كان رافِعُ بن نصرِ بنِ الليث بن سيَّار من عظماء الجندِ فيما وراء النهر، وكان يحيى بن الأشعَثِ الطائي قد تزوَّجَ ابنةَ عَمٍّ له، وكانت ذاتَ يَسارٍ ولِسانٍ وجَمالٍ, ثم ترَكَها بسمرقند فترةً وأقام ببغداد، واتَّخذَ السَّراريَّ، فلما طال ذلك عليها، أرادت أن تخلصَ مِن زواجها له, فعَلِمَ رافِعٌ بأمرِها فتزوَّجَها بعد أن قال لها أن تُظهِرَ الشِّركَ ثم تتوبَ فيَنفَسِخَ نِكاحُها, فشكاه زوجُها يحيى بن الأشعث إلى الرشيدِ، فأمر الرشيدُ عامِلَه على سمرقند عليَّ بن عيسى بن ماهان أن يَحُدَّه ويُطلقَ منها ويُطيفه على حمارٍ في سمرقند للعبرةِ، ففعل لكِنَّه لم يحدَّه وحَبَسَه فهرب من الحبسِ، فلَحِقَ ببلخ فأراد عامِلُها علي بن عيسى قَتْلَه فشَفعَ فيه عيسى بن علي بن عيسى، وأمَرَه بالانصرافِ إلى سمرقند.
لَمَّا وصل الحُسَين بن حسن الأفطس لِمَكَّة من قِبَل أبي السرايا وفعل في مكَّة ما فعل من تغييرِ كسوةِ الكعبةِ وتخريبٍ ونَهبٍ، وصلَه خبرُ هزيمة أبي السرايا، ذهب إلى محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين وبايعه فأقامه، وبايَعه بالخلافةِ، وجمع له النَّاسَ، فبايعوه طوعًا وكَرهًا وسَمَّوه أمير المؤمنين، فبقي شهورًا وليس له من الأمرِ شَيءٌ، ثمَّ لَمَّا وصل عامِلُ اليمن وجيشُ هرثمة بن أعين من الكوفةِ، هرب محمد بن جعفر إلى الجُحفة ثمَّ قُبِضَ عليه وطلَبَ الأمان وقال إنه وصَلَه أنَّ المأمونَ مات فدعا لبيعة نفسِه، فلما صَحَّ الخبَرُ عنده أنَّه لم يمُت خلَعَ نفسَه من الخلافة، ثم بعد ذلك أُرسِلَ إلى المأمون، ثم سار إلى جرجان ومات بها سنة 204هـ وهو المعروفُ بالديباج.
أظهرَ نَصرُ بنُ سيَّار بن شبث العقيلي الخِلافَ على المأمون سنة 198ه، وكان يسكن كيسوم، ناحية شماليَّ حَلَب، وكان في عنُقِه بيعةٌ للأمين، وله فيه هوًى، فلمَّا قُتِلَ الأمينُ أظهر نصرٌ الغضَبَ لذلك، وتغلَّبَ على ما جاوره من البلاد، وملك سميساط، واجتمع عليه خلقٌ كثيرٌ مِن الأعراب، وأهلِ الطمع، وقَوِيَت نفسُه، وعبَرَ الفُرات إلى الجانب الشرقي، وحدَّثَته نفسُه بالتغلُّب عليه، فلما رأى الناسُ ذلك منه كثُرَت جموعه وزادت عما كانت، فقَوِيَ أمرُه كثيرًا، فحاصره عبد الله بن طاهر بكيسوم، وضيَّقَ عليه، حتى طلب الأمانَ، فكتب ابنُ طاهر إلى المأمون يُعلِمُه بذلك، فأرسل إليه أن يكتُبَ له أمانًا عن أمير المؤمنين، فكتب له كتابَ أمانٍ فنزل فأمر عبدُ الله بتخريبِ المدينة التي كان متحصِّنًا بها، وذهبَ شَرُّه.
وقع عِصيانُ أهل طليطِلة على عبدِ الرحمنِ بنِ الحكم بن هشام، صاحِبِ الأندلس، وتم َّإنفاذُ الجيوش لمحاصرتها مرَّةً بعد مرة، فلمَّا كانت هذه السَّنةُ خرج جماعةٌ مِن أهلها إلى قلعةِ رباح، وبها عسكرٌ لعبد الرحمن، فاجتمعوا كلُّهم على حصر طليطلة، وضَيَّقوا عليها وعلى أهلِها وقطعوا عنهم باقيَ مرافِقِهم واشتَدُّوا في محاصرتِهم، فبَقُوا كذلك إلى أن سَيَّرَ عبد الرحمن أخاه الوليدَ بنَ الحكم إليها أيضًا، فرأى أهلَها وقد بلغ بهم الجَهدُ كُلَّ مبلغٍ، واشتد عليهم طولُ الحصار، وضَعُفوا عن القتال والدَّفعِ، فافتتحها قهرًا وعَنوةً، وأمر بتجديدِ القَصرِ على بابِ الِحصنِ الذي كان هُدِّمَ أيَّامَ الحَكَمِ، وأقام بها إلى آخِرِ شعبان من سنة ثلاثٍ وعشرين ومائتين، حتى استقَرَّت قواعِدُ أهلِها وسكَنوا.
هو أبو محمَّد زيادةُ الله بن إبراهيم بن الأغلب أو زيادةُ الله الأوَّل، أميرُ إفريقيَّة، وكان أفصَحَ أهلِ بَيتِه لسانًا وأكثَرَهم أدبًا، وكان يقولُ الشعر، ويرعى الشعراءَ، كانت ولايته من قِبَل المأمون سنة 201هـ، فطالت أيَّامُه واستقام الأمر, وبنى زيادةُ الله في أيَّامِه سُورَ القيروان ودار سوسة وقنطرة باب الربيع، وحِصنَ الرباط بسوسة، وجامعَ القيروان بعد هَدمِه، وأنفق عليه سِتَّة وثمانين ألف دينار، وفتح جزيرةَ صقلِّيَّة على يد قاضيه أسَدِ بن الفرات. كان عمُرُه يوم مات إحدى وخمسين سنة وتسعة أشهر وثمانية أيام، وكانت إمارتُه إحدى وعشرين سنة وسبعة أشهر، وولِيَ بعده أخوه أبو عقالٍ الأغلبُ بنُ إبراهيم بن الأغلب.
هو المستعين بالله أبو العباس أحمد بن المعتصم بالله محمد بن الرشيد العباسي، ولد سنةَ إحدى وعشرين ومئتين, وأمُّه أمُّ ولد، اسمها مخارق, وكان رَبعةً، خفيف العارضينِ، وكان مليحًا أبيض، بوجهِه أثَرُ جُدريٍّ، وكان يلثغُ في السين نحو الثاء، بايعَ له الأتراكُ بالخلافة بعد المنتصر، فتسلَّطوا عليه وقهروه، فلم يكن له من الأمرِ شَيءٌ، فانتقل من سامرَّا إلى بغداد مُغضَبًا, جرت عدَّةُ وقائع بينه وبين أخيه المعتز، فلمَّا اشتد البلاءُ على الناس في بغداد تخلَّى ابن طاهر عن المستعينِ، وكاتب المعتزَّ، ثم سعى في الصلح على خلعِ المستعين، فخلع نفسَه على شروطٍ مؤكَّدة في أول سنة 252ه، ثم أنفذوه إلى واسط، فاعتُقِلَ تسعةَ أشهر، ثمَّ أُحضِرَ إلى سامرَّا، فقتلوه بقادسيَّة سامرا, وكان مُسرِفًا في تبذير الخزائنِ والذَّخائر.
خرج الأميرُ محمد بن عبدالرحمن بن الحكم إلى ماردة بعد أن أظهَروا التمرُّد, وكانوا قد اجتمع أمرُهم في الخروج على أبيه من قبلُ، فأظهرَ أنَّ استعدادَه لطُلَيطِلة، فلما فصَلَ من قرطبةَ، وتقدَّمَ بالمحلاتِ إلى طريق طُليطِلة، نكبَ إلى ماردة، وهم في أمنٍ وغفلة، فتحَصَّنوا في المدينة أيامًا. ثم ناهض القنطرةَ، فوقع القتال، واشتدَّت الحرب حتى غُلِبوا عليها، فأمر الأميرُ بتخريب رِجلٍ من القنطرة، فكان ذلك سببًا في إذعان أهل ماردة، فطاعوا على أن يخرجَ فُرسانُهم، وهم يومئذ عبد الرحمن بن مروان، وابن شاكر، ومكحول، وغير هؤلاء، وكانوا أهلَ بأس ونجدة وبسالةٍ مشهورة. فخرج المذكورونَ ومن هو مثلهم إلى قرطبةَ بعيالهم وذراريِّهم. وولَّى عليها سعيدَ بن عباس القُرَشي، وأمرَ بهدم سورها؛ ولم تبقَ إلَّا قَصَبتُها لِمَن يَرِدُ من العُمَّال.
كانت ديارُ مصر قد أُقطِعَت لبابكيال، وهو مِن أكابر قوَّاد الأتراك، وكان مُقيمًا بالحَضرة، والتمسَ بابكيال من يستخلِفُه بمصر، فأشيرَ عليه بأحمد بن طولون؛ لِمَا ظهَرَ عنه من حُسنِ السيرة، وكان طولون والدُ أحمد بن طولون أيضًا من الأتراك، وقد نشأ هو بعد والدِه على طريقةٍ مُستقيمة، وسيرةٍ حَسنةٍ، فولَّاه بابكيال وسيَّرَه إليها، وكان بها ابنُ المدبر على الخَراج، وقد تحكَّمَ في البلد، فلمَّا قَدِمَها أحمد كفَّ يد ابن المدبر، واستولى على البلدِ، وكان بابكيال قد استعمَلَ أحمد بن طولون على مصرَ وَحدَها سوى باقي الأعمالِ كالإسكندرية وغيرها، فلما قتَلَ المهتدي بابكيال وصارت مصر لياركوج التركي، وكان بينه وبين أحمد بن طولون مودَّة متأكِّدة، استعمله على ديارِ مِصرَ جَميعِها، فقَوِيَ أمرُه، وعلا شأنُه ودامت أيامه.
عزَمَ المُعتَضِد على لعْنِ مُعاويةَ بنِ أبي سفيانَ- رضيَ اللهُ عنه- على المنابرِ، فحَذَّره وزيرُه عبدُ الله بن وهب، وقال له: إنَّ العامَّةَ تُنكِرُ قُلوبُهم ذلك، وهم يترحَّمونَ عليه ويترَضَّونَ عنه في أسواقِهم وجوامِعِهم، فلم يلتَفِتْ إليه، بل أمر بذلك وأمضاه، وكتب به نُسخًا إلى الخُطَباءِ بلَعنِ مُعاويةَ، وذكَرَ فيها ذمَّه وذَمَّ ابنِه يزيدَ بنِ معاوية وجماعةٍ مِن بني أمية، وأورد فيها أحاديثَ باطلةً في ذمِّ مُعاويةَ وقُرِئَت في الجانبينِ مِن بغداد، ونُهِيَت العامةُ عن الترحم على معاويةَ والتَّرضِّي عنه، فلم يزَلْ به الوزير حتى قال له فيما قال: يا أميرَ المؤمنينَ، إنَّ هذا الصنيعَ لم يسبِقْك أحَدٌ من الخلفاء إليه، وهو ممَّا يُرَغِّبُ العامَّةَ في الطالبيِّينَ وقَبولِ الدعوةِ إليهم، فوَجَم المعتَضِدُ عند ذلك؛ تخوفًا على المُلْك.
جيءَ بالحُسين بن منصور الحلَّاج إلى بغداد وهو مشهورٌ على جملٍ، وغلامٌ له راكبٌ جملًا آخَرَ، ينادي عليه: أحدُ دُعاةِ القرامطة فاعرفوه، ثم حُبِسَ ثمَّ جيء به إلى مجلسِ الوزير فناظره، فإذا هو لا يقرأ القرآنَ ولا يعرف في الحديثِ ولا الفِقهِ شَيئًا، ولا في اللغةِ ولا في الأخبارِ ولا في الشِّعرِ شَيئًا، وكان الذي نَقَم عليه: أنَّه وُجِدَت له رِقاعٌ يدعو فيها الناسَ إلى الضلالة والجَهالة بأنواع ٍمنِ الرموز، يقولُ في مكاتباته كثيرًا: تبارك ذو النور الشَّعشعاني، فقال له الوزير: تعَلُّمُك الطُّهورَ والفُروضَ أجدى عليك من رسائِلَ لا تدري ما تقولُ فيها، وما أحوَجَك إلى الأدبِ! ثم أمَرَ به فصُلِبَ حَيًّا صَلْبَ الاشتهارِ لا القَتلِ، ثم أُنزِلَ فأُجلِسَ في دارِ الخلافة، فجعل يُظهِرُ لهم أنَّه على السنَّة، وأنه زاهِدٌ، حتى اغتَرَّ به كثيرٌ مِن الخُدَّام وغيرهم من أهل دار الخلافةِ مِن الجَهَلة، حتى صاروا يتبَرَّكون به ويتمسَّحون بثيابِه.
لَمَّا خُلِعَ القاهِرُ ووَلِيَ الرَّاضي، طَمِعَ هارونُ بنُ غريبٍ في الخلافة؛ لكَونِه ابنَ خالِ المُقتَدِر، وكان نائبًا على ماه والكوفة والدينور وماسبذان، فدعا إلى نفسِه واتَّبَعه خلقٌ كثيرٌ مِن الجند والأمراء، وجبى الأموالَ واستفحل أمرُه، وقَوِيَت شوكتُه، وقصد بغداد فخرج إليه محمَّدُ بنُ ياقوت رأسُ الحَجَبةِ بجميع جندِ بغداد، فاقتَتَلوا فخرج في بعض الأيامِ هارونُ بنُ غريب يتقصَّدُ؛ لعَلَّه يعمَلُ حيلةً في أسر محمد بنِ ياقوت، فتقنطر به فرَسُه فألقاه في نهرٍ، فضربه غلامُه حتى قتَلَه وأخذ رأسَه حتى جاء به إلى محمد بن ياقوت، وانهزم أصحابُه ورجع ابنُ ياقوت فدخلَ بغداد ورأسُ هارون بن غريب يُحمَلُ على رمحٍ، ففَرِحَ النَّاسُ بذلك، وكان يومًا مشهودًا.
سارت جيوشُ المُسلِمينَ بصقليَّة، وأميرُهم حينئذ أحمدُ بن الحسن بن علي بن أبي الحسين الكلبي، إلى قلعةِ طبرمين من صقليَّة أيضًا، وهي بيدِ الرومِ، فحصروها، وهي مِن أمنع الحصون وأشَدِّها على المسلمين، فامتنع أهلُها، ودام الحصارُ عليهم، فلما رأى المسلمونَ ذلك عَمَدوا إلى الماءِ الذي يدخُلُها فقطعوه عنها، وأجروه إلى مكانٍ آخَرَ، فعَظُمَ الأمر عليهم، وطَلَبوا الأمان، فلم يُجابوا إليه، فعادوا وطَلَبوا أن يُؤمَّنوا على دمائِهم، ويكونوا رقيقًا للمُسلمين، وأموالُهم فيئًا، فأُجيبوا إلى ذلك، وأُخرِجوا من البلد، ومَلَكه المسلمون في ذي القعدة، وكانت مدة الحصار سبعة أشهر ونصفًا، وأُسكِنَت القلعةُ نفرًا من المسلمين، وسُمِّيَت المعزِّية؛ نسبةً إلى المعِزِّ العُبيدي الفاطمي صاحِبِ إفريقية، وسار جيشٌ إلى رمطة مع الحسن بن عمار، فحصروها وضيَّقوا عليها.
كان أبو الحَسَنِ بنُ المعَلِّم وزيرُ بَهاءِ الدولة البُويهيِّ, قد استولى على الأمورِ كُلِّها، وخَدَمَه النَّاسُ كُلُّهم، حتى الوزراء، فمنع أهلَ الكرْخِ وبابَ الطاقِ مِن النَّوْحِ يومَ عاشوراء، ومِن تعليق المُسُوحِ، الذي كان يُعمَلُ به من نحوِ ثلاثينَ سَنَة، وكان المقرِّبُ مَن قرَّبه، والمُبْعَدُ مَن بعَّده، فثَقُلَ على الأُمَراء أمرُه، ولم يُراعِهم هو، فأجابهم السُّلطانُ، فشَغَّبَ الجندُ في هذا الوقت، وشَكَوا منه، وطلبوا منه تسليمَه إليهم، فراجَعَهم بهاءُ الدولة، ووعَدَهم كَفَّ يَدِه عنهم، فلم يَقبَلوا منه، فقَبَض عليه وعلى جميعِ أصحابِه، فظَنَّ أنَّ الجُندَ يَرجِعون، فلم يرجِعوا، فسَلَّمَه إليهم، فسقوه السُّمَّ مَرَّتين، فلم يَعمَلْ فيه شيئًا، فخَنَقوه ودَفَنوه، وكان هذا الوزيرُ قد أبطل ما كان يفعَلُه الرَّافِضةُ يوم عاشوراء ومَنَعَهم من القيامِ بتلك البِدَع.
إنَّ خاقان التكين صاحبَ سَمرقَند مَلَكَ تِرمِذَ بعدَ قَتْلِ السُّلطانِ ألب أرسلان، فلمَّا استَقامَت الأُمورُ للسُّلطانِ ملكشاه سار إلى تِرمِذ وحَصرَها، وطَمَّ العَسكرُ خَندَقها، ورَماها بالمجانيقِ، فخافَ مَن بها، فطَلَبوا الأَمانَ فأَمَّنَهم، وخَرَجوا منها وسَلَّموها، وكان بها أَخٌ لِخَاقان التكين، فأَكرَمَه السُّلطانُ، وخَلَعَ عليه وأَحسنَ إليه وأَطلَقَه، وسَلَّمَ قَلعةَ تِرمِذ إلى الأَميرِ ساوتكين، وأَمرَهُ بعِمارَتِها وتَحصِينِها وعِمارَةِ سُورِها بالحَجَرِ المُحْكَمِ، وحَفْرِ خَندَقِها وتَعمِيقِه، ففَعلَ ذلك. وسارَ السُّلطانُ ملكشاه يُريدُ سَمرقَند، ففارَقَها صاحِبُها، وأَنفذَ يَطلُب المُصالَحَةَ، ويَضرَع إلى نِظامِ المُلْكِ في إجابَتِه إلى ذلك، ويَعتَذِر مِن تَعَرُّضِه إلى تِرمِذ، فأُجِيبَ إلى ذلك، واصطَلَحوا، وعاد ملكشاه عنه إلى خُراسان، ثم منها إلى الرَّيِّ، وأَقطعَ بَلْخ وطخارستان لأَخيهِ شِهابِ الدِّينِ تكش.
كان بمكَّةَ حَربٌ شديدةٌ بين أمير الحاجِّ طاشتكين وبين الأمير مُكثِر أمير مكة، وكان الخليفةُ قد أمر أميرَ الحاج بعَزلِ مُكثر وإقامة أخيه داود مقامَه، وسبَبُ ذلك أنه كان قد بنى قلعةً على جبل أبي قُبَيس، فلما سار الحاجُّ من عرفة لم يبيِّتوا بالمُزدَلفة، وإنما اجتازوا بها، فلم يَرمُوا الجمار، إنَّما بَعضُهم رمى بعضَها وهو سائِرٌ، ونزلوا الأبطُحَ فخرج إليهم ناسٌ مِن أهل مكة فحاربوهم، وقُتِلَ من الفريقين جماعة، وصاح الناسُ: الغزاةُ إلى مكَّة، فهجموا عليها، فهرب أميرُ مكة مكثر، فصَعِدَ القلعة التي بناها على جبلِ أبي قبيس فحَصَروه بها، ففارقها وسار عن مكَّة، وولي أخوه داود الإمارةَ، ونَهَب كثيرٌ من الحاجِّ مَكَّةَ وأخذوا من أموالِ التجَّارِ المقيمين بها الشَّيءَ الكثير، وأحرقوا دورًا كثيرةً.