كانت الأسرة الوطاسية هي الحاكمةَ على فاس بزعامة أبي العباس أحمد بن أبي عبد الله محمد، وكانت الأسرةُ السعدية أخذت في التوسُّع بزعامة أبي العباس أحمد الأعرج وانتقلت من مراكش، وهدَّدت سلطنة الوطاسيين، فقامت بين الأسرتين حروبٌ دامت أيامًا، تعتبر وقعةُ بير عقبة من أعظم الوقعاتِ التي كانت بين الوطاسيين والسعديين، وتحدَّث بها العامة في أنديتهم كثيرًا وبالغوا في وصفِها والإخبار عنها، وقد ذكرها شعراؤهم في أزجالهم-نصوصهم- الملحونة، وهي محفوظة فيما بينهم، وذلك أنَّه لَمَّا طمى عباب السعديين على بلاد الحوز وكادوا يَلِجون على الوطاسيين دارَ مُلكِهم من فاس، نهض إليهم السلطان أبو العباس أحمد الوطاسي أواخِرَ سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة يجرُّ الشوك والمدَر في جمعٍ كثيف من الجند وقبائل العرب في حُلَلِها وظُعُنها، وجاء أبو العباس السعدي في قبائل الحوز بحللها وظعنها كذلك. فكان اللقاءُ بمشروع بير عقبة- أحد مشاريع وادي العبيد- من تادلا، فنشبت الحرب وتقاتل الناسُ وبرز أهل الحفائظ منهم والتراث، وقاتل الناسُ على حرمهم وأحسابهم وعِزِّهم، فأفنى بعضهم بعضًا إلا قليلًا، ودامت الحرب أيامًا على ما قيل إلى أن كانت الهزيمة على الوطاسيين؛ وذلك بسبب تخلي قبائل الخلوط التي كادت تكون القوةُ الأمامية للجيش الوطاسي؛ مما أدى إلى انتشار الفوضى في سائر جيش الوطاسيين, وعلى إثر هذه الهزيمة عُقِد صلحٌ بين الطرفين في مدينة تادلا يقضي بتقسيم البلاد بين الأسرتين، وبموجِبه انسحب الوطاسيون إلى فاس وبقيت تادلا بيد الشريفِ السعدي أبي العباس أحمد الأعرج، وأظهرت هذه المعركة قوةَ السعديين.
لَمَّا هرب عبد الملك بن محمد المهدي أبو مروان وأحمد المنصور عمَّا المتوكل على الله محمد الثاني زعيم السعديين، بعد توليه الحكم في المغرب بسبب عدائه لهما- استنجدا بالدولة العثمانية في الجزائر، فوجدت الدولةُ العثمانية في انشغال مَلِك إسبانيا فيليب الثاني بأحداث أوروبا الغربية- حيث ثورة الأراضي المنخفضة- فرصةً مناسِبةً للتدخل في المغرب، فأمدُّوا عبد الملك بجيشٍ قوامه خمسة آلاف مقاتل مسلَّحين بأحسن الأسلحة، ودخل عبدالملك فاس بعد أن أحرز انتصارًا كبيرًا على ابن أخيه المتوكِّل على الله، وعاد الجيش أدراجه إلى الجزائر، وقام عبد الملك بإصلاحات في دولته، من أهمِّها أمَرَ بتجديد السفن، وبصُنع المراكب الجديدة، فانتعشت بذلك الصناعة، كما اهتمَّ بالتجارة البحرية، وكانت الأموال التي غَنِمَها من حروبه على سواحل المغرب سببًا في انتعاش ونمو الميزان الاقتصادي للدولة، أسَّس جيشًا نظاميًّا متطورًا واستفاد من خبرة الجندية العثمانية وتشبه بهم في التسليح والرُّتَب، كما استطاع أن يبنيَ علاقات متينة مع العثمانيين، وجعل منهم حُلَفاء وأصدقاء وإخوة مخلصين للمسلمين في المغرب، وفرض احترامَه على أهل عصره، حتى الأوروبيين، احترموه وأجلَّوه. اهتمَّ عبد الملك بتقوية مؤسسات الدولة ودواوينها وأجهزتها، واستطاع أن يشكِّلَ جهازًا شوريًّا للدولة أصبح على معرفة بأمور الدولة الداخلية، وأحوال السكان عامة، وعلى دراية بالسياسة الدولية وخاصةً الدول التي لها علاقةٌ بالسياسة المغربية، وكان أخوه أبو العباس أحمد المنصور بالله- الملقب في كتب التاريخ بالذهبي- ساعِدَه الأيمن في كل شؤون الدولة.
كان محمد الشيخ المأمون بن أحمد المنصور الذهبي السعدي ما يزال على قُبحِ السيرة والإساءة إلى الخاصة والعامة، حتى ملَّتْه النفوسُ ورفضته القلوبُ وضاق أهلُ فاس بشؤمِه ذرعًا، وكان قد بعث ابنَه عبد الله مرةً ثالثة إلى حرب أخيه السلطان زيدان بمراكش وأعمالها، فخرج عبد الله من فاس آخِرَ ذي الحجة سنة 1016 فالتقى الجمعان بوادي بوركراك، فكانت الهزيمة على عبد الله وفرَّ في رهطٍ من أصحابه وترك محلَّتَه بما فيها بيَدِ السلطان زيدان، فاستولى عليها وانضَمَّ إليه جيش عبد الله من أهل فاس وغيرهم ميلًا إليه ورغبةً في صحبته، فعفا عنهم وتألَّفَهم، واستفحل أمرُ السلطان زيدان وتكلَّم به أهل فاس وسائِرُ بلاد الغرب، واتصل الخبر بالشيخ المأمون، وعرف أن قلوب الناس عليه فخاف الفضيحةَ وأصبح غاديًا في أهله وحشمه إلى ناحية العرائش مستصرخًا بالطاغية الإصبنيول في الأندلس على السلطان زيدان، وحمل معه أمه الخيزران وبعض عياله وجماعة من قواده وبطانته، وذلك في ذي القعدة سنة 1017، لكن الطاغيةَ لم يُمِدَّه بشيء, وانتهى مصطفى باشا قائد زيدان إلى القصر الكبير فقبض على من وجَدَ به من أصحاب الشيخ، وفر عبد الله وأبو فارس فنزلا بموضعٍ يقال له سطح بني وارتين، فبلغ خبرهما إلى السلطان زيدان، فجاء حتى نزل قبالتَهما بموضعٍ يقال له آرورات، ففَرَّ من كان معهما إلى السلطان زيدان، ولَمَّا بقِيا أوحشَ مِن وتِدٍ بقاعٍ، فرَّا إلى دار اليهودي ابن مشعل من بلاد بني يزناسن فأقاما بها.
أرسل الشيخُ محمد بن عبد الوهاب والإمام عبد العزيز إلى والي مكة الشريفِ أحمد بن سعيد رسولًا بهدايا, وكان الشريفُ قد كاتبهما وطلب منهما أن يرسِلَا إليه فقيهًا وعالِمًا من جماعتهما يُبَيِّن حقيقة ما يدعونَ إليه من الدِّينِ، ويناظر علماءَ مكةَ، فأرسلا إليه الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الحصين، ومعه رسالة منهما, يقول ابن غنام: "لما وصل الشيخُ عبد العزيز الحصين على الشريفِ الملقب بالفعر، واجتمع هو وبعض علماء مكة عنده، وهم يحيى بن صالح الحنفي، وعبد الوهاب بن حسن التركي- مفتي السلطان- وعبد الغني بن هلال، وتفاوضوا في ثلاث مسائل وقعت المناظرة فيها: الأولى: ما نُسِبَ إلينا من تكفير العموم، والثانية: هدمُ القبابِ التي على القبور، والثالثة: إنكار دعوة الصالحين للشَّفاعة. فذكر لهم الشيخ عبد العزيز أنَّ نسبة التكفير بالعموم إلينا زورٌ وبهتان علينا, وأمَّا هدم القباب التي على القبورِ فهو الحقُّ والصوابُ، كما هو وارد في كثيرٍ مِن الكتب، وليس لدى العلماء فيه شَكٌّ, وأما دعوة الصالحين وطلب الشفاعة منهم والاستغاثة بهم في النوازل، فقد نص عليه الأئمة والعلماء وقرَّروا أنَّه مِن الشرك الذي فعله القدماء، ولا يجادِلُ في جوازه إلا ملحِدٌ أو جاهِلٌ, فأحضروا كتب الحنابلة فوجدوا أنَّ الأمر على ما ذكر فاقتنعوا, واعترفوا بأنَّ هذا دينُ الله، وقالوا هذا مذهب الإمام المعظَّم، وانصرف الشيخ عنهم مبجَّلًا معزَّزًا"
سيَّرَ شريف مكة الشريف غالبُ عساكِرَه بقيادة أخيه عبد العزيز إلى أعالي نجد لمحاربة أهلِها في قوة هائلة في العددِ والعُدَّة، نحو عشرة آلاف، ومعهم 20 مدفعًا وأمَرَهم أن يقصدوا الدرعية ومنازلَتَها فضلًا عن غيرِها من بلدانِ نجدٍ التابعة للدرعية, فلمَّا رأى أعداءُ الدعوة في نجدٍ هذه القوة أيقَنوا بنهاية دولة الدرعية ودعوة الشيخِ، خاصَّةً أنها جاءت من شريفِ مكَّةَ؛ ولذلك نقض عددٌ من العربان وأهالي بعض بلدان نجدٍ بيعَتَهم وعهدَهم مع الشيخ والأمير، وراسل الشريف عبد العزيز أناسًا من أهل بلدان نجدٍ، منهم حسين الدويش رئيس مطير وعربانه، وكثير من قحطان، فأقبلت تلك العساكِرُ والجنود معهم كثيرٌ مِن بوادي الحجاز وعربان شمر ومطير وغيرهم، وامتلأ منهم السهلُ والجبَلُ، وصار في قلوبِ المسلمين منهم وجَلٌ, فنزلوا على قصر بسَّام في السر وحاصروه أيامًا وضربوه بالمدافِعِ ولم ينالوا منه شيئًا، على الرغم أنَّ عدد من فيه لا يتجاوز30 رجلًا، وبناء القصر كان ضعيفًا! فرحل عنه الشريفُ عبد العزيز مع جموعِه ونزل في أرض السر أربعة أشهر، ثم عزم على العودة إلى قصر بسام، وحلَفَ ألا يدَعَه حتى يهدِمَه ويقتُلَ من فيه، فعمل السلالم ودهموا بها الجدرانَ فلم يحصلوا على طائلٍ, وقُتِلَ من قومِه عِدَّة رجال. كان الإمامُ عبد العزيز لما أقبلت تلك الجموعُ استنفَرَ أهالي بلدان نجد التابعين له مع ابنه الأمير سعود، فنزل سعود رمحين النفود بالقربِ مِن بلدة أشيقر، وأقام فيها يخيفُ جنود الشريف، وهذه الواقعة هي أوَّلُ لقاء عسكري بين أشرافِ الحجازِ والدرعية، كان المبادِرُ بالقتال فيها هو شريفَ مكةَ.
لَمَّا صارت الهزيمةُ على عبد الله بن سعود في جمادى الآخرة رحل بالقُربِ من جَبَل ماوية ونزل إبراهيمُ باشا وقواته الرسَّ، فثبت له أهلُ الرس وحاربوه، وأرسل عبد الله للرس مرابِطةً مع حسن بن مزروع، والهزاني صاحب حريق نعام، فحاصرهم الرومُ أشَدَّ الحصار وتابعوا الحربَ عليهم في الليل والنهار، وكُلَّ يوم يسوقُ الباشا على سورِها صناديدَ الروم بعدما يجعل السورَ بالقبوس فوق الأرضِ مهدومًا، ومع ذلك ثبت أهلُ الرس والمرابطة، وقاتلوا قتالَ مَن حمى الأهل والعيال، وصبروا صبرًا عظيمًا، فكلما هَدَم الرومُ السورَ بالنهار بنوه بالليل، وكلَّما حفروا حُفَرًا للبارود حفَرَ أهل الرس تجاهَه حتى يبطلوه، وبعض الأحيان يثور عليهم وهم لا يعلمون، وطال الحصار إلى ذي الحجة، وذُكر أنَّ الروم رموه في ليلةٍ 5000 رمية بالمدافع والقنبر والقبس، وأهلكوا ما خلفَ القلعة من النخيل وغيرها، وعبدُ الله بن سعود وجنوده في عنيزة، فأرسل أهل الرس إليه إمَّا أن يرحلَ إليهم لقتال الرومِ، وإمَّا أن يأذَنَ لهم بالمصالحةِ، ثم أقبل عساكِرُ وقبوس وأمداد من الروم كثيرة ونزلوا على إبراهيم ومن معه في الرس واستعظم أمرُه وكثرت دولتُه، فوقعت المصالحة بينه وبين أهلِ الرسِّ على دمائِهم وأموالِهم وسلاحِهم وبلادِهم وجميعِ مَن عندهم من المرابِطة يخرجون إلى مأمَنِهم بسلاحِهم وبجميع ما معهم، فخرجوا من الرس وقصدوا عبدَ الله وهو في عنيزة، وقتُل من أهل الرس والمرابطة نحو سبعين رجلا وقُتِلَ من عسكر الروم ما ينيف على 600 رجلٍ.
هو العالم الفقيهُ الشيخ عثمان بن عبد الجبَّار بن حمد بن شبانة الوهبي التميمي، بقيَّةُ العُلماء الزُّهَّاد، ورِثَ العلمَ كابرًا عن كابر مِن آبائه وأجداده وأعمامه وإخوانه، وممَّن تعلم منهم ابنُ عمه الشيخ حمد بن عثمان بن عبد الله، والشيخ حمد التويجري، والشيخ عبد المحسن بن نشوان بن شارخ، القاضي في الكويت والزبير، والشيخ عبد العزيز بن عيد الإحسائي نزيل الدرعية، وكان الشيخ عثمان فقيهًا له قُدرةٌ على استحضار أقوال العلماء، وله معرفةٌ في التفسير والفرائض والحساب، وهو عالمُ زمانِه في المذهَبِ، لا يدانيه فيه أحدٌ، تخرَّج على يديه وانتفع به خلقٌ كثير، منهم: ابنه القاضي الشيخ عبد العزيز، والشيخ عبد الرحمن بن أحمد الثميري قاضي سدير، والشيخ عثمان بن علي بن عيسى قاضي الغاط والزلفي، وغيرهم. وكان في الغايةِ مِن الوَرَعِ والعبادة والعفاف، عَيَّنه الإمام عبد العزيز بن محمد قاضيًا لعسير، وألمع عند عبد الوهاب أبو نقطة المتحَمِّي، وأقام هناك مدة ثم رجع، وأرسله الإمام عبد العزيز بن محمد أيضًا قاضيًا لعسير عند ابن حرملة وعشيرته، ثم أرسله الإمام سعود قاضيًا في عمان، وأقام في رأس الخيمة يقضي بين الناسِ ويُدَرِّس لطلابِ العلم، ثم رجع، ولَمَّا توفِّيَ عَمُّه محمد قاضي بلدان سدير، عَيَّنه الإمام سعود مكانه قاضيًا لبلدان سدير، واستمَرَّ في القضاء زمن الإمام سعود وزمن ابنه الإمام عبد الله وما بعدهما، إلى أن توفي في السابع والعشرين من هذا الشهر.
كان السُّلطانُ عبد الحميد الثاني قد أعلن الدستورَ سنة 1876م لكنه بعد سنتين عَلَّق الدستور وعطَّل البرلمانَ العثماني لَمَّا رأى أنَّ أكثَرَ الموالين للدستور من المفتونيين بأوربا وسياستِها وعلى صلةٍ بالساسة الأوربيين، ويعادون القانونَ الإسلاميَّ، ويطلقون على أنفُسِهم اسمَ الدستوريين، فانطلقوا يعملون على نشرِ أفكارِهم وبدؤوا بتأسيسِ الجَمعيَّاتِ السرِّية التي كان من أشهَرِها وأولها جمعية الاتحاد والترقي، التي تأسَّست في باريس هذا العام، وجمعية الحرية، في سلانيك في 1323هـ ثم اندمجتا معًا ولم يقتَصِرِ الأمرُ على المدنيين، بل إنَّ العسكريين أيضًا كانوا ينضَمُّون لهذه الجمعيَّات، وكانت أقدم الجمعيَّات هي الجمعيَّاتِ الشعبيَّة العثمانية التي تأسَّست منذ عام 1282هـ، وكانت علنيَّة غيرَ سرية، أمَّا التنظيماتُ العسكرية فكان تنظيمُ نيازي بك، ورائف بك، وحسين بك، وصلاح الدين بك، وكانت الحكومةُ مهتمَّةً في ذلك الوقت بالحَدِّ من خطَرِ مخطَّطاتِ اليهود سواءٌ كانوا من الدونمة، أو من الماسونية، أو من الخارج، الذين يدعمون هذه الجمعيَّات السريَّة، وكانت المعارَضةُ في الداخل من الأحرارِ العثمانيين الذين يريدون السيرَ على المنهجِ الأوربي لا المنهجِ الإسلاميِّ مفتونين بالحضارة الأوربية، ويظنون أنَّ طريقَها يكون بالتخلِّي عن الإسلامِ، ومن طرفٍ آخَرَ كانت المعارَضاتُ من القوميين غيرِ الأتراك الذين بدؤوا بالظهورِ وتكوين الجمعيات أيضًا الخاصة بهم، التي نشأت كرَدِّ فعل على القوميين الأتراك الذين بدؤوا ينشُرون ويعملون على جَعلِ الدولة العثمانية دولةً تركيةً بحتةً لا دَخْلَ للعرب فيها، مثل: جمعية تركيا الفتاة، وجمعية الوطن والحرية، التي كان منها مصطفى كمال أتاتورك، ثمَّ بدأت الثوراتُ تُظهِرُ الرغبةَ في خلعِ السلطانِ عبد الحميد.
تدهورت الأوضاعُ العسكرية للدولة العثمانية أثناءَ الحرب العالمية الأولى، وسيطر البريطانيون على العراقِ والشام، واحتلَّ الفرنسيون شماليَّ بلاد الشام، وسيطر الحلفاءُ على استانبول والمضايق التركية، ولَمَّا رأى قادة الاتحاد والترقي هذه الهزائم قدَّم طلعت باشا رئيس الوزراء استقالةَ وزارته، فتألفت وزارة جديدة برئاسة أحمد عزت باشا، وهرب كلٌّ من طلعت باشا وأنور باشا وغيرهما إلى ألمانيا. وأرسلت الحكومة الجديدة وفدًا وزاريًّا إلى مدينة مدروز في بحر إيجة بين اليونان وتركيا لمفاوضة الإنجليز على شروطِ الهدنة، وأرجأ الإنجليزُ الاجتماعَ النهائي لمدة أسبوعين حتى تتمكَّن قواتهم من احتلالِ الموصل وحلب. وعُقِدَت هدنة مدروز في 25 من محرم 31 من أكتوبر، ونصَّت على استسلام الدولة العثمانية دون قيدٍ أو شرطٍ، وهو ما لم يحدث بالنسبة لألمانيا، وبدأت القواتُ العثمانية في إلقاء سلاحها، وبدأت عملياتُ الاحتلال طبقًا للاتفاقيات، ووقَعت الأستانة تحت الاحتلال المشترك للحلفاء تحت قيادة الأميرال البريطاني "كالثورب". واستيقظ المسلمون على هذا الفاجعة المدوِّية، وزاد من كآبةِ هذه الفاجعة سعيُ الأقليات الدينية لخدمة مصالحها، خاصةً الأرمن واليونانيين، وجرت مذابِحُ ضِدَّ المسلمين، وظهرت روحٌ بغيضة من التشفِّي ضِدَّ المسلمين؛ فالجنرال اللنبي قال حين دخل القدس: "الآن انتهت الحروب الصليبية"، وبعد هدنة مدروز وصل الجنرال اللنبي القائد الإنجليزي إلى استانبول، وطلب من الحكومة التركية تعيين مصطفى كمال قائدًا للجيش السادس بالقربِ مِن الموصل.
تقدَّم اللورد ملنر وزير المستعمرات الألماني إلى الوفدِ المصري بنصِّ مشروع معاهدة تتكوَّن من عدة مواد، ومنها: (المادة الأولى) تتعهد بريطانيا بضمان سلامة أرضِ مِصرَ واستقلالها كمملكةٍ ذات أنظمة دستورية. (المادة الثانية) تتعهَّدُ مصر من جانبها ألَّا تَعقِدَ أيَّ معاهدة سياسية مع أي دولة أخرى بدون رضا بريطانيا. (المادة الثالثة) نظرًا للمسؤولية الملقاة على عاتق بريطانيا بمقتضى الفقرة المتقدمة، ونظرًا لِما لها من المصلحة الخاصة في حفظ مواصلاتها مع ممتلكاتها في الشرق والشرق الأقصى، فمِصرُ تعطيها حقَّ إبقاء قوة عسكرية بالأراضي المصرية، وحقَّ استعمال الموانئ والمطارات المصرية لغَرَضِ التمكن من الدفاع عن القُطرِ المصري، ومن المحافظة على مواصلاتها مع أملاكها المذكورة، أما المكان أو الأمكنة التي تعسكِرُ فيها تلك الجنود البريطانية فإنها تعَيَّن بعد اتفاق الطرفين، إلى غير ذلك من المواد. كما أن الوفد المصري قدَّم مشروعَ معاهدة إلى لجنة اللورد ملنر، والتي تتكوَّنُ مواده من: (المادة الأولى) تعترف بريطانيا باستقلال مصر. وتنتهي الحماية التي أعلنتها بريطانيا على مصر في 18 ديسمبر سنة 1914 هي والاحتلال العسكري الإنجليزي، وبذلك تستردُّ مصرُ كامِلَ سيادتها الداخلية والخارجية، وتكونُ دولةً مَلَكيةً ذات نظام دستوري. (المادة الثانية) تُجلي بريطانيا جنودَها عن القطر المصري بدءًا من تاريخ العمل بهذه المعاهدة. (المادة الخامسة) في حالة إلغاء المحاكم القُنصلية وإحالة محاكمة الأجانب على ما يقع منهم من الجنايات والجُنَح إلى المحاكم المختلطة تَقبَل مصر أن تعَيِّن أحدَ رجال القانون من التبعية الإنجليزية في وظيفة النائبِ العمومي لدى المحاكمِ المختلطة.
آلُ رِفادةَ هم شُيوخُ قَبيلةِ بَلِيٍّ من قُضاعةَ اليَمانِيَةِ مِن سُكَّانِ شَمالِ الحِجازِ، كان حامِدُ بنُ سالِمِ بنِ رِفادةَ البَلَويُّ أحَدَ شُيوخِ قَبيلةِ بَلِيٍّ ومِن فُرْسَانِها المشهورينَ، ومَعروفٌ بحامِدٍ العورِ، وكانت له صَولاتٌ وجَولاتٌ في المنطقةِ، وله كَلِمةٌ مَسموعةٌ وثِقلٌ كَبيرٌ وإن لم تكُنْ له رِئاسةُ قَبيلةِ بَلِيٍّ، كانت علاقَتُه بالأشرافِ قَوِيَّةً ومِن الموالِينَ لهم، وبعد دُخولِ المَلِكِ عَبدِ العَزيزِ الحِجازَ بايَعَه الشَّيخُ إبراهيمُ بنُ رِفادةَ بوصْفِه شَيخَ مَشايِخِ بَلِيٍّ، في حينِ رَفَضَ الشَّيخُ حامِدٌ التسليمَ والدُّخولَ تحتَ حُكمِ ابنِ سُعودٍ، وقام بالتحَصُّنِ في مدينةِ الوَجهِ، فقام الشَّيخُ إبراهيمُ بنُ رِفادةَ بمُحاصَرتِه وإخراجِه مِنَ الوَجهِ، فخرج ثائرًا، واتَّجَه إلى شَرقِ الأُرْدُنِّ ثمَّ استقَرَّ به المقامُ بمِصرَ، وهو يفكِّرُ في العَودةِ إلى الحِجازِ لإخراجِ المَلِكِ عَبدِ العزيزِ منها، فأخَذَ يُحَرِّضُ الباديةَ في شَمالِ الحِجازِ عليه، ويَجمَعُ الأنصارَ حَولَه، وانضَمَّ إلى حرَكَةِ رابطةِ الدِّفاعِ عن الحِجازِ التي أسَّسَها مجموعةٌ من الشَّخْصِيَّاتِ الحِجازيَّةِ، ثمَّ انتَقَل ابنُ رِفادةَ مِن مِصرَ إلى شَمالِ الحِجازِ بقُوَّةٍ نحوِ 400 رجُلٍ، ولَمَّا عَلِمَ المَلِكُ عبدُ العزيزِ بتحَرُّكاتِه أرسل وَحَداتٍ عَسْكَريةً لتطويقِه، وكان ابنُ رِفادةَ قد وصَلَ إلى جَبَلِ شار بضِبَا واحتَمى فيه هو وأنصارُه، فتمكَّنَ المَلِكُ عبدُ العزيزِ مِن استدراجِه مِنَ الجَبَلِ هو وقُوَّاتِه، وأوقع بهم هزيمةً قُتِلَ فيها ابنُ رِفادةَ وثلاثةٌ مِن أبنائِه ومُعظَمُ قُوَّاتِه، وبذلك انتَهَت هذه الحَرَكةُ.
خطَّطت فرنسا -بعد أن انتهت الثورةُ العربية الكبرى ضِدَّ العثمانيين- لما ستفعله في سوريا، فأول ما قامت به هو فَصلُ لبنان عن سوريا، وخاصة أن فيه كثيرًا من الموارنة النصارى، وقد سنَّت دستورًا خاصًّا للبنان الكبير، ومع أنَّ الدستور لم ينُصَّ على ديانة الرئيس إلَّا أن فرنسا كانت مصممة على ألَّا يليَ الرئاسة إلا نصراني، فعُيِّنَ أولًا شارل دباس، وحاول حبيب باشا السعد أن يجعل اللهجةَ العامية هي اللغة الرسمية للبلاد؛ ليقضيَ على اللغة العربية الأصيلة، وبدأ التمييز الديني بين النصارى والمسلمين؛ من هضم للحقوق، وتدني في المستوى الاجتماعي والمعيشي، وعمَّقَت فرنسا هذا الموضوع الطائفي، وفي أول سنة 1936م تسلَّم الرئيس إميل إدة مهامَّ رئاسة لبنان الكبير، وتزايدت في عهده حِدَّةُ الصراعات الطائفية، ثم بدأت المفاوضات اللبنانية الفرنسية التي حذت حذو المفاوضات السورية الفرنسية، وكانت الكتلة الدستورية برئاسة بشارة الخوري قد تقَدَّمت بالمطالبة بأن تحلَّ محلَّ الانتداب، ثم تداعت القوى الإسلامية والقومية الوحدوية من مختَلِف الطوائف إلى عقدِ مؤتمر الساحل والأقضية الأربعة في مارس 1936م، وكانوا يطالبون بالوحدة مع سوريا، ثم عُقِدَ مؤتمر آخر هو المؤتمر القومي الإسلامي في أكتوبر 1936م، وطالبوا بالاتحاد مع سوريا وأن تكون هناك بنودٌ واضحة لحقوق وواجبات الطوائف، ثم بعد المفاوضات والأخذ والرد وُقِّعَت المعاهدة في 13 نوفمبر 1936م من قِبَل رئيس الجمهورية إميل إدة، والمفوض الداني دي مارتل الفرنسي، وكانت مدتها خمسة وعشرين عامًا اعترفت فيها فرنسا باستقلال لبنان، وتعهَّدت بمساعدته للانضمام للأمم المتحدة على أن يبقى جنود فرنسيون في لبنان، وتمثِّلُ فرنسا لبنان في الشؤون الخارجية والعسكرية.
ما إن انتهت الحربُ العالمية الثانية، وكانت اليابان قد هُزِمَت، بعد أن أُلقِيَت عليها القنبلةُ الذَّرية الأمريكية، وكانت اليابان قد احتَلَّت فيما احتلَّتْه جزرَ أندونيسيا، وبعد يومين من الهزيمة اليابانية أُعلِنَ عن قيام حكومة أندونيسية برئاسة أحمد سوكارنو، ونائبه محمد حتا، وأخذت الحكومةُ تعمَلُ على الحيلولة دون عودة المحتلين الهولنديين، فتحركوا لنزعِ السلاح من اليابانيين، وأُسِّسَت حكومة وسط جزيرة جاوه، عرفت باسم دار الإسلام، وأطلقوا على عاصمتِهم اسمَ المدينة المنورة، وجعلوا من اللغة العربية لغةً رسمية للبلاد، وعَمِلوا على تطبيق الشريعة برئاسة زين العارفين، لكِنَّ الحلفاء أصدروا أوامِرَهم لليابانيين بإبقاء السلاح معهم ريثما تصِلُ قوات التحالف، ثم حضر الإنجليز ومعهم الهولنديون الذين أخذوا باعتقالِ الزعماء الأندونيسيين، ولَمَّا بدا للسكان نواياهم الاستعمارية الجديدة بدأ القتالُ بينهم، وتداعى المسلِمون من أرجاء أندونيسيا لعقد اجتماعٍ بعد أن وجدوا أنَّ الحركات الاستعمارية الصَّليبية والشيوعية الإلحادية والمحلية العلمانية ومَن معهم للمصلحةِ: كُلُّهم يقفون ضدَّ المسلمين. عُقِدَ لقاءٌ في جاكرتا في ذي الحجة 1364هـ / نوفمبر، وكان أكبَرَ مؤتمر إسلامي، وتم الاتفاق على الانضواء في تنظيمٍ إسلاميٍّ واحدٍ سُمِّي مجلس شورى مسلمي أندونيسيا، وعرف باسم ماشومي، وأيقن الاستعماريون قوةَ مِثلِ هذا التحالف، فأخذوا في التفاهم مع العلمانيين الذين عُرِفوا باسم الوطنيين، ونتج عنه توقيعُ اتفاق لنيجار دجاتي الذي اعترفت هولندا بموجِبِه بسلطة الحكومة القائمة الفِعلية على جزر جاوه وسومطرة ومادورا فقط.
بعد أن انفصلت اليمنُ عن الدولة العثمانية أثناء الحرب العالمية الأولى استقلَّ بحكمِها الإمام يحيى حميد الدين حتى سنة 1948م حكمًا يجمع بين الإمامة الدينية والسلطة السياسية، وعاونه في الإدارة أولادُه، ولما قتل الإمام يحيى في شباط 1948م في مؤامرة بسبب صراع أسري، تولى الحكم ابنُه أحمد الذي انفتح على العالم بانضمامه إلى الجامعة العربية، ثم لهيئة الأمم المتحدة، بل وفتح باب العلاقة مع دول المعسكر الشيوعي الاشتراكي، فقَبِل عروض الأسلحة من الاتحاد السوفيتي مع بقاء قبوله لمعونات أمريكا وألمانيا، ثم بعد موت الإمام أحمد حكم ابنُه محمد البدر، وبعد حكمه بأسبوع أعلن الأحرار اليمنيون الثورةَ ومعهم ضباط من الجيش بزعامة عبد الله السلال بتحريض ودعم من جمال عبد الناصر، وذلك في 27 ربيع الثاني / 26 سبتمبر، وأعلنت مصر تأييدَها للثورة في اليوم الثاني من قيامها، فهاجم الثوارُ قصر الحاكم البدر بن أحمد، وأعلنوا أنهم قتلوه وأصدروا في 3 أكتوبر 1962م دستورًا مؤقتًا يعلن النظام الجمهوري في البلاد ويلغي النظام الملكي وحُكم الأئمة، وتم تشكيل مجلس ثورة برئاسة محمد علي عثمان يتبعه مجلس استشاري من الزعماء القبليين ومجلس وزراء، وأعلنوا إلغاءَ الرِّقِّ ونظام الطبقات والتمييز الطائفي بين الزيدية والشافعية، ثم اختيرَ عبد الله السلال رئيسًا للجمهورية اليمنية الشمالية، والتي استمرت قرابة 8 سنوات 1962م إلى 1970م بين مدٍّ وجزر.
لم تنجح المحاولاتُ التي بذلتها المجموعاتُ والأحزابُ المعارِضة لعبد الكريم قاسم في إنهاء حُكمه؛ لقدرة قاسم على كشف كلِّ المحاولات ثم إحباطِها؛ فبدأ كلُّ حزب يعمل على حِدةٍ وبسِرِّية حتى تمكَّن حِزبُ البعثِ من تصفيته وتقويضِ حُكمه؛ ففي الأول من شعبان عام 1382هـ / 27 ديسمبر 1962م قامت مظاهرات طلابية بسبب تدخل المهداوي رئيس المحكمة العسكرية في شؤون إحدى المدارس، فاستغلَّ الحزبيون الموقفَ فورًا، ولما تم اعتقال أحد الضباط الحزبيين -وهو صالح مهدي- اجتمع زعماءُ الحزب المدنيون، فعلم الرئيس بهم فأمرَ باعتقالهم، ومن بينهم رئيس الحزب علي السعدي، فرأى العقيد أحمد حسن البكر رئيس المجموعة الحزبية في الجيش إعلان الثورة قبل أن تعمَّ الاعتقالاتُ؛ فبدأ التمردُ في 14 رمضان / 8 شباط في حامية أبو غريب غرب بغداد، فتمَّ اغتيالُ قائد سلاح الجو، ثم احتلوا الإذاعةَ، وبدأ القصفُ الجوي على وزارة الدفاع، وأعلنت الإذاعةُ أن حكم عبد الكريم قاسم قد انهار، مع أن المقاومة كانت ما تزال عنيفةً، وطُرِح اسم عبد السلام عارف كرئيسٍ مؤقَّتٍ لرئاسة الجمهورية؛ لسمعته الطيبة، ثم اضطرَّ عبد الكريم قاسم للاستسلام، فتشكَّلت محكمةٌ فورية قضت عليه بالقتل ونفذته فورًا، وأُذيعَ نبأُ تعيين عبد السلام عارف رئيسًا للجمهورية العراقية، وتشكيل مجلس ثورة يضم 20 عضوًا من البَعثيين وغيرهم، برئاسة العقيد أحمد حسن البكر رئيس، وكان نائبه صالح مهدي عماش، ثم رُشِّح صدام حسين التكريتي لتولِّي منصب نائب رئيس مجلس الثورة.