الموسوعة التاريخية

عدد النتائج ( 2497 ). زمن البحث بالثانية ( 0.009 )

العام الهجري : 526 الشهر القمري : رجب العام الميلادي : 1132
تفاصيل الحدث:

لما توفي السلطان محمود سار السلطان سنجر إلى بلاد الجبال، ومعه الملك طغرل بن السلطان محمد، وكان عنده قد لازمه، فوصل إلى الريِّ، ثم سار منها إلى همذان، فوصل الخبر إلى الخليفة المسترشد بالله والسلطان مسعود بوصوله إلى همذان، فاستقرَّت القاعدة بينهما على قتال سنجر، وأن يكون الخليفةُ معهم، وتجهَّز الخليفة، وقُطِعت خطبة سنجر من العراق جميعِه، ووصلت الأخبار بوصول عماد الدين زنكي ودبيس بن صدقة إلى قريب بغداد، فأما دبيس فإنه ذكر أن السلطان سنجر أقطعه الحلة، وأرسل إلى المسترشد بالله يضرع ويسأل الرضا عنه، فامتنع من إجابته إلى ذلك، وأما عماد الدين زنكي فإنه ذكر أن السلطان سنجر قد أعطاه شحنكية بغداد، فعاد المسترشد بالله إلى بغداد، وأمر أهلها بالاستعداد للمدافعة عنها، وجنَّد أجنادًا جعلهم معهم، ثم إنَّ السلطان مسعودًا وصل إلى دادمرج، فلَقِيهم طلائع السلطان سنجر في خلق كثير، وأما سنجر ومسعود فالتقى عسكراهما بعولان، عند الدينور، وكان مسعود يدافع الحرب انتظارًا لقدوم المسترشد، ووقعت الحرب، وقامت على ساق، وكان يومًا مشهودًا؛ فانهزم السلطان مسعود وسَلِمَ من المعركة، وكانت الوقعة ثامن رجب.

العام الهجري : 544 العام الميلادي : 1149
تفاصيل الحدث:

غزا نورُ الدين محمودُ بن زنكي بلادَ الفِرنجِ مِن ناحيةِ أنطاكيةَ، وقَصَد حِصنَ حارم، وهو للفِرنجِ، فحَصَره وخَرَّب رَبضَه، ونهَبَ سَوادَه، ثمَّ رحل إلى حِصنِ أنب فحَصَرَه أيضًا، فاجتمع الفرنجُ مع البرنس صاحبِ أنطاكية وحارم وتلك الأعمال، وساروا إلى نورِ الدين لِيُرحِلوه عن إنب، فلَقِيَهم واقتتلوا قتالًا عظيمًا، وباشَرَ نور الدين القِتالَ ذلك اليوم، فانهزم الفرنجُ أقبَحَ هَزيمةٍ، وقُتِلَ منهم جمعٌ كثيرٌ، وأُسِرَ مِثلُهم، وكان ممَّن قُتِلَ الأميرُ ريمون بواتيه صاحِبُ أنطاكية، وكان عاتيًا مِن عُتاةِ الفرنج، وعظيمًا مِن عُظَمائِهم، ولَمَّا قُتِلَ البرنس مَلَكَ بعده ابنُه بيمند، وهو طفل، فتزوَّجَت أمُّه بأميرٍ آخَرَ ليُدَبِّرَ البَلَدَ إلى أن يكبَرَ ابنُها، وأقام معها بأنطاكية، ثمَّ إنَّ نور الدين غزاهم غزوةً أخرى، فاجتَمَعوا ولَقُوه، فهزَمَهم وقَتَل فيهم وأسَرَ، وكان فيمن أُسِرَ البرنس الثاني زوجُ أم بيمند، فتمَكَّنَ حينئذٍ بيمند بأنطاكيةَ، وأكثَرَ الشُّعَراءُ بمَديحِ نور الدين وتهنِئَتِه بهذا الظَّفَرِ؛ فإنَّ قَتلَ البرنسِ كان عظيمًا عند الطائِفَتينِ.

العام الهجري : 593 الشهر القمري : ذي الحجة العام الميلادي : 1197
تفاصيل الحدث:

بعد فراغ الملك العادل من فتح يافا عاد المسلمون إلى عين جالوت، فوصَلَهم الخبَرُ بأن الفرنج على عَزمِ قصد بيروت، فرحل العادِلُ والعسكر في ذي القعدة إلى مرج العيون، وعزم على تخريبِ بيروت، فسار إليها جمعٌ مِن العسكر، وهَدَموا سور المدينة سابِعَ ذي الحجة، وشَرَعوا في تخريب دورها وتخريبِ القلعة، فمَنَعَهم أسامة من ذلك، وتكَفَّل بحِفظِها، ورحل الفرنجُ مِن عكَّا إلى صيدا، وعاد عسكَرُ المسلمين من بيروت، فالتَقَوا بالفرنج بنواحي صيدا، وجرى بينهم مناوشة، فقُتِلَ من الفريقين جماعةٌ، وحَجَزَ بينهم الليل، وسار الفرنجُ تاسع ذي الحجة، فوصلوا إلى بيروت، فلما قاربوها هَرَب منها أسامة وجميعُ من معه من المسلمين، فملكها الفرنج صفوًا عَفْوًا بغيرِ حَربٍ ولا قتال، فكانت غنيمةً باردةً، فأرسل العادل إلى صيدا من خرَّبَ ما كان بَقِيَ منها؛ فإن صلاح الدين كان قد خَرَّبَ أكثَرَها، وسارت العساكر الإسلامية إلى صور، فقطعوا أشجارَها، وخَرَّبوا ما لها من قُرًى وأبراج، فلما سَمِعَ الفرنج بذلك رحلوا من بيروت إلى صور، وأقاموا عليها، ونزل المسلمون عند قلعة هونين وأذِنَ العادل للعساكر الشرقيَّة بالعود ظنًّا منه أن الفرنجَ يقيمونَ ببلادِهم.

العام الهجري : 689 العام الميلادي : 1290
تفاصيل الحدث:

ثار أهلُ عكَّا بتجَّار المسلمين وقتلوهم، فغَضِبَ السلطان قلاوون وكتب إلى البلاد الشاميَّة بعَمَلِ مجانيق وتجهيزِ زردخاناة- خزنة الأسلحة- لحصارِ عكا، وذلك أنَّ الظاهِرَ بيبرس كان قد هادَنَهم، فصاروا يحمِلونَ إليه هديَّتَهم في كلِّ سَنةٍ واستمَرُّوا في حَملِها إلى الملك المنصور قلاوون، إلَّا أنهم كثُرَ طَمَعُهم وفسادُهم وقَطعُهم الطريقَ على التجار، فأخرج لهم السلطانُ قلاوون الأميرَ شمس الدين سنقر المساح على عسكر، ونزلوا اللجونَ على العادة في كلِّ سنة، فإذا بفرسانٍ مِن الفرنج بعكا قد خرَجَت فحاربوهم، واستمَرَّت الحربُ بينهم وبين أهل عكا مُدَّة أيام، وكُتِبَ إلى السلطان بذلك، فأخذ في الاستعدادِ لحَربِهم، فشرع الأميرُ شمس الدين سنقر الأعسر في عمل ذلك، وقرَّرَ على ضياع المرج وغوطة دمشق مالًا على كلِّ رجلٍ ما بين ألفي درهمٍ إلى خمسمائة درهم، وجبى أيضًا من ضِياعِ بعلبك والبقاع، وسار إلى وادٍ بين جبال عكا وبعلبك لقطع أخشابِ المجانيق، فسقط عليه ثلجٌ عظيمٌ كاد أن يُهلِكَه، فركب وساق وتَرَك أثقالَه وخيامه لينجوَ بنفسه، فطَمَّها الثلجُ تحته إلى زَمَنِ الصيف، فتَلِفَ أكثَرُها.

العام الهجري : 704 الشهر القمري : جمادى الأولى العام الميلادي : 1304
تفاصيل الحدث:

حضر جماعةٌ من المغول وافدينَ إلى بلاد الإسلام بعد إسلامِهم، نحو مائتي فارس بنسائِهم وأولادهم، وفيهم عِدَّةٌ من أقارب غازان وبعض أولاد سنقر الأشقر، الذي كتب يحُثُّ على إكرامهم، فقَدِموا إلى القاهرة في جمادى الأولى وقَدِمَ معهم أخوا سلار، وهما فخر الدين داود، وسيف الدين جبا، وقَدِمَت أيضًا أم سلار، فرُتِّبَت لهم الرواتب، وأُعطوا الإقطاعات، وفُرِّق جماعةٌ منهم على الأمراء، وأنشأ سلار لأمِّه دارًا بإسطبل الجوق الذي عَمِلَه العادل كتبغا ميدانًا، ثم عرف بحكر الخازن، ورقَّى أخويه وأعطاهما الإمريات، وقدم الأمير حسام الدين أزدمر المجيري، وعماد الدين على بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبد العلي بن معرف بن السكري، من بلاد الشرق إلى دمشقَ في الرابع عشر من شعبان، ودخلا القاهرةَ أول رمضان، ومعهما كتابُ خربندا وهديته، فتضَمَّن كتابُه جلوسَه على تخت الملك بعد أخيه محمود غازان، وخاطب السلطانَ بالأخوة، وسأل إخماد الفتن، وطلب الصلحَ، وقال في آخر كلامه: {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ}، فأُجيبَ وجُهِّزَت له الهَديَّةُ، وأُكرِمَ رَسولُه.

العام الهجري : 725 الشهر القمري : رجب العام الميلادي : 1325
تفاصيل الحدث:

هو إسماعيلُ بن فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر بن الأحمر، أبو الوليد، السلطانُ الغالِبُ بالله أميرُ المؤمنينَ، خامِسُ ملوك دولة بني نصر بن الأحمر بغرناطة في الأندلس، كانت لأبيه ولايةُ مالقة وسبتة، فتولَّاهما من بعده. وكان الملك بغرناطة أبو الجيوش نصرُ بن محمد الفقيه، وهو موصوف بالضَّعفِ، فثار عليه إسماعيلُ وزحف من مالقة إلى غرناطة سنة 713 فبويع فيها، وخرج نصرٌ إلى وادي آش. وأراد بطرس الأوَّلُ بن ألفونس الحادي عشر أحد ملوك الإسبان أن يستفيدَ مِن فرصة الفتنة في غرناطة فاقتحم الحصونَ يُريدُها، فكانت بين جيشِه وجَيشِ إسماعيل وقائعُ هائلة انتهت سنة 717 بمَقتَلِ بطرس. وفي سنة 724 تحَرَّك إسماعيل للجِهادِ، فامتَلَك بعضَ الحصون، وعاد إلى غرناطة ظافِرًا. وكان حازمًا مِقدامًا جميل الطلعةِ جهيرَ الصوت كثيرَ الحياء بعيدًا عن الصبوة، تميز عهده بالاستقرارِ وحُسنِ السياسةِ وإحياء فريضة الجهاد، ومحاربةِ الفَسادِ والبِدَع. اغتاله ابنُ عَمٍّ له اسمه محمد بن إسماعيل بطعنة خنجر في غرناطة في 26 رجب من هذه السنةِ.

العام الهجري : 846 العام الميلادي : 1442
تفاصيل الحدث:

قام أميرُ الصرب جورج برنكوفتش بمهاجمة السلطان مراد الثاني العثماني، واستطاع أن يفتح جزءًا من بلاد الصرب، وحاصر مدينة بلغراد ستة أشهر، وغادرها أميرها نائب السلطان العثماني متوجهًا إلى بلاد المجر، ثم غادرها أيضًا, وأرسل جيشه للهجوم على ترانسلفانيا من أملاك المجر -تقع في الجزء الغربي من رومانيا- غير أن جيشه هُزم، وقُتل قائِدُه مع عشرين ألفًا من جند المسلمين، وانسحب العثمانيون إلى ما بعد نهر الدانوب، فأرسل السلطان مراد الثاني جيشًا آخر قوامه ثمانون ألفًا غير أنه هُزِمَ، وأُسر قائده سنة 845، وسار الجيش المجري بعد ذلك إلى بلاد الصرب، فالتقى في هذا العام بالسلطان مراد الثاني نفسه، فنشبت بين الفريقين ثلاثة معارك هُزم فيها السلطان كلها، واضطر إلى توقيع معاهدة تنازل فيها السلطان عن الأفلاق للمجر، ورَدَّ الصرب بعض المواقع، وكانت مدة هذه الهدنة عشر سنين، ويُذكر أنه اشترك مع الجيش المجري أعداد من الصليبيين من بولندا وفرنسا وألمانيا والبندقية وجونيه وأفلاق وصرب وغيرهم، ولكن البابا لما بلغه خبر هذه المعاهدة أرسل مندوبًا مِن قِبَلِه، وهو سيزاريني- إلى ملك المجر، وأمره أن يرفضَ هذه المعاهدة وينقُضَها.

العام الهجري : 1094 العام الميلادي : 1682
تفاصيل الحدث:

كان الصدر الأعظم قرة مصطفى قد سار عام 1092هـ لمحاربة النمسا بطلب من سكان الأقسام المجرية التي تخضع للنمسا بسبب استبداد النمسا المذهبي، وانتصر الصدر الأعظم في عدة معارك، ثم سار نحو فيينا وألقى عليها الحصار مدة شهرين من هذا العام, كان فتح فيينا يمثِّل حلمًا طالما راود سلاطينَ العثمانيين؛ لِما تمثِّلُه فيينا من أهمية استراتيجية للسيطرة على خطوط التجارة والمواصلات في القلب الأوروبي. فالسلطان سليمان القانوني حاصرها مرتين متتاليتين في عهده دون جدوى, فكان الأول منهما قبل 157 سنة في سنة 932, والمحاولة الثانية كانت سنة 939, وفي هذا الحصار الثالث كادت أن تُفتح فيينا أمام القوة العثمانية لولا نداءات البابا إلى الدول النصرانية وإثارة الهمم الصليبية، فوصلت قوات بولونيا وأمراء سكسونيا وبارفايا الألمان إلى العاصمة النمساوية، فهُزم المسلمون وانسحبوا بعد معارك طاحنة، واتجهوا نحو مدينة بودا، فوجد ملك بولونيا فرصة للثأر فتتبعهم يقتلُ كل من يستطيع قتله في مؤخرة العثمانيين، وكان هذا سبب قتل الصدر الأعظم قرة مصطفى حيث غضب عليه الخليفة وأمر بقتلِه وتنصيب إبراهيم باشا بدلَه.

العام الهجري : 1133 الشهر القمري : محرم العام الميلادي : 1720
تفاصيل الحدث:

طلبت روسيا من الدولة العثمانية تعديل معاهدة بساروفيتش، وذلك بما يتيح لتجَّارها المرور من أراضي الدولة العثمانية وبيع سِلَعِهم فيها، وأن يتوجَّه الحجاج الروس إلى بيت المقدس وغيره من الأماكن والأديرة المقدسة بدون دفعِ خراج أو رسوم أثناء إقامتهم أو على جوازات سفرهم. وأضيف إلى هذه المعاهدة شرط آخر ذو أهمية سياسية كبيرة؛ حيث تعهدت الدولة العثمانية وروسيا بموجِبه بمنع زيادة نفوذ الملك المنتخب ببولونيا على نفوذ الإشراف، وعدم تمكينه من جعْل منصبه وراثيًّا في عائلته، ومنْع وصول هذين الأمرين بكل الوسائل الممكنة، بما فيها الحرب. وقصد الإمبراطور الروسي بطرس الأكبر بهذا الشرط إيجاد النفور والعداوة بين البولونيين والعثمانيين؛ حتى لا يتشكَّلَ حِلفٌ بين مجاوريه الأقوياء (السويد وبولونيا والدولة العثمانية) فيقوموا بمحاربته، وهذا يعني إضعاف مجاوريه الواحد بعد الآخر؛ لتزيد قوة روسيا بازدياد ضعف جيرانها الأقوياء، وقد نجح فيما يتعلق بالسويد، ثم شرع في تنفيذ خطته ضد بولونيا والدولة العثمانية، ووضع الإمبراطور الروسي بهذه المعاهد أولَ حجر في مشروعه لإضعاف بولونيا مع الدولة العثمانية.

العام الهجري : 1377 الشهر القمري : ذي الحجة العام الميلادي : 1958
تفاصيل الحدث:

هو الشيخُ العلَّامة حافظ بن أحمد بن علي الحكمي، ولد في 24 رمضان سنة 1342هـ في قرية السلام في جازان، نشأ بدويًّا يرعى الغَنَم. بدأ تعلُّمَه في سن مبكرةٍ، وكان آيةً في الحِفظِ؛ فحفظ القرآن وبعض المتون وهو يرعى الغنم صغيرًا، ثم قيَّض الله له الداعية الشيخ عبد الله القرعاوي الذي اهتَمَّ به فأفاده من علومِه وفقهِه، ثم اشتهر بالعلمِ ولمع نجمُه، حتى أصبح معلِّمًا، ثم تولى النيابةَ في إدارة مدارس التعليم بسامطة، ثم عُين مديرًا للمعهد العلمي فيها 1374هـ، واستمَرَّ إلى أن توفِّيَ بمكة. ومن مؤلَّفاته: ((سُلَّم الوصول إلى علم الأصول)) في فن التوحيد، وهي منظومة شرحها في ((معارج القبول))، و ((أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة المنصورة))، و ((دليل أرباب الفلاح لتحقيق فن الاصطلاح)) في مصطلح الحديث، و ((اللؤلؤ المكنون في أحوال الأسانيد والمتون))، وهو نظم فريد، و ((السبل السوية لفقه السنن المروية))، وهو نظم أيضًا، فقد كان بارعًا في النظم والشعر، وغيرها، ومعظَمُ مؤلَّفاته طُبِعَت على نفقة الملك سعود رحمه الله، وأما وفاته رحمه الله فكانت في اليوم 18 ذي الحجة على إثر مرض ألمَّ به وهو في الخامسة والثلاثين من عمره ودُفِنَ بمكة المكرمة.

العام الهجري : 1393 الشهر القمري : ذي القعدة العام الميلادي : 1973
تفاصيل الحدث:

قام السُّلطان قابوس في شَهر أكتوبر عامَ 1971م بزيارةٍ رسميةٍ إلى إيرانَ؛ للمُشارَكة في الاحتفالات التي أقامها الشاهُ محمَّد رضا بَهلوي بمُناسبة عرْشِ الطاوسِ في بلادِ فارسَ، فطلَب السُّلطان قابوس مِن شاه إيرانَ مُساعدتَه في مُواجهة ثوارِ ظَفار، فأبدى الشاهُ استِعدادَه والوقوفِ إلى جانبِ قوَّات السُّلطان في حَرْبها ضِدَّ الثُّوار، وكان مِن أهمِّ الدوافعِ التي دفَعَت الشاهَ الإيرانيَّ للدعْمِ هو طُموحُه في أنْ يَحلَّ محلَّ بِريطانيا كحامٍ للمنطقةِ بعْدَ انسحابِها منها عام 1971م، وخشْيتُه مِن تعرُّضِ مَضيقِ هُرْمزَ للخطَر في حالة نَجاحِ الثَّورة في إقامة نِظامٍ مُعادٍ للأنظمة الملَكَيةِ في عُمانَ، وما قد يؤدِّي إليه ذلك من تَهديدٍ لأمْن الخليجِ وتِجارة النِّفط، وفي يوليو 1972م أرسَل السُّلطان قابوس وفْدًا رسميًّا إلى إيرانَ برِئاسة ثويني بنِ شهاب، وتمَّ التوصُّلُ إلى وضْع اتِّفاقية التدخُّل العَسْكري الإيراني في السَّلْطنةِ مُستقبَلًا عند الطَّلَب لِلقضاء على الثَّورة المسلَّحةِ. وفي 30 نوفمبر 1973م وصَلَت إلى السَّلْطَنة أُولى طلائعِ القوَّاتِ الإيرانيةِ التي بلَغَت ما يُقدَّرُ بثلاثةِ آلافٍ عَسكريٍّ إيرانيٍّ، و كان للمساعدةُ الإيرانيةُ أثر كبير في قمْعِ ثَورة ظَفار.

العام الهجري : 541 الشهر القمري : ربيع الآخر العام الميلادي : 1146
تفاصيل الحدث:

هو المَلِكُ المنصورُ، أبو الجودِ الأتابك عِمادُ الدين زنكي بنُ الحاجِبِ قسيم الدولة آقسنقر بن عبد الله التركي، صاحِبُ المَوصِل. وُلِدَ سنة 477. قتل والِدُه, قسيمُ الدَّولةِ مملوكُ السُّلطانِ ألب أرسلان, وله يومئذٍ عَشرُ سنينَ، ولم يُخَلِّفْ والِدُه ولدًا غَيرَه، فالتَفَّ عليه غِلمانُ أبيه، ورَبَّاه كربوقا، وأحسَنَ إليه, فكان زنكي بطلًا شُجاعًا مِقدامًا كأبيه، عظيمَ الهَيبةِ مَليحَ الصُّورةِ، أسمرَ جميلًا، قد وَخَطَه الشَّيبُ، وكان عاليَ الهِمَّةِ، لا يَقِرُّ ولا ينامُ، فيه غَيرةٌ حتى على نِساءِ جُندِه، عَمَرَ البِلادَ, وكان يُضرَبُ بشجاعتِه المَثَلُ، وهو من أشجَعِ خَلقِ الله. قبل أن يَملِكَ شارك مع الأميرِ مودود صاحبِ المَوصِلِ حِصارَ مدينةِ طَبريَّة، وهي للفِرنجِ، فوصلت طعنتُه إلى بابِ البَلَدِ، وأثَّرَ فيه. وحمل أيضًا على قلعةِ عقر الحميدية، وهي على جَبَلٍ عالٍ، فوصَلَت طعنتُه إلى سورِها, وأمَّا بعدَ مُلكِه، فكان الأعداءُ مُحدِقينَ ببِلادِه، وكلُّهم يَقصِدُها، ويريدُ أخْذَها، وهو لا يَقنَعُ بحِفظِها، حتى إنَّه لا ينقضي عليه عامٌ إلَّا وهو يفتَحُ مِن بلادِهم, ومِن شجاعَتِه التي لم يُسمَعْ بمِثلِها أنَّه كان في نَفَرٍ أثناءَ حصارِ طَبَريَّة وقد خرج الفِرنجُ مِن البَلَدِ، فحمل عليهم هو ومَن معه وهو يَظُنُّ أنَّهم يَتبَعونَه فتخَلَّفوا عنه وتقَدَّمَ وَحْدَه وقد انهزَمَ مَن بظاهِرِ البلدِ مِن الفرنجِ فدخلوا البلَدَ ووَصَلَ رُمحُه إلى البابِ فأثَّرَ فيه، وقاتلهم عليه وبَقِي ينتظر وصولَ من كان معه فحيث لم يَرَ أحدًا حمى نفسَه وعاد سالِمًا، فعَجِبَ النَّاسُ مِن إقدامِه أوَّلًا، ومِن سلامتِه آخِرًا, وكان زنكي من الأمراءِ المُقَدَّمينَ، فوَّضَ إليه السُّلطان محمودُ بن ملكشاه شحنكية بغداد، سنة 511 في العامِ الذي وُلِدَ له فيه ابنُه المَلِك العادِلُ نورُ الدين محمود، ثمَّ عَيَّنه السُّلطانُ محمود على المَوصِل، بتوصيةٍ مِن القاضي بهاءِ الدينِ أبو الحَسَن علي بن الشهرزوي وصلاح الدين محمد الياغبساني بعد أن أشارا به على وزير السُّلطان بقَولِهما: "قد عَلِمْتَ أنت والسُّلطانُ أنَّ بلادَ الجزيرة والشَّام قد استولى الإفرنجُ على أكثَرِها وتمَكَّنوا منها وقَوِيَت شَوكتُهم، وكان البرسقي يَكُفُّ بعضَ عادِيَتِهم، فمُنذ قُتِلَ ازداد طَمَعُهم، وهذا وَلَدُه طِفلٌ صَغيرٌ ولا بُدَّ للبلادِ مِن شَهمٍ شُجاعٍ يَذُبُّ عنها ويحمي حَوزَتَها، وقد أنهينا الحالَ إليكم لئلَّا يجريَ خَلَلٌ أو وهَنٌ على الإسلامِ والمُسلِمينَ فنَحصُلَ نحن بالإثمِ مِن الله تعالى، واللوم من السُّلطانِ، فأنهى الوزيرُ ذلك إلى السُّلطان فأعجَبَه، وقال: مَن تَرَيانِ يَصلُحُ لهذه البلادِ، فذكرا جماعةً فيهم عمادُ الدين زنكي، وعَظَّمَا محَلَّه أكثَرَ مِن غَيرِه" فأجاب السُّلطانُ إلى توليَتِه؛ لِمَا عَلِمَ مِن شَهامَتِه وكفايتِه، فوَلَّاه البلادَ جَميعَها، وكتب بذلك منشورًا, ولَمَّا قَدِمَ زنكي المَوصِل سَلَّمَ إليه السُّلطانُ محمود وَلَديه ألب أرسلان وفروخشاه المعروف بالخفاجي ليُرَبِّيهما؛ فلهذا قيل لزنكي "أتابك"؛ لأنَّ الأتابك هو الذي يُرَبِّي أولاد الملوك. سار زنكي مِن بغدادَ إلى البوازيج ليَملِكَها ويتقَوَّى بها. كان زنكي يُحسِنُ اختيارَ رِجالِه وقادتِه، فيَختارُ أصلَحَهم وأشجَعَهم, وأكرَمَهم لِمَهامِّ ولايتِه وقيادةِ جُيوشِه، وكان في المُقابِلِ يُكرِمُهم ويَحتفي بهم. عَمِلَ زنكي على تَرتيبِ أوضاعِ المَوصِلِ فقَرَّرَ قواعِدَها فولَّى نصير الدين جقر دزدارية قلعةَ المَوصِل, وجَعَلَ الصَّلاحَ مُحمَّدَ الياغبساني أميرَ حاجِبِ الدولة وجعَلَ بهاء الدين قاضيَ قُضاةِ بلادِه جَميعِها وما يفتَحُه مِن البلادِ، ووفَى لهم بما وعَدَهم وكان بهاءُ الدين أعظَمَ النَّاسِ عنده مَنزِلةً وأكرَمَهم عليه وأكثَرَهم انبساطًا معه وقُربًا منه، ورَتَّبَ الأمورَ على أحسَنِ نِظامٍ وأحكَمِ قاعدةٍ, ثمَّ تفَرَّغَ عِمادُ الدين زنكي لتحريرِ بلاد المُسلِمينَ مِن الفرنج، فبدأ بتَوحيدِ الجَبهةِ الإسلاميَّةِ وهي أراضي المُسلِمينَ المحيطةُ بالفِرنجِ الصَّليبيِّينَ في الشَّامِ, ففَتَحَ مدائِنَ عِدَّةً، وكان خُصومُه من المُسلِمينَ محيطينَ به مِن كُلِّ الجِهاتِ، وهو ينتَصِفُ منهم، ويستولي على بلادِهم, وقد أحاطت ولاياتُهم بولايتِه مِن كُلِّ جِهاتِها، فهو يقصِدُ هذا مَرَّةً وهذا مَرَّةً، ويأخُذُ مِن هذا ويَصنَعُ هذا، إلى أن مَلَك مِن كُلِّ مَن يليه طَرفًا مِن بلادِه، وحاصَرَ دِمشقَ وصالَحَهم على أن خَطَبوا له بها، ثمَّ بعد ذلك اتَّجَه للفِرنجِ واستَنقَذَ منهم كفرطاب والمعرَّة ودوَّخَهم، وشَغَلَهم بأنفُسِهم، ودانت له البلادُ، وخَتَم جِهادَه معهم باستنقاذِ إمارةِ الرَّها منهم. قال أبو شامة: "كان الفِرنجُ قد اتَّسَعَت بلادُهم وكَثُرَت أجنادُهم، وعَظُمَت هيبتُهم، وزادت صَولَتُهم، وامتَدَّت إلى بلادِ المُسلِمينَ أيديهم، وضَعُفَ أهلُها عن كَفِّ عاديهم، وتتابعت غزواتُهم، وساموا المُسلِمينَ سوءَ العذابِ، واستطار في البلاد شَرَرُ شَرِّهم، وامتَدَّت مَملَكتُهم من ناحيةِ ماردين وشبختان إلى عريشِ مِصرَ، لم يتخَلَّلْه مِن ولاية المُسلِمينَ غير حَلَب وحَماة وحمص ودمشق، فلما نظَرَ اللهُ سُبحانَه إلى بلادِ المُسلِمينَ ولَّاها عِمادَ الدِّينِ زنكي فغزا الفرنجَ في عُقرِ دِيارِهم، وأخذَ للمُوحِّدينَ منهم بثَأرِهم، واستنقذ منهم حصونًا ومعاقِلَ" توجَّه أتابك زنكي إلى قلعةِ جعبر ومالِكُها يومذاك سيفُ الدولةِ أبو الحَسَنِ عليُّ بنُ مالك، فحاصَرَها وأشرَفَ على أخْذِها، فأصبح زنكي يومَ الأربعاء خامِسَ شَهرِ ربيع الآخر سنة 541 مَقتولًا، قَتَلَه خادِمُه وهو راقِدٌ على فراشِه ليلًا، ودُفِنَ بصفين. ذَكَرَ بَعضُ خواصِّه قال: "دخَلْتُ إليه في الحالِ وهو حيٌّ، فحين رآني ظَنَّ أني أريدُ قَتْلَه، فأشار إليَّ بإصبُعِه السبَّابة يَستَعطِفُني، فوقَفْتُ مِن هَيبَتِه، وقلتُ له: يا مولانا، مَن فَعَل بك هذا فلم يَقدِرْ على الكلامِ، وفاضَت نفسُه لوقتِه"، فكان- رحمه الله- شديدَ الهَيبةِ على عَسكَرِه ورَعِيَّتِه، عظيمَ السِّياسةِ، لا يَقدِرُ القَويُّ على ظُلمِ الضعيفِ، وكانت البلادُ قبل أن يَملِكَها خرابًا من الظُّلمِ ومُجاوَرةِ الفِرنجِ، فعَمَرَها وامتلأت أهلًا وسُكَّانًا. قال عز الدين بنُ الأثير في تاريخه: "حكى لي والدي قال: رأيتُ المَوصِلَ وأكثَرُها خرابٌ، وكان الإنسانُ لا يَقدِرُ على المشيِ إلى الجامِعِ العتيقِ إلَّا ومعه مَن يحميه؛ لِبُعدِه عن العمارةِ، وهو الآن في وسَطِ العِمارةِ، وكان شديدَ الغيرةِ لا سِيَّما على نساءِ الأجنادِ، وكان يقول: لو لم تُحفَظْ نِساءُ الأجنادِ بالهَيبةِ وإلَّا فَسَدْنَ لِكَثرةِ غَيبةِ أزواجِهنَّ في الأسفارِ". فلمَّا قُتِلَ تَمَلَّك ابنُه نورُ الدين محمود بالشَّامِ، وابنُه غازي بالمَوصِل.

العام الهجري : 517 العام الميلادي : 1123
تفاصيل الحدث:

كان دبيس بن صدقة صاحب الحلة المزيدية قد أطلق عفيفًا خادِمَ الخليفة المسترشد بالله، وكان مأسورًا عنده، وحمَّله رسالة فيها تهديد للخليفة بإرسال قسيم الدولة البرسقي صاحب الموصل إلى قتاله، وتقويته بالمال، وأن السلطان كَحَل أخاه، وبالغ في الوعيد، ولبس السواد، وجزَّ شعره، وحلف لينهبَنَّ بغداد، ويخرِّبها، فاغتاظ الخليفة لهذه الرسالة وغضب، وتقدم إلى البرسقي بالتبريز إلى حرب دبيس؛ فبرز في رمضان سنة 516، وتجهز الخليفة، وبرز من بغداد، واستدعى العساكر، وأرسل دبيس إلى نهر ملك فنهب، وعمل أصحابه كلَّ عظيم من الفساد، فوصل أهله إلى بغداد، فأمر الخليفة فنودي ببغداد لا يتخلَّف من الأجناد أحد، ومن أحبَّ الجندية من العامة فليحضُر، فجاء خلق كثير، ففَرَّق فيهم الأموال والسلاح. فلما علم دبيس الحال كتب إلى الخليفة يستعطفه ويسألُه الرضا عنه، فلم يُجِب إلى ذلك، وأُخرِجَت خيام الخليفة في العشرين من ذي الحجة سنة 516، ودخلت هذه السنة، فنزل الخليفة مُستهَلَّ المحرم، بالحديثة، وجعل دبيس أصحابه صفًّا واحدًا: ميمنة، وميسرة، وقلبًا، وجعل الرجَّالة بين أيدي الخيالة بالسلاح، وكان قد وعد أصحابه بنهب بغداد، وسبي النساء، فلما تراءت الفئتان بادر أصحاب دبيس، وبين أيديهم الإماءُ يَضرِبن بالدفوف، والمخانيث بالملاهي، ولم يُرَ في عسكر الخليفة غيرُ قارئ ومُسَبِّح وداع، فقامت الحرب على ساق، فلما اختلط الناس خرج الكمين على عسكر دبيس، فانهزموا جميعهم وألقوا أنفُسَهم في الماء، فغرق كثير منهم، وقُتل كثير، ولما رأى المسترشد بالله اشتداد الحرب جرَّد سيفه وكبر وتقدم إلى الحرب، فلما انهزم عسكر دبيس وحُمِلت الأسرى بين يدي الخليفة أمر أن تُضرَب أعناقهم صبرًا، وعاد الخليفةُ إلى بغداد، فدخلها يوم عاشوراء من هذه السنة. وأما دبيس بن صدقة فإنه لما انهزم نجا بفرسه وسلاحه وأدركته الخيل، ففاتها وعبر الفرات، واختفى خبرُه بعد ذلك، وأُرجِف عليه بالقتل، ثم ظهر أمرُه أنه قَصَد غزية من عرب نجد، فطلب منهم أن يحالِفوه، فامتنعوا عليه فرحل إلى المنتفق، واتفق معهم على قصد البصرة وأخْذِها، فساروا إليها ودخلوها، ونهبوا أهلَها، وقتل الأمير "سخت كمان" مقدَّم عسكرها، وأُجلِيَ أهلها، فأرسل الخليفة إلى البرسقي يعاتبه على إهمالِه أمر دبيس، حتى تمَّ له من أمر البصرة ما أخربها، فتجهز البرسقي للانحدار إليه، فسمع دبيس ذلك ففارق البصرة، وسار على البر إلى قلعة جعبر، والتحق بالفرنج، وحضر معهم حصار حلب، وأطمعهم في أخذِها، وقال لهم: إن أهلها شيعة، وهم يميلون إليَّ لأجل المذهب، فمتى رأوني سلَّموا البلد إليَّ. فلم يظفروا بها، فعادوا عنها، ثم فارقهم والتحق بالملك طغرل بن السلطان محمد، وأقام معه، وحَسَّن له قَصْدَ العراق.

العام الهجري : 595 الشهر القمري : ربيع الآخر العام الميلادي : 1199
تفاصيل الحدث:

هو المنصور أبو يوسف يعقوب بن أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن بن علي، القيسي الكومي، صاحِبُ المغرب والأندلس. ولِدَ في ربيع الأول سنة 554كان صافي السمرةِ جدًّا، ليس بالطَّويلِ، جميل الوجه، أفْوَهَ أعيْنَ، شديدَ الكَحَل، ضخم الأعضاءِ جَهْوريَّ الصوتِ، جَزْلَ الألفاظ، مِن أصدَقِ الناس لهجةً وأحسَنِهم حديثًا وأكثَرِهم إصابةً بالظن، مجرِّبًا للأمور، ولِيَ وَزارة أبيه، فبحث عن الأحوالِ بحثًا شافيًا وطالع مقاصِدَ العُمَّال والولاة وغيرهم مطالعةً أفادته معرفةَ جزئيات الأمور. ولَمَّا مات أبوه اجتمع رأيُ أشياخ الموحدين وبني عبد المؤمن على تقديمِه فبايعوه وعَقَدوا له الولايةَ ودَعَوه أميرَ المؤمنين كأبيه وجَدِّه، ولقبوه بالمنصور، فقام بالأمر أحسنَ قيامٍ، وهو الذي أظهَرَ أبَّهةَ مُلكِهم، ورفع رايةَ الجِهاد ونَصَب ميزانَ العَدلِ وبَسَط أحكامَ النَّاسِ على حقيقةِ الشَّرعِ، ونظر في أمور الدينِ والوَرَعِ والأمر بالمعروف والنَّهيِ عن المنكر، وأقام الحدودَ حتى في أهلِه وعشيرته الأقربين كما أقامَها في سائر الناس أجمعين، فاستقامت الأحوالُ في أيامه وعَظُمت الفتوحات, ولَمَّا مات أبوه كان معه في الصحبة، فباشر تدبير المملكةِ من هناك، وأوَّلُ ما رَتَّب قواعِدُ بلاد الأندلس، فأصلحَ شأنَها وقَرَّر المقاتلينَ في مراكزها ومَهَّد مصالحَها في مدة شهرين, ثم عاد إلى مراكش التي هي كرسيُّ ملكهم. بلغ الأميرَ يعقوبَ خَبَرُ مسير الفرنج وكثرةُ جموعهم لبلاد المسلمين في الأندلس، فما هاله ذلك، وجدَّ في السير نحوَهم حتى التَقَوا في شمال قرطبة على قُربِ قلعة رياح في مرج الحديد، وصافَّهم سنة 591، وانهزم الفرنجُ وعَمِلَ فيهم السيف فاستأصلهم قتلًا، وما نجا مَلِكُهم إلَّا في نفر يسير، ولولا دخولُ الليل لم يبقَ منهم أحد، وغَنِمَ المسلمون منهم أموالًا عظيمة, ولم يُسمعْ في بلاد الأندلس بكسرةٍ مثلها. وكان المنصورُ ملكًا جوادًا عادلًا متمَسِّكًا بالشرع المطَهَّر، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر كما ينبغي، مِن غير محاباة، ويصلي بالناس الصلوات الخمس، ويلبَسُ الصوف، ويَقِفُ للمرأة وللضعيفِ، ويأخُذُ لهم بالحَقِّ. وأوصى أن يُدفَنَ على قارعة الطريقِ؛ ليترحم عليه من يمُرُّ به. توفِّيَ ثامن عشر ربيع الآخر، وقيل جمادى الأولى، بمدينة سلا، وكان قد سار إليها من مراكش، وكان قد بنى مدينة محاذية لسلا، وسمَّاها المهدية، مِن أحسن البلاد وأنزَهِها، فسار إليها يشاهِدُها، فتوفِّيَ بها، وكانت ولايته خمس عشرة سنة، وكان ذا جهاد للعَدُوِّ، وكان يتظاهَرُ بمذهَبِ الظاهريةَّ، فعَظُمَ أمرُ الظاهرية في أيامه، ثم في آخِرِ أيامه استقضى الشافعيَّةَ على بعض البلاد ومال إليهم، ولما مات قام ابنُه أبو عبد الله محمد بالملك بعده، وكان أبوه قد ولَّاه عهده في حياته، فاستقام المُلكُ له وأطاعه الناسُ، وجَهَّزَ جمعًا من العرب وسيَّرَهم إلى الأندلس احتياطًا من الفرنجِ.

العام الهجري : 628 الشهر القمري : ذي الحجة العام الميلادي : 1231
تفاصيل الحدث:

في أواخر هذه السنة أطاع أهل بلاد أذربيجان جميعها للتتر، وحملوا إليهم الأموالَ والثياب الخطائي، والخوبي، والعتابي، وغير ذلك، وسبب طاعتِهم أن جلال الدين لَمَّا انهزم على آمد من التتر، وتفَرَّقت عساكره، وتمزَّقوا كلَّ مُمزَّق، وتخطَّفَهم الناس، وفعل التترُ بديار بكر والجزيرة وإربل وخلاط ما فعلوا، ولم يمنَعْهم أحد، ولا وقف في وجوههم واقف، وملوكُ الإسلام منجحرون في الأثقاب، وانضاف إلى هذا انقطاعُ أخبار جلال الدين، فإنَّه لم يظهر له خبر، ولا علموا له حالة، سُقِطَ في أيديهم، وأذعنوا للتتر بالطاعة، وحملوا إليهم ما طلبوا منهم من الأموالِ والثياب، وكذلك مدينة تبريز التي هي أصل بلاد أذربيجان، ومرجع الجميعِ إليها وإلى من بها، فإنَّ ملك التتر نزل في عساكره بالقرب منها، وأرسل إلى أهلِها يدعوهم إلى طاعته، ويتهدَّدُهم إن امتنعوا عليه، فأرسلوا إليه المال الكثير، والتُّحَف من أنواع الثياب الإبريسم وغيرها، وكلُّ شيء حتى الخمر، وبذلوا له الطاعة، فأعاد الجوابَ يشكُرُهم، ويطلب منهم أن يحضُرَ مُقَدَّموهم عنده، فقصده قاضي البلد ورئيسُه، وجماعة من أعيان أهله، وتخلَّفَ عنهم شمس الدين الطغرائي، وهو الذي يرجع الجميعُ إليه، إلَّا أنه لا يظهر شيئًا من ذلك، فلمَّا حضروا عنده سألهم عن امتناع الطغرائي من الحضور فقالوا: إنه رجل منقطع، ما له بالملوك تعلُّق، ونحن الأصل، فسكت ثم طلب أن يحضروا عنده من صناع الثيابِ الخطائي وغيرها، ليستعمل لمَلِكهم الأعظم، فأحضروا الصُّنَّاع، فاستعملهم في الذي أرادوا، ووزن أهل تبريز الثمَن، وطلب منهم خركاة لملكه أيضًا، فعملوا له خركاة- بيت من الخشب- لم يُعمَل مِثلُها، وعملوا غشاءَها من الأطلس الجيد المزركش، وعملوا من داخلها السمور والقندر، فجاءت عليهم بجملة كثيرة، وقرر عليهم شيئًا من المال كلَّ سنة، وترددت رسلهم إلى ديوان الخلافة وإلى جماعة من الملوك يطلُبون منهم أنهم لا ينصرون خوارزم شاه. قال ابن خلكان: "ولقد وقفتُ على كتاب وصل من تاجرٍ مِن أهل الري في العام الماضي، قبل خروج التتر، فلما وصل التتر إلى الري وأطاعهم أهلها، وساروا إلى أذربيجان، سار هو معهم إلى تبريز، فكتب إلى أصحابه بالموصل يقول: إن الكافِرَ- لعنه الله- ما نَقدِرُ نَصِفُه، ولا نذكر جموعه حتى لا تنقطع قلوبُ المسلمين، فإن الأمر عظيم، ولا تظنوا أن هذه الطائفةَ التي وصلت إلى نصيبين والخابور، والطائفة الأخرى التي وصلت إلى إربل ودقوقا، كان قصدُهم النهب، إنما أرادوا أن يعلموا هل في البلاد من يردُّهم أم لا، فلما عادوا أخبروا ملكهم بخلو البلادِ مِن مانع ومدافع، وأنَّ البلاد خالية من ملك وعساكر، فقوي طمعُهم، وهم في الربيع يقصدونَك، وما يبقى عندكم مقامٌ إلَّا إن كان في بلد الغرب، فإنَّ عَزمَهم على قصدِ البلاد جميعها، فانظروا لأنفُسِكم، هذا مضمون الكتاب، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".