ورد الخبَرُ في يوم السبت رابع عشر محرم بمنازلة الفرنج الإسكندرية، وأنهم قدموا يوم الأربعاء حادي عشر، فسُرِّح الطائِرُ بذلك إلى الأمير يلبغا، فتوهَّمَ أن تكون هذه مكيدةً يُكادُ بها، فبادَرَ ودخل إلى داره خارِجَ القاهرة، وتَبِعَه السلطان، فصَعِدَ القلعة في يوم الأحد خامس عشر، فلما تحقَّق الأمير يلبغا الخبَرَ، عدى النيلَ مِن ساعته إلى البر الغربي، وتلاحق به أصحابُه، ونودِيَ بالقاهرة: من تأخَّرَ مِن الأجناد غدًا حَلَّ دَمُه ومالُه، فخرج الناس أفواجًا، وسار السلطانُ بعساكره إلى الطرانة، وقَدَّمَ عسكرًا عليه الأمير قطلوبغا المنصوري والأمير كوكنداي، والأمير خليل بن قوصون ليُدرِكوا أهلَ الثَّغرِ، فقَدَّر الله تعالى في ذلك أنَّ أهلَ الثغر كان قد بلَغَهم منذ أشهر اهتمام الفرنج بغزوهم، فكتب بذلك الأميرُ صلاح الدين خليل بن عرام- متولي الثغر- إلى السلطان والأمير يلبغا، فلم يكُنْ مِن الدولة اهتمامٌ بأمْرِهم، فلمَّا توجه ابنُ عرام إلى الحج، واستناب عنه في الثغر الأمير جنغرا- أحد أمراء العشرات- وجاء أوان قدوم مراكب البنادقة من الفرنج، لاح للناظور عِدَّة قلاع في البحر، ثم قَدِمَ في عسكره يوم الأربعاء الحادي والعشرين إلى الميناء، ثمانية أغربة، وتلاها من الأغربة والقراقر ما بلَغَت عدَّتُها ما بين سبعين إلى ثمانين قطعة، فأغلق المسلمون أبواب المدينة، ورَكِبوا الأسوار بآلةِ الحرب، وخرجت طائفةٌ إلى ظاهر البلد، وباتُوا يتحارسون، وخرجوا بُكرةً يوم الخميس يريدونَ لِقاءَ العَدُو، فلم يتحَرَّك الفرنجُ لهم طولَ يَومِهم، وليلة الجمعة، فقَدِمَ بكرة يوم الجمعة طوايفُ من عربان البحيرة وغيرهم، ومضوا جهةَ المنار، وقد نزل من الفرنجِ جَماعةٌ في الليل بخيولهم، وكَمَنوا في الترب التي بظاهر المدينة، فلما تكاثر جمعُ المسلمين من العربان، وأهل الثغر، عند المنار، برز لهم غرابٌ إلى بحر السلسلة، حتى قارب السورَ، فقاتله المسلمون قتالًا شديدًا، قُتِلَ فيه عدة من الفرنج، واستُشهِدَ جماعةٌ من المسلمين، وخرج إليهم أهلُ المدينة وصاروا فرقَتَين، فرقة مضت مع العربان، نحو المنار، وفرقة وقفت تقاتل الفرنج بالغراب، وخرجت الباعةُ والصبيان وصاروا في لهوٍ، وليس لهم اكتراثٌ بالعدو، فضرب الفرنج عند ذلك نفيرَهم، فخرج الكمينُ وحملوا على المسلمينَ حملة منكرة، ورمى الفرنجُ من المراكب بالسِّهام، فانهزم المسلمون، وركب الفرنجُ أقفِيَتَهم بالسيف، ونزل بقيَّتُهم إلى البَرِّ فملكوه، بغير مانعٍ، وقَدَّموا مراكبهم إلى الأسوار، فاستُشهِدَ خَلقٌ كثير من المسلمين، وهلك منهم في الازدحامِ عند عبور باب المدينة جماعةٌ، وخلت الأسوارُ من الحماة، فنصب الفرنجُ سلالم ووضعوا السور، وأخذوا نحو الصناعة، فحرقوا ما بها، وألقَوا النار فيها، ومضوا إلى باب السدرة، وعَلَّقوا الصليب عليه، فانحشر الناسُ إلى باب رشيد، وأحرقوه، ومَرُّوا منه على وجوهم، وتركوا المدينةَ مفتوحة بما فيها للفرنج، وأخذ الأميرُ جنغرا ما كان في بيت المال، وقاد معه خمسين تاجرًا من تجارِ الفرنج كانوا مسجونينَ عنده، ومضى هو وعامَّةُ الناس، إلى جهةِ دمنهور، فدخل وقتَ الضحى من يوم الجمعة مَلِكُ قبرص- واسمه ربير بطرس بن ريوك- وشق المدينةَ وهو راكب، فاستلم الفرنجُ النَّاسَ بالسيف، ونهبوا ما وجدوه من صامتٍ وناطق، وأسَرُوا وسَبَوا خلائق كثيرة، وأحرقوا عِدَّة أماكن، وهلك في الزحام بباب رشيد ما لا يقع عليه حَصرٌ، فأعلن الفرنجُ بدينهم، وانضَمَّ إليهم من كان بالثغر من النصارى، ودلُّوهم على دُور الأغنياء، فأخذوا ما فيها، واستمَرُّوا كذلك يقتلون، ويأسرون، ويَسْبُون وينهبون ويحرقون، من ضَحوة نهار الجمعة إلى بكرة نهار الأحد، فرفعوا السيفَ، وخرجوا بالأسرى والغنائم إلى مراكبهم، وأقاموا بها إلى يوم الخميس الثامن والعشرين، ثم أقلعوا، ومعهم خمسة آلاف أسير، فكانت إقامتُهم ثمانية أيام، وكانوا عِدَّة طوائف، فكان فيهم من البنادقة أربعةٌ وعشرون غرابًا، ومن الجنوية غرابان، ومن أهل رودس عشرة أغربة، والفرنسيين في خمسة أغربة، وبقية الأغربة من أهل قبرص، وكان مسيرهم عند قدوم الأمير يلبغا بمن معه، فلمَّا قَدِمَ عليه الأمير قطلوبغا المنصوري، لم يجد معه سوى عشرين فارسًا، وعليه إقامة مائة فارس، فغَضِبَ عليه، ووجد الأمر قد فات، فكتب بذلك إلى السلطان، فعاد إلى القلعةِ، وبعث بابنِ عرام، نائب الإسكندرية على عادته، بأمر الأمير يلبغا، بموارة من استُشهِدَ من المسلمين، ورَمِّ ما احتَرَق، وغضب على جنغرا وهَدَّده، وعاد فأخذ في التأهُّبِ لغزو الفرنج، وتُتُبِّعَت النصارى، فقُبِضَ على جميع من بديار مصر، وبلادِ الشام وغيرهما من الفرنج، وأُحضِرَ البِطريقُ والنصارى، وأُلزِموا بحَملِ أموالهم، لفِكاكِ أسرى المسلمين من أيدي الفرنج، وكُتِبَ بذلك إلى البلاد الشامية، وتُتُبِّعَت ديارات النصارى التي بأعمال مصر كلِّها، وأُلزِمَ سُكَّانُها بإظهار أموالهم وأوانيهم، وعُوقبوا على ذلك، فكانت هذه الواقعةُ من أشنَعِ ما مرَّ بالإسكندرية من الحوادث، ومنها اختلت أحوالها، واتَّضَع أهلها، وقَلَّت أموالهم، وزالت نِعَمُهم، وكان الناس في القاهرة منذ أعوام كثيرة تجري على ألسنتهم جميعًا: في يوم الجمعةِ تُؤخَذُ الإسكندرية، فكان كذلك.
استطاع الأميرُ يلبغا الناصري إزالةَ مُلكِ السلطان برقوق، وكان من أعوانه منطاش الأفضلي ولكن لم يكن ما بينهما صافيًا، فلما كان سادس عشر شعبان أشيعَ في القاهرة بتنكُّر منطاش على الناصري، وانقطع منطاش عن الخدمة، وأظهر أنَّه مريض، ففَطِنَ الناصري بأنه يريد أن يعمل مكيدةً، فلم ينزل لعيادتِه، وبعث إليه الأمير ألطنبغا الجوباني رأس نوبة كبيرًا في يوم الاثنين سادس عشر شعبان ليعودَه في مرضه، فدخل عليه وسَلَّم عليه، وقضى حقَّ العيادة وهَمَّ بالقيام، فقَبَض عليه منطاش وعلى عشرين من مماليكِه، وضرب قرقماس دوادار الأمير الجوباني ضربًا مبَرِّحًا، مات منه بعد أيام، ثم رَكِبَ منطاش حالَ مَسْكِه للجوباني في أصحابِه إلى باب السلسلة، وأخذ جميعَ الخيول التي كانت واقفةً على باب السلسلة، وأراد اقتحامَ الباب ليأخُذَ الناصريَّ على حين غفلة، فلم يتمكَّنْ من ذلك وأُغلقَ الباب، ورمى عليه مماليكُ الناصري من أعلى السور بالنشَّاب والحجارة، فعاد إلى بيته ومعه الخيول، وتلاحقت المماليكُ الأشرفية خشداشيته- زملاء مهنته- والمماليك الظاهرية بمنطاش، فعَظُم بهم أمرُه، وقَوِيَ جأشُه، وانضمت اليلبغاوية على الناصريِّ، وهم يوم ذاك أكابِرُ الأمراء وغالِبُ العسكر المصري، وتجمَّعَت المماليك على منطاش حتى صار في نحو خمسمائة فارس معه، بعدما كان في سبعين فارسًا في أوَّلِ ركوبه، ثم أتاه من العامةِ عالمٌ كبيرٌ، فترامى الفريقان واقتتلا، ونزل الأميرُ حسام الدين حسين بن الكوراني والي القاهرة، والأمير مأمور حاجب الحجاب من عند الناصري، ونودي في الناس بنهب مماليكِ منطاش، والقَبضِ على من قَدَروا عليه منهم، وإحضاره إلى الناصري، فخرج عليهما طائفةٌ من المنطاشية فضربوهما وهزموهما، فعادوا إلى الناصريِّ وسار الوالي إلى القاهرة، وأغلَقَ أبوابها، واشتَدَّت الحرب، ثم أتى منطاش طوائِفُ من مماليك الأمراء والبطالة وغيرهم شيئًا بعد شيءٍ، فحَسُنَ حاله بهم، واشتد بأسُه، وعَظُمَت شوكته بالنسبة لما كان فيه أولًا، لا بالنسبة لحواشي الناصري ومماليكِه، هذا وقد انزعج الناصريُّ وقام بنفسه وهيَّأ أصحابه لقتال منطاش، ونَدَب من أصحابه من أكابر الأمراء جماعةً لقتاله، واستمر القتالُ بينهما، وكل ذلك يزداد أمرُ منطاش بهروب الأمراء الناصرية إليه، حتى إن منطاش أمر فنادى بالقاهرة بالأمان والاطمئنان، وإبطال المكس والدعاء للأمير الكبير منطاش بقبَّة النصر، هذا وقد أخذ أمر الناصري في إدبار، وتوجَّه جماعة كبيرة من أصحابِه إلى منطاش، فلما رأى الناصري عَسكَرَه في قِلَّة، وقد نفر عنه غالبُ أصحابه، بعث بالخليفةِ المتوكل على الله إلى منطاش يسأله في الصلحِ وإخماد الفتنة، فنزل الخليفة إليه وكَلَّمه في ذلك، فقال له منطاش: أنا في طاعة السلطانِ، وهو أستاذي وابن أستاذي، والأمراء إخوتي، وما غريمي إلا الناصري؛ لأنَّه حلف لي وأنا بسيواس ثم بحلب ودمشق أيضًا بأننا نكون شيئًا واحدًا، وأن السلطانَ يحكُمُ في مملكَتِه بما شاء، فلما حصَلَ لنا النصر وصار هو أتابك العساكر، استبَدَّ بالأمر، ومنع السلطانَ من التحكم، وحَجَر عليه، وقَرَّب خشداشيَّتَه اليلبغاوية، وأبعدني أنا وخشداشيتي الأشرفيَّة، ثم ما كفاه ذلك حتى بعثني لقتالِ الفلاحين، وكان الناصريُّ أرسله من جملة الأمراء إلى جهة الشرقية لقتال العربان، لَمَّا عَظُم فساد فلاحيها، ثم قال منطاش: ولم يُعطِني الناصريُّ شيئًا من المال سوى مائة ألف درهم، وأخذ لنفسِه أحسَنَ الإقطاعاتِ، وأعطاني أضعفها، والإقطاعُ الذي قرره لي يعمل في السنة ستمائة ألف درهم، واللهِ ما أرجع عنه حتى أقتُلَه أو يقتُلَني، ويتسلطن ويستبِدَّ بالأمر من غير شريكٍ، فأخذ الخليفةُ يلاطِفُه، فلم يرجع له وقام الخليفة من عنده وهو مُصَمِّمٌ على مقالته، وطلع إلى الناصري وأعاد عليه الجوابَ، فعند ذلك ركب الناصري بسائِرِ مماليكه وأصحابه، ونزل بجمعٍ كبير لقتال منطاش، وصَفَّ عساكِرَه تجاه باب السلسلة، وبرز إليه منطاش أيضًا بأصحابِه، وتصادما واقتتلا قتالًا شديدًا، وثَبَت كُلٌّ من الطائفتين ثباتًا عظيمًا، حتى انكسر الناصري وأصحابُه، وطلع إلى باب السلسلة، وندم الناصري على خَلعِ الملك الظاهر برقوق وحَبْسِه؛ لَمَّا عَلِمَ أن الأمر خرج من اليلبغاوية وصار في الأشرفية حيث لا ينفعه الندم، وأما منطاش فركب بمن معه بعد أن انهزم الناصري عدة مرات وترَكَه أكثَرُ أمرائه، وطلع إلى الإسطبل السلطاني ومَلَكَه، ووقع النهب فيه، فأخذوا من الخيل والقماش شيئًا كثيرًا، وتفَرَّق الزعر والعامة إلى بيوت المنهزمين، فنَهَبوا وأخذوا ما قدروا عليه، ومنعهم الناسُ من عدة مواضع، وبات منطاش بالإسطبل، وأصبح من الغدِ، وهو يوم الخميس تاسع عشر شعبان، وطلع إلى السلطان الملك المنصور حاجي، وأعلمه بأنَّه في طاعته، وأنَّه هو أحقُّ بخدمتِه؛ لكونِه من جملة المماليك الذين لأبيه الأشرَفِ شعبان، وأنه يمتَثِلُ مَرسومَه فيما يأمُرُه به، وأنه يريدُ بما فعله عمارةَ بيت الملك الأشرف، فسُرَّ المنصور بذلك هو وجماعة الأشرفية؛ فإنهم كانوا في غاية ما يكون من الضِّيقِ مع اليلبغاوية من مُدَّة سنين.
لما تسلطن المنصور عثمان بن جقمق أساء تدبيرَ أمور الدولة فأخذ يعزِلُ ويولي ويعطي ويمنع دون رشدٍ ولا تدبيرٍ ولا توقيرٍ لكبير أو قديم، حتى أوغر صدورَ الأشرفية والمؤيدية عليه، وانتظم الصلح بين الطائفتين سرًّا فتحالفوا واتَّفقوا على الركوب في يوم بعينه، كل ذلك والمنصور ومماليك أبيه وحواشيه في غفلةٍ عن ذلك، وأكبَرُ همهم في تفرقة الإقطاعات والوظائف، وفي ظنِّهم أن دولتهم تدوم، وأنَّ الملك قد صار بيَدِهم، هذا مع عدم التفاتِهم لتقريبِ العُقلاء، ومشاورةِ ذوي التدبير وأرباب التجارب ممَّن مارس تغييرَ الدول والحروب والوقائع، وقد صار الناسُ عند الأمير الكبير إينال، ولَبِسوا السلاح، وأجمعوا على قتالهم، وأهلَّ شهر ربيع الأول يوم الاثنين، وفيه كان ابتداءُ الوقعة بين السلطان الملك المنصور عثمان وبين الأتابك إينال العلائي، وذلك أنَّه قدم الأمراء جميعًا إلى الرميلة يريدون طلوعَ القلعة، فتكاثرت المماليكُ عليهم واحتاطوا بهم، وأخذوهم غصبًا بأجمَعِهم، وعادوا بهم إلى بيت الأميرِ الكبير إينال العلائي، ولما اجتمع القومُ في بيت الأمير الكبير، وعَظُم جمعُهم، أتاهم الأمراءُ والخاصكية والأعيانُ من كل فجٍّ، حتى بقُوا في جمع موفور، فأعلنوا عند ذلك بالخروج عن طاعة الملك المنصور، والدخولِ في طاعة الأمير الكبير إينال، والأمير الكبير يمتنع من ذلك بلسانه، فلم يلتفتوا لتمنُّعِه، وأخفوا في لبس السلاح، فلَبِسوا في الحالِ عن آخِرِهم، وطلبوا الخليفةَ القائم بأمرِ الله حمزة، فحضر قبل تمامِ لُبسِهم السلاح، ولما حضر الخليفةُ أظهر الميل الكليَّ للأتابك إينال، وأظهر كوامِنَ كانت عنده من الملك المنصور وحواشيه وقام مع الأمراءِ في خلع المنصورِ أتمَّ قيام، ولما تكامل لبس المماليك والأمراء السلاح طلبوا من الأمير الكبير الركوبَ معهم والتوجُّهَ إلى بيت قوصون تجاهَ باب السلسلة، فامتنع تمنعًا ليس بذاك، ثم أجابهم في الحال، وركب هو والأمراءُ وحولهم العساكرُ مُحدِقة بهم إلى أن أوصلوهم إلى بيتِ قوصون، وأمَّا الملك المنصور لَمَّا بلغه ما وقع من القومِ في بيت الأمير الكبير تحقَّق مَن عنده من الأمراء والأعيان ركوبَ الأمير الكبير وخروجه عن الطاعة، فأمروا في الحال يشبك القرمي والي القاهرة أن يناديَ بطلوع المماليك السلطانية لأخذ النفقة، وأنَّ النفقة لكُلِّ واحد مائة دينار، فنزل يشبك من القلعة والمنادي بين يديه ينادي بذلك، إلى أن وصل إلى الرميلة تجاه باب السلسلة، فأخذته الدبابيسُ من المماليك، فتمَزَّقوا، وذهب القرمي إلى حال سبيلِه، ثم أمر الملك المنصور لأمرائِه وحواشيه بلُبس السلاح، فلبسوا بأجمعِهم، ولبس هو أيضًا، كل ذلك وآراؤهم مفكوكة، وكلمتهم غيرُ منضبطة، وابتدأ القومُ في القتال من يوم الاثنين هلال ربيع الأول، واشتدَّت الحرب، وجُرح من الطائفتين جماعة، وصار أمر الأميرِ الكبير في نموٍّ بمن يأتيه من المماليك السلطانية، ومضى نهارُ الاثنين بعد قتال كبيرٍ وقع فيه، وبات الفريقان في ليلة الثلاثاء على أُهبة القتال، وأصبحا يوم الثلاثاء على ما هم عليه من القتال والرميِ بالمدافع والنفوطِ والسهام من الجهتين، والجراحاتُ فاشية في الفريقين، ولم يكن وقت الزوال حتى كثُرَ عسكر الأمير الكبير إينال، واستفحل أمرُه، ثم في هذا اليوم لهج الخليفةُ أمير المؤمنين القائم بأمر الله حمزة بخلعِ الملك المنصور عثمان من الملك غيرَ مرة في الملأ، فقَوِيَ بذلك قلبُ أصحاب الأمير الكبير وجدُّوا في القتال، وتفرقَّوا على جهات القلعة، وجدُّوا في حصارها، وأصبحوا يومَ الأربعاءِ ثالث شهر ربيع الأول والقتال مستمِرٌّ، وأصحاب الملك المنصور تنسَلُّ منه إلى الأمير الكبير واحدًا بعد واحدٍ، ثم رسم الأمير الكبير بطلب القاضي محبِّ الدين بن الأشقر كاتب السر والقضاة الأربعة، فحضروا في الحال، وقد نزل الخليفةُ من القصر، وجلس عند الأمير الكبير هو والقضاة تكلَّموا مع الخليفة في خلع الملك المنصور عثمان بكلام طويل، ثم طلبوا بدر الدين ابن المصري الموقِّع فأملاه قاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني الشافعي ألفاظًا كتبها تتضَمَّن القدحَ في الملك المنصور وخلْعَه من السلطنة، وكان ذلك في أوائل نهار الجمعة، وخُلِعَ الملك المنصور من المُلك وحَكَم القضاة بذلك، وكانت مدةُ سلطنة الملك المنصور شهرًا واحدًا وثلاثة عشر يومًا، ثم سأل قاضي القضاة من حضر المجلس عن سلطنة الأمير الكبير إينال عليهم، فصاحوا بأجمَعِهم: نحن راضون بالأمير الكبير، وكرَّر القاضي عليهم القولَ غيرَ مرة وهم يردون الجوابَ كمقالتهم أولًا، وفرحوا بذلك، وسُرُّوا غاية السرور، وانفَضَّ المجلس على خلع الملك المنصور وسلطنةِ الأتابك إينال، هذا والقتال مستمر أشد ما يكون بين الطائفتين، وأصبح الناسُ في يوم الأحد سابع شهر ربيع الأول والقتالُ مستمِرٌّ بين الفريقين، ثم استطاع الأمير إينال أن يملكَ القلعة ثم أخذ المنصور عثمان ورسم بتسفيرِه إلى الإسكندرية وسُجِنَ بها، ثم حضر الخليفةُ والقضاة الأربعة وسائر أمراء الدولة، وبويع الأميرُ الكبير إينال بالسلطنة، ولقِّبَ بالملك الأشرف، ولَبِس خِلعةَ السلطنة.
في يوم الاثنين آخر جمادى الآخرة كانت وقعةُ المماليك الظاهرية الجقمقية مع الملك الأشرف إينال، وسببُ هذه الفتنة ثورةُ المماليك الأجلاب أولًا، وأفعالُهم القبيحة بالناس، ثم عقب ذلك أنَّ السلطان كان عيَّنَ تجريدة إلى البحيرة، نحوًا من خمسمائة مملوك، وعليهم من أمراء الألوف الأمير خشقدم المؤيدي أمير سلاح، والأمير قرقماس رأسُ نوبة النوب، وعِدَّةٌ من أمراء الطبلخانات والعشرات، ورسم لهم السلطانُ بالسفر، ولم يفرِّقْ على المماليك المكتوبة للسفر الجمالَ على العادة، فعَظُم ذلك عليهم، وامتنَعوا إلى أن يأخذوا الجِمالَ، فسافر الأمير خشقدم في صبيحة يوم الاثنين المذكور، وتبعه الأمير قرقماس في عصر نهاره، وأقاما ببر منبابة تجاه بولاق، فلم يتبَعْهم أحد من المماليك المعيَّنة معهم، بل وقف غالبُهم بسوق الخيل تحت القلعة ينتظِرونَ تفرقةَ الجِمال عليهم، إلى أن انفَضَّ الموكب السلطاني ونزلت الأمراءُ إلى جهة بيوتهم، فلما صار الأميرُ يونس الدوادار بوسط الرميلة احتاطت به المماليك الأجلاب، وتحقق الغدرَ، فأمر مماليكه بإشهار سيوفِهم ففعلت ذلك، ودافعت عنه، وجرَحَ من المماليك الأجلاب جماعةً، وقطع أصابِعَ بعضِهم، وشقَّ بطنَ آخر على ما قيل، فعند ذلك انفرجت ليونس فرجةٌ خرج منها فارًّا إلى جهة داره، ونزل بها، ورمى عنه قماش الموكِبِ، ولَبِسَ قماشَ الركوبِ، وطلع من وقتِه إلى القلعةِ من أعلى الكبش، ولم يشق الرميلة، وأعلم السلطانَ بخبَرِه، فقامت لذلك قيامةُ المماليك الأجلاب، وقالوا: نحن ضربناهم بالدبابيس فضربونا بالسيوفِ، وثاروا على أستاذِهم ثورةً واحدةً، وساعدهم جماعةٌ من المماليك القرانيص وغيرِهم لِما في نفوسهم من السلطانِ لعدم تفرقةِ الجِمالِ وغيرها، ووقفوا بسوق الخيل وأفحشوا في الكلامِ في حقِّ السلطان، وهددوه إن لم يسلِّم لهم الأميرَ يونس، ثم ساقوا غارةً إلى بيت يونس الدوادار، فمنعهم مماليكُه من الدخول إلى داره، فجاؤوا بنار ليحرقوا الباب، فمنعوهم من ذلك أيضًا، فعادوا إلى سوق الخيل، فوافَوا المنادي ينادي من قبل السلطانِ بالأمان، فمالوا على المنادي بالدبابيس، فسكت من وقته، وهرب إلى حالِ سبيله، وقد طلعت جميعُ أمراء الألوف إلى السلطانِ، وهو على حالة السكوتِ غير أنه طلب بعضَ مماليكه الأجلاب الأعيان، وكلَّمه بأنَّه يعطي من جُرِحَ من الأجلاب ما يكفيه، وأنه يعطي للذي قُطِعَت أصابعه إقطاعًا ومائة دينار، فلم يقع الصلحُ، وانفضَّ الأمر على غير طائلٍ؛ لشدة حر النهار، ولما تفرقت المماليك نزلت الأمراءُ إلى دورهم ما خلا الأمير يونس الدوادار؛ فإنه بات في القلعة، فلما تضحى النهارُ أرسل إليهم السلطان بأربعة أمراء، وهم: الأمير يونس العلائي أحد مقدَّمي الألوف، وسودون الإينالي المؤيدي قراقاش رأس نوبة ثان، ويلباي الإينالي المؤيدي أحد أمراء الطبلخانات ورأس نوبة، وبردبك البجمقدار أحد الطبلخانات أيضًا ورأس نوبة، فنزلوا إليهم من القلعة؛ فما كان إلَّا أن وقع بصر المماليك الأجلاب على هؤلاء الأمراء احتاطوا بهم، وأخذوهم بعد كلامٍ كثير، ودخلوا بهم إلى بيتِ الأمير خشقدم أمير سلاح تجاه باب السلسلة، ورسموا عليهم بعضَهم، كلُّ ذلك والمماليك الظاهرية الجقمقية وقوفٌ على بُعدٍ، لا يختلفون بهم، لينظروا ما يصيرُ من أمرهم، فلما وقع ما ذُكِرَ تحققوا خروجَهم على أستاذهم، وثار ما عندهم من الكمائنِ التي كانت كامنةً في صدورهم من الملك الأشرف إينال لِما فَعَل بابن أستاذِهم الملك المنصور عثمان، وحَبْسِ خشداشيَّتِهم- زملائهم- وتقريب أعدائهم الأشرفية مماليك الأشرف برسباي، فانتهزوا الفرصة، وانضافوا إلى المماليك الأجلاب، وعرَّفوهم أن الأمر لا يتم إلا بحضرة الخليفةِ ولبس السلاح، فساق قاني باي المشطوب أحد المماليك الظاهريَّة من وقته إلى بيت الخليفة القائم بأمر الله حمزة، وكان في الخليفةِ خِفَّةٌ وطَيشٌ، فمال إليهم ظنًّا أنه يكون مع هؤلاء وينتَصِرُ أحدُهم ويتسلطنُ، فيستفحلُ أمره ثانيًا أعظَمَ من الأول، ولما حضر الخليفة عندهم، تكامل لُبسُهم السلاح، وانضافت إليهم خلائقُ من المماليك السيفية، وأوباش الأشرفية، وغيرُهم من الجياع الحرافيش، فلما رأت الأجلابُ أمر الظاهرية حسبوا العواقب، وخافوا زوالَ ملك أستاذهم، فتخلَّوا عن الظاهرية قليلًا بقليلٍ، وتوجه كل واحد إلى حالِ سبيله، فقامت الظاهريةُ بالأمر وحدهم، وما عسى يكونُ قيامهم من غير مساعدة، وقد تخلَّى عنهم جماعة من أعيانهم وخافوا عاقبةَ هذه الفتنة، وقد تعبَّأ السلطان لحربهم، ونزل من القلعة إلى باب السلسلة من الإسطبل السلطاني، وتناوش القومُ بالسهام، وأرادوا المصاففة، فتكاثر عليهم السلطانيةُ، وصدموهم صدمةً واحدة بدَّدوا شملهم، بل كانوا تشتَّتوا قبل الصدمة أيضًا، وهجم السلطانيةُ في الحال إلى بيت الأمير خشقدم أمير سلاح، وأخذوا الأمراءَ المرسَّم عليهم، وأخذوا فيمن أخذوا الخليفةَ معهم، وطلعوا بهم إلى السلطانِ، فلما رأى السلطان الخليفةَ وبَّخه بالكلام الخَشِن، وتفرقت من يوم ذاك أجلابُ السلطان فرقتين: فرقةٌ وهم الذين اشتراهم من كتابية الظاهر جقمق وابنه، وفرقةٌ اشتراهم هو في أيام سلطنته، وقويت الفرقةُ الذين اشتراهم على الفرقةِ الظاهرية، ومنعوهم من الطلوعِ إلى القلعة، والسكنى بالأطباق، ولما انتهت الوقعة أمسك جماعةً من المماليك الظاهرية وحبسهم بالبرج من قلعة الجبل، ونفى بعضَهم واختفى بعضُهم.
لمَّا بلغ الملك المظفَّر سيف الدين قُطز صاحِبَ مِصرَ أنَّ التتارَ قد فعلوا بالشَّامِ ما فعلوه، وقد نهَبوا البلاد كلَّها حتى وصلوا إلى غزَّة، وقد عزم كتبغانوين نائب هولاكو في الشام على الدخولِ إلى مصر، وكان إذ ذاك في البقاع فاستشار الأشرفَ صاحِبَ حمص والمجير بن الزكي، فأشاروا عليه بأنَّه لا قِبَل له بالمظفَّر حتى يستَمِدَّ هولاكو فأبى إلا أن يناجزه سريعًا، فبادرهم المظفَّر قطز قبل أن يبادِروه ويبرز إليهم وقد اجتمعت الكلمةُ عليه، فبعد قدومِ الصاحب كمال الدين بن العديم رسولًا من الشام يطلبُ النَّجدةَ على التتار، جمعَ قُطز الأمراءَ والأعيان، وحضر معهم الشيخُ عز الدين بن عبد السلام والقاضي بدر الدين السنجاري، وجلس المَلِكُ المنصور في دَست السلطنة، فاعتمدوا على ما يقولُه الشيخ عز الدين، فكان خلاصته: "إذا طرق العدوُّ البلادَ وجب على العالمَ كُلِّهم قتالُهم، وجاز أن يؤخَذَ مِن الرعيَّة ما يُستعانُ به على جهادِهم، بشرط ألَّا يبقى في بيتِ المال شيءٌ، وأن تبيعوا ما لكم من الحوائِصِ والآلاتِ، ويَقتَصِر كل منكم على فَرَسِه وسلاحِه، ويتساووا في ذلك هم والعامَّة، وأما أخذ أموال العامة مع بقاءِ ما في أيدي الجُندِ مِن الأموال والآلاتِ الفاخرةِ فلا"، ثم بعد أيامٍ يسيرةٍ قَبَضَ على المنصور علي بن المعز وقال: هذا صبيٌّ والوقت صعبٌ، ولا بد من أن يقوم رجلٌ شجاع ينتصب للجهادِ فقبض عليه، وتسلطَنَ وتلقَّبَ بالملك المظفر. ثم قَدِمَ الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري من دمشق مهاجرًا إلى مصرَ؛ لخدمة الملك المظفر سيف الدين قطز, فدخل القاهرةَ يوم السبت ثاني وعشرين ربيع الأول سنة ثمان وخمسين، فركب المظفَّر للقائه وأنزله في دارِ الوَزارة وأقطعه قَصبةَ قيلوب لخاصَّتِه، وأشار عليه بيبرس بملاقاة التتار وقَوَّى جأشَه وحَرَّك عزائمه وحرَّضَه على التوجه للقائهم, فخرج المظفَّر قطز يوم الاثنين خامس عشر شعبان بجميع عساكِرِ مِصرَ مع ما انضاف إليهم من العَرَب وغيرهم لقصدِ التتار الذين بالشَّامِ، فلما وصل إلى مرج عكا بلغ بكتبغانوين، مُقَدَّمَ عسكر التتار بالشام خروجُ الملك المظفَّر، وكان في بلد حمص فتوجَّه إلى الغور، وبعث الملك المظفر للأمير ركن الدين البندقداري في عسكرٍ ليتجَسَّس خبَرَ التتار، فلما وقعت عينُه عليهم كتب للملك المظفر يعلِمُه بوصولهم ثمَّ انتهز الفرصةَ في مناوشتهم، فلم يزل يستدرجُهم تارة بالإقبال وتارة بالإحجام حتى وافى بهم إلى المَلِك المظفَّر على عين جالوت فكانت الوقعةُ التي أيَّدَ الله بها المُسلِمينَ على التتارِ، وأخَذَ بها منهم ثأرَ أهلِ الوَبَر والمَدَر، وحاقَ بهم مَكرُ السَّيفِ، وحكَمَ فيهم الحَتفُ بالحَيفِ، وقَتَلوهم وأخذوهم ومعهم مَلِكُهم كتبغانوين، فقُتِلَ وأُخِذَ رأسُه وأُسِرَ ابنه، وكانت الوقعةُ بين المسلمين والتتار على ((عين جالوت)) يومَ الجمعة خامس وعشرين من شهر رمضان المعظَّم، ووصل الخبَرُ إلى دمشق في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان فانهزم بتلك الليلة من كان بدمشقَ مِن التتار وأيل سبان نائب الملك وأتباعهم، وتبعهم النَّاسُ وأهل الضياع ينهبونهم ويقتلونَ مَن ظَفِروا به، فلله الحمدُ والشُّكر, ودخل السلطانُ الملك المظفَّر إلى دمشق يوم الأحد رابع شوال، فأقام بها إلى أن خرج منها طالبًا للدِّيار المصرية, ومن العجائِبِ أن التتار كُسِروا وأُهلِكوا بأبناء جنسِهم المماليكِ، وهم من التركِ!! وعَمِل الشيخُ شهاب الدين أبو شامة في ذلك شِعرًا:
غلبَ التَّتارُ على البلادِ فجاءهم
مِن مِصرَ تركيٌّ يجودُ بنَفسِه
بالشَّامِ بدَّدَهم وفَرَّق شَملَهم
ولكلِّ شَيءٍ آفةٌ مِن جِنسِه
وقد قاتل الملكُ المنصورُ صاحِبُ حماة مع المَلِك المظفَّر قِتالًا شَديدًا، وكذلك الأميرُ فارس الدين أقطاي المستعرب، وكان أتابك العسكَر، وقد أُسِرَ من جماعة كتبغانوين المَلِك السعيد بن العزيز بن العادل فأمَرَ المظفَّر بضَرب عُنُقِه، واستأمن الأشرفُ صاحِبُ حمص، وكان مع التَّتارِ وقد جعله هولاكو خان نائبًا على الشام كُلِّه، فأمنه الملك المظفَّر ورَدَّ إليه حمص، وكذلك ردَّ حماة إلى المنصور وزاده المَعَرَّة وغيرها، وأطلق سلمية للأميرِ شَرَف الدين عيسى بن مهنا بن مانع أمير العرب، واتَّبَع الأميرُ بيبرس البندقداري وجماعةٌ من الشجعان التتارَ يقتُلونَهم في كل مكان، إلى أن وصلوا خلفَهم إلى حَلَب، وهرب مَن بدمشقَ منهم يوم الأحد السابع والعشرين من رمضان، فتبعهم المسلمون من دمشق يقتلونَ فيهم ويفتِكونَ الأسارى من أيديهم، وجاءت بذلك البشارةُ، ولله الحمدُ على جبرِه إيَّاهم بلُطفِه فجاوبتها دقُّ البشائر من القلعة، وفرح المؤمنون بنصر الله فرحًا شديدًا، وأيَّدَ اللهُ الإسلامَ وأهله تأييدًا وكَبَت الله النصارى واليهودَ والمنافقين، وظهر دينُ الله وهم كارهون، فتبادر عند ذلك المسلمونَ إلى كنيسة النصارى التي خرج منها الصَّليبُ فانتَهَبوا ما فيها وأحرقوها وألقوا النَّارَ فيما حولها، فاحترق دُورٌ كثيرةٌ إلى النصارى، وملأ اللهُ بيوتَهم وقبورَهم نارًا، وأُحرِقَ بعضُ كنيسةِ اليعاقبة، وهمَّت طائفةٌ بنَهبِ اليهود، فقيل لهم إنَّه لم يكن منهم من الطغيانِ كما كان من عَبَدة الصُّلبان، وقَتَلَت العامَّة وسطَ الجامِعِ شَيخًا رافضيًّا كان مُصانِعًا للتتار على أموالِ النَّاسِ يقال له الفخر محمد بن يوسف بن محمد الكنجي، كان خبيثَ الطويَّة مشرقيًّا ممالئًا لهم على أموالِ المسلمين- قبَّحه الله- وقَتَلوا جماعةً مِثلَه من المنافقين، فقُطِعَ دابِرُ القَومِ الذين ظَلَموا والحمدُ لله رب العالَمينَ.
كان الباعث لهذه الفتنة وخلع المؤيَّد أنه لما تسلطن لم يحرك ساكنًا ولم يتغير أحدٌ مما كان عليه، فشقَّ ذلك على الظاهريَّة، وقال كل منهم في نفسه: كأن الملك الأشرف إينال ما مات، فإن الغالبَ كلٌّ منهم كان أخذ ما بيده من الإقطاعات، وحبس ونفى في أوَّل سلطنة الأشرف إينال، كما هي عادة أوائل الدُّول، وبقى منهم جماعة كثيرة بلا رزق ولا إمرة ولم يجدوا عندهم قوةً ليخلعوا الملك المؤيد هذا ويسلطنوا غيره وحدهم، فكلَّموا الأشرفيَّة في هذا المعنى غير مرَّة، وترققوا لهم، فلم يقبلوا منهم ذلك؛ لنفرةٍ كانت بين الطائفتين قديمًا وحديثًا، وأيضا فلسان حال الأشرفية: نحن الآن في كفاية من الأرزاق والوظائف، فعلام نحرك ساكنًا، ونخاطر بأنفسنا؟ فعجز فيهم الظاهرية وقد ثقُل عليهم الملك المؤيَّد، وكثر خوفُهم منه، فإنه أوَّل ما تسلطن أبرق وأرعد، فانخزى كل أحد، قال ابن تغري بردي: "كان دخول المؤيد السلطنة بحرمة وافرة؛ لأن سنَّه كان نحو الثلاثين سنة يوم تسلطن، وكان قد ولِّيَ الأتابكية في أيَّام أبيه، وأخذ وأعطى، وسافر أميرَ حاجِّ المحمل، وحجَّ قبل ذلك أيضًا وسافر البلاد، ومارس الأمورَ في حياة والده وهذا كلُّه بخلاف من تقدَّمه من سلاطين أولاد الملوك؛ فإن الغالب منهم حدث السِّنِّ يريد له من يدبِّرُه، فإنه ما يعرف ما يرادُ منه، فيصير في حكم غيرِه من الأمراء فتتعلَّق الآمالُ بذلك الأمير، وتتردَّد الناسُ إليه، إلى أن يدبِّر في سلطنة نفسه، بخلاف المؤيَّد هذ؛ فإنَّه ولِيَ السلطنة وهو يقول في نفسه: إنه يدبِّرُ مع مملكة مصر ممالكَ العجم زيادةً على تدبير مصرَ! قلت: وكان كما زعم؛ فإنه كان عارفًا عاقلًا مباشرًا، حسن التدبير، عظيمَ التنفيذ شهمًا، وكان هو المتصرفَ في الأمور أيَّام أبيه في غالب الولايات والعَزلِ وأمور المملكة، فلما تسلطن ظنَّ كل أحد أنْ لا سبيل في دخول المكيدة على مثل هذا؛ لمعرفة الناس بحذقه وفطنته, وكان مع هذه الأوصاف مليح الشكل، وعنده تؤدة في كلامه، وعقل وسكوت خارج عن الحد، يؤديه ذلك إلى التكبُّر، وهذا كان أعظم الأسباب لنفور خواطر الناس عنه؛ فإنه كان في أيام سلطنته لا يتكلَّمُ مع أحد حتى ولا أكابر الأمراء إلا نادرًا، ولأمر من الأمور الضروريات، وفعل ذلك مع الكبير والصغير، وما كفى هذا حتى صار يبلُغُ الأمراءَ أنَّه في خلوته يسامِرُ الأطرافَ الأوباشَ الذين يُستحيا من تسميتهم، فعظم ذلك على الناس، فلما وقع ذلك وجد من عنده حقدٌ فرصةً، وأشاع عنه هذا المعنى وأمثاله، وبشَّع في العبارة وشنَّع، وقال هذا وغيره: إنَّه لا يلتفت إلى المماليك ويزدريهم، وهو مستعزٌّ بمماليك أبيه الأجلاب وأصهاره وحواشيه وخشداشية أبيه- زملاء مهنته-وبالمال الذي خلَّفه أبوه، ومنهم من قال أيضًا: إنما هو مستعزٌّ بحسن تدبيره، فإنه قد عبَّأ لكل سؤال جوابًا، ولكل حرب ضربًا، وكان مع هذا قد قمع مباشري الدولة وأبادهم، وضيَّق عليهم، ودقَّق في حسابهم كما هو في الخاطر وزيادة، فما أحسن هذا لو كان دام واستمر, فنفرت قلوب المباشرين منه، وأخذ أمره في إدبار؛ لعدم مثابرته على سير طريقه الأوَّل من سلطنته، فلو جَسَر لكَسَر، لكنه هاب فخاب" فلما كان آخرُ يوم الجمعة السابع عشر رمضان رسم السلطان الملك المؤيد أحمد لنقيب الجيش الأمير ناصر الدين محمد بن أبي الفرج أن يدور على الأمراء مقدَّمي الألوف، ويُعلمَهم أن السلطان رسم بطلوعهم من الغد في يوم السبت إلى الحوش السلطاني من قلعة الجبل بغير قماش الموكب، ولم يعلِمْهم لأيِّ معنى يكون طلوعهم واجتماعهم في هذا اليوم بالقلعة، وهو غيرُ العادة، وأخذ الأمراء من هذا الأمر أمرٌ مريج، وخلا كل واحد بمن يثق به، وعرفه الخبر، وهو لا يشكُّ أن السلطان يريد القبضَ عليه من الغد، ووجد لذلك من كان عنده كمينٌ من الملك المؤيد أو يريد إثارةَ فتنة فرصةً، وحرَّض بعضهم بعضًا، إلى أن ثارت المماليك الظاهرية في تلك الليلة، وداروا على رفقتهم وإخوانهم وعلى من له غرضٌ في القيام على الملك المؤيد، وداموا على ذلك ليلتَهم كلها، فلما كان صبح نهار السبت تفرَّقوا على أكابر الدولة والأمراء في بيت الأتابك خشقدم لعمل المصلحة، وقد اجتمعت طوائفُ المماليك والجميع في بيت الأمير الكبير، ولم يطلع إلى القلعة في هذا اليوم أحدٌ من الأمراء والأعيان إلا جماعة يسيرة جدًّا، فلما تكامل جمعهم في بيت الأمير الكبير وصاروا على كلمة واحدة؛ على خلع الملك المؤيَّد أحمد من السلطنة، وسلطنة غيره، وتكلموا فيمن يولونه السلطنة, فأجمع رأي الجميع على سلطنة أحد من أعيان الأمراء، ثم تكلموا فيمن يكون هذا السلطان، فقال جانبك: الرأي عندي سلطنةُ الأمير الكبير خشقدم المؤيدي؛ فإنه من غير الجنس يعني كونه روميَّ الجنس وأيضًا إنه رجل غريبٌ ليس له شوكة، ومتى أردتم خلعَه أمكنكم ذلك، وحصل لكم ما تقصدونه من غير تعب، فأعجب الجميعَ هذا الكلامُ، بخلاف المماليك الأشرفية، وإن كانوا هم أيضًا متفقين على خلع المؤيد؛ لتطَلُّعهم تسلطُنَ خشداشهم الأمير جانم نائب الشام، ولو أنَّ أمر المؤيد طرقهم بغتةً ما طاوعوا على الرُّكوبِ في مثل هذا اليوم قبل مجيء خشداشهم جانم، فبويع خشقدم ولقِّبَ بالملك الظاهر أبو سعيد سيف الدين خشقدم ونودي بالحال بسلطنته بشوارع القاهرة، ثم شرعوا بعد ذلك في قتالِ الملك المؤيد أحمد، كل ذلك والملك المؤيَّدُ في القلعة في أناس قليلة من مماليكه ومماليك أبيه الأجلاب، ثم التحم القتال بين الطائفتين مناوشةً لا مصاففةً، غير أن كلًّا من الطائفتين مُصِرٌّ على قتال الطائفة الأخرى، والملك المؤيَّد في قلة عظيمة من المقاتلة ممن يعرف مواقِعَ الحرب وليس معه إلا أجلاب، فلم ينقضِ النهار حتى آل أمرُ الملك المؤيد إلى زوال، وهو مع ذلك ينتظر من يجيء إليه لمساعدته، حتى من ليس له غرض عند أحد بعينه جاء إلى الأمير الكبير مخافة على رزقه ونفسه؛ لِما علم من قوة شوكة الأمير الكبير وما يؤول أمره إليه، هذا مع حضور الخليفة والقضاة الأربعة عند الأمير الكبير وجميع أعيان الدولة من المباشرين وأرباب الوظائف وغيرهم، والملك المؤيَّد في أناس قليلة جدًّا، وظهر ذلك للملك المؤيد عيانًا، فأراد أن يسَلِّمَ نفسه، ثم أمسك عن ذلك من وقته، فلما رأى الملك المؤيد أنَّ ذلك لا يفيده إلا شدةً وقسوةً أمر عساكره ومقاتلته بالكفِّ عن القتال، وقام من وقته وطلع القلعة بخواصِّه، وأمر أصحابه بالانصراف إلى حيث شاؤوا، ثم دخل هو إلى والدته خوند زينب بنت البدري حسن بن خاص بك، وترك باب السلسلة لمن يأخذه بالتسليم، وتمزَّقت عساكره في الحال كأنها لم تكن، وزال ملكه في أقل ما يكون، وخُمِدت الفتنة كأنَّها لم تكن، ثم أرسل الأتابك خشقدم في الحال جماعةً من أصحابه قبضوا على الملك المؤيد أحمد هذا من الدور السلطانية، فأُمسِكَ من غير ممانعة، وسلَّم نفسه، وأُخرِجَ من الدور إلى البحرة من الحوش السلطاني، وحُبِسَ هناك بعد أن اقتِيدَ واحتُفظ به، وكانت مدة حكمه أربعة أشهر وستة أيام، ثم رسم السلطان الملك الظاهر خشقدم بتوجُّهِه وتوجه أخيه محمد إلى سجن الإسكندرية.
تعاظم أمرُ النَّصارى بمصر, فتباهَوا بالملابِسِ الفاخرة، وبَنَوا الأملاكَ الجليلة في مصرَ والقاهرة، واقتَنَوا الجواريَ الجميلةَ مِن الأتراك والمولَّدات، واستولَوا على دواوينِ السلطان والأمراء، وزادوا في الحُمقِ والرَّقاعة، وتعَدَّوا طَورَهم في الترفُّع والتعاظم، وأكثروا من أذى المسلمينَ وإهانتهم، وتحرَّكت الناسُ في أمر النصارى وماجوا، وانتَدَب عِدَّةٌ من أهل الخير لذلك، وصاروا إلى الأمير طاز الشريف أبى العباس الصفراوي، وبلَّغوه ما عليه النصارى مما يوجِبُه نَقضُ عَهدِهم، وانتَدَبوه لنصرة الإسلام والمسلمين، فانتفَضَ الأمير طاز لذلك، وحَدَّثَ الأميرين شيخو وصرغتمش وبقية الأمراء في ذلك بين يدي السلطانِ، فوافقوه جميعًا، وكان لهم يومئذٍ بالإسلامِ وأهلِه عِنايةٌ، ورَتَّبوا قِصَّةً على لسان المسلمين، قُرِئَت بدار العَدلِ على السلطانِ بحَضرةِ الأمراء والقُضاة وعامة أهل الدولة، فرَسَمَ بعَقدِ مَجلِسٍ للنَّظَرِ في هذا الأمر؛ لِيُحمَلَ النصارى واليهود على العهدِ الذي تقَرَّرَ في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وطُلِبَ بطرك النصارى ورئيس اليهود، وحَضَرت قضاة القضاة وعلماء الشريعة، وأمراءُ الدولة، وجيء بالبطرك والرئيس، فوقفا على أرجُلِهما وقرأ العلائيُّ علي بن فضل الله كاتِبُ السر نسخةَ العهد الذي بين المسلمين وبين أهل الذمة، بعد ما أُلزِموا بإحضاره، وهو ألَّا يُحدِثوا في البلاد الإسلامية وأعمالها دِيرًا ولا كنيسةً ولا صومعةً، ولا يجَدِّدوا منها ما خَرِبَ، ولا يَمنَعوا من كنائِسِهم التي عاهدوا عليها أن يَنزِلَ بها أحدٌ مِن المسلمين ثلاثَ ليالٍ يُطعِمونَه، ولا يكتموا غشًّا للمسلمين، ولا يعَلِّموا أولادَهم القرآنَ، ولا يمنعوهم من الإسلامِ إن أرادوا، وإن أسلم أحدُهم لا يردُّوه، ولا يتشَبَّهوا بشيءٍ مِن ملابِسِ المسلمين ويلبَسُ النصرانيُّ منهم العمامةَ الزرقاءَ عَشرَ أذرُعٍ فما دونَها، واليهوديُّ العِمامةَ الصفراء كذلك، ويُمنَع نساؤُهم من التشبُّه بنساء المسلمين، ولا يتسَمَّوا بأسماءِ المُسلِمين، ولا يكتَنُوا بكُناهم، ولا يتلقَّبوا بألقابهم، ولا يركبوا على سَرجٍ، ولا يتقَلَّدوا سيفًا، ولا يركبوا الخيلَ والبِغالَ، ويركبون الحميرَ عَرضًا بالكَفِّ مِن غيرِ تزيينٍ ولا قيمةٍ عظيمة لها، ولا ينقُشوا خواتمهم بالعربيَّة، وأن يَجُزُّوا مقادِمَ رُؤوسهم، والمرأةُ من النصارى تلبَسُ الإزارَ المصبوغ أزرق، والمرأةُ مِن اليهود تلبَسُ الإزار المصبوغ بالأصفر، ولا يدخل أحَدٌ منهم الحمامِ إلَّا بعلامة ممَيِّزة عن المسلم في عُنُقِه، من نحاسٍ أو حديد أو رصاصٍ أو غير ذلك، ولا يستخدموا مُسلِمًا في أعمالهم، وتلبَسُ المرأة السائرةُ خُفَّين أحدهما أسود والآخر أبيض، ولا يجاوروا المسلمينَ بموتاهم، ولا يرفَعوا بناءَ قُبورهم، ولا يعلُوا على المسلمين في بناءٍ، ولا يضربوا بالنَّاقوسِ إلَّا ضربًا خفيفًا، ولا يرفَعوا أصواتَهم في كنائِسِهم، ولا يشتَرُوا من الرقيقِ مُسلمًا ولا مُسلِمةً، ولا ما جَرَت عليه سهامُ المسلمين، ولا يمشُوا وسَطَ الطريق توسِعةً للمُسلمين، ولا يَفتِنوا مُسلِمًا عن دينه، ولا يدُلُّوا على عوراتِ المسلمين، ومن زنى بمُسلمةٍ قُتِل، ومن خالف ذلك فقد حَلَّ منه ما يحِلُّ مِن أهل المعانَدةِ والشِّقاقِ، وكلُّ من مات من اليهود والنصارى والسامرة، ذكرًا كان أو أنثى، يَحتاطُ عليه ديوانُ المواريثِ الحَشريَّة، بالديارِ المصريَّة وأعمالِها وسائِرِ الممالك الإسلامية، إلى أن يُثبِتَ ورَثَتُه ما يستحقُّونه بمقتضى الشرع الشريف، فإذا استحَقَّ يعطونه بمقتضاه، وتُحمَلُ البقيَّةُ لبيت مال المسلمين، ومن مات منهم ولا وارِثَ له يُحمَلُ موجوده لبيتِ المال، ويُجرى على موتاهم الحوطةُ من ديوان المواريث ووكلاء بيت المال مجرى من يموتُ من المسلمين، إلى أن تُبَيَّن مواريثهم، وكان هذا العهدُ قد كتب في رجب سنة 700 في الأيام الناصريَّة محمد بن قلاوون، فلمَّا انتهى العلائي علي بن فضل الله كاتِبُ السرِّ مِن قراءته، تقلد بطركُ النصارى وديان اليهود حُكمَ ذلك، والتَزَما بما فيه، وأجابا بالسَّمع والطاعة، ثم جال الحديثُ في أمر اليهود والنصارى وإعادةِ وقائِعِهم الماضية، وأنهم بعد التزامِهم أحكام العهد يعودونَ إلى ما نُهُوا عنه، فاستقَرَّ الحال على أنهم يُمنَعونَ مِن الخِدَم في جميع الأعمال، ولا يُستخدَمُ نصراني ولا يهودي في ديوانِ السلطان، ولا في شيءٍ مِن دواوين الأمراء، ولو تلفَّظ بالإسلامِ، على أنَّ أحدًا منهم لا يُكرَهُ على الإسلام، فإن أسلم برِضاه، لا يدخُلُ مَنزِلَه، ولا يجتَمِعُ بأهله إلَّا إن اتَّبَعوه في الإسلام، ويُلزَمُ أحدُهم إذا أسلم بملازمة المساجد والجوامع، وكُتِبَ بذلك كُلِّه مراسيم سلطانية سار بها البريدُ إلى البلاد الإسلامية، فكان تاريخُها ثاني عشر جمادى الآخرة، وقُرئ منها مرسومٌ بمجلس السلطان في يوم الخميس خامس عشر، وركب من الغد يوم الجمعة سادس عشر الأميرُ سيف الدين قشتمر الحاجب، ومعه الشريف شهاب الدين المنشئ بالمراسيم السلطانيَّة إلى البلاد الإسلامية، وقُرئ مرسومٌ بجامع عمرو بن العاص من مدينة مصر، وآخَرُ بجامع الأزهر من القاهرة، فكان يومًا عظيمًا هاجت فيه حفائِظُ المسلمين، وتحَرَّكت سواكِنُهم؛ لِما في صدورهم من الحَنَق على النصارى، ونهضوا من ذلك المجلس بعد صلاة الجمعة، وثاروا باليهودِ والنصارى، وأمسكوهم من الطرقات، وتتَبَّعوهم في المواضِعِ وتناولوهم بالضرب، ومَزَّقوا ما عليهم من الثياب، وأكرهوهم على الإسلام، فيَضطرُّهم كثرةُ الضرب والإهانة إلى التلفظ بالشهادتينِ خوفَ الهلاك، فإنَّهم زادوا في الأمر حتى أضرموا النيران، وحملوا اليهود والنصارى، وألقَوهم فيها، فاختَفَوا في بيوتهم، حتى لم يوجَدْ منهم أحد في طريق ولا ممر، وشربوا مياه الآبار لامتناعِ السقَّائين مِن حَمل ِالماء من النيل إليهم، فلما شنع الأمر نُودِيَ في القاهرة ومصر ألا يُعارَضَ أحدٌ مِن النصارى أو اليهود، فلم يرجِعوا عنهم، وحَلَّ بهم من ذلك بلاءٌ شديد، كان أعظَمَه نكايةً لهم أنَّهم منعوا مِن الخِدَم بعد إسلامِهم، فإنهم كانوا فيما مضى من وقائِعِهم إذا مُنِعوا من ذلك كادوا المُسلمين بإظهارِ الإسلام، ثمَّ بالغوا في إيصال الأذى لهم بكلِّ طريق، بحيث لم يبقَ مانع يمنَعُهم لأنه صار الواحِدُ منهم فيما يظهَرُ مُسلِمًا ويَدُه مبسوطةٌ في الأعمال، وأمْرُه نافذٌ، وقولُه مُمتَثَل، فبطل ما كانوا يعملونَ، وتعطَّلوا عن الخِدَم في الديوان، وامتنع اليهودُ والنصارى من تعاطي صناعة الطب، وبذل الأقباط جُهدَهم في إبطال ذلك، فلم يجابُوا إليه، ثمَّ لم يكْفِ الناس من النصارى ما مَرَّ بهم حتى تسَلَّطوا على كنائسهم ومساكِنِهم الجليلة التي رفعوها على أبنيةِ المسلمين، فهدموها، فازداد النصارى واليهودُ خوفًا على خوفهم، وبالغوا في الاختفاءِ، حتى لم يظهَرْ منهم أحدٌ في سوق ولا في غيره، ثم وقعت قِصَصٌ على لسان المسلمين بدار العدل تتضَمَّنُ أنَّ النصارى استَجَدُّوا في كنائِسِهم عُمالًا، ووسعوا بناءها، وتجَمَّع من الناس عدد لا ينحصر، واستغاثوا بالسلطانِ في نصرة الإسلام، وذلك في يوم الاثنين رابع عشر رجب، فرسم لهم أن يَهدِموا الكنائِسَ المُستَجَدَّة، فنزلوا يدًا واحِدةً وهم يضِجُّون، وركب الأميرُ علاء الدين علي بن الكوراني والي القاهرة ليكشِفَ عن صحة ما ذكروه، فلم يتمَهَّلوا بل هجموا على كنيسةٍ بجوار قناطر السباع، وكنيسة للأسرى في طريق مصر، ونهبوهما وأخذوا ما فيهما من الأخشاب والرخام وغير ذلك، ووقع النهبُ في دير بناحية بولاق الدكرور، وهَجَموا على كنائس مصر والقاهرة، وأخربوا كنيسةً بحارة الفهادين من الجوانية بالقاهرة، وتجمعوا لتخريب كنيسة بالبندقانيين من القاهرة، فركب والي القاهرة وما زال حتى ردَّهم عنها، وتمادى هذا الحالُ حتى عجَزَت الحكَّامُ عن كفهم، وكثُرَت الأخبار من الوجه القبلي والوجه البحري بدخولِ النصارى في الإسلامِ، ومُواظبتِهم المساجِدَ، وحِفظِهم للقرآن، حتى إنَّ منهم من ثبتت عدالتُه وجلس مع الشهودِ، فإنه لم يبقَ في جميع أعمال مصر كُلِّها قِبليِّها وبحريِّها كنيسةٌ حتى هُدِمت، وبُني مواضِعَ كثيرٍ منها مساجد، فلما عَظُم البلاء على النصارى، وقَلَّت أرزاقهم، رأوا أن يدخلوا في الإسلام، ففشا الإسلامُ في عامَّة نصارى أرض مصر، حتى إنه أسلم من مدينة قليوب خاصة في يوم واحد أربعمائة وخمسون نفرًا! وممَّن أسلم في هذه الحادثة الشمس المقسي، جدُّ بني المقسي الذي منهم التاج ناظر الخواصِّ، والهيصم جدُّ بني الهيصم الوزراء, وحمَلَ كثيرٌ من الناس فِعْلَهم هذا على أنه من جملةِ مَكْرِهم؛ لكثرةِ ما شنَّعَ العامة في أمرهم، فكانت هذه الواقعةُ أيضًا من حوادث مصر العظيمة، ومن حينئذ اختلطت الأنسابُ بأرض مصر، فنكح هؤلاء الذين أظهروا الإسلامَ بالأرياف المُسلِماتِ، واستولدوهنَّ، ثمَّ قَدِمَ أولادُهم إلى القاهرة، وصار منهم قضاةٌ وشهود وعلماء، ومَن عَرَف سيرتَهم في أنفُسِهم، وفيما وَلُوه من أمور المسلمين، تفطَّنَ لِما لا يمكِنُ التصريحُ به.