بعد أن نشأت الدولة الصفوية لم تكتفِ بفرض مذهبِها الشيعي على الناس بالقوةِ والقهر، بل بدأت تتحرَّش بالدولة العثمانية عن طريق إثارة الموالين لها من أصحابِ العمائم الحمر المعروفين بـ (قزلباش) ذوي التدين الشيعي، وأيضًا إثارتهم البرتغاليين وإرسال الرسائل لهم وحثهم على حرب العثمانيين، كما أنَّ احتضان الدولة لمراد بن أحمد الهارب من عمه السلطان سليم، كلُّ هذه الأمور اجتمعت لإثارة الحرب بين الدولتين العثمانية والصفوية، فتوجَّه السلطان العثماني سليم الأول بجيشٍ عظيم من أدرنة إلى الصفويين، وكان قد أحصى الشيعةَ الذين يقيمون في شرقي الدولة؛ لأنهم سيكونون أنصارًا للصفويين، وأمر بقتلهم جميعًا، ثم تقدَّم نحو تبريز عاصمة الصفويين الذين أرادوا الخديعة بالتراجُعِ حتى إذا أُنهك الجيش العثماني انقضُّوا عليه، وبقي السلطان العثماني في تقدُّمِه حتى سهل جالديران جنوب قارص شرقي الأناضول، وكانت فيه معركةٌ شرسة في شهر رجب من هذا العام عُرِفت بمعركة جالديران، انتصر فيها العثمانيون وفَرَّ من الميدان إسماعيل شاه الصفوي، ثم دخل السلطان العثماني تبريز في شهر رمضان واستولى على الخزائن ونقلها إلى إستانبول وتتبَّع إسماعيل لكنَّه لم يستطع القبض عليه، وأقبل فصلُ الشتاء فاشتد الأمرُ على الجنود وبدأ تذمُّرُهم، فترك السلطان المنطقة وسار نحو أماسيا حتى انتهى فصل الشتاء فرجع إلى أذربيجان، ففتح بعض القلاع ودخل إمارةَ ذي القادر، ثم رجع إلى إستانبول بعد أن ترك الجيش العثماني الذي دخل أورفة والرقَّة وماردين والموصل.
كان وصولُ نبأ سقوط مملكةِ بيت المقدس إلى أوروبا كنتيجةٍ لمعركة حطين صاعِقًا لنصارى أوربا. فإنَّ البابا أوربان الثامن ما إن علم بما حدث حتى توفي من وقْعِ الصدمة. ودعا خليفَتَه البابا غريغوريوس الثامن بمنشور باباوي إلى حملةٍ صليبية جديدة، وأمَرَهم بالصيام كلَّ أسبوع في يوم الجمعة على امتدادِ خمس سنوات، كما أمَرَهم بالامتناع كليًّا في هذه الحقبة من الزَّمَنِ عن أكل اللحم مرَّتينِ في الأسبوع، والدعوة إلى المشاركة في حربٍ صليبية لاسترداد بيت المقدس, وقد قام بهذه الدعوة ببالغِ الهِمَّة الكاردينال إنريكو من ألبانو، وبعد شهرين حلَّ البابا كليمنت الثالث مكانَ غريغوريوس، واستكمل المهمَّةَ، وقام الكاردينالات بالتطوافِ مَشيًا على الأقدام في عموم فرنسا وإنجلترا وألمانيا. فجهَّزَ نصارى أوروبا ثلاثَ حملات ألمانية وإنكليزية وفرنسية، كل ذلك لمحاولة استرداد بيت المقدس، وصَلَت الحملتان الإنكليزية والفرنسية بحرًا سنة 586 إلى عكا، وساهمت في الحصار البحري، وكان فيهم ريتشارد المعروف بقلب الأسد، أما الحملة الألمانية فكان مَلِكُهم فريدريك الأول بربروسا، أوَّل من تحرك من ملوك أوربا لنصرة بيت المقدس وجمع عساكِرَه وسار للجهاد بزعمه. تحركت القوات الألمانية قبل غيرِها وهم من أكثر الحَمَلات عددًا، وأشدِّهم بأسًا، فكان طريقُهم على القسطنطينية، فأرسل ملكُ الروم بها إلى صلاح الدين يُعَرِّفُه الخبر ويَعِدُ أنَّه لا يمَكِّنُه من العبور في بلاده، فلما وصل ملك الألمان إلى القسطنطينية عجَزَ مَلِكُها عن منعه من العبورِ لكثرة جموعه، لكنَّه منع عنهم الميرة، ولم يمكِّنْ أحدًا من رعيَّتِه من حمل ما يريدونَه إليهم، فضاقت بهم الأزوادُ والأقوات، وساروا حتى عَبَروا خليجَ القسطنطينية، وصاروا على أرضِ بلاد الإسلام، وهي مملكةُ الملك قلج أرسلان ابن مسعود بن سليمان بن قتلمش بن سلجق. فلما وصلوا إلى أوائلها ثار بهم التركمانُ الأوج، فما زالوا يسايرونَهم ويَقتُلونَ مَن انفرد ويَسرِقونَ ما قدروا عليه، وكان الزمانُ شتاء والبرد يكونُ في تلك البلاد شديدًا، والثلجُ متراكمًا، فأهلكهم البردُ والجوع والتُّركمانُ، فقَلَّ عَدَدُهم، فلما قاربوا مدينة قونية خرج إليهم المَلِك قطب الدين ملكشاه بن قلج أرسلان ليمنَعَهم، فلم يكُن له بهم قوَّة، فعاد إلى قونية، فلما عاد عنهم قطب الدين أسرعوا السير في أثَرِه، فنازلوا قونية، وأرسلوا إلى قلج أرسلان هديةً وقالوا له: ما قصَدْنا بلادَك ولا أردناها، وإنما قصَدْنا بيت المقدس، وطلبوا منه أن يأذن لرعيَّتِه في إخراجِ ما يحتاجون إليه مِن قُوتٍ وغيره، فأذِنَ في ذلك، فأتاهم ما يريدون، فشَبِعوا، وتزوَّدوا، وساروا، وسار ملك الألمان حتى أتى بلاد الأرمن وصاحِبُها لافون بن اصطفانة بن ليون، فأمَدَّهم بالأقوات والعلوفات، وحَكَّمَهم في بلاده، وأظهر الطاعةَ لهم، ثم ساروا نحو أنطاكية، وكان في طريقِهم نهر، فنزلوا عنده، ودخل مَلِكُهم إليه ليغتسل، فغَرِقَ في مكانٍ منه لا يبلغ الماءُ وسَطَ الرجُل، وكفى اللهُ شَرَّه، وكان معه ولدٌ له، فصار ملكًا بعده، وسار إلى أنطاكية، فاختلف أصحابُه عليه، فأحب بعضُهم العود إلى بلاده، فتخَلَّفَ عنه، وبعضُهم مال إلى تمليكِ أخٍ له، فعاد أيضًا، وسار فيمن صَحَّت نيتُه له، فعَرَّضَهم، وكانوا نيفًا وأربعين ألفًا، ووقَعَ فيهم الوباءُ والموت، فوصلوا إلى أنطاكية وكأنهم قد نُبِشوا من القبورِ، فتبَرَّمَ بهم صاحبُها، وحَسَّنَ لهم المسير إلى الفرنج الذين على عكَّا، فساروا على جبلة ولاذقية وغيرهما من البلاد التي ملكها المسلمونَ، وخرج أهلُ حلب وغيرها إليهم، وأخذوا منهم خلقًا كثيرًا، ومات أكثَرُ مَن أُخِذَ، فبلغوا طرابلس، وأقاموا بها أيامًا، فكَثُرَ فيهم الموت، فلم يبقَ منهم إلا نحو ألف رجل، فركبوا في البحر إلى الفرنجِ الذين على عكا، ولَمَّا وصولوا رأوا ما نالهم في طريقِهم وما هم فيه من الاختلافِ عادوا إلى بلادهم، فغرقت بهم المراكِبُ ولم ينجُ منهم أحدٌ.
قَدِمَ يوسفُ الكيمياوي إلى مِصرَ في يوم الخميس سابعَ عشر رمضان، وكان من خبَرِ هذا الرجل أنه كان نصرانيًّا من أهل الكرك فأسلم، ومضى إلى دمشقَ بعدما خَدَع بمدينة صفد الأميرَ بهادر التقوى حتى انخدع له وأتلَفَ عليه مالًا جزيلًا، فلما ظهَرَ له أمْرُه سَجَنه مُدَّةً، ثم أفرج عنه، فاتصَلَ يوسف بالأمير تنكز نائب الشام، وقَصَد خديعته فلم ينخَدِعْ له، وأمر والي دمشق بشَنقِه، فصاح وقال: أنا جيت للسُّلطانِ حتى أملأَ خِزانَتَه ذهبًا وفِضَّة، فلم يجِدْ تنكز بدًّا من إرساله إلى السلطان، فقَيَّده وأركَبَه البريدَ مع بعض ثقاتِه، وكتب بخَبَرِه وحَذَّر منه، فلما اجتمع يوسفُ بالسلطان مال إلى قَولِه، وفَكَّ قَيدَه، وأنزله عند الأمير بكتمر الساق وأجرى عليه الرواتِبَ السَّنِيَّة، وأقام له عِدَّةً مِن الخدم يتولَّون أمره، وخلع عليه، وأحضر له ما طلَبَ من الحوائج لتدبيرِ الصَّنعةِ، حتى تمَّ ما أراده، فحضر يوسف بين يدي السلطان، وقد حضر الفخر ناظِرُ الجيش والتاج إسحاق وابن هلال الدولة والأمير بكتمر الساقي في عِدَّةٍ من الأمراء، والشيخ إبراهيم الصائغ وعِدَّة من الصواغ، فأوقدوا النَّارَ على بوطقة قد مُلِئَت بالنُّحاسِ والقصدير والفضة حتى ذاب الجميعُ، فألقى عليه يوسفُ شيئًا من صنعته، وساقوا بالنَّارِ عليها ساعةً، ثم أفرغوا ما فيها فإذا سبيكةُ ذَهَبٍ كأجوَدِ ما يكونُ، زِنَتُها ألفُ مثقالٍ، فأعجَبَ السلطانَ ذلك إعجابًا كثيرًا، وسُرَّ سرورًا زائدًا، وأنعم على يوسف بهذه الألفِ مِثقالٍ، وخلع عليه خِلعةً ثانية، وأركبه فرسًا مُسرَجًا مُلَجَّمًا بكنبوش حرير، وبالغ في إكرامِه، ومكَّنَه من جميع أغراضه، فاتصل به خُدَّام السلطان، وقَدَّموا له أشياء كثيرة مستحسنة، فاستخَفَّ عُقولَهم حتى ملكها بكَثرةِ خُدَعِه، فبذلوا له مالًا جزيلًا، ثم سَبَك يوسف للسلطان سبيكةً ثانية من ذهب، فكاد يطيرُ به فرحًا، وصار يستحضِرُه بالليل ويحادِثُه، فيزيده طَمَعًا ورغبة فيه، فأذِنَ له أن يركب من الخيولِ السُّلطانيَّة ويمضي حيث شاء من القاهرةِ ومصر، فركب وأقبَلَ على اللهو، وأتاه عِدَّةٌ من الناس يسألونَه في أخذِ أموالهم، طمعًا في أن يُفيدَهم الصَّنعةَ أو يُغنيهم منها، فمَرَّت له أوقاتٌ لا يتهيَّأُ لكلِّ أحَدٍ مِثلُها مِن طِيبتِها، ثم إنَّه سأل أن يتوجَّه إلى الكرك لإحضارِ نبات هناك، فأركبه السلطانُ البريد، وبعث معه الأميرَ طقطاي مُقَدَّم البريدية، بعدما كتب إلى نائب غَزَّة ونائب الكرك بخدمتِه وقضاء ما يُرسَم به والقيام بجميع ما يحتاجُ إليه من ديوان الخاص، فمضى يوسفُ إلى الكرك وأبطأ خبَرُه، ثم قَدِمَ وقد ظهر كَذِبُه للسلطان، فضَيَّق عليه وحبسه في القاهرة، ثم إنَّه في عام 731 هرب من السجنِ ثمَّ بعد عدة أشهر وُجِدَ في أحميم فمَثُلَ بين يدي السلطان فسأله عن المال، فقال: عَدِمَ مني، فسأله السلطانُ عن صناعته فقال: كُلُّ ما كنتُ أفعَلُه إنما هو خِفَّةُ يدٍ، فعوقب عُقوبةً شديدة بالضرب، ثم حُمِلَ إلى خزانة شمائل سجن أرباب الجرائم بجوار باب زويلة من القاهرة، فمات ليلة الأحد خامس عشر ذي الحجة، فسُمِّرَ وهو ميت وطيف به القاهرة على جملٍ في يوم الأحَدِ.
سار ركنُ الدَّولةِ إلى طبرستان، وبها وشمكير بنُ زيار الديلمي، فنزل على مدينةِ سارية فحصرها ومَلَكها، ففارق حينئذٍ وشمكيرُ طبرستان وقصَدَ جرجان، فأقام ركنُ الدولة بطبرستان إلى أنْ مَلَكَها كُلَّها، وأصلح أمورَها، وسار في طلَبِ وشمكير إلى جرجان، فأزاح وشمكيرَ عنها، واستولَّى عليها، واستأمَنَ إليه مِن عَسكرِ وشمكير ثلاثةُ آلاف رجل، فازداد قوَّةً، وازداد وشمكيرُ ضعفًا ووهَنًا فدخل بلادَ الجيل.
في تاسع جمادى الآخرة بلغ الفرنجَ الخبَرُ بوصول عسكر من مصر، ومعهم قفل- حِمل كبير- فأسرى الفرنجُ إليهم، فواقعوهم بنواحي الخليل، فانهزم الجندُ، ولم يُقتَلْ منهم رجل من المشهورينَ، إنما قُتِلَ مِن الغلمان والأصحاب، وغَنِمَ الفرنج خيامَهم وآلاتِهم، وأما القفل فإنه أُخِذَ بَعضُه، وصَعِدَ من نجا جبل الخليل، فلم يُقدِم الفرنج على اتِّباعهم، وتمَزَّقَ من نجا من القفل، وتقَطَّعوا، ولَقُوا شدة إلى أن اجتَمَعوا.
ثار على إبراهيم بن زكريا بن يحيى الثاني أمير الحفصيين في تونس رجل يدعى أحمد بن مرزوق يعرف بابن أبي عمارة الذي قوي أمره، حتى تنازل إبراهيم لابنه أبي فارس أمير مدينة بجاية من قبل أبيه فلقب نفسه بالمعتمد وسار إلى قتال ابن أبي عمارة غير أنه هزم وقُتِلَ، فما كان من أبيه إلا أن هرب باتجاه تلمسان فأدركه بعض أتباع ابن أبي عمارة فحُمِلَ إلى بجاية وقُتِلَ فيها عام 683هـ.
سار الأميرُ يلبغا الناصري نائب حلب من حلب بالعسكر للقاءِ الفرنج، وقد وردت شوانيهم في البَحرِ لِقَصدِ إياس، ونزوله بالعمق لقربه من البحر، فورد عليه كِتابُ نائب اللاذقية بوصول الفرنج إلى بيروت، وأنهم نزلوا إلى البر، وملكوا بعض أبراجِها، فأدركهم العسكرُ الشامي في طائفةٍ مِن رجَّالة الأكراد، وقاتلوهم، فأيَّدَ الله المسلمين، حتَى قتلوا من الفرنج نحو خمسمائة رجل، وانهزم باقيهم إلى مراكبهم، وساروا وعادت العساكِرُ إلى الشام.
كان النظامُ في الدولة العثمانية في هذه الولايات التابعة لها أن يكون هناك والٍ عثماني هو الباشا، يحكم تلك الولايةَ ويكون تحته أعوانٌ ويكون التصرفُ للباشا، ثم تغيَّرَ الوضع فأصبح نظامُ الباي، وذلك أن الرجل الذي يكون واليًا ممثلًا للخليفة في هذه الولاية هو الباي (بيلرباي) وليس شرطًا أن يكون عثمانيًّا، ويساعده ديوانٌ استشاريٌّ مؤلَّفٌ من عسكريين يمثِّلون الفِرَق العسكرية في الولاية، ويلقَّبُ كل منهم بالداي، إضافة إلى موظف الشؤون الماليَّة. وقد طبق هذا النظام من قبل في تونس عام 1017 هـ.
هو شَيخُ الطائفة الشاذليَّة الزاهد أبو الحَسَن علي بن عبد الله بن عبد الجبَّار بن تميم المغربي الشاذلي المالكي، نزيلُ الإسكندرية، مؤسِّس الطريقة الصوفيَّة المشهورة بالشاذليَّة، ولد في غمارة قرب سبتة بالمغرب، وفيها نشأ وتعلم، رافق أبا القاسم الجُنَيد البغداديَّ الصوفيَّ، فأخذ عنه التصوفَ، ثم اتخذ في تونس رباطًا له في جبل وبدأ ينشُرُ أفكاره في بلدة شاذلة القريبةِ مِن رباطه فكَثُرَ أتباعه، ثم نُفِيَ إلى مصر واستقَرَّ في الإسكندرية، وتبعه خلقٌ كثير في مصر والشام. قال الذهبي: "وقد انتسَبَ في بعض مؤلفاته في التصوُّف إلى علي بن أبي طالب، وكان الأولى به تركَه هذا الانتسابَ وتَرْكَ كثيرٍ ممَّا قاله في تواليفِه من الحقيقة، وهو رجلٌ كبيرُ القدر، كثيرُ الكلام، عالي المقام. له شِعرٌ ونَثرٌ فيه متشابهات وعبارات، يُتكَلَّف له في الاعتذار عنها. ورأيت شيخنا عمادَ الدين قد فتَرَ عنه في الآخر، وبَقِيَ واقفًا في عباراته، حائرًا في الرجل؛ لأنه كان قد تصَوَّف على طريقتِه، وكان الشاذلي ضريرًا، ولخلقٍ فيه اعتقاد كبير". له تصانيف منها (عمدة السالك على مذهب الإمام مالك) وله (التسلي والتصبر على ما قضاه الله من أحكام التجبر والتكبر) وله أحزابٌ خاصة به، منها (الحزب الكبير) أو حزب البِرِّ، وحزب البحر، وحزب الإخفاء، وحزب النصر، وحزب الطمس على عيون الأعداء، وحزب اللطف وغيرها، توفي في حميترة من صحراء عيذاب في صعيد مصر، وفيها دفن.
خرج حسن بن خير الدين بربروسا في هذه السنة من مدينة الجزائر نحو الغرب، يقودُ جيشًا كبيرًا مؤلفًا من خمسة عشر ألف رجل من رماة البندقية، وألف فارس من الصباحية، تحت إمرة أحمد مقرن الزواوي، واثني عشر ألف رجل من زواوة وبني عباس، أما مؤَنُ وذخيرة الجيش فقد حملها الأسطولُ العثماني إلى مدينة مستغانم التي اتخذَها قاعدة للعمليات، وفي 13 أبريل وصل حسن خير الدين بكامل قوَّته أمام مدينة وهران، وضرب حصارًا حولها، وكان الإسبان مستعدِّين لتلقي الصدمة وراء حصونِهم وقلاعهم، بعد أن توالت النجدات الإسبانية والبرتغالية على وهران؛ استجابة لنداء حاكمها، ومنذ أن صارت القواتُ العثمانية على مسافة مرحلتين وبينهما، كان البيلربك نفسه على بعد ست مراحل؛ مما اضطر حسن بن خير الدين إلى رفع الحصار قبل وصول المزيد من هذه النجدات التي اتخذت من مالطة مركزًا لتجمُّعها، وهكذا لم يستطع حسن بن خير الدين تحقيق هدفه ذلك؛ لأن فيليب الثاني كان قد وضع برنامجًا طموحًا للأسطول الإسباني، والبناء البحري في ترسانات إيطاليا وقطالونيا، كما وردت لخزانة إسبانيا إعانةٌ من البابوية، واجتمعت سلطة قشتالة التشريعية في جلسة غير عادية، وأقرَّت بوجوب إمداد إسبانيا بمعوناتٍ مالية، لتساندَها في حربها مع العثمانيين؛ ممَّا كانت ثمرة تلك المجهودات وإعادة التنظيم لهيكل إسبانيا وهزيمة العثمانيين في وهران.
كان ظهور أبي الحسين يحيى بن عمر بن يحيى بن حسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أنَّه أصابته فاقةٌ شديدةٌ فدخل سامرَّا فسأل وصيفًا أن يجري عليه رزقًا فأغلظ له القولَ، فرجع إلى أرض الكوفة فاجتمع عليه خلقٌ من الأعراب، وخرج إليه خلقٌ من أهل الكوفة، فنزل على الفلوجة، وقد كثُرَ الجمع معه، فكتب محمد بن عبد الله بن طاهر نائبُ العراق إلى عامِلِه يأمُرُه بقتالِه، وظهر أمرُه بالكوفة واستحكم بها، والتفَّ عليه خلقٌ من الزيدية وغيرِهم، ثم خرج من الكوفة إلى سوادِها ثم كرَّ راجِعًا إليها، فتلقاه عبد الرحمن بن الخطاب الملقَّب وجه الفلس، فقاتله قتالًا شديدًا، فانهزم وجه الفلس، ودخل يحيى بن عمر الكوفةَ ودعا إلى الرضى من آل محمد، وقوي أمرُه جدًّا، وصار إليه جماعةٌ كثيرة من أهل الكوفة، وتولَّاه أهل بغداد من العامَّة وغيرِهم ممَّن يُنسَبُ إلى التشيُّع، وأحبوه أكثَرَ من كل من خرج قبله من أهل البيتِ، وشرع في تحصيلِ السلاحِ وإعداد آلاتِ الحرب وجَمْعِ الرجال، وقد هرب الحسينُ بن إسماعيل نائبُ الكوفة منها إلى ظاهِرِها، واجتمع إليه أمدادٌ كثيرة من جهة الخليفة مع محمد بنِ عبد الله بن طاهر، واستراحوا وجمَعوا خيولَهم، فلما كان اليومُ الثاني عشر من رجب، أشار من أشار على يحيى بن عمر ممَّن لا رأي له، أن يركَبَ ويناجز الحُسين بن إسماعيل ويكبِسَ جيشه، فركب في جيشٍ كثير من خلقٍ من الفرسان والمشاة أيضًا من عامَّة أهل الكوفة بغير أسلحةٍ، فساروا إليهم فاقتتلوا قتالًا شديدًا في ظلمة آخر الليل، فما طلع الفجرُ إلَّا وقد انكشف أصحابُ يحيى بن عمر، وقد تقنطَرَ به فرسه، ثم طُعِنَ في ظهرِه فخَرَّ، فأخذوه وحزُّوا رأسَه وحملوه إلى الأمير الحسين بن إسماعيل فبعَثَه إلى ابن طاهر، فأرسله إلى الخليفة من الغدِ مع رجل يقال له عمر بن الخطاب، أخي عبد الرحمن بن الخطاب، فنُصِبَ بسامرَّا ساعة من النهار ثم بُعِثَ به إلى بغداد فنُصِبَ عند الجسر، ولم يمكِنْ نصبُه من كثرة العامَّة فجُعِلَ في خزائن السلاح، وكان الخليفة قد وجَّه أميرًا إلى الحسين بن إسماعيل نائب الكوفة، فلما قُتِلَ يحيى بن عمر دخلوا الكوفة فأراد ذلك الأميرُ أن يضع في أهلِها السيفَ، فمنعه الحسين وأمَّنَ الأسودَ والأبيض، وأطفأ اللهُ هذه الفتنة.
هو محمد علي باشا المسعود بن إبراهيم آغا القوللي الملقَّب بعزيز مصر، مؤسِّسُ الأسرة العَلَوية وحاكم مصر، من مواليد قوالة على الساحل المقدوني 1769م، كان عمه يشغل منصب (متسلم - أو نائب والي) وفي ديوان عمِّه هذا تمرَّس محمد علي بالأعمال والمعاملات من غيرِ أن يحظى بتربيةٍ مدرسية صحيحة. حتى إذا بلغ العشرين كان قد نجح في تجارةِ التبغ وعقد الصفقاتِ فيها، والتبغ مادةُ التجارة الرئيسية في بلده الأم. وظهرت عليه أمارات النزوع إلى السلطة وقوة الشخصية منذ نعومةِ أظفاره. وعندما غزا نابليون مصر أرسل السلطان سليم الثالث بِضعَ سُفُن حاملة جنودًا إلى مصر في صيف سنة 1799. كان على عمِّ محمد علي أن يبعثَ إلى مصر أيضا بكتيبةٍ مؤلفة من ثلاثمائة رجل، فعهد إلى ابنِه الصغير بقيادتِها، وعيَّن محمد علي مستشارًا لابنه. ولم تكد الكتيبةُ تَصِلُ إلى مصر حتى تولَّى محمد علي القيادةَ الفعليةَ، وأظهر في المعارك التي قادها ضِدَّ الفرنسيين من الكفاءةِ القيادية ما أهَّلَه للوثوب بقفزةٍ واحدة إلى منصِبِ القيادة العامة في سنة 1801م، وفي سنة 1805 أصبح حاكِمَ مصر بدون منازِعٍ، مستعينًا على بلوغ مأربه بشيوخِ الأزهر. ووافق السلطانُ على تعيينه واليًا على مصر. ومنحه لقبَ باشا. وأظهر من الغَيرة على الدين والرَّغبة في الجهاد والعمل لبناء مصر، ما جعله يستحوِذُ على محبة أهل مصر الذين التَفُّوا حوله وساندوه. خاض محمد علي في بداية فترة حكمه حربًا داخليَّةً ضِدَّ المماليك والإنجليز إلى أن خضعت له مصرُ بالكليَّة، ثم خاض حروبًا بالوكالةِ عن الدولة العثمانية في جزيرة العرب ضِدَّ الوهَّابيين وضِدَّ الثوار اليونانيين الثائرين على الحكم العثماني في المورة، كما وسَّع دولته جنوبًا بضمه للسودان. خلال فترة حكمِه لمصر استطاع أن ينهض بمصر عسكريًّا وتعليميًّا وصناعيًّا وزراعيًّا وتجاريًّا؛ مما جعل من مصرَ دولةً ذات ثقل في تلك الفترة، حتى أصبح ينافس الدولةَ العثمانية نفسَها؛ فقد خاض حروبًا ضِدَّها حتى دخل الأناضول وكاد يُسقِطُ الدولة العثمانية، ولكن أُخمِدَت حركتُه لتعارضها مع مصالحِ الدُّوَل الغربية التي أوقفت محمد علي وأرغمَتْه على التنازل عن معظم الأراضي التي ضَمَّها. وبسبب المشاكل في آخرِ عهد محمد علي الناجمة عن كثرة حروبِه مع خصومِه وغَرَقِ مِصرَ بالديون تخلَّى عن الحكم لابنه إبراهيم باشا في شعبان من سنة 1264هـ ثمَّ لم يعمَّرْ بعدها كثيرًا حتى توفِّيَ في رجب من هذا العامِ.
هو شيخ الإسلام، إمام الحفاظ، أميرُ المؤمنين في الحديث، أبو عبد الله سفيانُ بنُ سعيد بن مسروق الثوريُّ التميميُّ، وُلِدَ سنة 97 بالكوفة, وهو سيِّدُ أهل زمانه في العِلم والدين، من كبارِ تابعي التابعينَ, وأحدُ الأئمة المجتهدينَ الذين كان لهم أتباعٌ، مصنف كتاب (الجامع) ولد: سنة 98 اتفاقا، وطلب العلم وهو حدث باعتناء والده المحدث الصادق سعيد بن مسروق الثوري، وكان والده من أصحاب الشعبي، وخيثمة بن عبد الرحمن، ومن ثقات الكوفيين، وعداده في صغار التابعين, ولا يُختلف في إمامة سفيان وأمانته وحفظه وعلمه وزهده. قال يونس بن عبيد: "ما رأيت أفضل من سفيان الثوري، فقيل له: يا أبا عبد الله رأيت سعيد بن جبير، وإبراهيم، وعطاء، ومجاهدا وتقول هذا؟ قال: هو ما أقول، ما رأيت أفضل من سفيان" قال عبد الرحمن بن مهدي: "ما رأيت رجلاً أحسن عقلاً من مالك بن أنس، ولا رأيت رجلاً أنصح لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من عبد الله بن مبارك، ولا أعلم بالحديث من سفيان، ولا أقشف من شعبة". وقد ساق الذهبي جملة من اقوال الأئمة والعلماء في الثوري منها: قال ابن المبارك: "كتبت عن ألف ومائة شيخ، ما كتبت عن أفضل من سفيان, وما نعت لي أحد فرأيته، إلا وجدته دون نعته، إلا سفيان الثوري. قال أبو حنيفة: لو كان سفيان الثوري في التابعين، لكان فيهم له شأن. وقال أيضا: لو حضر علقمة والأسود، لاحتاجا إلى سفيان. وقال المثنى بن الصباح: سفيان عالم الأمة، وعابدها. وقال ابن أبي ذئب،: ما رأيت أشبه بالتابعين من سفيان الثوري. وقال شعبة: ساد سفيان الناس بالورع والعلم, وهو أمير المؤمنين في الحديث. وقال ابن عيينة،: ما رأيت رجلا أعلم بالحلال والحرام من سفيان الثوري. وقال أحمد بن حنبل: قال لي ابن عيينة: لن ترى بعينيك مثل سفيان الثوري حتى تموت. وعن حفص بن غياث، قال: ما أدركنا مثل سفيان، ولا أنفع من مجالسته. وقال أبو معاوية: ما رأيت قط أحفظ لحديث الأعمش من الثوري، كان يأتي، فيذاكرني بحديث الأعمش، فما رأيت أحدا أعلم منه بها. وقال يحيى بن سعيد: سفيان أعلم بحديث الأعمش من الأعمش. وقال ابن عرعرة: سمعت يحيى بن سعيد يقول: سفيان أثبت من شعبة، وأعلم بالرجال. وقال محمد بن زنبور: سمعت الفضيل يقول: كان سفيان والله أعلم من أبي حنيفة. وقال بشر الحافي: سفيان في زمانه، كأبي بكر وعمر في زمانهما.". يقال: إن عدد شيوخه ستمائة شيخ، وكبارهم الذين حدثوه عن: أبي هريرة، وجرير بن عبد الله، وابن عباس، وأمثالهم. وقد قرأ الختمة عرضا على: حمزة الزيات أربع مرات. وأما الرواة عنه فقد حدث عنه من القدماء من مشيخته وغيرهم خلق، منهم: الأعمش، وأبان بن تغلب، وابن عجلان، وخصيف، وابن جريج، وجعفر الصادق، وجعفر بن برقان، وأبو حنيفة، والأوزاعي، ومعاوية بن صالح، وابن أبي ذئب، ومسعر، وشعبة، ومعمر وكلهم ماتوا قبله, وغيرهم كثير. قال يحيى بن أيوب العابد: حدثنا أبو المثنى، قال: "سمعتهم بمرو يقولون: قد جاء الثوري، قد جاء الثوري. فخرجت أنظر إليه، فإذا هو غلام قد بقل وجهه - خرج شعر وجهه-. قلت (الذهبي): "كان ينوه بذكره في صغره، من أجل فرط ذكائه، وحفظه، وحدث وهو شاب قال أبو بكر بن عياش: إني لأرى الرجل يصحب سفيان، فيعظم في عيني. وقال ورقاء، وجماعة: لم ير سفيان الثوري مثل نفسه." كان سفيان رأسا في الزهد، والتأله، والخوف، رأسا في الحفظ، رأسا في معرفة الآثار، رأسا في الفقه، لا يخاف في الله لومة لائم, وهو من أئمة الدين، وكان يكثر من ذكر الآخرة, واغتفر له غير مسألة اجتهد فيها، وفيه تشيع يسير، كان يثلث بعلي، وهو على مذهب بلده أيضا في النبيذ. ويقال: رجع عن كل ذلك، وكان ينكر على الملوك، ولا يرى الخروج أصلا ومن أقوله رحمه الله: ما أودعت قلبي شيئا فخانني. قال وكيع، سمعت سفيان يقول: ليس الزهد بأكل الغليظ، ولبس الخشن، ولكنه قصر الأمل، وارتقاب الموت. وقال يحيى بن يمان: سمعت سفيان يقول: المال داء هذه الأمة، والعالم طبيب هذه الأمة، فإذا جر العالم الداء إلى نفسه، فمتى يبرئ الناس وقال عبد الرزاق: دعا الثوري بطعام ولحم، فأكله، ثم دعا بتمر وزبد، فأكله، ثم قام، وقال: أحسن إلى الزنجي، وكده. أبو هشام الرفاعي: سمعت يحيى بن يمان، عن سفيان، قال: إني لأرى الشيء يجب علي أن أتكلم فيه، فلا أفعل، فأبول دما. وقال سفيان: ما وضع رجل يده في قصعة رجل، إلا ذل له. قيل: إن عبد الصمد عم المنصور دخل على سفيان يعوده، فحول وجهه إلى الحائط، ولم يرد السلام. فقال عبد الصمد: يا سيف! أظن أبا عبد الله نائما. قال: أحسب ذاك أصلحك الله. فقال سفيان: لا تكذب، لست بنائم. فقال عبد الصمد: يا أبا عبد الله! لك حاجة؟ قال: نعم، ثلاث حوائج: لا تعود إلي ثانية، ولا تشهد جنازتي، ولا تترحم علي. فخجل عبد الصمد، وقام، فلما خرج، قال: والله لقد هممت أن لا أخرج، إلا ورأسه معي. دعاه المنصور لتولِّي القضاءِ فأبى، ثم طلَبَه المهدي لذلك, فأبى ثم أتي به للمهدي، فلما دخل عليه سلم تسليم العامة ولم يسلم بالخلافة، والربيع قائم على رأس المهدي متكئاً على سيفه يرقب أمر الثوري، فأقبل عليه المهدي بوجه طلق، وقال له: يا سفيان، تفر منا ها هنا وها هنا وتظن أنا لو أردناك بسوء لم نقدر عليك، فقد قدرنا عليك الآن، أفما تخشى أن نحكم فيك بهوانا قال سفيان: إن تحكم فيّ يحكم فيك ملك قادر يفرق بين الحق والباطل، فقال له الربيع: يا أمير المؤمنين، ألهذا الجاهل أن يستقبلك بمثل هذا إيذن لي أن أضرب عنقه، فقال له المهدي: اسكت ويلك، وهل يريد هذا وأمثاله إلا أن نقتلهم فنشقى بسعادتهم اكتبوا عهده على قضاء الكوفة على أن لا يُعترض عليه في حكم، فكتب عهده ودفع إليه، فأخذه وخرج فرمى به في دجلة وهرب، فطلب في كل بلد فلم يوجد. هرب إلى مكَّة أولًا، ثم خرج إلى البصرة وبقي فيها متواريًا حتى مات فيها", وأُخرِجَت جنازتُه على أهلِ البصرة فجأةً، فشَهِدَه الخلقُ، وصلَّى عليه عبد الرحمن بن عبد الملك بن أبجر، ونزل في حُفرتِه هو وخالد بن الحارث. مات وله ثلاث وستون سنة.
كان أبو الخَطَّار لمَّا بايَعَ وُلاةَ الأندَلُس مِن قَيسٍ قد قال شِعرًا وعَرَّض فيه بِيَومِ مَرْج راهِط، وما كان مِن بَلاءِ كَلْبٍ فيها مع مَرْوان بن الحَكَم، وقِيام القَيْسِيِّين مع الضَّحَّاك بن قَيسٍ الفِهري على مَرْوان, فلمَّا بَلَغ شِعرُه هِشامَ بن عبدِ الملك عَلِم أنَّه رَجلٌ مِن كَلْبٍ، وكان هِشام قد استَعمَل على أفريقيا حَنضَلة بن صَفوان الكَلْبي سَنَة أربع وعشرين ومائة، فكَتَب إليه هِشامٌ أن يُوَلِّي الخَطَّارَ الأندَلُس، فوَلَّاه وسَيَّرهُ إليها.
خالف العطافُ بنُ سفيانَ الأزديُّ الرشيدَ وتغلَّب على الموصِل، وكان من فرسانِ أهلِ الموصل، واجتمع عليه أربعةُ آلافِ رَجُلٍ، وجبى الخراجَ، وكان عامِلُ الرشيدِ على الموصل محمَّدَ بن العباس الهاشمي، وقيل: عبد الملك بن صالح، والعطاف غالِبٌ على الأمر كلِّه، وهو يَجبي الخراج، وأقام على هذا سنتين، حتى خرجَ الرشيدُ إلى الموصل فهدَمَ سُورَها بسَبَبِه, فأقسَمَ ليقتُلَنَّ من لَقِيَ مِن أهلِها، وكان العطاف قد سار عنها نحوَ أرمينيَّة، فلم يظفَرْ به الرشيدُ.