنَ ابنه سليمان حاكمًا للقسطنطينية، وسافر بجيوشه إلى بلاد آسيا لمحاربة إخوته وأولادهم، فاقتفى أثر أخيه أحمد إلى أنقرة ولم يتمكن من القبض عليه؛ لوجود علاقات بينه وبين الوزير مصطفى باشا الذي كان يخبره بمقاصد السلطان, ولما علم السلطان بهذه الخيانة قتَلَ الوزير شَرَّ قِتلة جزاءً له وعبرة لغيره، ثم توجه بكل سرعة إلى صاروخان مقر أخيه كركود فقبض عليه ثم قتله، أما أحمد الذي كان يتلقى دعمًا من إسماعيل شاه الصفوي فقتله بالقرب من مدينة يكى شهر, ولما اطمأنَّ خاطره من جهة داخليته عاد إلى مدينة أدرنه؛ حيث كان بانتظار سفراء من قبِلَ البندقية والمجر وموسكو وسلطنة مصر، فأبرم معهم جميعًا هدنة لمدد طويلة, وفي عهده تغيرت وِجهة الدولة العثمانية الجهادية من أوروبا إلى البلاد العربية الإسلامية؛ وذلك لحمايتها من الخطرين الصفوي والبرتغالي، والمحافظة على تماسك وحدتها خاصة بعد ضعف الدولة المملوكية وشدة الضربات الإسبانية والبرتغالية في عدد من البلدان الإسلامية في المغرب والخليج العربي إلى الهند, فاتجه سليم لبلاد الفرس لمحاربة الصفويين الشيعة، وانتصر عليهم في معركة جالديران، ثم اتجه إلى المماليك في الشام ومصر، وقضى على دولتهم بعد الانتصار عليهم في معركتي مرج دابق والريدانية، وبهذه الانتصارات ضمَّ سليم معظم البلاد العربية لدولته بما فيها بلاد الحرمين، كما نقل الخلافة الإسلامية إلى دولته وتسمى بأمير المؤمنين وخادم الحرمين الشريفين، وهو أول من تسمى بهذا الاسم من حكام المسلمين، وذلك بعد أن بايعه أشراف مكة، ثم تنازل الخليفة العباسي محمد المتوكل على الله آخر ذرية الدولة العباسية عن حقه في الخلافة الإسلامية إلى السلطان سليم العثماني وسلمه الآثار النبوية الشريفة، وهي البيرق والسيف والبردة، وسلمه أيضًا مفاتيح الحرمين الشريفين، ومن ذلك التاريخ صار كل سلطان عثماني أميرًا للمؤمنين وخليفة لرسول رب العالمين اسمًا وفعلًا, ثم بعد ذلك عَمِل على ضم اليمن لحمايتها من البرتغاليين وبسط نفوذ الدولة على بلاد المغرب وشمال إفريقيا لحمايتها من الخطر الإسباني. في التاسع من شوال ليلة السبت توفي السلطان سليم فأخفى موته الوزراءُ، وأرسلوا يُعلِمون ولده السلطان سليمان المعروف بسليمان القانوني، فلما وصل إلى القسطنطينية أعلنوا موت السلطان سليم، بمجرد وصول القسطنطينية يوم 16 شوال كان في انتظاره على إفريز السراي جنود الانكشارية فقابلوه بالتهليل وطلب الهدايا المعتاد توزيعها عليهم عند تولية كل ملك، وفي صبيحة 17 شوال جرت رسوم المقابلات السلطانية فوفد الأمراء والوزراء والأعيان يعزون السلطان بموت والده ويهنؤونه بالخلافة في آن واحد، وعند الظهر وصلت جثة والده فسار في الجنازة وصلوا عليه في جامع السلطان محمد، ثم حملوه ودفنوه في محل قبره، وأمر السلطان سليمان خان ببناء جامع عظيم، وعمارة لطعام الفقراء صدقة على والده، توفي وله من العمر أربع وخمسون سنة، وكانت مدة ملكه تسعة أعوام وثمانية أشهر.
خرج النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى الطَّائفِ، وهي تَبعُد عن مكَّة نحوَ سِتِّينَ مِيلًا، سارها ماشِيًا على قَدميهِ جِيئةً وذِهابًا، ومعه مولاهُ زيدُ بنُ حارثةَ، وكان كُلَّما مَرَّ على قَبيلةٍ في الطَّريقِ دعاهُم إلى الإسلامِ، فلمْ تُجبْ إليهِ واحدةٌ منها, فلمَّا انتهى إلى الطَّائفِ عَمَدَ إلى رُؤسائِها فدعاهُم فلمْ يَستجيبوا له, فأقام بين أهلِ الطَّائفِ عشرةَ أيَّامٍ، لا يَدَعُ أحدًا مِنْ أشرافهِم إلا جاءهُ وكَلَّمهُ، فقالوا: اخرُجْ من بلادِنا. وأَغْرَوْا به سُفهاءَهُم، فلمَّا أراد الخُروجَ تَبِعَهُ سُفهاؤهُم وعَبيدهُم يُسِبُّونَهُ ويُصيحونَ بهِ، حتَّى اجتمع عَليهِ النَّاسُ، فوقَفوا له سِمَاطَيْنِ [أي صَفَّيْنِ] وجعلوا يَرمونهُ بالحِجارةِ، وبكِلماتٍ مِنَ السَّفَهِ، ورَجموا عَراقيبَهُ، حتَّى اخْتَضَبَ نَعلاهُ بالدِّماءِ. وكان زيدُ بنُ حارثةَ يَقِيهِ بِنفسهِ حتَّى أصابهُ شِجَاجٌ في رَأسهِ، ولم يزلْ بهِ السُّفهاءُ كذلك حتَّى أَلجأوهُ إلى حائطٍ لعُتبةَ وشَيبةَ ابنيْ رَبيعةَ على ثلاثةِ أميالٍ مِنَ الطَّائفِ, ورجع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في طريقِ مكَّة بعدَ خُروجهِ مِنَ الحائطِ كَئيبًا مَحزونًا، كَسيرَ القلبِ، فلمَّا بلغ قَرْنَ المنازلِ بعث الله إليه جبريلَ ومعه مَلَكُ الجبالِ، يَسْتَأْمِرُهُ أنْ يُطْبِقَ الأَخْشَبَيْنِ على أهلِ مكَّة, فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: (بل أرجو أنْ يُخرجَ الله عزَّ وجلَّ من أصلابهِم مَنْ يَعبدُ الله عزَّ وجلَّ وحدَه لا يُشركُ بهِ شيئًا). وفي هذا الجوابِ الذي أَدلى بهِ الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم تَتجلَّى شَخصيَّتُه الفَذَّةُ، وما كان عَليهِ من خُلُقٍ عَظيمٍ.
كان مِن خَبَرِ أهلِ البَحرين أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان قد بَعَث العلاءَ بنَ الحَضْرميِّ إلى مَلِكِها؛ المنذِرِ بن ساوى العَبْديِّ، وأسلَمَ على يَدَيه وأقام فيهم الإسلامَ والعَدْلَ، فلمَّا توفِّيَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، توفِّي المنذِرُ بعده بقليلٍ، فلما مات المنذِرُ ارتدَّ أهلُ البحرينِ، وملَّكوا عليهم الغَرورَ، وهو المنذِرُ بنُ النُّعمانِ بنِ المنذِرِ. وقال قائِلُهم: لو كان محمَّدٌ نبيًّا ما مات. ولم يَبْقَ بها بلدةٌ على الثَّباتِ سِوى قريةٍ يقالُ لها جواثا من قرى الأحساء، كانت أوَّلَ قريةٍ أقامت الجُمُعةَ مِن أهلِ الرِّدَّةِ وبعث الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عنه إليهم العلاءَ بنَ الحَضْرميِّ، فلمَّا دنا من البحرينِ جاء إليه ثمامةُ بنُ أُثالٍ في محفَلٍ كبيرٍ، وجاء كُلُّ أمراءِ تلك النَّواحي فانضافوا إلى جيشِ العلاءِ بنِ الحَضرميِّ ثمَّ لَمَّا اقتَرَب من جيوشِ المرتدَّةِ -وقد حَشَدوا وجمَعوا خَلقًا عظيمًا- نزل ونزلوا، وباتوا متجاورينَ في المنازِلِ، فبينما المسلِمونَ في الليلِ إذ سَمِع العلاءُ أصواتًا عاليةً في جيشِ المرتدِّينَ، فقال: مَن رجُلٌ يكشِفُ لنا خبَرَ هؤلاء؟ فقام عبدُ اللهِ بنُ حذفٍ، فدخَلَ فيهم فوجَدَهم سُكارى لا يَعقِلون؛ مِن الشَّرابِ، فرجع إليه فأخَبَره، فركب العلاءُ مِن فَورِه والجَيشُ معه، فكَبَسوا أولئك فقَتَلوهم قتلًا عظيمًا، وقَلَّ مَن هَرَب منهم، واستولى على جميعِ أموالِهم وحواصِلِهم وأثقالِهم، فكانت غنيمةً عظيمةً جسيمةً، وكَتَب إلى الصِّدِّيقِ فأعلَمَه بذلك.
كتَب أبو موسى الأَشعريُّ إلى عُمَر: إنَّه يأتينا منك كُتُبٌ ليس لها تاريخٌ، فجمَع عُمَرُ النَّاسَ للمَشُورَةِ، فقال بعضُهم: أَرِّخْ لِمَبْعَثِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم. وقال بعضُهم: لمُهاجرَةِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم. فقال عُمَرُ: بل نُؤَرِّخُ لمُهاجرَةِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فإنَّ مُهاجَرتَه فَرْقٌ بين الحَقِّ والباطلِ. قاله الشَّعْبِيُّ، وقال مَيمونُ بن مِهْرانَ: وقِيلَ: رُفِعَ إلى عُمَرَ صَكٌّ مَحِلُّهُ شَعبان، فقال: أَيُّ شَعبان؟ أَشَعبان الذي هو آتٍ، أم شَعبان الذي نحن فيه؟ ثمَّ قال لأصحابِ رسولِ الله، صلَّى الله عليه وسلَّم: ضَعوا للنَّاسِ شيئًا يَعرِفونه. فقال بعضُهم: اكْتُبوا على تاريخ الرُّومِ، فإنَّهم يُؤَرِّخون مِن عَهدِ ذي القَرْنينِ. فقال: هذا يَطُول. فقال: اكْتُبوا على تاريخ الفُرْسِ. فقِيلَ: إنَّ الفُرْسَ كُلمَّا قام مَلِكٌ طَرَحَ تاريخَ مَن كان قَبلَهُ. فاجتمع رَأيُهم على أن يَنظروا كم أقام رسولُ الله بالمدينةِ، فوَجدوه عشرَ سِنين، فكتبوا التَّاريخَ مِن هِجرَةِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم. قال محمَّدُ بن سِيرينَ: قام رجلٌ إلى عُمَر فقال: أَرِّخُوا. فقال عُمَرُ: ما أَرِّخُوا؟ فقال: شيءٌ تَفعلُه الأعاجمُ في شهرِ كذا مِن سَنَةِ كذا. فقال عُمَرُ: حَسَنٌ، فأَرِّخُوا. فاتَّفَقوا على الهِجرَةِ، ثمَّ قالوا: مِن أيِّ الشُّهورِ؟ فقالوا: مِن رَمضان. ثمَّ قالوا: فالمُحَرَّمُ هو مُنْصَرَفُ النَّاسِ مِن حَجِّهِم، وهو شهرٌ حرامٌ. فأَجْمَعوا عليه.
سار أَسدُ بن عبدِ الله القَسري أَميرُ خُراسان بجُيوشِه إلى مَدينَة خُتَّل فافْتَتَحها، وتَفرَّقت في أَرضِها جُنودُه يَقتُلون ويَأسِرون ويَغنَمون، فجاءَت العُيونُ إلى مَلِك التُّركِ خاقان أنَّ جَيشَ أَسَد قد تَفرَّق في بِلادِ خُتَّل، فاغْتَنَم خاقان هذه الفُرصَة فرَكِب مِن فَوْرِه في جُنودِه قاصِدًا إلى أَسَد، وتَزَوَّد خاقان وأَصحابُه سِلاحًا كَثيرًا، وقَديدًا ومِلحًا، وساروا في خَلْقٍ عَظيمٍ، وجاء إلى أَسَد فأَعلَموه بِقَصدِ خاقان له في جَيشٍ عَظيمٍ كَثيفٍ، فتَجهَّز لذلك وأَخَذ أُهْبَتَهُ، فأَرسَل مِن فَوْرِه إلى أَطرافِ جَيشِه، فلَمَّها وأَشاعَ بَعضُ النَّاس أنَّ خاقان قد هَجَم على أَسدِ بن عبدِ الله فقَتلَه وأَصحابَه، لِيَحصُل بذلك خِذلانٌ لِأَصحابِه، فلا يَجتَمِعون إليه، فرَدَّ اللهُ كَيدَهم في نُحورِهم، وجَعَل تَدميرَهم في تَدبيرِهم، وذلك أنَّ المسلمين لمَّا سَمِعوا بذلك أَخَذتهم حَمِيَّةُ الإسلام وازدادوا حَنَقًا على عَدوِّهم، وعَزَموا على الأَخذِ بالثَّأرِ، فقَصَدوا المَوضِعَ الذي فيه أَسَد، فإذا هو حَيٌّ قد اجتَمعَت عليه العَساكِر مِن كُلِّ جانِب، وسار أَسَد نحو خاقان حتَّى أتى جَبَل المِلْح، وخاض نَهرَ بَلْخ ففاجَأَهُم التُّركُ مِن وَرائِهم وقَتَلوا منهم عَددًا ثمَّ بَقوا عِدَّةَ أَشهُر كذلك حتَّى الْتَقوا مَرَّةً أُخرى وَكَرَّ عليهم المسلمون وأَعمَلوا فيهم، وكان الحارثُ بن سُريج الذي خَرَج على عاصِم قد الْتَجَأ إلى خاقان التُّرك وحارَب معه وقد هَرَبا سَوِيًّا مِن هذه الحَرب وغَنِمَ المسلمون الكَثيرَ مِن أَموالِهم وأَمتِعَتِهم ودَوابِّهم.
كان يعقوبُ بن الليث وأخوه عمرو يعملانِ الصُّفر بسجستان، ويُظهِران الزهد والتقشُّف، وكان في أيامهما رجلٌ من أهل سجستان يُظهِرُ التطوُّع بقتال الخوارج، يقال له صالح المطوعي، فصَحِبه يعقوب، وقاتلَ معه، فحَظِيَ عنده، فجعله صالحٌ مقامَ الخليفة عنه، ثم هلك صالحٌ، وقام مقامَه إنسانٌ آخر اسمه درهم، فصار يعقوبُ مع درهم كما كان مع صالحٍ قبله. ثم إنَّ صاحبَ خُراسان احتال لدرهم لَمَّا عَظُم شأنُه وكثُر أتباعُه، حتى ظَفِر به وحمَله إلى بغداد، فحبسه بها ثم أطلَقَه، وخدَم الخليفةَ ببغداد. عظُمَ أمرُ يعقوب بعد أخذِ درهم، وصار متولِّيَ أمر المتطوِّعة مكان درهم، وقام بمحاربة الشراة، فظفِرَ بهم، وأكثَرَ القتلَ فيهم، حتى كاد يُفنيهم، وخرَّب قراهم، وأطاعه أصحابُه بمَكرِه، وحُسْنِ حالِه ورأيِه، طاعةً لم يطيعوها أحدًا كان قبله، واشتَدَّت شوكتُه، فغَلَب على سجستان، وأظهر التمسُّكَ بطاعة الخليفة وكاتبه، وصدرَ عن أمره، وأظهَرَ أنَّه هو أمَرَه بقتال أتباعِه، فخرج عن حدِّ طلب الشراة، وصار يتناولُ أصحاب أمير خراسان، ثم سار مِن سجستان إلى هراة من أعمال خُراسان ليملِكَها، وكان أمير خراسان محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر بن الحسين، وعاملُه على هراة محمد بن أوس الأنباري، فخرج منها لمحاربةِ يعقوب في تعبئة حَسَنة، وبأس شديدٍ، وزيٍّ جميل، فتحاربا واقتتَلا قتالًا شديدًا فانهزم ابن أوس، ومَلَك يعقوبُ هراة وبوشنج، وصارت المدينتانِ في يده، فعَظُم أمره حينئذ، وهابه أميرُ خراسان وغيرُه من أصحاب الأطراف.
كتب المعتزُّ لعلي بن الحسين بن شبل بولاية كرمان، وكتبَ إلى يعقوبَ بن الليث بولايتها أيضًا يلتمِسُ إغراءَ كُلِّ واحدٍ منهما بصاحبه؛ ليُسقِطَ مؤونةَ الهالكِ عنه، وينفرِدَ بالآخر، وكان كلُّ واحد منهما يُظهِرُ طاعةً لا حقيقةَ لها، والمعتز يعلم ذلك منهما. أرسل عليُّ بن الحسين طوقَ بن المغلس إلى كرمان، وسار يعقوبُ إليها فسَبَقه طوقٌ واستولى عليها وأقبل يعقوبُ حتى بقيَ بينه وبين كرمان مرحلةٌ، فأقام بها شهرينِ لا يتقَدَّمُ إلى طوق، ولا طوقٌ يخرج إليه، فلما طال ذلك عليه أظهَرَ الارتحال إلى سجستان، فارتحل مرحلتينِ، وبلغ طوقًا ارتحالُه فظَنَّ أنَّه قد بدا له في حربه، وترك كرمان، فوضع آلةَ الحربِ، وقعد للأكلِ والشُّرب والملاهي، وبلغ يعقوبُ إقبالَ طوقٍ على الشرب، فكرَّ راجعًا فطوى المرحلتينِ في يومٍ واحد، فلم يشعُرْ طوقٌ إلا بغبرةِ عَسكرِ يعقوب، فأحاط به وبأصحابه، فذهب أصحابُه يريدون المناهضةَ والدفعَ عن أنفُسِهم، فقال يعقوبُ لأصحابه: أفرِجوا للقَومِ، فمرُّوا هاربينَ، وخَلَّوا كلَّ ما لهم، وأسَر يعقوبُ طَوقًا، وكان علي بن الحسين قد سَيَّرَ مع طوقٍ في صناديقَ قيودًا ليقَيد بها من يأخُذُه من أصحابِ يعقوب، وفي صناديقَ أطوِقةٌ وأسورة ليعطيَها أهلَ البلاء من أصحابِ نفسِه، فلما غنِمَ يعقوب عسكَرَهم رأى ذلك، فقال: ما هذا يا طوقُ؟ فأخبره، فأخذ الأطوِقةَ والأسورة فأعطاها أصحابَه، وأخذ القيودَ والأغلال فقيَّدَ بها أصحابَ عليٍّ، ثم دخل كرمان وملكَها مع سجستان.