غَضِبَ المتوكِّلُ على ابنِ أبي دؤاد القاضي المعتزليِّ، وكان على المظالمِ، فعَزَله عنها واستدعى يحيى بنَ أكثَمَ، فولاه قضاءَ القُضاةِ والمظالمِ أيضًا. وفي ربيع الأوَّل أمر الخليفةُ بالاحتياطِ على ضِياعِ ابنِ أبي دؤاد، وأخَذَ ابنَه أبا الوليد محمَّدًا فحَبَسه في يوم السبتِ لثلاثٍ خَلَونَ من ربيع الآخر، وأمَرَ بمصادرتِه، فحَمَل مائةَ ألفِ وعشرين ألف دينار، ومن الجواهِرِ. كان ابنُ أبي دؤاد قد أصابه الفالجُ (الشلل النصفي) بعد أن دعا على نفسِه إن لم يكُن الواثِقُ قد قتَلَ أحمدَ بنَ نصرٍ كافرًا, ثم نفى المتوكِّلُ أهلَ ابن أبي دؤاد من سامِرَّا إلى بغداد مُهانين، وفي عيدِ الفطر من هذا العام أمَرَ المتوكِّل بإنزالِ جُثَّة أحمدَ بنِ نصرٍ الخُزاعي والجَمعِ بين رأسِه وجَسَدِه وأن يُسَلَّم إلى أوليائِه، ففَرِحَ النَّاسُ بذلك فرحًا شديدًا، واجتمع في جنازتِه خَلقٌ كثيرٌ جِدًّا، وكان يومًا مَشهودًا, ثمَّ كتب المتوكِّلُ إلى الآفاقِ بالمَنعِ مِن الكلامِ في مسألةِ الكلامِ، والكَفِّ عن القولِ بخَلقِ القرآن، وأنَّ من تعلَّمَ عِلمَ الكلامِ لو تكلَّمَ فيه فالمطبق (سجن من سجون بغداد) مأواه إلى أن يموتَ. وأمر الناسَ ألَّا يشتغِلَ أحدٌ إلَّا بالكتابِ والسنَّةِ لا غيرُ، ثمَّ أظهر إكرامَ الإمامِ أحمدَ بنِ حنبل واستدعاه من بغدادَ إليه، فاجتمع به فأكرمَه وأمَرَ له بجائزةٍ سَنِيَّةٍ فلم يقبَلْها، وخلع عليه خِلعةً سَنيَّةً مِن ملابسِه فاستحيا منه أحمدُ كثيرًا، فلبسها إلى الموضِعِ الذي كان نازلًا فيه، ثمَّ نزعها نزعًا عنيفًا وهو يبكي- رحمه الله تعالى- وارتفَعَت السُّنَّة جِدًّا في أيام المتوكِّل- عفا الله عنه- وكان لا يولِّي أحدًا إلا بعد مشورةِ الإمام أحمد، وكانت ولايةُ يحيى بن أكثم قضاءَ القضاةِ مَوضِعَ ابنِ أبي دؤاد عن مشورتِه، وقد كان يحيى بن أكثَم هذا من أئمَّة السنة، وعُلماء الناس، ومن المعظِّمين للفقه والحديث واتِّباع الأثَر.
هو الإمامُ تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود بن محمد بن مقرن، من أمراءِ نجد، وَلِيَها بعد مقتل ابنِ عَمِّه مشاري بن سعود. كان تركي بن عبد الله فارًّا من وجه التُّرك وعُمَّال والي مصر محمد علي، في الخَرجِ بنجد، وعلم بأنَّ مشاري بن معمر قبض على ابنِ عَمِّه مشاري وسَلَّمه إلى الترك فقَتَلوه، فخرج من مخبئه ودخل العارضَ فنازع ابن معمر برهةً مِن الزمن، ثم قتَلَه بابن عمه، وتولى الحكمَ مكانه. وبولايةِ تركي بن عبد الله انتقل الحكمُ في آل سعود من سلالةِ عبد العزيز بن محمد بن سعود إلى سلالة أخيه عبد الله بن محمد بن سعود، وكان تركي شجاعًا؛ أخذ على عاتقه إخراجَ الترك ومَن معهم من المصريين عن بلادِه، فاستردَّ الأحساء والقطيف، وصالحَه أميرُ حائل، وانبسط نفوذُه في القصيم. واستمَرَّ إلى أن قام مشاري بن عبد الرحمن ابن أخت تركي بن عبد الله -وهو ابنُ عمه أيضًا- بقَتلِه غدرًا، قال ابن بشر: "عزم مشاري على إظهارِ ما أبطن وجَرَّد سيفه لإثارة الفِتَن، وذلك بمساعدة رجالٍ أسافِلَ مِن الخدمِ الأراذلِ، وقد تواعدوا عليه بعد صلاةِ الجمعة إذا خرج من المسجِدِ، فلما صلى الجمعة وخرج.. من المسجدِ، وقف له البغاة عند الدكاكين بين القصر والمسجد، وبيده مكتوبٌ يقرؤه، وفي جنبه رَجُلٌ على يساره، واعترضهم منهم عبدٌ خادم لهم يقال له إبراهيم بن حمزة، فأدخل الطبنجة مع كُمِّه وهو غافِلٌ فثورها فيه، فخَرَّ صريعًا، فلم تخط قلبه، وإذا مشاري قد خرج من المسجد فشَهَر سيفَه وتهدَّد الناس وتوعَّدَهم، وشهر أناسٌ سُيوفَهم معه فبُهِتَ الناس وعَلِموا أن الأمر تشاوروا فيه وقُضِيَ بليلٍ، فلما رأى زويد العبد المشهور مملوكُ تركي عمَّه صريعًا، شهر سيفه ولَحِقَ برجلٍ من رجاجيل مشاري فجَرَحَه.. ثم إن مشاري دخل القصرَ من ساعته وأعوانه معه.. وجلس للناسِ يدعوهم إلى البيعةِ، فلما علم آلُ الشيخِ وقوعَ هذا الأمر جلسوا في المسجد، فلم يخرجوا منه حتى أرسل إليهم مشاري يدعوهم فأبَوا أن يأتوا إلا بالأمانِ، فكتب لهم بالأمان، فأتوا إليه وطلب منهم المبايعةَ فبايعوه، ثمَّ نُقِلَ تركي من موضعه ذلك، وأدخلوه بيت زويد فجُهِّزَ وصلى عليه المسلمون بعد صلاة العصر، ودُفِنَ في مقبرة الرياض آخر ساعة من يوم الجمعة"، وكان قتلُ تركي بن عبد الله على يد ابن عمه مشاري بن عبد الرحمن أوَّل جريمةٍ مِن نوعِها في آل سعود. وكان ابنُه فيصل في القطيف على رأس جيشٍ، فلما علم بمقتلِ أبيه رجع من فوره واستطاع أن يقتُلَ مشاري، ثم يتولى الإمامةَ والحُكمَ.
هو الشَّيخُ العلَّامة محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب التميمي مفتي الديار السعودية. وُلِدَ يوم عاشوراء من عام 1311هـ، ونشأ نشأةً عِلميَّةً في بيتِ عِلمٍ ودين، فحَفِظَ القرآنَ مبكرًا، ثم بدأ الطلَبَ على العلماء قبل أن يبلُغَ السادسة عشرة، ثم أصيب بمرَضٍ في عينيه وهو في هذه السن ولازمه حتى فَقَد بصَرَه وهو في سن السابعة عشرة، وكان يَعرِفُ القراءة والكتابة قبل فَقدِه لبصرِه. كان متوسِّطَ الطول، مليءَ الجِسم، متوسِّط اللون، ليس بالأبيض ولا بالأسمر، خفيفَ شعرِ العارِضَين جدًّا، يوجَدُ شَعرٌ قليل على ذَقَنِه، إذا مشى يمشي بوقارٍ وسكينة، وكان كثيرَ الصَّمت، وإذا تكلَّم لا يتكلَّم إلَّا بما يفيد، وكان ذكيًّا، و كان صاحِبَ غَيرة شديدة على دين الله، مع حزمٍ وشِدَّة يرهب لها الجميع، وكان رغمَ شِدَّتِه وحزمه وهيبةِ الناسِ له صاحِبَ دُعابةٍ خُصوصًا مع خاصَّته، ومن مشايخِه الذين تعَلَّم عليهم عَمُّه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، والشيخُ سعد بن حمد بن عتيق، والشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع. ومن أعمالِه أنَّه تولى القضاءَ في الغطغط، وكان إمامًا وخطيبًا للجامع الكبير بالرياض، ولما افتُتِحَت رئاسةُ المعاهد والكليات كان هو الرئيسَ، ولما تأسَّسَت رئاسةُ القضاء عُمِّد رسميًّا برئاسةِ القضاء، ولما افتُتِحَت رئاسةُ البنات كان هو المشرفَ العامَّ عليها، وكان هو مفتي البلاد، ولما افتُتِحَت رابطةُ العالم الإسلامي كان هو رئيسَ المجلس التأسيسي لها، وكان أمينُ الرابطة وقتها محمد سرور الصبان، ولما افتُتِحَت الجامعة الإسلامية في المدينة كان هو المؤسِّسَ لها، وعَيَّن نائبًا له الشيخ عبد العزيز بن باز, وفي سنة 1373 هـ أنشأ المكتبةَ السعودية العامة في الرياض، وجمع فيها حوالي 15.000 كتابٍ مطبوعٍ، و 117 مخطوطًا، وأملى من تأليفِه كُتُبًا، منها: ((الجواب المستقيم))، و ((تحكيم القوانين))، ومجموعة من أحاديث الأحكام، والفتاوى في عدة مجلَّدات، وكان الملكُ عبد العزيز قد أمر بجَمعِها وطباعتها. ومن تلاميذه: الشيخ عبد الله بن حُمَيد، والشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ سليمان بن عبيد، والشيخ صالح بن غصون، والشيخ عبد الله بن جبرين. وقد أصيب الشيخُ بمرضٍ، فصدر أمرٌ ملَكيٌّ بنقله إلى لندن لمواصلة العلاج، فلما وصل لندن أجرَوا له الفحوصاتِ اللازمةَ فرأوا أنَّ المرضَ بلغَ غايةً لا ينفَعُ معها علاجٌ، ثم دخل في غيبوبة وهو هناك، فأُتيَ به إلى الرياضِ على طائرة خاصة، وبَقِيَ في غيبوبة حتى وافته المنيَّةُ -رحمه الله- صباحَ يوم الأربعاء 24 رمضان، وصلِّيَ عليه بعد صلاة الظهر من نفس اليوم، وأمَّ النَّاسَ عليه الشيخُ ابن باز، وامتلأ المسجِدُ وجميعُ الطُّرُقات المؤدية إليه، حتى إن كثيرًا من النَّاسِ لم يُدركوا الصلاةَ عليه، ودُفِن في مقبرة العود.
أبو عبدِ الرحمنِ محمدٌ ناصرُ الدِّينِ بنُ نوح نجاتي بن آدم الألبانيُّ علَّامةُ الشامِ، وُلد عامَ 1332هـ / 1914م في أشقودرة عاصمة ألبانيا آنذاكَ، نشأ في أسرة فقيرة، وكان والده مُتخرِّجًا من المعهد الشرعي في الآستانة، ثم هاجر والدُه مع أسرته إلى دِمَشقَ عندما بدأ الحاكم أحمد زوغو يَزيغُ عن الحق، ويأمُرُ بنزع الحجاب، ويَسيرُ على خُطى الطاغية أتاتورك، فدرس الشيخ محمد ناصر في دِمَشقَ المرحلة الابتدائية، ثم لم يُكمِلْ في المدارس النظامية، بل بدأ بالتعلُّم الديني على المشايخ، فتلقَّى القرآن من والدِه وتعلَّم الصرفَ، واللغةَ، والفقهَ الحنفيَّ، ثم توجَّه لدراسة علم الحديث والتحقيق حتى برَعَ فيه، هذا غير دروسِه التي كان يُلقيها في دِمَشقَ وحلَبَ، وباقي المحافظات السورية قبلَ خروجِه منها، ولمَّا بدأت المشاكل الأمنيَّة في سوريا خرج الشيخُ من سوريا، وكان قد درَّس في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية سنةَ 1381هـ، لمدة ثلاث سنوات، أفاد فيها كثيرًا من الطلاب، وقد أثْنى عليه الكثيرُ من العلماء، فقال عنه الشيخُ ابنُ عُثيمين: إنه محدِّثُ العصر، وقد كان يُعَدُّ هو داعيةَ الشام إلى الدعوة الصحيحة، فقد أفاد منه الكثيرُ من الطلاب في دِمَشقَ قبل خروجِه، وفي الأُردُنِّ حيث استقرَّ فيها أخيرًا، وأشرطتُه التي سُجِّلت له تدُلُّ على فضله وعلمه، وأمَّا كتبُه فهي خيرُ شاهدٍ على علمِه، وسَعةِ اطِّلاعه، وعُلوِّ كَعبِه في فن الحديثِ، وعِلمِ الجَرحِ والتعديلِ، والتصحيحِ والتضعيفِ، بل يُعَدُّ هو رائدَ هذا العصر في علم الحديثِ، فمن كُتبه: ((السلسة الصحيحة))، و((السلسلة الضعيفة))، وكتاب ((إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل))، وتحقيقُه لكُتب السُّنَن الأربعة، ولصحيح ابن حِبَّان، وللترغيب والترهيب، ولمشكاة المصابيح، ولصحيح الجامع، وللسُّنة لابن أبي عاصم، وغيرها من التحقيقات، أما مؤلَّفاتُه فمنها كتاب: ((صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم كأنَّك تراه))، و((آداب الزفاف))، و((تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد))، و((أحكام الجنائز))، و((حجة النبي صلى الله عليه وسلم))، و((التوسل))، و((حجاب المرأة المسلمة))، و((قيام رمضان))، وقد أثْرَت كُتبه المكتبةَ الإسلامية، وأمَّا وَفاتُه فكانت يومَ السبت في الثاني والعشرين من شهر جُمادى الآخرة سنةَ 1420هـ، عن عمر يُناهزُ الثامنةَ والثمانينَ، وذلك في عمَّانَ عاصمة الأُردُنِّ، وكان قد أوْصى بألَّا يؤخَّر دَفنُه أبدًا، فغُسِّلَ من فَوْره، كما أوْصى ألَّا يُحمَلَ على سيارة، فحُمل على الأكتاف إلى المقبرة، حيث صُلِّيَ عليه بعد صلاة العشاء من نفس اليوم، ودُفِنَ في مقبرة قديمة قُربَ حي هملان في عمَّانَ، رحمه اللهُ تعالى، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرًا.
هو محمَّد الأمين بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن المنصور، أبو عبد الله، ويقال: أبو موسى الهاشمي العباسي، وأمه أمُّ جعفر زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور، كان مولده بالرصافة سنة سبعين ومائة, وأتته الخلافةُ بعد وفاة والده الرشيدِ بوصيةٍ منه له بولايةِ العهد، ثمَّ نازعه أخوه المأمونُ على الخلافة. كان طويلًا سمينًا أبيضَ أقنى الأنفِ صغيرَ العينين، عظيمَ الكراديس، بعيدًا ما بين المنكِبَين. وقد رماه بعضُهم بكثرة اللَّعِب والشُّرب وقِلَّة الصلاة، والإكثار من اقتناءِ السُّودان والخِصيان، وإعطائِهم الأموالَ والجواهر، وأمْرِه بإحضار الملاهي والمغنِّين من سائر البلاد، وذُكِرَ أنه كان كثيرَ الأدبِ فصيحًا يقولُ الشعرَ ويعطي عليه الجوائِزَ الكثيرةَ، وكان شاعرُه أبو نُواس، وقد امتدحه أبو نُواس في بعض أشعارِه بأقبَح في معناه من صنيع الأمين. قُتِلَ بعد حروب دامية بينه وبين أخيه المأمون، قتَلَه قُرَيش الدنداني، وحمَلَ رأسَه إلى طاهر بن الحسين، فنَصَبَه على رمحٍ, وكانت ولايتُه أربع سنين وسبعة أشهر وثمانية أيام.
وَلِيَ مِصرَ ثانيًا مِن قِبَل الخليفة الراضي بالله مُحمَّد بن طغج بن جف الفرغاني على الصَّلاةِ والخراج بعد عزلِ الأمير أحمد بن كيغلغ عنها، بعد أمور وقعت. دخل محمَّدُ بنُ طغج مصر أميرًا عليها بعد أن سلَّمَ الأميرُ أحمد بن كيغلغ في يوم الخميس لسِتٍّ بقِينَ مِن شهرِ رمضان وأقَرَّ على شرطته سعيدَ بنَ عثمانَ ثمَّ ورد عليه بالدِّيار المصرية أبو الفتح الفضلُ بنُ جعفر بن محمد بالخِلَع من الخليفةِ الراضي بالله بولايتِه على مصر فلَبِسَها وقَبَّلَ الأرض, ورسَمَ الخليفةُ الراضي بالله بأن يزادَ في ألقاب الأمير محمَّد هذا الإخشيدُ، في شهر رمضان سنة 327 فلُقِّبَ بالإخشيد، والإخشيد بلسانِ الفرغانة: مَلِك الملوك, كما أن أصبَهَبذ: لقبُ ملوك طبرستان, وصول: لقبُ ملوك جرجان, وخاقان: لقبُ ملوك التُّرك, والأفشين: لقبُ ملوك أشروسنة, وسامان: لقب ملوك سمرقند, وقيصر: لقب ملوك الروم, وكسرى: لقب ملوك العَجَم, والنجاشي والحطي: لقب ملوك الحبشة, وفرعون قديمًا: لقبُ ملوك مصر, وحديثًا السُّلطان.
هو مَلِكُ الأَندلسِ المُعتَمِدُ على الله أبو القاسمِ محمدُ بنُ المُعتَضِد بالله أبي عَمروٍ عَبَّادِ بنِ الظافرِ المُؤيَّدِ بالله أبي القاسمِ محمدِ قاضي إشبيلية بن أبي الوليدِ إِسماعيلَ بن قُريشِ بن عَبَّاد بنِ عَمرِو بن أَسلمَ بنِ عَمرِو بنِ عَطَّاف بنِ نعيمٍ، اللخميُّ، مِن وَلَدِ النُّعمانِ بن المُنذِر اللخميِّ، آخرِ مُلوكِ الحِيرَةِ؛ كان المُعتَمِدُ صاحِبَ قُرطبةَ وإشبيلية وما والاهُما مِن جَزيرةِ الأندلسِ. كان بِدءُ أَمرِ عائِلَةِ المُعتَمِد في بِلادِ الأندلسِ أن نعيمًا وابنَه عَطَّافًا أَوَّلُ مَن دَخلَ إليها من بِلادِ المَشرقِ، وهُما مِن أَهلِ العريشِ، المَدينَة القَديمَة الفاضِلَة بين الشامِ والدِّيارِ المِصريَّة في أَوَّلِ الرَّملِ من جِهَةِ الشامِ، وأقامَا بها مُستَوطِنين بقَريَةٍ بقُربِ يَومينِ مِن إقليم طشانة من أَرضِ إشبيلية. نَشأَ المُعتَمِدُ بنُ عبَّادٍ في الأَندلسِ كغَيرِه مِن أَبناءِ المُلوكِ على المُيولِ والدِّعَةِ والتَّرَفِ، كان مَوصوفًا بالكَرمِ والأَدَبِ والحِلمِ، حَسَنَ السِّيرَةِ والعِشرَةِ والإحسانِ إلى الرَّعيَّةِ، والرِّفقِ بهم. تُوفِّي والدُه المُعتَضِد سَنةَ 464هـ فخَلَفَهُ في الحُكمِ، فكان فارِسًا شُجاعًا، عالِمًا أَديبًا، ذَكِيًّا شاعِرًا، مُحسِنًا جَوادًا مُمْدَحًا، كَبيرَ الشَّأنِ، خَيرًا مِن أَبيهِ. كان أَندَى المُلوكِ راحَةً، وأَرحَبَهُم ساحَةً، كان بابُه مَحَطَّ الرِّحالِ، وكَعبَةَ الآمالِ, ومَألَفَ الفُضلاءِ، حتى إنه لم يَجتمِع ببابِ أَحدٍ مِن مُلوكِ عَصرِه مِن أَعيانِ الشُّعراءِ وأَفاضِلِ الأُدباءِ ما كان يَجتَمِع ببابِه. قال أبو بكر محمدُ بن اللَّبَّانة الشاعِرُ: "مَلَكَ المُعتَمِدُ مِن مُسَوَّراتِ البِلادِ مائتي مُسَوَّر، ووُلِدَ له مائةٌ وثلاثةٌ وسبعون وَلَدًا، وكان لِمَطبَخِه في اليوم ثَمانيةُ قَناطيرَ لَحمٍ، وكُتَّابُه ثَمانية عشر". ولمَّا قَوِيَ أَمرُ الأذفونش بعدَ أَخذِه طُليطلة، اجتَمعَ العُلماءُ، واتَّفَقوا مع ابنِ عَبَّادٍ على أن يُكاتِبوا الأَميرَ ابنَ تاشفين صاحِبَ مراكش لِيُنجِدَهُم، فقال جَماعةٌ لابنِ عبَّادٍ: نَخافُ عليك من استِمدادِه. فقال: رَعْيُ الجِمالِ خَيرٌ مِن رَعْيِ الخَنازيرِ. فلمَّا عَبَرَ ابنُ تاشفين بجُيوشِه إلى الجَزيرَةِ، اجتَمعَ به المُعتَمِد، وأَقبَلَت المُطَّوِّعَةُ من النَّواحي، وقاتَلَ المُعتَمِدُ بن عبَّادٍ في الزَّلَّاقَةِ وثَبَتَ في ذلك اليوم ثَباتًا عَظيمًا، وأَصابَهُ عِدَّةُ جِراحاتٍ في وَجهِه وبَدَنِه، وشُهِدَ له بالشَّجاعَةِ، وغَنِمَ المسلمون دَوابَّ الفِرنجَةِ وسِلاحَهم، ورَجَعَ ابنُ تاشفين إلى بِلادِه والمُعتَمِد إلى بِلادِه. ثم إن الأَميرَ يوسفَ عادَ إلى الأندلسِ بعدَ أن وَصلَتهُ فَتاوَى العُلماءِ بخَلعِ مُلوكِ الطَّوائفِ قال ابنُ خلدون: "وأَفتاهُ الفُقهاءُ وأَهلُ الشُّورَى من المَغربِ والأَندلسِ بِخَلْعِهِم وانتِزاعِ الأَمرِ مِن أَيدِيهم، وصارَت إليه بذلك فَتاوَى أَهلِ الشَّرقِ الأَعلامِ مثل: الغزاليِّ والطَّرطوشيِّ". فلمَّا أَجازَ ابنُ تاشفين انقَبَضوا عنه إلَّا ابنَ عَبَّادٍ فإنه بادَرَ إلى لِقائِه. استَعانَ بالأذفونش مَلِكُ اشتاله وطَلَبَ منه المَدَدَ، فقَدَّمَ ابنُ تاشفين سيرَ بنَ أبي بكر الأندلسي، فوَصَلَ إلى إشبيلية وبها المُعتَمِدُ فحاصَرَهُ أَشَدَّ مُحاصَرةٍ، وظَهرَ مِن مُصابَرةِ المُعتَمدِ وَشِدَّةِ بَأسِه وتَرامِيه على المَوتِ بنَفسِه ما لم يُسمَع بمِثلِه، والناسُ بالبلدِ قد استَولَى عليهم الفَزَعُ وخامَرَهُم الجَزَعُ, فلمَّا كان يومُ الأَحدِ العشرين من رجب سَنةَ 484هـ هَجَمَ عَسكرُ الأَميرِ ابنِ تاشفين البَلدَ وشَنُّوا فيه بالغاراتِ، وقُبِضَ على المُعتَمِد وأَهلِه، وكان قد قُتِلَ له وَلدانِ قبلَ ذلك، أَحدُهما: المأمون، نائِبُه في قُرطبة والثاني الرَّاضي، كان نائِبًا عن أَبيهِ في رندة، وهي مِن الحُصونِ المَنيعَةِ, ولمَّا أُخِذَ المُعتَمِد قَيَّدوهُ من ساعَتِه، وأُودِعَ سِجْناً في أغمات بالعَدوَةِ وتَشَرَّدَ أَهلُه وافتَقَروا في بلادِ المَغربِ, ودَخَلَ عليه يَومًا بَناتُه السِّجنَ، وكان يَومَ عِيدٍ، وكُنَّ يَغزِلنَ للناسِ بالأُجرَةِ في أغمات، فرآهُنَّ في أَطمارٍ رَثَّةٍ وحالَةٍ سَيِّئَةٍ، فصَدَّعنَ قَلبَه وأَنشدَ:
"فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا
فساءك العيد في أغمات مأسور
نرى بناتك في الأطمار جائعةً
يغزلن للناس لا يملكن قطميرا
برزن نحوك للتسليم خاشعةً
أبصارهن حسيراتٍ مكاسيرا
يطأن في الطين والأقدام حافيةٌ
كأنها لم تطأ مسكًا وكافورا"
زالت دَولةُ المُعتَمِد بن عبَّادٍ على يَدِ شَريكِه في النَّصرِ بعدَ أن دَخلَ قُرطبة، ومات غَريبًا في مَنفاهُ بـأغمات بالمغربِ, وقد حَزِنَ الناسُ عليه، وقال في مُصابِه الشُّعراءُ فأَكثَروا, ويُعتَبر مِن أَشهرِ مُلوكِ دَولةِ الطَّوائفِ التي قامَت في الأَندلسِ في القَرنِ الخامسِ الهِجريِّ، بعدَ انهِيارِ دَولةِ الخِلافةِ الأُمويَّة.
هو المُعِزُّ لدين الله أبو تميمٍ مُعدُّ بن المنصور بالله إسماعيل بن القائم بأمر الله أبي القاسم محمد بن المهدي أبي محمد عبيد الله، العُبَيديُّ المهدويُّ صاحِبُ المغرب. بُنِيَت له القاهرة, وكان وليَّ عَهدِ أبيه. ولي سنة 341، وسار في نواحي إفريقيَّةَ يمَهِّدُ مُلكَه، فذَلَّل الخارجين عليه، واستعمل مماليكَه على المدُنِ، واستخدم الجُندَ، وأنفق الأموالَ، وجهَّز مملوكَه جوهرًا القائِدَ في الجيوشِ. فسار فافتتح سجلماسة، وسار إلى أن وصل البحرَ الأعظمَ، فلمَّا مات كافور بَعَث المعِزُّ جَيشَه لِمِصر بقيادةِ جَوهر, فأخذها له ثمَّ انتقل لها المعِزُّ ودخلها سنة 362. قال الذهبي: " كان المعِزُّ عاقِلًا لبيبًا حازمًا، ذا أدبٍ وعِلمٍ ومعرفةٍ وجَلالةٍ وكَرَمٍ، يرجِعُ في الجملةِ إلى عَدلٍ وإنصافٍ، ولولا بِدعتُه ورَفضُه، لكان من خيارِ المُلوكِ ". كان موتُه سابع عشر من شهر ربيع الآخر، وكان سبب موته الحُمَّى؛ لشدَّة ما وجد من كلامٍ على مُلكِه ومملكتِه، واتَّصَل مرضُه حتى مات، وكانت ولايتُه ثلاثًا وعشرين سنة وخمسة أشهر وعشرة أيام، منها مُقامُه بمصر سنتان وتسعة أشهر، والباقي بإفريقيَّة، وهو أوَّلُ حُكَّام العُبَيديِّين مَلَك مصر، وخرج إليها، وكان مُغرمًا بالنجوم، ويعمل بأقوالِ المنجِّمينَ، قال له منجِّمُه: إنَّ عليه قطعًا في وقتِ كذا، وأشار عليه بعمَلِ سردابٍ يختفي فيه إلى أن يجوزَ ذلك الوقت، ففعل ما أمَرَه وأحضر قوَّادَه، فقال لهم: إنَّ بيني وبين الله عهدًا أنا ماضٍ إليه، وقد استخلفتُ عليكم ابني نزارًا، يعني العزيز، فاسَمَعوا له وأطيعوا، ونزَل السردابَ، فغاب سنةً ثم ظهر، وبقِيَ مدَّةً، ومرِضَ وتوفِّيَ، فستَرَ ابنُه العزيز موتَه إلى عيد النَّحرِ مِن السنة، فصلى بالنَّاسِ وخَطَبَهم، ودعا لنفسِه، وعزَّى بأبيه، ولَمَّا استقَرَّ العزيزُ في الملك أطاعه العسكرُ، فاجتمعوا عليه، وكان هو يدبِّرُ الأمورَ منذ مات أبوه إلى أن أظهَرَه، ثم سيَّرَ إلى الغرب دنانيرَ عليها اسمُه، فُرِّقَت في النَّاسِ.
لَمَّا توفِّيَ يَمينُ الدَّولة وكان قد عَهِدَ لابنه محمَّدٍ دون مسعودٍ، وكان ابنُه مَسعودٌ بأصبهان، فلمَّا بلَغَه الخبَرُ سار إلى خراسان، واستخلف بأصبهانَ بَعضَ أصحابِه في طائفةٍ مِن العسكر، فحين فارَقَها ثار أهلُها بالوالي عليهم فقَتَلوه، وقَتَلوا مَن معه من الجُندِ، وأتى مسعودًا الخبَرُ، فعاد إليها وحَصَرها، وفتَحَها عَنوةً، وقَتَل فيها فأكثَرَ، ونهبَ الأموالَ، واستخلف فيها رجُلًا كافيًا، وكَتَب إلى أخيه محمَّدٍ يُعلِمُه بذلك، وأنَّه لا يريدُ مِن البلادِ التي وصَّى له أبوه بها شيئًا، وأنَّه يكتفي بما فتَحَه من بلاد طبرستان، وبلَد الجبل، وأصبهان، وغيرها، ويطلُبُ منه المُوافَقةَ، وأن يُقَدِّمَه في الخُطبةِ على نَفسِه، فأجابه محمَّدٌ جَوابَ مُغالِطٍ، وكان مسعودٌ قد وصلَ إلى الريِّ، فأحسَنَ إلى أهلِها، وسار منها إلى نَيسابور، ففعل مثل ذلك، وأمَّا مُحمَّدُ فإنه أخذَ على عَسكَرِه العهودَ والمواثيقَ على المُناصَحةِ له، والشَّدِّ منه، وسار في عساكِرِه إلى أخيه مسعودٍ مُحاربًا له، وكان بعضُ عساكِرِه يَميلُ إلى أخيه مسعودٍ لِكِبَرِه وشجاعتِه، ولأنَّه قد اعتاد التقَدُّمَ على الجيوشِ، وفَتْح البلاد، وبعضُهم يخافُه لقُوَّةِ نَفسِه، وكان محمَّدٌ قد جعَلَ مُقَدَّمَ جَيشِه عَمَّه يوسُفَ بن سبكتكين، وكان من أعيانِ أصحابِ أبيه محمودٍ مِمَّن أشار عليه بموافقةِ أخيه وترْكِ مخالفته، فلم يُصْغِ إلى قوله، وسار فوصَلَ إلى تكناباذ أوَّلَ يوم من رمضان، وأقام إلى العيدِ، فعَيَّدَ هناك، فلمَّا كان ليلةُ الثلاثاء ثالثَ شَوَّال ثار به جُندُه، فأخذوه وقَيَّدوه وحَبَسوه، وكان مشغولًا بالشَّرابِ واللَّعِبِ عن تدبيرِ المَملكةِ، والنَّظَر في أحوال الجُندِ والرعايا، فلمَّا قَبَضوا عليه نادوا بشِعارِ أخيه مسعود، ورفعوا محمدًا إلى قلعةِ تكناباذ، وكتبوا إلى مسعودٍ بالحال. فكان اجتماعُ المُلْكِ له واتِّفاقُ الكَلِمةِ عليه في ذي القَعدةِ، وكان وصولُ مسعودٍ إلى غزنةَ ثامنَ جُمادى الآخرة من سنة 422، فلما وصلَ إليها وثَبَّتَ مُلكَه بها أتَتْه رُسُلُ الملوكِ مِن سائِرِ الأقطار إلى بابه، واجتمَعَ له مُلْكُ خُراسانَ، وغزنة، وبلاد الهند والسند، وسجستان، وكرمان، ومكران، والري، وأصبهان، وبلد الجبل، وغير ذلك، وعَظُم سلطانُه وخِيفُ جانِبُه.
وصلت أمداد الفرنج في البحر من روميَّة الكبرى وغيرها من بلاد الفرنج في الغرب والشمال، إلَّا أن المتولي لها كان صاحب رومية؛ لأنَّه يتنزل عند الفرنج بمنزلة عظيمةٍ، لا يرون مخالفةَ أمره ولا العُدولَ عن حُكِمهِ فيما سَرَّهم وساءهم، فجهَّز العساكرَ مِن عنده مع جماعةٍ مِن مقَدَّمي الفرنج، وأمَرَ غيرَه من ملوكِ الفرنج إمَّا أن يسير بنفسِه، أو يرسِلَ جيشًا، ففعلوا ما أمَرَهم، فاجتمعوا بعكَّا من ساحل الشام، وكان الملك العادلُ أبو بكر بن أيوب بمصر، فسار منها إلى الشامِ، فوصل إلى الرملة، ومنها إلى لد، وبرز الفرنج من عكَّا ليقصدوه، فسار العادلُ نحوَهم، فوصل إلى نابلس عازمًا على أن يسبِقَهم إلى أطراف البلاد ممَّا يلي عكا ليحميَها منهم، فساروا هم فسَبَقوه، فنزل على بيسان من الأردن، فتقدَّم الفرنجُ إليه في شعبان عازمينَ على محاربته؛ لعلمهم أنَّه في قلة من العسكر، لأنَّ العساكِرَ كانت متفرقةً في البلاد، فلمَّا رأى العادلُ قُربَهم منه لم يرَ أن يلقاهم في الطائفةِ التي معه، خوفًا من هزيمة تكونُ عليه، وكان حازمًا كثير الحذر، ففارق بيسان نحو دمشق ليُقيمَ بالقرب منها، ويرسِلَ إلى البلاد ويجمعَ العساكر، فوصل إلى مرج الصفر فنزل فيه، فأخذ الفرنجُ كلَّ ما في بيسان من ذخائِرَ قد جُمِعَت، وكانت كثيرةً، وغنموا شيئًا كثيرًا، ونَهَبوا البلاد من بيسان إلى بانياس، وبثوا السرايا في القرى فوصلت إلى خسفين، ونوى وأطراف البلاد، ونازلوا بانياس، وأقاموا عليها ثلاثة أيام، ثم عادوا عنها إلى مرج عكا، ومعهم من الغنائم والسبي والأسرى ما لا يحصى كثرةً، سوى ما قتلوا وأحرقوا وأهلكوا، فأقاموا أيامًا استراحوا خلالها، ثم جاؤوا إلى صور، وقَصَدوا بلد الشقيف، ونزلوا بينهم وبين بانياس مقدار فرسخين، فنهبوا البلاد: صيدا والشقيف، وعادوا إلى عكا، وكان هذا من نصف رمضان إلى العيد، والذي سَلِمَ من تلك البلاد كان متخفيًا حتى قَدَر على النجاة، ولما نزل العادِلُ على مرج الصفر سيَّرَ ولده الملك المعظم عيسى، وهو صاحِبُ دمشق في قطعةٍ صالحة من الجيش إلى نابلس ليمنَعَ الفرنجَ عن بيت المقدس.
في ليلة الاثنين سادس عشر صفر في هذه السنة وقَعَ حَريقٌ عظيم عند باب جيرون شرقيَّه فاحترق به دكان القفاعي الكبيرة المزخرفة وما حولها، واتَّسع اتساعًا عظيمًا، واتَّصَل الحريق بالباب الأصفر من النحاس، فبادر ديوان الجامع إليه فكَشَطوا ما عليه من النحاس ونقلوه من يومه إلى خزانة الحاصل، بمقصورة الحلبية، بمشهد علي، ثم عَدَوا عليه يكَسِّرون خشبه بالفؤوس الحداد، والسواعد الشداد، وإذا هو من خشب الصنوبر الذي في غاية ما يكونُ مِن القوة والثبات، وتأسَّفَ الناس عليه؛ لكونه كان من محاسِنِ البلد ومعالمه، وله في الوجودِ ما ينَيِّفُ عن أربعة آلاف سنة، وباب جيرون المشهور بدمشق هو باب سر في جامع دمشق لم يُرَ باب أوسع ولا أعلى منه، فيما يُعرَفُ من الأبنية في الدنيا، وله عَلَمان من نحاس أصفر بمسامير نحاس أصفر أيضًا بارزة، من عجائبِ الدنيا، ومحاسن دمشق ومعالِمها، وقد تم بناؤها، وقد ذكَرَته العَرَبُ في أشعارها والناس، وهو منسوب إلى ملك يقال له جيرون بن سعد بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وهو الذي بناه، وكان بناؤه له قبل الخليلِ عليه السلام، بل قبل ثمود وهود أيضًا، على ما ذكره الحافِظُ ابن عساكر في تاريخه وكان فوقه حصنٌ عظيم، وقَصرٌ منيف، ويقال: بل هو منسوب إلى اسم المارد الذي بناه لسليمان عليه السلام، وكان اسمُ ذلك المارد جيرون، والأولُ أظهَرُ وأشهَرُ، فعلى الأول يكونُ لهذا الباب من المُدَد المتطاولة ما يقارب خمسة آلاف سنة، ثم كان انجعاف هذا الباب لا من تلقاء نفسِه بل بالأيدي العاديةِ عليه، بسبب ما ناله من شَوطِ الحريق، وذكر ابن كثير: "أن أبواب دمشق كانت سبعةً كُلٌّ منها يُتَّخَذُ عنده عيدٌ لهيكل من الهياكل السبعة، فبابُ القمر باب السلامة، وكانوا يسمونَه باب الفراديس الصغير، ولعطارد باب الفراديس الكبير، وللزهرة باب توما، وللشمس الباب الشرقي، وللمريخ باب الجابية، وللمشتري باب الجابية الصغير، ولزحل باب كيسان"
اشْتَكى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بعدَ عَودتِه مِن حَجَّةِ الوَداعِ، حتَّى اشْتَدَّ وَجَعُهُ وهو في بيت مَيمونَةَ رضي الله عنها، فدَعا نِساءَهُ فاسْتأذَنَهُنَّ في أن يُمَرَّضَ في بيتِ عائشةَ رضي الله عنها، قالت عائشةُ رضي الله عنها: كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يقولُ في مَرضِهِ الذي مات فيه: «يا عائشةُ ما أَزالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعامِ الذي أَكلتُ بِخَيبرَ، فهذا أَوانُ وَجَدْتُ انْقِطاعَ أَبْهَري مِن ذلك السُّمِّ». واسْتغرَقَ مَرضُهُ عشرةَ أيَّامٍ، قال ابنُ حَجَرٍ: (واخْتُلِفَ في مُدَّةِ مَرضِه، فالأكثرُ على أنَّها ثلاثةَ عشرَ يومًا، وقِيلَ بزيادةِ يَومٍ، وقِيلَ بِنَقصِه، وقِيلَ: عشرةُ أيَّامٍ. وبه جزَم سُليمانُ التَّيميُّ في مَغازيهِ، وأَخرَجهُ البَيهقيُّ بإسنادٍ صَحيحٍ). ثمَّ تَوفَّاهُ الله تعالى يَومَ الاثنين في الثَّاني عشر من رَبيعٍ الأوَّلِ، وقد تَمَّ له مِنَ العُمُرِ 63 سَنَةً، وكُفِّنَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في ثلاثةِ أَثوابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ مِن كُرْسُفٍ، ليس فيها قَميصٌ ولا عِمامَةٌ، وصلَّى النَّاسُ عليه أَرْسالًا، ودُفِنَ في مكانِ مَوتِهِ في حُجرَةِ عائشةَ رضي الله عنها، وجَزاهُ الله تعالى عن المسلمين خيرَ ما جَزَى نَبِيًّا عن أُمَّتِهِ.
هو أبو بكرٍ الصِّدِّيق عبدُ الله بن عُثمانَ بن عامرِ بن كعبِ بن سعدِ بن تَيْمِ بن مُرَّةَ بن كعبِ بن لُؤَيٍّ. وهو أحدُ العشرةِ المُبشَّرين بالجنَّةِ، وأوَّلُ الخُلفاءِ الرَّاشِدين، مِن أَوائلِ المُصَدِّقين للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم والمؤمنين به، بَقِيَ معه في مكَّة حتَّى هاجَر معه فكان صاحِبَه في ذلك، قَدَّمَهُ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم للصَّلاةِ بالنَّاس في مَرَضِ مَوتِه، أَنفقَ في سبيلِ الله كُلَّ مالِه، كان وَزيرَ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وصاحِبَ مَشورَتِهِ، بايَعَهُ المسلمون على الخِلافَةِ بعدَ مَوْتِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم كما هو مَذكور، تُوفِّيَ أبو بكرٍ الصِّدِّيق بعدَ أن بَقِيَ خَليفةً مُدَّةَ سَنتين وثلاثةِ أَشهُر وعشرةِ أيَّام، تُوفِّيَ بعدَ أن مَرِضَ، وقد قام خِلالَ هذه المُدَّةِ القصيرةِ بِرَدِّ المُرْتَدِّين وحَرْبِهِم والتي شَمِلَتْ أجزاءَ الجزيرةِ كلَّها، ثمَّ كانت الحُروبُ مع الفُرْسِ والرُّومِ حيث أظهرت قُوَّةَ المسلمين وإمكاناتِهم القِتاليَّة التي لا يُستهان بها، دُفِنَ بجانِبِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في حُجْرَةِ عائشةَ، فكان مع صاحِبِه كما كان معه في الدُّنيا، فجزاهُ الله عن الأُمَّةِ الإسلاميَّةِ خيرًا ورضِي الله عنه وأَرضاهُ.
هو الحافِظُ الفقيه أبو سعيد صلاح الدين العلائي خليل بن كيكلدي الدمشقي سِبطُ البرهان الذهبي الحافظ. مولِدُه سنة 694، حَفِظَ القرآن والسنة والنحو وغير ذلك، وسَمِعَ الكثير، وهو معدود في الأذكياء، ودَرَّس وأفتى وناظر، وكان مدَّة مقامه مدرسًا بالمدرسة الصلاحية بالقدس وشيخًا بدار الحديث السكرية ثلاثين سنة، وقد صَنَّف وألف وجمع وخَرَّج، وكانت له يدٌ طولى بمعرفة العالي والنازل، وتخريج الأجزاء والفوائد، وله مشاركةٌ قوية في الفقه واللغة والعربية والأدب، وله عدة مصنفات وقَفَها على الخانقاه السمساطية بدمشق، ومن مصنفاته: جامع التحصيل في أحكام المراسيل، وتحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة، والنقد الصحيح لما اعترض عليه من أحاديث المصابيح، والتنبيهات المجملة على المواضع المشكلة، وتلقيح المفهوم في تنقيح صيغ العموم، وتحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد، وجزء في تصحيح حديث القلتين والكلام على أسانيده، وإجمال الإصابة في أقوال الصحابة، وغيرها. توفي بالقدس الشريف ليلة الاثنين ثالث المحرم، وصلِّيَ عليه من الغدِ بالمسجد الأقصى بعد صلاة الظهر، ودُفِن بمقبرة نائب الرحبة، وله من العُمرِ ست وستون سنة.
هو سليمان باشا أحد ولاة العراق, وكان من المماليك، وكان من عُتقاء محمد بك الدفتري الربيعي، واسمه سليمان آغا. ولِدَ في عام 1137هـ، وصار واليًا للبصرة، ثم نُقل واليًا على بغداد عام 1194هـ/1780م، وعُرِف بعد توليه ولاية بغداد باسم سليمان الكبير, وقد عُرِف عصرُه باسم العصر الذهبي لفترة حكم المماليك في العراق, في أواخر سنوات حكم سليمان باشا الكبير بدأت هجَمات أتباع دولة الدرعية، وكانوا يُغيرون على تخوم العراق, فكَلف بمحاربتِهم، فأرسل حملتين لمحاربةِ أتباع دولة الدرعية في الأحساء عام 1217هـ/ 1802م، وأرسل حملةً ثالثة ضِدَّهم في منطقةِ القصيم. توفِّيَ سليمان باشا الكبير في بغدادَ عن عمر ناهز الثمانين عامًا، حيث مَرِض واشتَدَّ مَرَضُه فاستدعى كبارَ المسؤولين وشاورهم في أمرِ ولاية بغداد مِن بَعدِه، ثمَّ عَهِدَ بولايتها إلى معاوِنِه علي باشا وهو زوج ابنته، وأوصاهم بطاعتِه وامتثال أمرِه وبذَلَ لهم النصيحة، وتوفِّيَ ليلة السبت 8 ربيع الثاني، ودفن في مقبرة مشهد وشُيِّع بموكب رسمي، ودفِنَ يوم السبت قبل صلاة الظهرِ.