خلع رافِعُ بنُ الليث بن نصر بن سيَّار نائبُ سمرقند الطاعةَ، ودعا إلى نفسِه، وتابعه أهلُ بلَدِه وطائفةٌ كثيرةٌ من تلك الناحية، واستفحل أمرُه، فسار إليه نائِبُ خراسان علي بن عيسى، فهزمه رافِعٌ وتفاقم الأمر به. فجمَعَ له عليُّ بن عيسى جيشًا لقِتالِه، فلما قَتَل رافِعُ بن الليثِ عيسى بن علي خرج عليُّ بن عيسى مِن بَلْخ حتى أتى مرْوًا مخافةَ أن يسيرَ إليها رافع بن الليث، فيستولي عليها، فلما علم الرشيد بذلك خلَعَه وعيَّنَ بدلًا عنه هرثمة بن أعين.
يقول الجبرتي: "كانت الفرنسيسُ حين دخولهم بالإسكندرية كتبوا مرسومًا وطبَعوه وأرسلوا منه نُسخًا إلى البلاد التي يَقدَمون عليها؛ تطمينًا لهم، ووصل هذا المكتوبُ مع جملةٍ مِن الأُسارى الذين وجدوهم بمالطة وحضروا صُحبتَهم، وحضرَ منهم جملةٌ إلى بولاق، وذلك قبل وُصولِ الفرنسيس بيومٍ أو بيومين، ومعهم منه عِدَّةُ نُسَخ، ومنهم مغاربة وفيهم جواسيس وهم على شَكلِهم من كفَّار مالطة ويعرفون باللغات, وصورةُ ذلك المكتوب: "بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا اللهُ لا ولد له ولا شريكَ له في مُلكِه، من طرف الفرنساوية المبني على أساس الحرية والتسوية، السير عسكر الكبير أمير الجيوش الفرنساوية بونابارته يعرف أهالي مصرَ جميعَهم أنَّ من زمان مديد الصناجق الذين يتسلَّطون في البلاد المصرية يتعاملون بالذل والاحتقار في حقِّ الملة الفرنساوية؛ يظلمون تجارَها بأنواع الإيذاء والتعدي، فحضر الآن ساعةَ عقوبتهم وأخَّرنا من مدة عصور طويلة هذه الزمرة المماليك المجلوبين من بلاد الأزابكة والجراكسة يُفسِدون في الإقليم الحسن الأحسَنِ الذي لا يوجدُ في كُرة الأرض كلِّها، فأمَّا رب العالمين القادِرُ على كل شيء فإنه قد حكمَ على انقضاء دولتهم، يا أيها المصريون، قد قيل لكم إنَّني ما نزلت بهذا الطرفِ إلَّا بقصد إزالة دينكم، فذلك كَذِبٌ صريحٌ، فلا تصَدِّقوه، وقولوا للمفترين إنَّني ما قَدِمت إليكم إلَّا لأخَلِّص حَقَّكم من يد الظالمين، وإنني أكثَرُ من المماليك أعبد الله سبحانه وتعالى وأحترِمُ نبيه والقرآن العظيم، وقولوا أيضًا لهم إنَّ جميع الناس متساوون عند الله، وإنَّ الشيء الذي يفرقُهم عن بعضِهم هو العقلُ والفضائِلُ والعلوم فقط، وبين المماليك والعقل والفضائل تضاربٌ، فماذا يميزُهم عن غيرِهم حتى يستوجِبوا أن يتمَلَّكوا مصر وحدَهم ويختَصُّوا بكل شيءٍ أحسَن فيها من الجواري الحِسان والخيل العتاق والمساكِن المفرحة، فإن كانت الأرضُ المصرية التزامًا للمماليك فليُرونا الحُجَّة التي كتبها الله لهم، ولكنَّ رب العالمين رؤوفٌ وعادل وحليم، ولكنْ بعونه تعالى من الآن فصاعدًا لا ييأس أحد من أهالي مصر عن الدخول في المناصب السامية وعن اكتساب المراتب العالية؛ فالعلماء والفضلاء والعقلاء بينهم سيدبِّرون الأمور، وبذلك يصلُحُ حال الأمَّة كُلِّها، وسابقًا كان في الأراضي المصرية المدنُ العظيمة والخلجان الواسعة والمتجر المتكاثر، وما أزال ذلك كلَّه إلا الظلمُ والطمع من المماليك، أيها المشايخُ والقضاة والأئمة والجربجية وأعيان البلد، قولوا لأمَّتِكم إن الفرنساوية هم أيضًا مسلمون مخلصون، وإثبات ذلك أنهم قد نزلوا في رومية الكبرى وخرَّبوا فيها كرسيَّ الباب الذي كان دائمًا يحثُّ النصارى على محاربة الإسلام، ثم قصدوا جزيرة مالطة وطردوا منها الكواللرية الذين كانوا يزعُمون أن الله تعالى يطلب منهم مقاتلةَ المسلمين، ومع ذلك الفرنساوية في كلِّ وقت من الأوقات صاروا محبِّين مخلصين لحضرة السلطان العثماني وأعداءِ أعدائِه، أدام الله مُلكَه، ومع ذلك إنَّ المماليك امتنعوا من إطاعة السلطان غيرَ ممتثلين لأمره، فما أطاعوا أصلًا إلَّا لطمع أنفسهم، طوبى ثم طوبى لأهالي مصر الذين يتَّفقون معنا بلا تأخير، فيَصلُح حالهم وتعلو مراتبُهم، طوبى أيضًا للذين يقعُدون في مساكنِهم غيرَ مائلين لأحدٍ مِن الفريقين المتحاربين، فإذا عرفونا بالأكثر تسارعوا إلينا بكل قلبٍ، لكنَّ الويل ثم الويل للذين يعتمدون على المماليك في محاربتِنا فلا يجدون بعد ذلك طريقًا إلى الخلاص، ولا يبقى منهم أثر".
هو الأميرُ شِهابُ الدين، أبو الفوارِسِ سَعدُ بن محمد بن سعد بن صيفي التميمي الأديب الفقيه الشافعي، المعروف بالحيص بيص, ومعنى الحيص بيص: الشِّدَّةُ والاختلاطُ, قيل: إنَّه رأى الناسَ في شدَّة وحركةٍ، فقال: ما للنَّاسِ في حيصَ بَيصَ؟ فلزِمَه ذلك. وكان من فضلاءِ العالَم. كان قد سمع الحديثَ، ومدح الخلفاءَ والسلاطين والأكابر، وشِعرُه مشهورٌ، وله (ديوان) وترَسُّل. كان فصيحًا حسَن الشعر, بليغًا وافِرَ الأدَبِ، عظيمَ المنزلةِ في الدولتين العباسيَّة والسلجوقية. كان بديعَ المعاني، مليحَ الرسائِلِ، ذا خبرةٍ تامةٍ باللغة والبلاغة والأدب، وله يدٌ في المناظرة, وكان يناظِرُ على رأي الجمهور. كان لا يخاطِبُ أحدًا إلا بالكلام العربي. تفقَّه في مذهب الشافعي بالريِّ، وتكلَّم في مسائل الخلاف. ذكره ابن السمعاني في «ذيله» فقال: "له باعٌ في اللغة، وحِفظٌ كثيرٌ للشعرِ، وكان إمامًا في الرأي، حَسَن العقيدة". قال عبد الباقي بن زريق الحلبي الزاهد: "رأيتُه واجتمعتُ به، فكان صدرًا في كل علم، عظيمَ النفس، حسَنَ الشارة، يركَبُ الخيل العربية الأصيلة، ويتقلَّدُ بسيفين، ويحمِلُ حلقة الرمح، ويأخذ نفسَه بمآخِذِ الأمراء، ويتبادى في لفظِه، ويعقِدُ القاف, وكان أفصَحَ مَن رأيت". قال ابن كثير: "لم يكُنْ له في المراسلات بديلٌ، كان يتقعَّرُ فيها ويتفاصح جدًّا، فلا تواتيه إلا وهي مُعجرفة، وكان يزعم أنه من بني تميم، فسُئِل أبوه عن ذلك فقال ما سمعتُه إلَّا منه". توفي يوم الثلاثاء خامس شهر شعبان من هذه السنة، وله ثنتان وثمانون سنة، وصلِّي عليه بالنظامية، ودُفن بباب التبن، ولم يُعْقِب.
اجتمع جماعةٌ مِن القوَّادِ والجُند والأُمَراء على خَلعِ المُقتَدِر وتوليةِ عبدِ الله بن المعتَزِّ الخلافةَ، فأجابهم ابنُ المعتَزِّ على ألَّا يُسفَكَ بسَبَبِه دَمٌ، وكان المقتَدِرُ قد خرج يلعَبُ بالصولجان، فقصد إليه الحُسَينُ بن حمدان يريد أن يفتِكَ به، فلما سمع المقتَدِرُ الصَّيحةَ بادر إلى دارِ الخلافةِ فأغلقها دونَ الجيشِ، واجتمع الأمراءُ والأعيانُ والقُضاة في دارِ المخرمي فبايعوا عبدَ الله بن المعتَزِّ، وخوطب بالخلافة، ولُقِّبَ بالمرتضي بالله، واستوزر أبا عُبَيد الله محمَّد بن داود وبعث إلى المقتَدِر يأمُرُه بالتحَوُّلِ من دار الخلافةِ إلى دار ابنِ طاهرٍ لينتَقِلَ إليها، فأجابه بالسَّمعِ والطاعة، فركِبَ الحُسَين بن حمدان من الغَدِ إلى دار الخلافةِ ليتسَلَّمَها فقاتله الخدَمُ ومَن فيها، ولم يُسَلِّموها إليه، وهَزَموه فلم يقدِرْ على تخليصِ أهلِه ومالِه إلَّا بالجَهدِ، ثم ارتحلَ مِن فَورِه إلى الموصِل وتفَرَّقَ نظامُ ابنِ المعتَزِّ وجماعتِه، فأراد ابنُ المعتز أن يتحوَّلَ إلى سامرَّا لينزِلَها، فلم يتْبَعْه أحدٌ من الأمراء، فدخل دارَ ابنِ الجصَّاص فاستجار به فأجاره، ووقع النَّهبُ في البلد واختبط النَّاسُ، وبعث المقتَدِرُ إلى أصحابِ ابنِ المعتَزِّ فقُبِض عليهم وقُتِلَ أكثرُهم، وأعاد ابنَ الفرات إلى الوزارةِ، فجَدَّد البيعةَ إلى المقتَدِر، وأرسل إلى دار ابنِ الجصَّاص فتسَلَّمَها، وأحضر ابنَ المعتَزِّ وابنَ الجصاص فصادر ابنَ الجصَّاص بمالٍ جزيلٍ جِدًّا، نحوُ ستة عشر ألفَ ألف درهم، ثم أطلَقَه واعتقل ابن المعتَزِّ، فلما دخل في ربيع الآخر ليلتان ظهَرَ للنَّاسِ مَوتُه وأُخرِجَت جُثَّتُه، فسُلِّمَت إلى أهله فدُفِن، وصَفَحَ المُقتَدِر عن بقيَّةِ مَن سعى في هذه الفتنةِ حتى لا تفسُدَ نيَّاتُ الناس، قال ابن الجوزي: "ولا يُعرَفُ خليفةٌ خُلِعَ ثم أعيدَ إلَّا الأمينُ والمُقتَدِر".
في هذه السَّنةِ ردَّ القرامِطةُ الحجَرَ الأسودَ المكِّيَّ إلى مكانه في البيت، وقد كان القرامطةُ أخذوه في سنة 317، وكان مَلِكُهم إذ ذاك أبا طاهر سُليمانَ بن أبي سعيد الجَنَّابي- لعنه الله- ولَمَّا وقع هذا أعظمَ المُسلِمونَ ذلك، وقد بذل لهم الأميرُ بجكم التركي قبل هذا العامِ خمسينَ ألف دينارٍ على أن يردوه إلى موضِعِه فلم يفعلوا، وقالوا: نحن أخذناه بأمرٍ فلا نرُدُّه إلَّا بأمرِ مَن أخذناه بأمرِه، وكَذَبوا فإنَّ الله تعالى قال: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} [الأعراف: 28]، فلما كان في هذا العام 339 حملوه إلى الكوفةِ وعَلَّقوه على الأسطوانةِ السابعة مِن جامِعِها لِيَراه الناس، وكتب أخو أبي طاهر كتابًا فيه: "إنَّا أخَذْنا هذا الحجَرَ بأمرٍ، وقد ردَدْناه بأمرِ مَن أمَرَنا بأخذِه؛ ليتِمَّ حَجُّ الناسِ ومناسِكُهم"، ثم أرسلوه إلى مكَّةَ بغير شيء على قَعودٍ، فوصل في ذي القَعدة من هذه السنة، ولله الحمدُ والمنَّة، وكان مدَّة مغايبته عند القرامطة ثنتين وعشرين سنة، ففرح المسلمون لذلك فرحًا شديدًا، قال ابن كثير: " وقد ذكرَ غيرُ واحد أنَّ القرامطة لما أخذوه حملوه على عِدَّةِ جمالٍ فعَطِبَت تحته واعترى أسنِمَتَها القَرحُ، ولَمَّا ردوه حمَلَه قَعودٌ واحِدٌ ولم يُصِبْه أذًى"
هو الأمير أبو مسلم عبد الرحمن بن مسلم بن عثمان بن يسار، بن شذوس بن جودرن من ولد بزرجمهر بن البختكان الخراساني الفارسي صاحب الدعوة، وهازم جيوش الدولة الأموية، والقائم بإنشاء الدولة العباسية. وقيل كان اسمه إبراهيم بن عثمان بن يسار غيره بطلب من الإمام إبراهيم بن محمد لمزيد من التخفي. قال الذهبي: "كان أبو مسلم من أكبر الملوك في الإسلام، كان ذا شأن عجيب، ونبأ غريب، من رجل يذهب على حمار بإكاف من الشام حتى يدخل خراسان، ثم يملك خراسان بعد تسعة أعوام، ويعود بكتائب أمثال الجبال، ويقلب دولة، ويقيم دولة أخرى! كان قصيرا، أسمرا، جميلا، حلوا، نقي البشرة، أحور العين، عريض الجبهة، حسن اللحية، طويل الشعر، طويل الظهر، خافض الصوت، فصيحا بالعربية وبالفارسية، حلو المنطق، وكان لا يكاد يقطب في شيء من أحواله، تأتيه الفتوحات العظام، فلا يظهر عليه أثر السرور، وتنزل به الفادحة الشديدة، فلا يرى مكتئبا, وكان إذا غضب، لم يستفزه الغضب, وكان لا يأتي النساء في العام إلا مرة واحدة، يشير إلى شرف نفسه وتشاغلها بأعباء الملك". كان مولده بأصبهان سنة 100, وضعته أمه يتيما فنشأ عند عيسى بن معقل، فلما ترعرع اختلف مع ولده إلى المكتب، فخرج أديباً لبيباً يشار إليه من صغره, وكان راوية للشعر، عارفا بالأمور، لم ير ضاحكا ولا مازحا إلا في وقته. كان بدء أمر أبي مسلم أنه قدم الكوفة جماعة من نقباء العباسيين، فصادفوا أبا مسلم، فأعجبهم عقله ومعرفته وكلامه وأدبه، ومال هو إليهم ثم عرف أمرهم وأنهم دعاة، ثم خرج معهم إلى مكة، فأهدوه للإمام إبراهيم بن محمد، فأُعجب به وبمنطقه وعقله وأدبه، وقال لهم: هذا عضلة من العضل. وأقام أبو مسلم عند الإمام إبراهيم يخدمه حضراً وسفراً. ثم إن النقباء عادوا إلى الإمام إبراهيم وسألوه رجلاً يقوم بأمر خراسان، فقال: إني قد جربت هذا الأصبهاني وعرفت ظاهره وباطنه فوجدته حجر الأرض، ثم دعا أبا مسلم وكان عمره ثمان عشر سنة وقلده الأمر وأرسله إلى خراسان, فأخذ يدعو الناس إلى رجل من بني هاشم وأقام على ذلك سنين, وبعد مقتل الإمام إبراهيم بن علي صار أبو مسلم يدعو الناس إلى أبي العباس عبد الله بن محمد الملقب السفاح. حتى مكن للعباسيين وقضى على الأمويين في الشرق وكان سفاكا للدماء قال ابن خلكان: "قتل أبو مسلم في دولته ستمائة ألف صبراً. قيل لعبد الله بن المبارك: أبو مسلم خير أو الحجاج قال: لا أقول إن أبا مسلم خيراً من أحد، ولكن الحجاج كان شراً منه", وقال الذهبي: "كان أبو مسلم سفاكا للدماء، يزيد على الحجاج في ذلك، وهو أول من سن للعباسيين لبس السواد, وكان بلاء عظيما على عرب خراسان، فإنه أبادهم بحد السيف". قال أحمد بن سيار: حدثنا الحسن بن رشيد العنبري، سمعت يزيد النحوي يقول: "أتاني إبراهيم بن إسماعيل الصائغ، فقال لي: ما ترى ما يعمل هذا الطاغية، إن الناس معه في سعة، غيرنا أهل العلم؟ قلت: لو علمت أنه يصنع بي إحدى الخصلتين لفعلت، إن أمرت ونهيت يقيل أو يقتل، ولكني أخاف أن يبسط علينا العذاب، وأنا شيخ كبير، لا صبر لي على السياط. فقال الصائغ: لكني لا أنتهي عنه. فذهب، فدخل عليه، فأمره ونهاه، فقتله" وكان أبو مسلم يجتمع قبل أن يعلن بدعوة العباسيين بإبراهيم الصائغ، ويعده بإقامة الحق, فلما ظهر وبسط يده، دخل عليه، فوعظه فقتله". لما خشي المنصور من خطر أبي مسلم على دولته قرر التخلص منه, وكان المنصورُ قد غضِبَ عليه لعدَّةِ أمورٍ؛ منها: أنَّه تقدَّمَ عليه في الحجِّ، وأكثَرَ مِن النفقةِ حتى قيل فيه ما قيل، ثم إنَّه خافه بعد أن صار أمرُه في خراسان قويًّا، فبعد أن هزمَ أبو مسلم جيش عبد الله بن علي، أمَرَه المنصور بالعودةِ إليه فأبى، فاحتال له أنَّه يوليه الشامَ ومصرَ فأبى عليه كلَّ ذلك، وأرسل له رسلًا وكُتُبًا، كلُّ ذلك وهو يأبى الرجوعَ؛ حيثُ شعر أنَّ هناك مكيدةً، ومن ذلك أن المنصور كاتب أبا مسلم ليقدم عليه، فكتب إليه أبو مسلم: "إنه لم يبق لك عدو إلا أمكنك الله منه، وقد كنا نروي عن ملوك آل ساسان: إن أخوف ما يكون الوزراء إذا سكنت الدهماء، فنحن نافرون من قربك، حريصون على الوفاء بعهدك ما وفيت، فإن أرضاك ذلك، فأنا كأحسن عبيدك، وإن أبيت نقضت ما أبرمت من عهدك، ضنا بنفسي، والسلام" فرد عليه الجواب يطمئنه ويمنيه، وكان المنصور داهية وقته، ثمَّ لَمَّا جاءه الخبَرُ أن المنصورَ سيقاتِلُه بنفسه إن أبى الرجوعَ إليه، عاد، وقيل: إنَّه قيل له أن يقتُلَ المنصور قبل أن يقتُلَه، لكنَّ المنصور احتال عليه وأمرَ بعضَهم بالاختباءِ وراء الستورِ، فإذا صفق بيده انقضُّوا عليه، فدعاه المنصور على غدائِه وعاتبه على أفعالِه، وكل ذلك يعتذِرُ أبو مسلم ويقَبِّلُ يدَه، ولكنه لم يرضَ عنه حتى صفق بيدِه، فخرجوا وقتلوه، فكانت تلك نهايةَ أبي مسلم الخراساني، الذي كان له الأثَرُ الكبيرُ في توطيدِ دعائمِ الدَّعوة العباسيَّة. قتله المنصور وله من العمر سبع وثلاثون سنة. قال الذهبي: " فرحنا بمصير الأمر إلى بني العباس، ولكن والله ساءنا ما جرى؛ لما جرى من سيول الدماء، والسبي، والنهب فإنا لله وإنا إليه راجعون فالدولة الظالمة مع الأمن وحقن الدماء، ولا دولة عادلة تنتهك دونها المحارم، وأنى لها العدل؟ بل أتت دولة أعجمية خراسانية جبارة، ما أشبه الليلة بالبارحة " وقال: "وقد كان بعض الزنادقة، والطغام من التناسخية، اعتقدوا أن الباري سبحانه وتعالى حل في أبي مسلم الخراساني المقتول، عندما رأوا من تجبره، واستيلائه على الممالك، وسفكه للدماء، فأخبار هذا الطاغية يطول شرحها". لما قُتل أبو مسلم الخرساني، خرج بخراسان سنباذ للطلب بثأر أبي مسلم، وكان سنباذ مجوسيا، فغلب على نيسابور والري، وظفر بخزائن أبي مسلم، واستفحل أمره, فجهز المنصور لحربه جمهور بن مرار العجلي، في عشرة آلاف فارس، فانهزم سنباذ، وقتل من عسكره نحو من ستين ألفا، وعامتهم كانوا من أهل الجبال، فسبيت ذراريهم، ثم قتل سنباذ بأرض طبرستان.
مَلَكَ المقَلَّدُ بنُ المسيب مدينةَ الموصل، وكان سبَبُ ذلك أنَّ أخاه أبا الذواد توفِّيَ هذه السنة، فطَمِعَ المقلدُ في الإمارة، فلم تساعِدْه عقيل على ذلك، وقلَّدوا أخاه عليًّا؛ لأنه أكبَرُ منه، فأسرع المقلد واستمال الديلمَ الذين كانوا مع أبي جعفرٍ الحَجَّاج بالموصِل، فمال إليه بعضُهم، وكتب إلى بهاءِ الدَّولةِ أنْ قد ولَّاه المَوصِل، وسأله مساعدتَه على أبي جعفرٍ؛ لأنَّه قد منعه عنها، فساروا ونزلوا على الموصِلِ، فخرج إليهم كلُّ مَن استماله المقلد من الديلم، وضَعُف الحَجَّاج، وطلب منهم الأمانَ، فأمَّنوه، ودخل المقلدُ البلدَ، واستقَرَّ الأمرُ بينه وبين أخيه على أن يُخطَبَ لهما، ويُقَدَّم عليٌّ لكِبَرِه، ويكون له معه نائبٌ يَجبي المالَ، واشتركا في البلَدِ والولاية، وسار عليٌّ إلى البَرِّ، وأقام المقلد، وجرى الأمرُ على ذلك مُدَّةً، ثم تشاجرا واختَصَما.
عزَّ على علماء الأندلس انتهاكُ الحكَمِ بنِ هشام للحُرُمات، وأْتَمَروا ليخلعوه، ثم جيَّشوا لقتاله، وجَرَت بالأندلس فتنةٌ عظيمة على الإسلام وأهلِه- فلا قوة إلا بالله- فلمَّا هَمَّ العُلَماءُ بخلعِ الحَكَمِ، قالوا: إنَّه غيرُ عدلٍ، ونكَثُوه في نفوس العوامِّ، وزعموا أنَّه لا يحِلُّ المُكثُ ولا الصبرُ على هذه السيرةِ الذَّميمةِ، وكان ممن تقدَّمَ العلماءَ في الدعوةِ لخلعِ الحكَمِ بن هشام يحيى بن يحيى الليثي، وطالوتُ المعافري, وعوَّلَ أهلُ العلم على تقديمِ أحدِ أهل الشورى بقرطبة، وهو أبو الشماس أحمد بن المنذر بن عبدالرحمن الداخل ابن عمِّ الحكم بن هشام؛ لِما عرفوا من صلاحِه وعَقلِه، ودينِه، فقصدوه، وعرَّفوه بالأمر، فأبدى الميلَ إليهم والبُشرى بهم، وقال لهم: أنتم أضيافي الليلةَ؛ فإنَّ الليلَ أستَرُ. وناموا، وقام هو إلى ابنِ عَمِّه الحكَمِ، فأخبَرَه بشأنهم، فاغتاظ لذلك، وقال: جئتَ لسَفكِ دمي أو دمائِهم، وهم أعلامٌ، فمن أين نتوصَّلُ إلى ما ذكرت? فقال: أرسِلْ معي من تثِقُ به ليتحقَّقَ. فوجَّه من أحبَّ، فأدخلهم أحمدُ في بيته تحت سِترٍ، ودخل الليلُ، وجاء القَومُ، فقال: خبِّروني مَن معكم? فقالوا: فلانٌ الفقيهُ، وفلانٌ الوزير. وعَدُّوا كبارًا، والكاتِبُ يكتب حتى امتلأ الرَّقُّ، فمَدَّ أحدُهم يدَه وراء السترِ، فرأى القومَ، فقام وقاموا، وقالوا: فعلْتَها يا عدوَّ الله. فمَن فَرَّ لحينِه نجا، ومن لا، قُبِضَ عليه، فكان ممَّن فَرَّ: عيسى بن دينار الفقيه، ويحيى بن يحيى الفقيه صاحِبُ مالك، وقرعوس بن العباس الثَّقفي, وقبض على ناس كمالك بن يزيد القاضي، وموسى بن سالم الخولاني، ويحيى بن مُضَر الفقيه، وأمثالهم من أهل العلمِ والدين، في سَبعةٍ وسبعين رجلًا، فضُرِبَت أعناقُهم وصُلِبوا, وأضاف إليهم الحكَمُ عَمَّيه؛ كُليبًا وأميَّة، فصُلِبا، وأحرق القلوبَ عليهم، وسار بأمرِهم الرِّفاقُ، وعَلِمَ الحكمُ أنَّه محقودٌ من الناس كلهم، فأخذ في جمعِ الجُنود والحشَمِ، وتهيَّأ، وأخذت العامَّةُ في الهياجِ، واستأسد النَّاسُ، وتنَمَّروا، وتأهَّبوا. واستفحل الشَّرُّ.
هو السلطانُ الملك الأشرف سيف الدين أبي النصر برسباي الدقماقي الظاهري، سلطان الديار المصرية، جركسي الأصل، اشتراه الأمير دقماق المحمدي الظاهري نائب ملطية، وأقام عنده مدة، ثم قدَّمه إلى الملك الظاهر برقوق, وهو السلطان الثاني والثلاثون من ملوك دولة الترك المماليك، والثامن من الجراكسة بالديار المصرية، وقد تولى السلطنة بمصر سنة 825 وفتح مدينة قبرص وأنشأ بمصر مدرسة وجامعًا بسرياقوس, كان سلطانًا جليلًا سياسيًّا مدبِّرًا، عاقلًا شهمًا متجمِّلًا في مماليكه وخيوله، وكانت صفتُه أشقر طوالًا نحيفًا رشيقًا منوَّر الشيبة بهيَّ الشكل، غير سبَّاب ولا فحَّاش في لفظه، حَسنَ الخُلقِ، ليِّنَ الجانب، حريصًا على إقامة ناموس الملك، يميل إلى الخير، يحب سماع تلاوة القرآن العزيز، حتى إنه رتب عدة أجواق تُقرأُ عنده في ليالي المواكب بالقصر السلطاني دوامًا. وكان يكرم أرباب الصلاح ويُجِلُّ مقامهم، وكان يكثر من الصوم صيفًا وشتاء؛ فإنه كان يصوم في الغالب يوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من الشهر، يديم على ذلك. وكان يصوم أيضًا أول يوم في الشهر وآخر يوم فيه، مع المواظبة على صيام يومي الاثنين والخميس في الجمعة، حتى إنه كان يتوجه في أيام صومه إلى الصيد ويجلس على السماط وهو صائم، ويُطعِمُ الأمراء والخاصكية بيده، ثم يَغسِلُ يديه بعد رفع السِّماط كأنه واكل القوم. وكان عبدًا صالحًا ديِّنًا خيِّرًا لا يتعاطى المُسكِرات، ولا يحب من يفعل ذلك من مماليكه وحواشيه. وكان يحب الاستكثار من المماليك، حتى إنه زادت عدة مماليكه المشتروات على ألفي مملوك، لولا ما أفناهم طاعون سنة ثلاث وثلاثين، ثم طاعون سنة إحدى وأربعين هذا، فمات فيهما من مماليكه خلائق. وكان يميل إلى جنس الجراكسة على غيرهم في الباطن، يَظهَرُ ذلك منه في بعض الأحيان، وكان لا يحبُّ أن يشهر عنه ذلك؛ لئلا تنفر الخواطر منه؛ فإن ذلك مما يُعاب به على الملوك، وكانت مماليكه أشبه الناس بمماليك الملك الظاهر برقوق في كثرتهم، وأيضًا في تحصيل فنون الفروسية، ولو لم يكن من مماليكه إلا الأمير إينال الأبوبكري. لَمَّا تولى الأشرف برسباي نيابةَ حلب لم يقطع يدَ أحد بحلب، ولا قَتَل أحدًا، وحماها وبلادها بالحال, وفي يوم الثلاثاء رابعه عَهِدَ السلطان الأشرف برسباي إلى ولده المقام الجمالي يوسف، ثم جلس الخليفة أمير المؤمنين المعتضد بالله أبو الفتح داود، وقضاة القضاة الأربعة على مراتبهم، والأمير الكبير جقمق العلائي أتابك العساكر، ومن تأخَّر من أمراء الألوف، والمباشرون، ما عدا كاتب السر فإنه شديد المرض، ثم قام القاضي زين الدين عبد الباسط وفتح باب الكلام في عهد السلطان من بعد وفاته لابنه المقام الجمالي بالسلطنة، وقد حضر أيضًا مع أبيه، فاستحسن الخليفة ذلك وأشار به، فتقدَّم القاضي شرف الدين الأشقر بالعهد إلى بين يدي السلطان، فأشهد السلطان على نفسه بأنه عهد إلى ولده الملك العزيز جمال الدين أبي المحاسن يوسف من بعد وفاته بالسلطة، فأمضى الخليفة العهد، وشهد بذلك القضاة، ثم ظل المرض يتزايد بالسلطان إلى أن خارت قواه وأصبح يهذي أحيانًا حتى لما كان شهر ذي الحجة مات عصر يوم السبت ثالث عشر، وفي الحال حضر الخليفة والقضاة الأربعة والأمير الكبير جقمق العلائي وسائر أمراء الدولة، وسلطَنوا المقام الجمالي يوسف، ولقبوه بالملك العزيز يوسف جمال الدين أبي المحاسن وعمره يومئذ أربع عشرة سنة وسبعة أشهر، ثم أخذ الأمراء في تجهيز السلطان، فجُهِّز وغُسِّل وكُفِّن بحضرة الأمير إينال الأحمدي الفقيه الظاهري برقوق أحد أمراء العشرات بوصية السلطان له، وهو الذي أخرج عليه كلفة تجهيزه وخرجته من مال، كان الأشرف دفعه إليه في حياته، وأوصاه أن يحضر غسله وتكفينه ودفنه، ولما انتهى أمْرُ تجهيز الملك الأشرف حُمِل من الدور السلطانية إلى أن صُلِّي عليه بباب القلعة من قلعة الجبل، وتقدم للصلاة عليه قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن حجر، ثم حُمِل من المصلى على أعناق الخاصكية والأمراء الأصاغر، إلى أن دفن بتربته التي أنشأها بالصحراء خارج القاهرة، وكانت جنازته مشهودة بخلاف جنائز الملوك، ولم يقع في يوم موته اضطراب ولا حركة ولا فتنة، ونزل إلى قبره قُبَيل المغرب، وكانت مدة سلطنته بمصر سبع عشرة سنة تَنقُص أربعة وتسعين يومًا.
لَمَّا وَلِيَ إسحاق بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس إمارةَ مِصرَ لم يرضَ بما كان يأخُذُه قبله الأمراءُ، وزاد على المُزارعين زيادةً أفحَشَت بهم فسَئِمَته الناسُ وكَرِهَته وخرج عليه جماعةٌ مِن أهل الحوفِ مِن قيس وقضاعة، فحاربَهم إسحاقُ، وقُتل من حواشيه وأصحابِه جماعةٌ كبيرة، فكتب إسحاقُ يُعلِمُ الرَّشيدَ بذلك، فعَظُمَ على الرشيدِ ما ناله من أمرِ مِصرَ، وصَرَفه عن إمرَتِها وعقَدَ الرَّشيدُ لهرثمة بن أعيَن على إمرة مصرَ، وأرسله في جيشٍ كبير إلى مصرَ، فتلقَّاه أهلُ مِصرَ بالطاعةِ وأذعنوا له، فقَبِلَ هرثمة منهم ذلك، وأمَّنَهم وأقَرَّ كُلَّ واحدٍ على حاله.
تآمَرَ ساوجي ابنُ السلطان مرادِ الأوَّلِ مع الأمير أندرونيقوس ابنِ الإمبراطور البيزنطي يوانيس، وسارا على رأسِ جيشٍ مِن البيزنطيين وبعضِ المخدوعين من الجنودِ العثمانيين؛ لمحاربةِ جيش السلطانِ مراد, فكانت نتيجةُ المعركة هزيمةَ المتآمرين ووقوعَ الأمير ساوجي في الأسْر، فأصرَّ والده السلطان مراد أن يَعرِضَ أمره على علماء الشريعة وقضاتها، فحكموا عليه بعقوبة الموتِ جزاءَ خروجه على طاعةِ ولي الأمر وموالاته للأعداء، ومشاركته الفعلية إلى جانبهم في قتال المسلمين، وحين أشفق رجالُ الدولة أن يُفجَع السلطان مراد بولده ساوجي، رجَوه أن يعفوَ عنه، ويكتفيَ بنفيه، فما كان من السلطان مراد الا أن أصرَّ على تنفيذِ حُكم الشريعة في ولده.
قام قائدُ الشرطة في بغداد بكير آغا بقتلِ الوالي وتسلَّم الأمرَ مكانه، فأرسلت له الدولةُ العثمانية قوةً بقيادة حافظ باشا، فحاصره في بغداد، فقام بالاتصال بالشاه عباس الصفوي، وعرض عليه تسليمَ المدينة فسار إليه, وفي الوقت نفسِه اتصل آغا بالقائد العثماني المحاصِر له وعرض عليه تسليمَ المدينة على أن يتسلَّم هو ولايتَها، فوافق القائد ودخلت جنودُه المدينة قبل وصول الشاه، ولَمَّا وصل الشاه وألقى الحصارَ عليها مدة ثلاثة أشهر اتصل بابن بكير آغا وأغراه بتسليم الولاية، فوافق وخان الدولة، ودخل الشاه بغداد وقتل بكير آغا وابنَه.
سارَ السُّلطانُ ملكشاه في إثْرِ يعقوبَ لِقَتلِه مُقدِّمَ الجَكليَّة, والذي دَخلَ إلى أَخيهِ بكاشغر مُستجِيرًا به، فسَمِعَ السُّلطانُ بذلك، فأَرسلَ إلى مَلِكِ كاشغر يَتوعَّدُه، إن لم يُرسِلهُ إليه، أن يَقصِد بِلادَه، ويَصيرُ هو العَدُوَّ، فخافَ أن يَمنَع السُّلطانَ، فأَدَّاهُ اجتِهادُه إلى أن قَبَضَ على أَخيهِ يعقوبَ، وأَظهرَ أنه كان في طَلَبِه، فظَفَرَ به، وسَيَّرَهُ مع وَلَدِه، وجَماعةٍ من أَصحابِه، وكَّلَهم بيعقوب، وأَرسلَ معهم هَدايا كَثيرةً للسُّلطانِ، وأَمَرَ وَلدَه أنه إذا وَصلَ إلى قَلعةٍ بقُربِ السُّلطانِ أن يَسْمُلَ يعقوبَ ويَتركهُ، فإن رَضِيَ السُّلطانُ بذلك، وإلَّا سَلَّمَه إليه، فحَدثَ أن طغرل بن ينال استَولى على كاشغر وأَخَذَ صاحبَها أخا يعقوب, فأَطلَقوا يعقوبَ، فلمَّا رأى السُّلطانُ ذلك ورأى طَمَعَ طغرل بن ينال، ومَسيرَه إلى كاشغر، وقَبْضَ صاحِبِها، ومِلْكِه لها مع قُرْبِه منه، خاف أن يَنحَلَّ بَعضُ أَمرِه وتَزولَ هَيبتُه، وعَلِمَ أنه متى قَصدَ طغرل سار من بين يَديهِ، فإن عادَ عنه رَجعَ إلى بِلادِه، وكذلك يعقوب أخو صاحِبِ كاشغر، وأنه لا يُمكِنُه المَقامُ لِسِعَةِ البِلادِ وراءَهُ وخَوْفِ الموتِ بها، فوَضعَ تاجَ المُلْكِ على أن يَسعَى في إصلاحِ أَمرِ يعقوب معه، ففَعلَ ما أَمرَهُ به السُّلطانُ، فاتَّفَقَ هو ويعقوبُ، وعاد إلى خراسان، وجَعلَ يعقوبَ مُقابِلَ طغرل يَمنعُه من القُوَّةِ، ومِلْكِ البلادِ، وكلٌّ منهما يقوم في وَجهِ الآخرِ.
كثر الفرنج الذين بطرابلس وحصن الأكراد، وأكثروا الإغارة على بلد حمص وولاياتها، ونازلوا مدينة حمص، وكان جمعهم كثيرًا لم يكن لصاحبها أسدِ الدين شيركوه بن محمد بن شيركوه بهم قوَّةٌ ولا يقدر على دفعِهم ومنعِهم، فاستنجد الظاهِرَ غازي، صاحِبَ حلب، وغيره من ملوك الشام، فلم ينجده إلا الظاهر؛ فإنه سيَّرَ له عسكرًا أقاموا عنده، ومنعوا الفرنجَ عن ولايته، ثمَّ إن الملك العادل خرج من مصر بالعساكر الكثيرة، وقصد مدينةَ عكا، فصالحه صاحبُها الفرنجي على قاعدة استقرت من إطلاق أسرى من المسلمين وغير ذلك، ثم سار إلى حمص، فنزل على بحيرة قدس، وجاءته عساكرُ الشرق وديار الجزيرة، ودخل إلى بلادِ طرابلس، وحاصر موضعًا يسمَّى القليعات، وأخذه صلحًا، وأطلق صاحِبَه، وغنم ما فيه من دواب وسلاح، وخرَّبه، وتقدَّمَ إلى طرابلس، فنهب وأحرق وسبى، وغنم وعاد، وكانت مدَّة مقامه في بلد الفرنج اثني عشر يومًا، وعاد إلى بحير قدس، وترددت الرسل بينه وبين الفرنج في الصُّلح، فلم تستقِرَّ قاعدة، ودخل الشتاء، وطلبت العساكر الشرقيَّة العودَ إلى بلادهم قبل البرد الشديد، فنزل طائفةٌ من العسكر بحمص عند صاحبها، وعاد إلى دمشق فشتى بها، وعادت عساكر ديار الجزيرة إلى أماكنها.
لما وقعت البيعةُ للمأمون عبد الله بن المنصور أحمد السعدي العام الماضي وتكاملَ أمرُها، ثار الرئيس أبو سليمان داود بن عبد المؤمن ابن السلطان محمد الشيخ، وهو ابن أخي المنصور، وفرَّ إلى جبل سكسيوة وشقَّ عصا الطاعة ودعا إلى نفسه، فانثالت عليه أوشابٌ من البربر وغيرهم، ونجَمَ أمرُه وأثَّرت في أذن الرعية جعجعتُه، فبعث إليه المنصور قائدَه الزعيم أبا عبد الله محمد بن إبراهيم بن بجة، فناوشه القتال بجبل سكسيوة، فهزمه وفرَّ إلى جبل هوزالة، فتحزبوا عليه وقَوِيَت بهم شوكته، وأخذ يشنُّ لهم الغارات على أهل درعة إلى أن ضاقوا به ذرعًا، فشكَوا أمره إلى المنصور، فبعث إليه قائده الذي ذُكِرَ فلم يزَلْ في مقابلته ومقاتلته إلى أن شرَّده عن جبل هوزالة، ففرَّ داود منه إلى الصحراء واستقرَّ به الرحيل بها عند عرب الودايا من بني معقل، فلم يزل عندهم إلى أن هلك، وكُفِيَ المنصورُ أمرَه.