هو الشيخُ المُحدِّثُ المعمَّر ظَهيرُ الدِّينِ بنُ عبدِ السبحان محمد بَهادُر الأثَريُّ الرَّحماني المُبارَكْفوريُّ، وُلد سنةَ 1920م الموافق لسنةِ 1338 تقريبًا، في حُسين آباد قُربَ مُبارَكْفُورَ بالهندِ. وبدأ دِراستَه الأولى في بَلدتِه، ثم انتقَلَ إلى جامعةِ "فَيض عام" في مدينةِ "مَو" القريبةِ، وانتقَلَ بعدها إلى دارِ العلومِ في ديوبند، ثم انتقَلَ إلى دارِ الحديثِ الرحمانيَّةِ الشهيرةِ في دِهْلي -دلهي-. قرَأَ على جماعةٍ من العُلماءِ، وأجازَ له منهم: المُحدِّثُ أحمَدُ اللهَ الدهلوي، وعُبيدُ اللهِ الرَّحمانيُّ، ولقي جماعةً، وأبرَزُهم المحدِّثُ عبدُ الرحمنِ المُبارَكْفوريُّ. ومن شُيوخِه الذين قرأَ عليهم: عبدُ الرحمنِ المَوِّي النَّحْويُّ، وعبدُ اللهِ شائق الموِّي، ونذير أحمد الأملوي، وأحمد حسام الدين الموِّي. وبعد تَخرُّجِه درَّسَ في دارِ التعليم سنةَ 1942، ثم تنقَّلَ في التدريسِ بين عِدَّةِ مدارسَ في مناطقَ مختلفةٍ، إلى أنِ استقرَّ سنةَ 1958 في جامعةِ دار السلام في عمر آباد، ودرَّس فيها، وكان وَقتَها وكيلًا للجامعةِ، إلى أنْ ترَكَ التدريسَ سنةَ 2005م، مع بقاءِ إفادتِه للأساتذةِ والواردين عليه، ومُشاركتِه في المناسباتِ، وخلالَ ذلك درَّس سُنَنَ أبي داودَ ودرَّس الصحيحَينِ، وتولَّى إمارةَ جمعيةِ أهلِ الحديثِ في ولايةِ تاميل نادو. ونظرًا لجُهدِه ومكانتِه في التدريسِ فقد قامت جمعيةُ أهلِ الحديثِ المَركزيةُ في عُمومِ الهندِ بتكريمِه ضِمنَ كبارِ رجالاتِ أهلِ الحديثِ على مستوى الهندِ، وذلك في مؤتمَرِ أهلِ الحديثِ الثامنِ والعشرينَ لعُمومِ الهندِ في مدينةِ باكورَ، في شهرِ مُحرَّمٍ عامَ 1425 الذي حضَرَه نحوُ مليونِ شخصٍ. وكان صاحبَ أعلى إسنادٍ لصحيحِ مُسلمٍ، بدَأَ ينتشِرُ خَبَرُه عند المهتمِّين بالروايةِ من العرَبِ، وارتحَلَ له جماعةٌ، وحدَّثَ في عدةِ أماكنَ، ومنها: المدينةُ، والرياضُ، والخُبرُ، والدوحةُ، وأمريكا، وغيرُها، وانتشَرَ سنَدُه. وكان الشيخُ على خُلقٍ رفيعٍ، جيِّدَ الحديثِ بالعربيةِ، بقيَ العلَّامةُ يُقرئُ ويُفيدُ في بيتِه وعَبرَ الهاتفِ إلى آخرِ أيامِه، ولا ينقَطِعُ إلا لمرضٍ أو سَفَرٍ، إلى أنِ اشتدَّ به المرَضُ وتوفَّاهُ اللهُ، وقد صُلِّيَ عليه -رحمه الله- في مسجِدِ الجامعةِ، ودُفِن في مقبرةِ عمر آباد.
خرج الأمير محمد بن عبدالرحمن بنفسه إلى الثغر، وحلَّ في وجهته بطليطِلة، وأخذ رهائِنَهم، وعقدَ أمانَهم، وقاطَعَهم على قطيعٍ من العُشور يؤدُّونه في كل عام، وهو الأمانُ الثاني. واختلفت أهواؤهم في عُمَّالهم، فطلب قوم منهم توليةَ مطَرِّف بن عبد الرحمن، وطلب آخرونَ تولية طربيشة بن ماسوية، فولَّى كلَّ واحد منهما جانبًا، واقتسما المدينةَ وأقاليمها على حدود مفهومة معلومة؛ ثم تنازعا، وأراد كلُّ واحد منهما الانفرادَ بمُلك طليطلة، ثم غلب الداعون إلى تقديمِ طربيشة، وتأخير مُطَرِّف. وكان الأمير محمد تتلقاه في وجهتِه هذه- في الارتحال والاحتلال- طلائِعُ الظَّفَر، وبوادر النَّجاح والنصر. وتجوَّل في الثغر محاصرًا لبني موسى، ومضيِّقًا عليهم. ثم تقدَّم إلى بنبلونة؛ فوطئ أرضَها، وأذلَّ أهلَها وخَرَّبها ثم قفَل، فحَلَّ بقُرطبة، ومعه جماعةٌ من الثوَّار الناكثين المُفسِدين، فلما أخذ راحتَه أمر بقتل مطرف بن موسى وبنيه.
هو شيخ الإسلام العلامة ذو التصانيف المفيدة والفتاوى السديدة، قاضي قضاة المسلمين شهاب الدين أبو السرور أحمد بن عمر بن محمد بن عبد الرحمن بن القاضي يوسف بن محمد بن علي بن محمد بن حسان بن الملك سيف بن ذي يزن المذحجي السيفي المرادي الشهير بالمُزَجد الشافعي الزبيدي، وكان من العلماء المشهورين وبقية الفقهاء، واحد المحقِّقين المعتمدين المرجوع إليهم في النوازل المعضلة والحوادث المشكلة، وكان على الغاية من التمكن في مراتب العلوم الإسلامية من الأصول والفروع وعلوم الأدب، وهو الذي أفتى بجواز شرب البنِّ والقهوة، وقد كان الخلاف بجواز شربها منتشرًا في عدد من الأمصار. ولد المُزَجد سنة 847 بجهة قرية الزبيدية، ونشأ بها وحفظ جامع المختصرات، ثم انتقل إلى بيت الفقيه بن عجيل فأخذ فيها على شيخ الإسلام إبراهيم بن أبي القاسم جغمان, ثم ارتحل إلى زبيد واشتغل فيها على عدد من أهل العلم، فحصَّل الفقه والأصول والحديث والحساب والفرائض, وبرع في علوم كثيرة لكنَّه تميز في الفقه حتى كان فيه أوحدَ وقته، ومن مصنفاته المشهورة في الفقه: العباب والمحيط بمعظم نصوص الشافعي والأصحاب، وهو كاسمه, وهو على أسلوب الرَّوْض جمع في مسائل الروض ومسائل التجريد، وهو كتاب عظيم جامع لأكثر أقوال الإمام الشافعي وأصحابه وأبحاث المتأخرين منهم على الغاية من جزالة اللفظ وحسن التقسيم، ولقد اشتهر هذا الكتاب في الآفاق ووقع على حسنِه ونفاسته الإجماع والاتفاق، وكثر اعتناءُ الناس بشأنه وانتفاع الطلبة به واغتباطهم ببيانه، واعتناء غير واحد من علماء الإسلام بشرحه، كالعارف شيخ الإسلام أبي الحسن البكري؛ فإنه شرحه بشرحين: صغير وكبير, ومنها تجريدُ الزوائد وتقريب الفرائد في مجلدين، جمع فيه الفروع الزائدة على الروضة غالبًا، وكتاب تحفة الطلاب ومنظومة الإرشاد في خمسة آلاف وثمانمائة وأربعين بيتًا, وزاد على الإرشاد كثيرًا من المسائل والقيود، ونظم أوائله إلى الرهن في مدة طويلة ثم مكث نحو خمس عشرة سنة، ثم شرع في تتمته فكمله في أقل من سنة، وله غير ذلك، وتفقه به خلائق كثيرون من أكابر الأعيان واختلاف أجناس الطلبة من جهات شتى، وله شِعرٌ حَسن، ومنه في الحصن الحصين، وكان ينظِم في اليوم الواحد نحو ثمانين بيتًا مع القيود والاحترازات، وله مرثية عظيمة في شيخه عمر الفتى. قال حفيدُه شيخ الإسلام قاضي قضاة الأنام أبو الفتح بن حسين المزجد: كان جدي شرَحَ جامع المختصرات للنسائي في ست مجلدات، ثم لما رآه لم يستوفِ ما حواه الجامع المذكور من الجَمع والخلاف، ألقاه في الماء فأعدمه، والله المستعان. قال علامة العصر ومفتيه أحمد بن عبد الرحمن الناشري: "كان القاضي شهاب الدين المزجد إذا سئم من القراءة والمطالعة، استدعى بمقامات الحريري، فيطالع فيها ويسمِّيها طبق الحلوى" ووليَ قضاء عدن ثم قضاء زبيد، وباشر ذلك بعفَّة وديانة، وطالت مدته فيها. وحكي: "أنه لما جاء زبيد وأُتيَ إليه بمعلومها، قال: جئنا من عدن إلى عدم. وكأنه- والله أعلم- كان غير راض بهذه المرتبة لِما فيها من الخطر العظيم؛ وذلك لكمال ورعه واحتياطه في دينه واستحقاره لزهرة الدنيا ومنصبها، وكان على جانب عظيم من الدين، حتى قال بعضهم في عصره: لو جاز أن يبعث الله نبيًّا في عصرنا، لكان أحمد المزجد هو ذلك النبي!" قال النماري: "لما دخلت عليه وشرعتُ في قراءة العباب لديه، أخذتني من دهشته الهيبةُ والعظمة ما منعني استيفاءَ ما كنت آلَفُه من الانبساط في حال القراءة، ففهم ذلك مني وأخذ يباسطني بذكرِ بلدي وأنَّ منها الشاعر الفلاني الذي قال في قصيدته ما هو كيت وكيت، حتى زال عني ذلك الدَّهشُ وثابَتْ إليَّ نفسي, وكانت أوقات شيخنا مرتبة: يجعل أواخر الليل وأول النهار لدرس القرآن، ثم يشتغل بما له من أوراد، ثم بالتفسير، ثم بالفقه، ثم يخرج إلى الحُكم إلى وقت الظهر، ثم يَقيل، ثم يشتغل بالإحياء للغزالي ونحوه من كتب الرقائق، وفي آخر النهار ينظر في التاريخ إلى أن يخرج لمجلس الحُكم بعد صلاة العصر؛ لأنه كان يجلس للحكم في اليوم مرتين" وقد انتفع به الناس، وأخذ عنه الطلبة واستمر على عظمته ووجاهته حتى مات في دولة الأروام- جمع رومي- قال محي الدين العيدروس: "ومناقب المزجد كثيرة وترجمته طويلة، وقد أفردها بالتصنيف حفيدُه القاضي أبو الفتح بن الحسين المزجد في جزء لطيف سمَّاه: منية الأحباب في مناقب صاحب العباب، وإذا تأملتَ ما أسلفناه عنه من الأخبار الجميلة والسِّيَر الحميدة، علمتَ أنَّه من العلماء الأخيار الأبرار، ولا ينافي ذلك ما كان متلبسًا به من القضاء ونحوه؛ فقد ابتلى بمثل ذلك غيرُ واحد من العلماء الصلحاء، كشيخ الإسلام تقي الدين السبكي، وشيخ الإسلام زكريا الأنصاري" كان لشهاب الدين المزجد أربعة أولاد: علي، والحسن، والحسين، وعبد الرحمن، وكل منهم أفتى في حياة أبيه، ومات منهم اثنان في حياة أبيهما، وهما عبد الرحمن وحسن، ورثاهما وحزن عليهما. توفي شهاب الدين فجر يوم الأحد شهر ربيع الآخر من هذه السنة ببلدة زبيد، وصُلِّي عليه بجامعها الكبير ودُفن بباب سهام، وقبره قبلي تربة الشيخ علي أفلح، ولم يخلف بعده مثله- رحمه الله تعالى ونفعنا بسره وسر علومه- ورثاه جماعة من أكابر العلماء والأدباء من تلامذته ومعاصريه، وعظُمَ الأسفُ عليه.
هي أم المؤيد زينبُ بنت أبي القاسم عبد الرحمن بن الحسن بن أحمد بن سهل بن أحمد بن عبدوس الجرجاني الأصل النيسابوري الدار، الصوفي المعروف بالشعري- وتدعى حرة- وُلِدَت سنة 524 بنيسابور، وكانت عالمة، وأدركت جماعة من أعيان العلماء، وأخذت عنهم رواية وإجازة. سمعت من أبي محمد إسماعيل بن أبي القاسم ابن أبي بكر النيسابوري القارئ، وأبي القاسم زاهر وأبي بكر وجيه ابني طاهر الشحاميين، وأبي المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم بن هوازن القشيري، وأبي الفتوح عبد الوهاب بن شاه الشاذياخي وغيرهم، وأجاز لها الحافظ أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر الفارسي، والعلامة أبو القاسم محمود ابن عمر الزمخشري صاحب " الكشاف " وغيرهما من السادات الحُفَّاظ. قال ابن خلكان: "ولنا منها إجازة كتبتها في بعض شهور سنة 610، ومولدي يوم الخميس بعد صلاة العصر حادي عشر شهر ربيع الآخر سنة 608 بمدينة إربل بمدرسة سلطانها الملك المعظم مظفر الدين بن زين الدين" توفيت الحرة سنة 615 في جمادى الآخرة بمدينة نيسابور" قال الذهبي: "حدثت أم المؤيد أكثر من ستين سنة، روى عنها: عبد العزيز بن هلالة، وابن نقطة، والبرزالي، والضياء، وابن الصلاح، والشرف المرسي، والصريفيني، والصدر البكري، ومحمد بن سعد الهاشمي، والمحب ابن النجار، وجماعة كثيرة. وسمعت بإجازتها على التاج بن عصرون، والشرف بن عساكر، وزينب الكندية. وكانت شيخة صالحة، عالية الإسناد معمرة، مشهورة، انقطع بموتها إسناد عال". قال ابن خلكان: "الشَّعْري بفتح الشين المثلثة وسكون العين المهملة وفتحها وبعدها راء، هذه النسبة إلى الشعر وعمله وبيعه، ولا أعلم من كان في أجدادها يتعاطاه فنسبوا إليه، والله أعلم".
هو أبو عبدِ الرَّحمنِ عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ محمد بن حنبل الشيباني البغدادي، الحافظ، مِن أهل بغداد، والده هو الإمامُ أحمد بن حنبل، ولد سنة 213 وأمُّه اسمها ريحانة، تزوجَّها الإمام أحمد بعد وفاةِ زوجته الأولى عبَّاسة أم ابنِه صالحٍ، وأنجبت له ريحانةُ ابنَه عبد الله. تعلَّمَ على يدِ أبيه فسَمِعَ منه المُسنَد، فكان مُكثِرًا في الروايةِ عن أبيه وعن غيره, وكان إمامًا ثِقةً حافِظًا ثَبتًا، قال ابن المنادي: لم يكُنْ أحدٌ أروى عن أبيه منه، روى عنه المسندَ ثلاثينَ ألفًا، والتفسير مائة ألفِ حديث وعشرون ألفًا، من ذلك سماعٌ، ومن ذلك إجازة، ومن ذلك الناسِخُ والمنسوخ، والمقَدَّم والمؤخَّر، والمناسِك الكبير والصغير، وغير ذلك من التصانيف، وحديث الشيوخِ، وقال- أي ابن المنادي: وما زِلْنا نرى أكابِرَ شيوخِنا يشهدون له بمعرفةِ الرِّجالِ وعِلَل الحديث، والأسماءِ والكُنى، والمواظبة على طلَبِ الحديث في العراق وغيرها، ويذكُرونَ مِن أسلافهم الإقرارَ له بذلك، حتى إنَّ بعضَهم أسرفَ في تقريظه له بالمعرفة وزيادةِ السَّماعِ للحديث عن أبيه"، ولَمَّا مَرِضَ قيل له أين تُدفَنُ ؟ فقال: صحَّ عندي أنَّ بالقطعيَّة نبيًّا مدفونًا، ولَأن أكونَ بجوارِ نبيٍّ أحَبُّ إليَّ مِن أن أكونَ في جوار أبي، مات عن سبع وسبعين سنة، كما مات لها أبوه، واجتمع في جنازته خلقٌ كثيرٌ من الناس، وصلَّى عليه زهير ابن أخيه، ودُفِنَ في مقابِرِ باب التين- رحمَه الله تعالى.
هو عَمرُو بن العاصِ بن وائلِ بن هاشِم بن سُعَيْدِ –بالتصغير- بن سهمِ بن عَمرِو بن هُصَيْص بن كعبِ بن لُؤَيٍّ القُرشيُّ السَّهميُّ، أميرُ مِصْرَ، يُكَنَّى أبا عبدِ الله، وأبا محمَّد، أَسلَم قبلَ الفتحِ في صَفَر سنة ثمانٍ، وقِيلَ: بين الحُديبيَة وخيبر، ولمَّا أَسلَم كان النَّبِيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُقَرِّبُه ويُدْنِيهِ لِمَعرفتِه وشَجاعتِه. ووَلَّاهُ غَزوةَ ذاتِ السَّلاسِل، وأَمَدَّهُ بأبي بكرٍ وعُمَر وأبي عُبيدةَ بن الجَرَّاح، ثمَّ اسْتَعمَله على عمَّان، فمات صلَّى الله عليه وسلَّم وعَمرٌو هو أميرُها، ثمَّ كان مِن أُمراءِ الأجنادِ في الجِهادِ بالشَّام في زمن عُمَر، وهو الذي افتتَح قِنَّسْرين، وصالَح أهلُ حَلَب ومَنْبِج وأَنْطاكِيَة، ووَلَّاهُ عُمَرُ فِلَسْطين، ووُلِيَّ عَمرٌو إمِرَةَ مِصْرَ في زمن عُمَر بن الخطَّاب، وهو الذي افتَتَحها وأبقاهُ عُثمانُ قليلًا ثمَّ عزَلهُ ووَلَّى عبدَ الله بن أبي سَرْحٍ، ثمَّ لم يَزَلْ عَمرٌو بغيرِ إمْرَةٍ إلى أن كانت الفِتنَة بين عَلِيٍّ ومُعاوِيَة، فلَحِقَ بمُعاوِيَة فكان معه يُدَبِّرُ أمْرَهُ في الحربِ إلى أن جَرى أَمْرُ الحَكَمَيْنِ، ثمَّ سار في جيشٍ جَهَّزَهُ مُعاوِيَةُ إلى مِصْرَ فوَلِيَها لمُعاوِيَة مِن صَفَر سنة ثمانٍ وثلاثين إلى أن مات سنة ثلاثٍ وأربعين على الصَّحيح. تُوفِّي وهو ابنُ تِسعين سنة. وفي صحيحِ مُسلمٍ مِن رِواية عبدِ الرَّحمن بن شِماسَةَ قال: فلمَّا حَضَرَت عَمرَو بن العاصِ الوَفاةُ بَكى، فقال له عبدُ الله بن عَمرٍو ابنُه: ما يُبكيكَ؟ فذَكر الحديثَ بطُولِه في قِصَّةِ إسلامِه، وأنَّه كان شديدَ الحياءِ مِن رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم لا يَرفَعُ طَرْفَه إليه. وذكَرها ابنُ عبدِ الحَكَم في فُتوحِ مِصْر، وزاد فيها أشياء مِن رِواية ابنِ لَهِيعَةَ.
كان شيخُ مُجيب الرحمن قد قام مع حِزْبه بالتأليبِ للانفصالِ عن باكستانَ وقِيام دولةٍ مُستقِلة، وهذا ما تمَّ بالفِعل عامَ 1391هـ، وكان قد اعتُقِل مُجيب ثم أُطلِقَ سراحُه، وعاد إلى دكا عاصمةِ بنغَلاديشَ، ثم في 22 ذي الحجةِ 1393هـ / 15 كانون الثاني 1974م انتُخِب مُجيب الرحمنِ رئيسًا لِلجُمهورية، أو نصَّب نفْسَه، ويُعَدُّ الثالثَ مِن رُؤساء دَولةِ بنْغلاديش بعد نصْرِ الإسلامِ وأبي سَعيد شودري اللذينِ كانا مجرَّدَ صورةٍ، بيْنما السُّلطة الحقيقية كانت بيَدِ مُجيب الرحمنِ، ثم أطلَقَ مُجيب الرحمنِ على نفْسِه لَقَب البانجاباندهو -أي: أبو الأُمَّة- واستبدَّ بالحكْمِ.
لمَّا كَثُرَت الفُتوحُ وبالتَّالي كَثُرَ الدَّاخِلون الجُدُدُ في الإسلامِ والمُتعَلِّمون لِكتابِ الله مِن غيرِ العَربِ ظَهرَت بعضُ الاختِلافاتِ في القِراءاتِ، ممَّا خَوَّفَ بعضَ الصَّحابةِ على مُستقبَلِ مِثلِ هذه الخِلافاتِ، فما كان مِن حُذيفةَ بن اليَمانِ رضِي الله عنه إلَّا أن تَوجَّهَ إلى عُثمانَ بن عفَّانَ وطلَب منه أن يُدرِكَ النَّاسَ قبلَ أن يَختلِفوا الاختِلافَ الذي تكونُ فيه فِتْنَتُهم واقْتِتالُهم، فأَمَرَ عُثمانُ بن عفَّانَ بِنَسْخِ القُرآنِ الكريمِ على قِراءَةٍ واحدَةٍ على لُغَةِ قُريشٍ ولَهْجَتِها، وقد كَلَّفَ لذلك عددًا مِن الصَّحابةِ وهُم: زيدُ بن ثابتٍ، وعبدُ الله بن الزُّبيرِ، وسعيدُ بن العاصِ، وعبدُ الرَّحمنِ بن الحارِثِ، فبَدَأوا يَنسَخون المُصحَفَ، وجَمَعوهُ بالاسْتِعانةِ بالمُصحَفِ الذي كان أبو بكرٍ قد جَمعَهُ في عَهدِه، وكان يَومَها عندَ حَفصةَ رضِي الله عنها، فاسْتَلَمه عُثمانُ منها، ثمَّ أَمَر عُثمانُ بنَسْخِ عِدَّةِ نُسَخٍ مِن هذا المُصحَفِ الذي وَحَّدَهُ على قِراءَةٍ واحدَةٍ، وأَمَر بكُلِّ نُسخَةٍ في بلدٍ عند أَميرِها، وأَمَر بِسائِرِ المَصاحِف أن تُحْرَقَ ولا يَبقى منها شيءٌ إلَّا التي جَمَعها ووَحَّدَها، وإلى يَومِنا هذا لا يُعرَفُ إلَّا الرَّسْمُ العُثمانيُّ، يعني الرَّسْمَ الذي أَمَر بجَمْعِه عُثمانُ وأَبقاهُ ونَشَرهُ، وغيرُ هذا الرَّسْمِ العُثمانيِّ يُعتبَرُ شاذًّا لا يُقْرَأُ به ولا يُعَدُّ مِن القُرآنِ فجَزاهُ الله خيرًا.
أَغار عُيَيْنَةُ بنُ حِصْنٍ -في بني عبدِ الله بنِ غَطَفانَ- على لِقاحِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم التي بالغابةِ، فاسْتاقَها وقتَل راعيَها، وهو رجلٌ مِن غِفارٍ، وأخذوا امْرأتَهُ، فكان أوَّلَ مَن نذَر بهم سَلمةُ بنُ عَمرِو بنِ الأَكْوَعِ الأَسلميُّ رضي الله عنه، يقول سَلمةُ: خَرجتُ قبلَ أن يُؤذَّنَ بالأولى، وكانت لِقاحُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم تَرعى بِذي قَرَدٍ، قال: فلَقِيَني غُلامٌ لِعبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ فقال: أُخِذَتْ لِقاحُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم. فقُلتُ: مَن أخَذها؟ قال: غَطَفانُ. قال: فصَرختُ ثلاثَ صَرخاتٍ، يا صَباحاهُ. قال: فأَسمَعتُ ما بين لابَتَيِ المدينةِ، ثمَّ اندَفعتُ على وجهي حتَّى أدركتُهم بِذي قَرَدٍ، وقد أخَذوا يَسقون مِنَ الماءِ، فجَعلتُ أَرميهِم بِنَبْلي، وكنتُ راميًا، وأقولُ: أنا ابنُ الأكوعِ... واليومُ يومُ الرُّضَّعِ، فأَرتَجِز حتَّى اسْتنقَذتُ اللِّقاحَ منهم، واسْتلَبتُ منهم ثلاثين بُردةً، قال: وجاء النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم والنَّاسُ، فقلتُ: يا نَبيَّ الله، إنِّي قد حَمَيْتُ القومَ الماءَ وهُم عِطاشٌ، فابعثْ إليهم السَّاعةَ. فقال: «يا ابنَ الأَكوعِ مَلَكْتَ فأَسْجِحْ». ثمَّ قال: «إنَّهم الآنَ ليُقْرَوْنَ في غَطَفانَ». وذهَب الصَّريخُ بالمدينةِ إلى بني عَمرِو بنِ عَوفٍ، فَجاءتِ الأَمدادُ ولم تَزلْ الخيلُ تأتي، والرِّجالُ على أَقدامِهم وعلى الإبلِ حتَّى انْتَهَوْا إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بِذي قَرَدٍ. وبلغ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ماءً يُقالُ له: ذو قَرَدٍ. فنحَر لِقْحَةً ممَّا اسْتَرجَع، وأقام هناك يومًا وليلةً، ثمَّ رجَع إلى المدينةِ. وقُتِلَ في هذه الغَزوةِ الأَخْرَمُ، وهو مُحْرِزُ بنُ نَضْلَةَ رضي الله عنه، قتَلهُ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عُيينةَ، وتَحوَّل على فَرسِه، فحمَل عليه أبو قَتادةَ فقَتلهُ، واسْتَرجَع الفَرسَ، وكانت لِمحمودِ بنِ مَسلمةَ، وأَقبلتِ المرأةُ المَأسورةُ على ناقةٍ لِرسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وقد نَذرتْ: إنِ الله أَنجاها عليها لَتَنْحَرَنَّها، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: بِئسَ ما جَزَتْها، لا نذرَ لابنِ آدمَ فيما لا يَملِك، ولا في مَعصيةٍ. وأخَذ ناقتَهُ. وقد رَوى مُسلمٌ في صَحيحِه عن سَلمةَ بنِ الأَكوعِ في هذه القِصَّةِ قال: فرجَعنا إلى المدينةِ، فلم نَلبثْ إلَّا ثلاثَ ليالٍ، حتَّى خرَجنا إلى خَيبرَ.
أسَّس عبد الرحمن المهدي زعيمُ جماعة الأنصار المهدية حزبَ الأمة السوداني كامتدادٍ سياسي للحركة المهدية في السودان، وكان شعارُه "السودان للسودانيين" وتحقيق المطامح الوطنية في الاستقلال عن مصر، والتخلُّص مما يُعرَف بدولتي الحُكمِ الثنائي (مصر وبريطانيا)، وبناء الدولة السودانية المستقلَّة على أُسُس المساواة والحرية والعدل، وكان حزبُ الأمة السوداني يطالِبُ باستقلال السودان عن بريطانيا ومصر رافعًا راية الاستقلال الكامِل عن الدولتين، وسُمِّي مؤيِّدوه بالاستقلاليين.
في 16 رجب 1405هـ / 6 نيسان 1985م قام وزيرُ الدِّفاع السُّوداني عبد الرحمن سِوارُ الذَّهَب مع عددٍ من كِبار ضُبَّاطِ الجَيشِ بانقلابٍ على الحكومةِ، وشكَّلوا المجلسَ العسكريَّ الأعلى الذي تحمَّلَ مسؤوليَّةَ تسييرِ الحُكمِ مُعلِنًا من البدايةِ أنه لا يُريدُ الاستِئثارَ بالسُّلطةِ، وإنَّما هو مرحلةٌ انتقاليَّةٌ مُدَّتها لا تزيدُ على سنةٍ إلى حين تسليمِها إلى حكومةٍ مَدَنيَّةٍ، وجرتِ الانتخاباتُ بعد سنةٍ، فاختُير الصادقُ المهديُّ رئيسًا للوُزراءِ، وتشكَّلَ مجلسٌ لرئاسةِ الدولةِ من خمسةِ أعضاءٍ.
هو الخليلُ بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيديُّ الأزدي اليحمدي، أبو عبد الرحمن: من أئمَّة اللغة والأدب، وواضِعُ علم العروضِ، إمامُ اللغة المعروف، ولد سنة 100هـ ونشأ بالبصرة، وأخذ النحوَ والقراءةَ والحديث عن أئمَّة العربية وكِبار الرواة، رحل إلى الباديةِ فسَمِعَ الفصيحَ وجمَع الغريبَ، حتى نبغَ في اللغة فأصبح عَلَمَها المشهورَ، وعنه أخذ سيبويهِ، انكَبَّ على العلم يستنبِطُ ويُعَلِّم ويؤلِّف، مع تقشُّفٍ في المعيشة وزُهدٍ، قيل: كان أوَّلًا على مذهب الخوارج الإباضيَّة، ثم رجع إلى مذهب أهل السنَّة، وهو أوَّل من ابتكر عِلمَ العَروضِ، وابتكر المُعجَمات ووضَعَ الخَطَّ على الشَّكلِ المُستعمَل، ألَّفَ في العَروض والخَطِّ والشَّكل والنَّقط والإيقاع، وأما أهمُّ مؤلَّفاته فهو كتاب "العَين" وهو معجَمٌ مُرَتَّبٌ على حسَبِ مخارجِ الحروفِ، مُبتدئا بحرفِ العين، فسُمِّي بذلك، لكنه لم يُتِمَّه، وكان سببُ موتِه أنَّه اصطدم رأسُه بساريةٍ في المسجدِ ارتَجَّ منها دماغُه، فكانت سببَ موته.
قرَّر محمَّدُ ابن رشيد أن يصفِّيَ حساباتِه مع أهل بُرَيدة بعد فَشَل فتح الرياض، فأعَدَّ حملةً مِن عُربان شمر وحرب، والتقى بقواتِ القصيم في مكانٍ يدعى القرعا، وانتصر عليه أهلُ القصيم فاحتال عليهم وانسحب إلى سهلية، فلما لحق به أهلُ القصيمِ انقَضَّ عليهم وهزمهم وقَتَل منهم 1000 رجلٍ، وكان عبد الرحمن بن فيصل قد جهَّز جيشًا لمساعدة مؤيِّديه من أهل القصيم إلَّا أنه وصله خبَرُ هزيمتهم قبل أن يصِلَ إليهم، فرجع إلى الرياض وقرَّر الخروج منها لمعرفته بالنتيجةِ الحتميَّةِ أنَّ ابنَ رشيد لن يتأخَّرَ عن دخولِ الرياضِ والسيطرة عليها، فخرج بعائلته إلى الصحراء الشرقية قُربَ الأحساء, وعُرِفَت هذه المعركة بمعركة المليداء، وهي من أكبر المعارك التي مكَّنَت لابن رشيد من بَسطِ سيطرتِه على نجدٍ، ومهَّدَت لانهيارِ الدولة السعودية الثانية تمامًا.
خَرجَت خارِجَة مِن الحَرورِيَّة بالعِراق، يَتَزَعَّمُهم شَوْذَب واسْمُه بِسْطام مِن بَنِي يَشْكُر في ثمانين فارِسًا أَكثرُهم مِن رَبيعَة، فبَعَث أَميرُ المؤمنين عُمَرُ بن عبدِ العزيز إلى عبدِ الحَميدِ نائِب الكوفَة يَأمُرهُ بأن يَدعوهم إلى الحَقِّ، ويَتَلَطَّف بِهم، ولا يُقاتِلهم حتَّى يُفسِدوا في الأَرضِ، فلمَّا فَعَلوا ذلك بَعَث إليهم جَيْشًا فكَسَرهُم الحَرورِيَّةُ، فبَعَث عُمَرُ إليه يَلومُه على جَيْشِه، وقد أَرسَل عُمَرُ إلى بِسْطام يَقولُ له: ما أَخْرَجَك عَلَيَّ؟ فإن كُنتَ خَرجتَ غَضَبًا لله فأنا أَحَقُّ بذلك مِنك، ولستَ أَوْلى بذلك مِنِّي، وهَلُمَّ أُناظِرُك; فإن رَأيتَ حَقًّا اتَّبَعْتَه، وإن أَبْدَيْتَ حَقًّا نَظَرْنا فيه. فبَعَث طائِفَةً مِن أَصحابِه إليه، فاخْتارَ منهم عُمَرُ رَجُلين فسَأَلهُما: ماذا تَنْقِمون؟ فقالا: جَعْلَكَ يَزيد بن عبدِ الملك مِن بَعدِك. فقال: إنِّي لم أَجْعَله أَبَدًا، وإنَّما جَعلَه غَيْري. قالا: فكيف تَرْضَى به أَمينًا للأُمَّةِ مِن بَعدِك؟ فقال: أَنْظِرْني ثَلاثَة. فيُقال: إنَّ بَنِي أُمَيَّة دَسَّتْ إليه سُمًّا فقَتَلوه; خَشْيَةَ أن يَخرُج الأَمرُ مِن أَيديهِم. فلمَّا مات عُمَرُ أراد عَبدُ الحَميد بن عبدِ الرحمن أن يَحْظَى عند يَزيد بن عبدِ الملك، فكَتَب إلى محمَّدِ بن جَريرٍ يَأمُرُه بمُحارَبَة شَوْذَب وأَصحابِه، فبَرَزَ له شَوْذَب فاقْتَتَلوا، وأُصِيبَ مِن الخَوارِج نَفَرٌ، وأَكثَروا في أَهلِ الكوفَة القَتْل، فوَلُّوا مُنْهَزِمين والخَوارِجُ في أَكتافِهم حتَّى بَلَغوا أَخْصاص الكوفَة، فأَقَرَّ يَزيدُ عبدَ الحَميد على الكوفَة، ووَجَّهَ مِن قِبَلِهِ تَميمَ بن الحُباب في أَلْفَيْنِ فقَتَلوه وهَزَموا أَصحابَه، فوَجَّهَ إليهم نَجْدَةَ بن الحَكَم الأَزْدِي في جَمْعٍ، فقَتَلوه وهَزَموا أَصحابَه، فبَعَث آخَر في أَلْفَيْنِ فقَتَلوه، فأَنْفَذَ يَزيدُ أَخاهُ مَسلمةَ بن عبدِ الملك، فنَزَل الكوفَة، ودَعا سَعيدَ بن عَمرٍو الحَرَشِي، فعَقَدَ له على عَشرَة آلافٍ ووَجَّهَهُ، فقال لأَصحابِه: مَن كان يُريدُ الله عَزَّ وجَلَّ فقد جاءَتْهُ الشَّهادَة، ومَن كان إنَّما خَرَج للدُّنيا فقد ذَهبَت الدُّنيا منه. فكَسَروا أَغْمادَ سُيوفِهِم وحَمَلوا على الخَوارِج حتَّى طَحَنوهُم وقَتَلوا شَوْذَبًا.
في حوالَيْ عامِ 232هـ ومع ضَعفِ الحُكام العباسيِّينَ بدأت تظهرُ أطماعُ بعضِ الوُلاةِ المحلِّيينَ في كَوْكبانَ وعلى رأسِهم يَعفُرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الحَوَاليُّ. ومع أواخِرِ القرنِ التاسعِ الميلاديِّ، أصبحت اليَمنُ قاعدةَ عملياتٍ لحركةِ الشِّيعةِ الفاطميِّينَ. وقد عهِدَ يَعفُرُ بالسُّلطةِ لابنِه محمدٍ الذي فضَّلَ أن تكونَ مِن صَنعاءَ، ثم عهِدَ محمدُ بنُ يَعفُرَ بالسُّلطةِ بعدَ ذلك لابنِه إبراهيمَ، الذي اختَلَف مع أبيه على أسلوبِ الحُكم، وانتهي الأمرُ بقتلِ أبيه عامَ 892م/269هـ. تَبِعَ ذلك فوضى وتمَرُّدٌ بينَ القبائلِ وأهالي القُرى بَينَ السُّنِّيِّينَ والشِّيعةِ، وعَمَّ التَّوتُّرُ شوارعَ صَنعاءَ حتى أرسلَ الخليفةُ العباسيُّ في بغدادَ آنذاكَ، علِيَّ بنَ الحُسَينِ إلى اليَمنِ لِيقضيَ على الفِتنةِ ويَضعَ نهايةً لِلتَّمرُّدِ.
بعدَ استِدعاءِ ابنِ الحُسَينِ إلى بَغدادَ عامَ 895م/282هـ. اهتزَّتِ الأمورُ في صَنعاءَ، وحينَئِذٍ ظهرَ أوَّلُ إمامٍ زَيديٍّ ليتوَلَّى زِمامَ الأمرِ، وهو الإمامُ الهادي إلى الحقِّ يحيى بنُ الحُسَينِ، ولكنَّه لم يَستطِعْ أن يحُدَّ مِنَ الصِّراعاتِ، فعادَ بنو يَعفُرَ إلى الحُكمِ، ومع وفاةِ آخِرِ حُكَّامِهم عبدِ اللهِ بنِ قَحطانَ، انتهى حُكمُهم، وظلَّتِ البِلادُ في حالةِ فوضى سياسيةٍ إلى أن جاء إلى الحُكمِ سُلالةٌ أُخرى حاكمةٌ، وهم بَنو الصُّليحيِّ عامَ 1047م/439هـ.