اتَّفَق أنَّه في هذا الشهر تجمَّع جماعة من التجار بماردين وانضاف إليهم خلقٌ من الجفال من الغلا قاصدين بلاد الشام، حتى إذا كانوا بمرحلتين من رأس العين لحِقَهم ستون فارسًا من التتار فمالوا عليهم بالنشاب وقتلوهم عن آخرهم، ولم يبقَ منهم سوى صبيانِهم نحو سبعين صبيًّا، فقالوا من يقتل هؤلاء؟ فقال واحد منهم: أنا بشَرطِ أن تنَفِّلوني بمالٍ من الغنيمة، فقتلهم كلَّهم عن آخرهم، وكان جملةُ من قُتِل من التجَّار سِتَّمائة، ومن الجفلان ثلاثمائة، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون، وردموا بهم خمسَ صهاريج هناك حتى امتلأت بهم رحمهم الله، ولم يسلَمْ من الجميع سوى رجل واحد تركماني، هرب وجاء إلى رأس العينِ فأخبَرَ الناس بما رأى وشاهد من هذا الأمر الفظيع المؤلمِ الوجيع، فاجتهد متسَلِّمُ ديار بكر سوياي في طلب أولئك التتر حتى أهلَكَهم عن آخرهم، ولم يبقِ منهم سوى رجلَينِ.
كان صالح بن وصيف قائدًا من الأتراك صاحِبَ تسلُّطٍ شديد, وهو أحدُ المتآمرين على قتل المتوكِّل، ثم اختفى فطلَبه الأتراك بسببِ أموالٍ بينهم فأتوا المهتدي ليكشِفَ لهم أمرَ صالح. فقدم موسى بن بغا الكبير إلى سامرَّا بطلبٍ من الخليفة, فدخلها في جيشٍ هائل، فأتوا دار الخلافةِ التي فيها المهتدي جالسًا لكشف المظالم فاستأذنوا عليه فأبطأ الإذنَ ساعةً، وتأخَّرَ عنهم فظنُّوا في أنفسهم أنَّ الخليفةَ إنما طلبهم خديعةً منه ليسَلِّطَ عليهم صالحَ بن وصيف، فدخلوا عليه بالقوَّةِ, فأقاموه من مجلسِه وانتهبوا ما كان فيه، ثم أخذوه مهانًا إلى دار أخرى، فجعل يقول لموسى بن بغا: ما لك ويحَك؟ إنِّي إنما أرسلتُ إليك لأتقوَّى بك علي صالح بن وصيف. فقال له موسى: لا بأسَ عليك، احلِفْ لي أنَّك لا تريدُ بي خلاف ما أظهرتَ. فحلف له المهتدي، فطابت الأنفُسُ وبايعوه بيعةً ثانيةً مُشافَهةً، وأخذوا عليه العهود والمواثيق ألَّا يمالئ صالحًا عليهم، واصطلحوا على ذلك. ثم بعثوا إلى صالحِ بن وصيف ليحضُرَ لهم للمناظرة في أمر المعتزِّ، فوعدهم أن يأتيَهم، ثم اجتمع بجماعةٍ من الأمراء من أصحابِه وأخذ يتأهَّبُ لجمعِ الجيوش عليهم، ثم اختفى من ليلتِه لا يَدري أحدٌ أين ذهب في تلك الساعة، فبعثوا المناديةَ تنادي عليه في أرجاء البلد وتهدَّدوا من أخفاه، فلم يزل مختفيًا إلى آخر صفر, ولَمَّا أبطأ خبرُ صالح بن وصيف على موسى بن بغا وأصحابِه، قال بعضهم لبعض: اخلعوا هذا الرجُلَ- يعني الخليفة- فقال بعضهم: أتقتلون رجلًا صوَّامًا قوَّامًا لا يشربُ الخمر ولا يأتي الفواحش؟ واللهِ، إن هذا ليس كغيرِه من الخلفاء، ولا تُطاوِعُكم الناس عليه، وبلغ ذلك الخليفة فخرج إلى الناس وهو متقلِّدٌ سَيفًا، فجلس على السرير واستدعى بموسى بن بغا وأصحابِه، فقال: قد بلغني ما تمالأتُم عليه من أمري، وإني- والله- ما خرجتُ إليكم إلا وأنا متحنِّطٌ وقد أوصيت أخي بولدي، وهذا سيفي، والله لأضربَنَّ به ما استمسكَ قائِمُه بيدي، أمَا تستحيون؟ كم يكون هذا الإقدامُ على الخلفاءِ والجرأةُ على الله عزَّ وجلَّ، وأنتم لا تبصرون؟ سواءٌ عليكم من قصد الإبقاءَ عليكم والسيرةَ الصالحةَ فيكم، ومن كان يدعو بأرطالِ الشَّرابِ المُسكِر فيَشربُها بين أظهُرِكم وأنتم لا تُنكِرونَ ذلك، ثم يستأثِرُ بالأموال عنكم وعن الضُّعفاء! هذا منزلي فاذهبوا فانظروا فيه وفي منازلِ إخوتي ومن يتَّصِلُ بي، هل ترون فيها من آلاتِ الخلافة شيئًا، أو من فُرُشِها أو غير ذلك؟ وإنما في بيوتِنا ما في بيوت آحادِ النَّاسِ، وتقولون إني أعلمُ خبَرَ صالح بن وصيف، وهل هو إلَّا واحد منكم؟ فاذهبوا فاعلموا عِلمَه وأمَّا أنا فلستُ أعلمُ عِلمَه. قالوا: فاحلفْ لنا على ذلك، قال أمَّا اليمين فإنِّي أبذلها لكم، قال: فكأنَّهم لانوا لذلك قليلًا. ثم ظفروا بصالح بن وصيف فقُتِلَ وجيء برأسه إلى المهتدي باللهِ، وقد انفتل من صلاة المغربِ، فلم يزد على أن قال: وارُوه. ثم أخذَ في تسبيحه وذِكرِه. ولَمَّا أصبح الصباح رُفِعَ رأس صالح بن وصيف على رُمحٍ ونودي عليه في أرجاء البلد. هذا جزاء من قتل مولاه. وما زال الأمرُ مضطربًا متفاقمًا، وعظم الخطب حتى أفضى إلى خلعِ الخليفة المهتدي وقتلِه رحمه الله.
ابتنى أبو أحمد الموفَّق بن المتوكِّل مدينةً تجاه مدينة صاحب الزنج المختارة, وسمَّاها الموفَّقيَّة، وعظُمَ شأنُها، بناها أبو أحمد ليستعينَ بها على قتال صاحب الزنج، فأرسل إلى من يأتيه بآلاتِ الماء, ويبني فيها السفنَ والشذاءات, ويجلِبُ متاع البحر. وكان قد انقطع جلَبُ البحر منذ أكثَرَ من عشر سنين لإخافةِ الخبيث السُّبُلَ، وكتب بإثبات كلِّ من يصلُحُ للجنديَّةِ إلى عمَّاله في الأمصار، ورغَّب في ذلك، والمدينةُ الموفَّقيَّة تُبنى والكتُبُ تُنفَذ بما يَعمُرُها والتجَّار يجهِّزون إليها والأسواقُ تكثر وأقبلت إليها مراكِبُ البحر، وبنى أبو أحمد المسجدَ الجامع، فصارت مدينةً كبيرةً، وحُمِلَت إليها الأموالُ والعطاء في أوقاتِه، ورغب الناسُ في حلولها والمصيرِ إليها من كلِّ أَوْب, والخبيثُ يرصُدُ غِرَّةً يصيب فيها فرصَتَه من أبى أحمد، فلا يجدُ لِتَيقُّظِ النَّاسِ وتحارُسِهم، ولحفظ الموكَّلين بالمواضِعِ الضعيفةِ فيها.
هو حاكِمُ مصر الفائزُ بنَصرِ الله أبو القاسمِ عيسى بن الظَّافِرِ إسماعيلَ بن الحافِظِ عبدِ المَجيدِ بن محمدِ بن المُستَنصِر بالله العُبيديُّ، المصريُّ الفاطِميُّ. كانت مُدَّةُ حُكمِه سِتَّ سِنين ونحوَ شَهرينِ؛ وكان عُمرُه لمَّا وَلِيَ خمسَ سِنين، قال الذَّهبيُّ: "لمَّا اغتَالَ عبَّاسٌ الوَزيرُ الظَّافِرَ، أَظَهَرَ القَلقَ، ولم يكُن عَلِمَ أَهلُ القَصرِ بمَقتَلِه, فطَلَبوه في دُورِ الحَرَمِ فما وَجَدوهُ، وفَتَّشُوا عليه وأَيِسُوا منه، وقال عبَّاسٌ لأَخوَيهِ: أَنتُما الذين قَتَلتُما مولانا، فأَصَرَّا على الإنكارِ، فقَتَلَهُما نَفْيًا للتُّهمَةِ عنه, واستَدعَى في الحالِ عيسى هذا، وهو طِفلٌ له خَمسُ سِنين, وقِيلَ: بل سَنَتانِ. فحَمَلهُ على كَتِفِه، ووَقَفَ باكِيًا كَئيبًا، وأَمَرَ بأن تَدخُل الأُمراءُ، فدَخَلوا, فقال: هذا وَلَدُ مَولاكُم، وقد قَتَلَ عَمَّاهُ مَولاكُم، فقَتَلتُهُما به كما تَرَونَ، والواجِبُ إِخلاصُ النِّيَّةِ والطَّاعةُ لهذا الوَلَدِ، فقالوا كلُّهم: سَمْعًا وطاعَةً، وضَجُّوا ضَجَّةً قَوِيَّةً بذلك، ففَزِعَ الطِّفلُ، ولَقَّبوهُ الفائِزَ، وبَعَثوهُ إلى أُمِّهِ، واختَلَّ عَقلُه من حينئذٍ، وصار يَتَحرَّك ويُصرَع، ودانَت الممالِكُ لعبَّاسٍ. وأمَّا أَهلُ القَصرِ، فاطَّلَعوا على باطِنِ القَضِيَّةِ، فكاتَبُوا طَلائِعَ بنَ رزيك الأرمنيَّ الرَّافِضيَّ، والِيَ المنية" كان ابنُ رزيك ذا شَهامَةٍ وإِقدامٍ, فسَألوهُ الغَوْثَ، والأَخذَ بالثَّأْرِ من عبَّاسٍ الوَزيرِ لقَتْلِه الظَّافِرَ وأَخَوَيْهِ, فلَبِسَ الحِدادَ، وكاتَبَ أُمراءَ القاهرةِ، وهَيَّجَهُم على طَلَبِ الثَّأْرِ، فأَجابوهُ, فسار إلى القاهرةِ، وكان عبَّاسٌ في عَسكرٍ قَليلٍ. فخارَت قُواهُ وهَرَبَ هو وابنُه نَصرٌ ومَماليكُه والأَميرُ ابنُ مُنقِذٍ, واستَولَى الصَّالِحُ طَلائعُ بن رزيك على دِيارِ مصر بلا ضَربَةٍ ولا طَعنَةٍ، فنَزلَ إلى دارِ عبَّاسٍ، ثم استَدعَى خادِمًا كَبيرًا، وقال له: مَن هاهنا يَصلُح للحُكمِ؟ فقال: هاهنا جَماعةٌ؛ وذَكَرَ أَسماءَهُم، وذَكَرَ له منهم إِنسانٌ كَبيرُ السِّنِّ، فأَمَرَ بإحضارِهِ، فقال له بَعضُ أَصحابِه سِرًّا: لا يكون عبَّاسٌ أَحزَمَ منك حيث اختارَ الصَّغيرَ وتَرَكَ الكِبارَ واستَبَدَّ بالأَمرِ؛ فأَعادَ الصالحُ الرَّجُلَ إلى مَوضِعِه، وأَمَرَ حينئذٍ بإحضارِ العاضِدِ لدِينِ الله أبي محمدٍ عبدِ الله بن يوسفَ بن الحافظِ، ولم يكُن أَبوهُ حاكِمًا، وكان العاضِدُ في ذلك الوَقتِ مُراهقًا قارَبَ البُلوغَ، فبايَعَ له بالحُكمِ.
حكى ابنُ الجَوزيِّ عن أبي بكرٍ الصوليِّ أنَّه قال: "النَّاسُ يقولونَ: كُلُّ سادسٍ يقومُ بأمرِ النَّاسِ مِن أوَّلِ الإسلامِ لا بُدَّ أن يُخلَعَ، قال ابنُ الجوزيِّ: فتأمَّلتُ ذلك فرأيتُه عَجَبًا: قيامُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثمَّ أبِي بكر ثمَّ عُمَرَ ثُمَّ عُثمانَ ثمَّ عليٍّ ثمَّ الحَسَن فتنازلَ بالخلافةِ لِمُعاوية! ثمَّ يزيدُ ومُعاويةُ بنُ يزيد ومروانُ وعبدُ المَلِك ثمَّ عبدُ الله بنُ الزُّبيرِ، فخُلِعَ وقُتِلَ! ثمَّ الوليدُ ثمَّ سُليمانُ ثمَّ عُمَرُ بنُ عبد العزيز ثمَّ يزيدُ ثُمَّ هِشامٌ ثُمَّ الوليدُ بنُ يزيد، فخُلِعَ وقُتِلَ! ولم يَنتَظِمْ لبني أميَّةَ بَعدَه أمرٌ حتى قام السَّفَّاحُ العباسيُّ ثمَّ أخوه المنصورُ ثُمَّ المهديُّ ثُمَّ الهادي ثمَّ الرَّشيدُ ثُمَّ الأمين، فخُلِعَ وقُتِلَ! ثُمَّ المأمونُ والمُعتَصِم والواثِقُ والمتوكِّلُ والمُنتَصِرُ ثمَّ المُستعينُ، فخُلِعَ ثمَّ قُتِلَ، ثمَّ المُعتَزُّ والمهتدي والمُعتَمِد والمُعتَضِد والمُكتفي ثمَّ المُقتَدِر، فخُلِعَ ثمَّ أعيدَ فقُتِلَ! ثمَّ القاهِرُ والراضي والمتَّقي والمُكتفي والمُطيع ثمَّ الطائِعُ فخُلِعَ، ثمَّ القادِرُ والقائِمُ والمُقتدي والمُستَظهِر والمُستَرشِد ثُمَّ الرَّاشِدُ، فخُلِعَ وقُتِلَ!.
عَمِلَ السُّلطانُ النَّاصِرُ محمد بن قلاوون بابًا من خَشَبِ السنط الأحمر، وصَفَّحه بفِضَّة زِنتُها خمسة وثلاثون ألفَ درهم وثلاثمائة درهم، ومضى به الأميرُ سيف الدين برسبغا الساقي إلى مكَّة، فقُلِعَ باب الكعبة العتيق، ورُكِّبَ هذا الباب وأخذ بنو شيبةَ الباب العتيق، وكان من خَشَبِ الساسم المصَفَّح بالفِضَّة، فوجدوا عليه ستين رطلًا من فِضَّة تقاسَموها فباعوها كلُّ دِرهمٍ بدرهمين، لأجلِ التبَرُّك، (وهذا خطأٌ من وجهَينِ: الأول: أنَّه رِبًا. والثاني: أنَّه لا يُتبَرَّكُ بمثل هذه الأشياءِ، وإن كانت بابًا للكعبة!) وتُرِكَ خَشَبُ ذلك الباب داخِلَ الكعبة، وعليه اسمُ صاحِبِ اليمن في الفردتين، واحدةٌ عليها: اللهُمَّ يا وليُّ يا عليُّ، اغفِرْ ليوسُفَ بنِ عُمَرَ بنِ عليٍّ.
لمَّا بلغَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أربعَ عشرةَ سنةً أو خمسَ عشرةَ سنةً هاجت حربُ الفِجارِ بين قُريشٍ ومَن معها مِن كِنانةَ وبين قَيسِ عَيلانَ، وهو من أعظمِ أيَّامِ العربِ، وكان الذي أهاجَها: أنَّ عُروةَ الرَّحَّالَ بنَ عتبة بن ربيعةَ أجارَ لَطيمةً للنُّعمانِ بن المنذرِ، فقال له البَرَّاضُ بنُ قيسٍ -أحدُ بني ضَمْرةَ بنِ بكرِ بنِ عبدِ مناةَ بنِ كنانةَ-: أتُجيرُها على كِنانةَ؟! قال: نعم، وعلى الخَلقِ. فخَرَجَ عُروةُ الرَّحَّالُ وخَرَج البَرَّاضُ يَطلُبُ غَفْلَتَه حتى إذا كان بِتَيْمَنَ ذي ظِلالٍ بالعاليةِ غَفَلَ عُروةُ؛ فوَثَب عليه البَرَّاضُ فقَتَله في الشَّهرِ الحَرامِ؛ فلذلك سُمِّي الفِجارَ؛ فأتى آتٍ قُريشًا فقال: إنَّ البَّرَّاضَ قد قَتَل عُروةَ وهو في الشَّهرِ الحَرامِ بعُكاظٍ، فارتَحَلوا وهوازِنُ لا تشعُرُ، ثم بلغهمُ الخبرُ فاتَّبَعوهم فأدركوهم قبل أن يدخلوا الحرمَ، فاقتتلوا حتى جاء الليلُ ودخلوا الحرمَ فأمسَكَت عنهم هوازِنُ ثم الْتَقَوا بعد هذا اليومِ أيَّامًا عديدةً والقومُ يتساندون، وعلى كلِّ قَبيلٍ من قُريشٍ وكِنانةَ رئيسٌ منهم، وعلى كل قَبيلٍ من قيسٍ رئيسٌ منهم. وشَهِد رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعضَ أيَّامِهم، وهو يومُ النَّخلةِ، وكان لرسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يومئذٍ أربعَ عشرةَ سنةً. ويُقالُ: عِشرون سَنةً.
وبعد مُنصَرَفِهم منه في ذي القِعدةِ كان حِلفُ الفُضولِ، وسببُه: أنَّ رجلًا من زَبيدٍ من أهلِ اليمن باع سلعةً من العاصِ بن وائلٍ السَّهميِّ فمَطَله بالثَّمنِ؛ فصَعِدَ أبا قُبَيسٍ وصاح وذَكَر ظِلامَتَه. فعَقَدت قُريشٌ حِلفَ الفُضولِ لنُصرةِ المظلوم، وقد شَهِد النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذا الحِلفَ معهم.
في أوَّلِ رمضان وصَلَت الأخبار إلى دمشق أنه أُجرِيَت عينُ ماء إلى مكَّةَ شَرَّفَها اللهُ وانتفَعَ الناس بها انتفاعًا عظيما، وهذه العين تُعرِفُ قديمًا بعين باذان، أجراها الأميرُ سيف الدين جوبان المغولي نائب السلطان أبي سعيد بن خربندا مَلِك التتار من بلادٍ بعيدة حتى دخَلَت إلى نفس مكة، ووصلت إلى عند الصَّفا وباب إبراهيم، واستقى الناسُ منها فقيرُهم وغَنِيُّهم وضعيفُهم وشريفُهم، كلُّهم فيها سواء، وارتفق أهلُ مكة بذلك رفقًا كثيرًا،ولله الحمد والمنَّة، وكانوا قد شرعوا في حَفرِها وتجديدها في أوائِلِ هذه السنة إلى العشر الأخير من جمادى الأولى، واتَّفَق أن في هذه السنة كانت الآبارُ التي بمكة قد يَبِسَت وقلَّ ماؤها، وقَلَّ ماء زمزم أيضًا، فلولا أنَّ الله تعالى لطَفَ بالنَّاسِ بإجراء هذه القناة لنزح عن مكَّةَ أهلُها، أو هلَكَ كَثيرٌ مِمَّا يقيمُ بها.
هو الإمامُ العَلَّامة الحافِظُ الأوحَدُ، شَيخُ الإسلامِ القاضي أبو الفَضلِ عِياضُ بنُ موسى بنِ عِياضِ بنِ عَمرِو بنِ موسى بن عياض بن محمد بن موسى بن عِياض اليحصبي الأندلسي، ثمَّ السبتي، المالكيُّ، قاضي سبتة. أحدُ مشايخ العُلَماءِ المالكيَّة، أصلُه من الأندلُسِ انتَقَلَ جَدُّه عَمرٌو مِن الأندلُسِ إلى مدينة فاس، ثمَّ مِن فاس إلى سبتة, ووُلِدَ القاضي عياض بسبتة في النِّصفِ مِن شعبان سنة 476, لم يَحمِل القاضي العِلمَ في الحداثة، وأوَّلُ شَيءٍ أخذه عن الحافِظِ أبي علي الغساني إجازةً مُجَرَّدة، وكان يُمكِنُه السَّماعُ منه. بدأ بطلب العلمِ في الثانية والعشرين مِن عُمُرِه, ثمَّ رحل إلى الأندلس سنة 503، فاستبحَرَ مِن العُلومِ، وجمَعَ وألَّف، وسارت بتصانيفِه الرُّكبانُ، واشتُهِرَ اسمُه في الآفاقِ، حتى أصبح إمامَ وَقتِه في الحديثِ وعُلومِه، والفِقهِ واللُّغةِ والأدَبِ، وأيَّامِ الناس، وله مُصَنَّفات كثيرةٌ مُفيدةٌ شاهِدةٌ على إمامتِه، منها: الشَّفا بتعريف حقوق المصطفى، وشَرحُ مُسلِم، ومشارِقُ الأنوار، وشَرحُ حديث أم زرع، وغير ذلك، وله شِعرٌ حَسَنٌ. قال خلف بن بشكوال تلميذُه: "هو مِن أهلِ العِلمِ والتفَنُّنِ والذَّكاءِ والفَهمِ، استُقضِيَ بسبتةَ مُدَّةً طويلةً، حُمِدَت سِيرتُه فيها، ثمَّ نُقِلَ عنها إلى قضاءِ غِرناطة سنة 532، فلم يُطَوِّلْ بها، وقَدِمَ علينا قُرطُبةَ، فأخَذْنا عنه". قال الفقيهُ محمد بن حماده السبتي: "جلس القاضي للمُناظرة وله نحوٌ مِن ثمان وعشرين سنة، ووَلِيَ القضاءَ وله خمس وثلاثون سنة، كان هيِّنًا مِن غَيرِ ضَعفٍ، صُلبًا في الحَقِّ، تفَقَّه على أبي عبدِ الله التميمي، وصَحِبَ أبا إسحاق بن جعفر الفقيه، ولم يكُنْ أحَدٌ بسبتة في عَصرِه أكثَرَ تواليفَ مِن تواليفِه" ذكره الذهبي بقوله: "تواليفُه نَفيسةٌ، وأجَلُّها وأشرَفُها كِتابُ (الشَّفا) لولا ما قد حشاه بالأحاديثِ المُفتَعَلةِ عَمَلَ إمامٍ لا نَقْدَ له في فَنِّ الحديثِ ولا ذَوْقَ، واللهُ يُثيبُه على حُسنِ قَصْدِه، وينفَعُ بـ (شِفائِه) وقد فَعَل، وكذا فيه من التأويلاتِ البَعيدةِ ألوانًا، ونبيُّنا صَلَواتُ الله عليه وسلامُه غَنِيٌّ بمِدحةِ التَّنزيلِ عن الأحاديثِ، وبما تواتَرَ مِن الأخبارِ عن الآحادِ، وبالآحادِ النَّظيفةِ الأسانيدِ عن الواهياتِ، فلماذا يا قومِ نتشَبَّعُ بالموضوعاتِ؟ فيتطَرَّق إلينا مقالُ ذَوي الغِلِّ والحَسَدِ، ولكِنْ مَن لا يعلَمُ مَعذورٌ، فعليك يا أخي بكتاب (دلائل النبوة) للبَيهقيِّ؛ فإنَّه شِفاءٌ لِما في الصُّدور، وهُدًى ونُور" مات بمراكش يومَ الجُمُعةِ في جمادى الآخرةِ، وقيل في رمضانَ، بمدينة سبتة, ودُفِنَ بباب إيلان داخِلَ المَدينةِ.
هو أبو بكر محمَّدُ بن الحسن بن دريد بن عتاهية الأزديُّ البصريُّ، عالِمٌ وشاعِرٌ وأديبٌ عربيٌّ، كان رأسًا في العربيَّةِ وأشعار العرَبِ, وله شعرٌ كثيرٌ وتصانيفُ مشهورة. ولِدَ سنة 223.كان يقالُ: "ابن دريد أشعَرُ العُلَماء وأعلَمُ الشُّعَراء", وكان أبوه وجيهًا من وجهاءِ البصرة، وقرأ ابنُ دريد على علمائِها وعلى عمه الحُسَين بن دريد، قال أحمد بن يوسف الأزرق: "ما رأيتُ أحفَظَ مِن ابنِ دُرَيد. وما رأيتُه قُرئ عليه ديوانٌ قَطُّ إلَّا وهو يسابِقُ إلى روايته؛ لحفظِه له". قال أبو حفصِ بنُ شاهين: "كنَّا ندخُلُ على ابن دُرَيد فنستحي ممَّا نرى من العيدانِ المُعَلَّقة والشَّراب. وقد جاوز التِّسعينَ". وقال أبو منصور الأزهري: "دخلتُ عليه فرأيتُه سكرانَ، فلم أعُدْ إليه". وعند ظهور الزِّنجِ في البصرة انتقل مع عمِّه إلى عُمان عام 257، وأقام فيها اثنتي عشرة سنةً، ثم رجع إلى البصرة وأقام فيها زمنًا، ثم خرج إلى الأحوازِ بعد أن لبَّى طلب عبد الله بن محمد بن ميكال، فلحق به لتأديبِ ابنِه أبي العباس إسماعيلَ، وهناك قَدَّمَ له كتابَه (جَمهرة اللُّغة) وتقَلَّد ابنُ دريد آنذاك ديوانَ فارِسَ، فكانت كتُبُ فارس لا تصدُرُ إلَّا عن رأيه، ولا ينفُذُ أمرٌ إلَّا بعد توقيعِه، وقد أقام هناك نحوًا من سِتِّ سنواتٍ. ولابن دريدٍ مِن الكتب "الجمهرة"، و"الأمالي"، و"اشتقاق أسماء القبائل"، و"المجتبى"، و"الخيل"، و"السلاح"، و"غريب القرآن" ولم يتِمَّ، و"أدب الكاتِب"، و"فعلتُ وأفعلتُ"، و"المطر"، وغيرها من الكتب. دُفِنَ ابن دريد وأبو هاشم الجُبَّائي في يومٍ واحد في مقبرةِ الخيزران لاثنتي عشرة ليلة بَقِيَت من شعبان، فقيل: مات الكلامُ واللُّغةُ جميعًا.
غزا رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غزوةَ بدرٍ الأولَى حتى بَلَغ واديَ سَفَوانَ؛ حيث خَرَج رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على رأسِ ثلاثةَ عَشَرَ شهرًا من مُهاجَرِه يَطلُب كُرزَ بنَ جابِرٍ الفِهريَّ، وحَمَل لِواءَه عليُّ بنُ أبي طالِبٍ رَضي اللهُ عنه، وكان أبيضَ، واستَخلَفَ على المدينةِ زيدَ بنَ حارِثةَ، وكان كُرزٌ قد أغار على سَرحِ المدينةِ -الإبِلِ والمَواشي التي تَسرَحُ للرَّعيِ بالغَداةِ- فاستاقَه، وكان يَرعَى بالحِمَى، فطَلَبه رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بَلَغ واديًا يُقالُ له: "سَفَوانُ" من ناحيةِ بَدرٍ، وفاتَه كُرزٌ ولم يَلحَقْه، فرَجَع إلى المَدينةِ.
بلغ المهاجرين في الحَبشةِ أنَّ قُريشًا قد أسلمتْ، فرجعوا إلى مكَّة في شوَّالٍ من نفسِ السَّنةِ التي هاجروا فيها، فلمَّا كانوا دون مكَّة ساعةً من نهارٍ وعرفوا جلية الأمرِ رجع منهم مَنْ رجع إلى الحَبشةِ، ولم يدخلْ في مكَّة مِن سائرهِم أحدٌ إلَّا مُستخفِيًا، أو في جِوارِ رجلٍ من قُريشٍ. ثم اشتدَّ عليهِم وعلى المسلمين البلاءُ والعذابُ من قُريشٍ، وسَطَتْ بهِم عشائرُهُم، فقد كان صعبًا على قُريشٍ ما بلغها عَنِ النَّجاشيِّ من حُسنِ الجِوارِ، ولم يرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بُدًّا من أن يُشيرَ على أصحابهِ بالهجرةِ إلى الحَبشةِ مَرَّةً أُخرى. واستعدَّ المسلمون للهجرةِ مَرَّةً أُخرى، حاولتْ قُريشٌ إحباطَ عمليَّةِ الهجرةِ الثَّانيةِ بَيْدَ أنَّ المسلمين كانوا أسرعَ، فانحازوا إلى نَجاشيِّ الحَبشةِ قبلَ أن يُدركوا. هاجر مِنَ الرِّجالِ ثلاثةٌ وثمانون رجلًا، وثماني عشرةَ أو تسعَ عشرةَ امرأةً. فأرسلتْ قُريشٌ عَمرَو بنَ العاصِ، وعبدَ الله بنَ أبي رَبيعةَ قبلَ أن يُسلِما، وأرسلوا معهُما الهدايا المُستطرَفةَ للنَّجاشيِّ ولبَطارِقتِهِ، وبعد أن حضرا إلى النَّجاشيِّ قدَّما له الهدايا، ثمَّ كلَّماهُ فقالا له: أيُّها الملكُ، إنَّه قد ضَوَى إلى بلدِك غِلمانٌ سُفهاءُ، فارقوا دينَ قومهِم، ولم يدخلوا في دينِك، وجاءوا بدينٍ ابتدعوه، لا نعرفُه نحن ولا أنت، وقد بعثَنا إليك فيهِم أشرافُ قومهِم من آبائهِم وأعمامهِم وعشائرهِم؛ لِتردَّهُم إليهِم، فَهُمْ أعلى بهِم عينًا، وأعلمُ بما عابوا عليهِم. وعاتبوهُم فيهِ، وقالت البَطارِقةُ: صَدقا أيُّها الملكُ، فأسلِمْهُم إليهِما، فليردَّاهُم إلى قومهِم وبلادهِم. فأرسل النَّجاشيُّ إلى المسلمين، ودعاهُم، فحضروا، وكانوا قد أجمعوا على الصِّدقِ كائنًا ما كان، فقال لهم النَّجاشيُّ: ما هذا الدِّينُ الذي فارقتُم فيه قومَكُم، ولم تدخلوا به في ديني ولا دينِ أحدٍ من هذه المِلَلِ ؟ قال جعفرُ بنُ أبي طالبٍ -وكان هو المُتكلِّمُ عَنِ المسلمين: أيُّها الملكُ، كُنَّا قومًا أهلَ جاهليَّةٍ؛ نعبدُ الأصنامَ، ونأكلُ المَيتةَ، ونأتي الفواحشَ، ونقطعُ الأرحامَ، ونُسِئُ الجِوارَ، ويأكلُ مِنَّا القويُّ الضَّعيفَ، وعدَّد له مَحاسنَ ما جاءهُم به صلى الله عليه وسلم، ثمَّ قال: فصدَّقناهُ، وآمنَّا بهِ، واتَّبعناهُ على ما جاءنا بهِ من دينِ الله، فعبدنا الله وحدَه، فلم نُشركْ به شيئًا، وحرَّمنا ما حُرِّمَ علينا، وأحللنا ما أحلَّ لنا، فعدا علينا قومُنا، فعذَّبونا وفَتنونا عن ديننا؛ لِيردُّونا إلى عِبادةِ الأوثانِ من عِبادةِ الله تعالى، وأن نَستحِلَّ ما كُنَّا نَستحِلُّ مِنَ الخبائثِ، فلمَّا قَهرونا وظَلمونا وضيَّقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادِك، واخترناك على مَنْ سِواكَ، ورغِبنا في جِوارِك، ورَجوْنا ألَّا نُظْلَمَ عندك أيُّها الملكُ. فقال له النَّجاشيُّ: هل معك ممَّا جاء به عن الله من شيءٍ؟ فقال له جعفرٌ: نعم. فقال له النَّجاشيُّ: فاقْرأْهُ عليَّ، فقرأ عَليهِ صدرًا من: (سورة مريم) فبكى النَّجاشيُّ حتَّى اخْضَلَّتْ لِحيتُه، وبكتْ أساقِفتُه حتَّى أخْضَلُوا مصاحِفَهُم حين سمِعوا ما تلا عليهِم، ثمَّ قال لهم النَّجاشيُّ: إنَّ هذا والذي جاء به عيسى لَيخرجُ من مِشكاةٍ واحدةٍ، انطلقا، فلا والله لا أُسلِمُهُم إليكُما، ولا يُكادونَ -يُخاطِبُ عَمرَو بنَ العاصِ وصاحبَه- فخرجا، فلمَّا خرجا قال عَمرُو بنُ العاصِ لعبدِ الله بنِ أبي رَبيعةَ: والله لآتينَّهُ غدًا عنهُم بما أَسْتَأْصِلُ به خَضراءَهُم. فقال له عبدُ الله بنُ أبي رَبيعةَ: لا تفعلْ، فإنَّ لهم أرحامًا، وإنْ كانوا قد خالفونا. ولكنْ أصرَّ عَمرٌو على رأيِهِ. فلمَّا كان الغدُ قال للنَّجاشيِّ: أيُّها الملكُ، إنَّهم يقولون في عيسى ابنِ مريمَ قولًا عظيمًا، فأرسل إليهم النَّجاشيُّ يسألهُم عن قولِهم في المَسيحِ ففَزِعوا، ولكنْ أجمعوا على الصِّدقِ، كائنًا ما كان، فلمَّا دخلوا عَليهِ وسألهم، قال له جعفرٌ: نقولُ فيه الذي جاءنا به نبيُّنا صلى الله عليه وسلم: هو عبدُ الله ورسولُه ورُوحهُ وكَلِمتُه ألقاها إلى مريمَ العذراءِ البَتُولِ. فأخذ النَّجاشيُّ عودًا مِنَ الأرضِ ثمَّ قال: والله ما عَدا عيسى ابنُ مريمَ ما قلتَ هذا العودَ. فتَناخَرتْ بَطارِقتُه، فقال: وإنْ نَخَرْتُم . ثمَّ قال للمسلمين: اذهبوا فأنتم شُيُومٌ بأرضي -والشُّيومُ: الآمِنونَ بلسانِ الحَبشةِ- مَنْ سَبَّكم غَرِم، مَنْ سَبَّكم غَرِم، مَنْ سَبَّكم غَرِم، ما أُحِبُّ أنَّ لي دَبْرًا من ذهبٍ وإنِّي آذيتُ رجلًا منكُم -والدَّبْرُ: الجبلُ بلسانِ الحَبشةِ- ثمَّ قال لِحاشِيَتِهِ: رُدُّوا عليهِما هَداياهُما فلا حاجةَ لي بها، فوالله ما أخذَ الله مِنِّـي الرِّشـوةَ حين رَدَّ عليَّ مُلكي، فآخذُ الرِّشـوةَ فيــه، وما أطاع النَّاسَ فِيَّ فأُطيعَـهُم فيهِ. قالتْ أمُّ سَلمةَ: فخرجا من عندِه مَقبوحينَ مَردودًا عليهِما ما جاءا بهِ، وأقمنا عندهُ بخيرِ دارٍ مع خيرِ جارٍ.
خَرَج إليون مِن القُسطنطينيَّة ومعه مائةُ أَلفِ فارِس، فأُخبِرَ بذلك البَطَّال وهو عبدُ الله الأنطاكي فأَخبَر البَطَّالُ أَميرَ عَساكِر المسلمين بذلك، وكان الأَميرُ مالِك بن شَبيب، وقال له: المَصلَحةُ تَقتَضِي أن نَتحَصَّن في مَدينَة حَرَّان فنَكُون بها حتَّى يَقدُم علينا سُليمانُ بن هِشام بالمَدَد، فأَبَى عليه ذلك ودَهمَهم الجَيشُ، فاقْتَتَلوا قِتالًا شَديدًا والأَبطالُ تَحومُ بين يدي البَطَّال ولا يَتَجاسر أَحدٌ أن يُنَوِّه باسمِه خَوفًا عليه مِن الرُّوم، فاتَّفَق أن ناداهُ بَعضُهم وذَكَر اسمَه غَلَطًا منه، فلمَّا سمع ذلك فِرسانُ الرُّوم حَمَلوا عليه حَملةً واحِدةً، فاقْتَلعوه مِن سَرْجِه بِرِماحِهم فأَلقوه إلى الأَرضِ، ورَأى النَّاسَ يُقتَلون ويُأسَرون، وقُتِلَ الأميرُ الكَبيرُ مالِكُ بن شَبيب، وانكَسَر المسلمون وانطلقوا إلى تلك المدينة الخَراب فتَحَصَّنوا فيها، وانطَلَق ليون إلى المسلمين الذين تَحَصَّنوا فحاصَرَهم، فبينما هم في تلك الشِّدَّةِ والحِصار إذ جاءَتهُم البُرُدُ بِقُدومِ سُليمان بن هِشام بالمَدَدِ، ففَرَّ ليون في جَيشِه هارِبًا راجِعًا إلى بِلادِه -قَبَّحَهُ الله- فدَخَل القُسطنطينيَّة وتَحصَّن بها.