تبدأُ قِصَّةُ بناء مسجد الكتيبة منذ الأيامِ الأولى لانتصارِ الموحِّدين على المرابطين؛ فقد أبى كثيرٌ من الموحِّدين دخولَ البلدة أو الاستقرار فيها؛ لأنهم كانوا يسمعون مُؤَسِّسَ دولتهم المهدي (ابن تومرت) يقول لهم دائمًا: لا تدخلوا مراكش حتى تُطَهِّروها، ولما التمسوا معنى تطهيرِها لدى فقهائِهم أجابوهم أنَّ مساجد مراكش فيها انحرافٌ قليلٌ في القبلة عن الجهةِ الصَّحيحةِ، فعليكم أن تبنوا مسجِدًا دقيق الاتجاه، صحيحَ القبلة فيها. وهكذا قام عبدُ المؤمن بن علي أمير الموحِّدين بهدم مسجدِ قَصرِ الحجر ذي القبلة الخطأ، وهدم الجامِعَ الذي كان قد بناه علي بن يوسف أميرُ المرابطين بأدنى المدينة، ثم شرع في بناءِ جامعٍ عظيم مكانه. أُطلِقَ على هذا الجامِع اسمُ جامع الكتيبة الذي ابتدأ بناؤه سنة 548 ويعتبر واحدًا من ثلاثة آثار معمارية كبرى في دولة الموحِّدين، وهذه الآثار هي: رباط تازا، وجامع تيمنلل، وجامع الكتيبة. ويذهَبُ بعض الباحثين إلى أنَّ الموحِّدينَ وَقَعوا أوَّلَ الأمرِ رَغمَ حِرصِهم في نفس خطأ المرابطين؛ حيث لم يُصَوِّبوا مسجِدَهم الجديد نحو القبلة بالدقة التي كانوا يرجونَها؛ مِمَّا حمَلهم على بناءِ جامعٍ آخَرَ إلى جواره صحيحِ المحراب دقيق الاتجاه؛ ولهذا فجامع الكتيبة أنشئَ في ظن هؤلاء مرَّتين لا مرة واحدة.. وما تزال آثارُ الجامع الأول ظاهرة، وارتفاعُ المنارة إلى أعلى يصل إلى 67.5 مترًا، أي: ما يوازي عمارةً مِن عشرين طابقًا. وجُدرانُها مَطليَّة كُلُّها بالجصِّ الأبيض المائِلِ إلى الأصفر.
هو المعزُّ إسماعيلُ بنُ سيف الإسلام ظهير الدين طغتكين بن نجم الدين أيوب. وسَبَبُ قتله قِلَّةُ عَقلِه، وما كان ادَّعاه من الدعاوى الكاذبة بعد تملُّكِه اليمن بعد أبيه. جَرَت له بها حروبٌ، منها: أنه خرج عليه الشريفُ عبد الله بن عبد الله الحسنى، وضرب معه مصافًّا، فانكسر الشريف, ثم خرج عليه مِن مماليك أبيه نحو ثمانمائة مملوك، وحاربوه، واعتصموا بصنعاء، فكَسَرهم، وأخذها منهم, ثم ادَّعى بعد ذلك الخلافة، وانتسب إلى بنى أميَّة، وجعل شعاره الخُضرةَ، وقطع خُطبةَ بنى العباس، وخطب لنفسه بالخلافةِ على منابر اليمن، وخطب بنَفسِه على المنبر يوم الجمعة.
وادَّعى الربوبيَّة، وأمَرَ كاتِبَه أن يكتُبَ: «من مقر الإلهية»، ثم نهى عن ذلك، خوفًا من القَتلِ، ولما بلغ عمَّه الملكَ العادِلَ دعواه النسبَ إلى بنى أمية، أنكره وساءه فِعلُه، وجحد أن يكونَ لبنى أيوب نَسَبٌ يتصل ببنى أمية, وخافته مماليكُ أبيه لهَوجِه وسَفَهه، ففارقوه وتحَزَّبوا عليه وحاربوه، ووافقهم على ذلك جماعةٌ مِن أمراء الأكراد، فاتفقوا كلُّهم على قتله، وضربوا معه مصافًّا، فكسروه وقتلوه، ونَصَبوا رأسَه على رمحٍ، وداروا به ببلادِ اليمن، ونهبوا زبيدَ تسعة أيامٍ, وكان له أخٌ صغير يلقَّب بالملك الناصر، فجعلوا له اسم السَّلطنة، ورُتِّبَ له سيف الدين سنقر كان مملوكًا لوالده, ثم اضطربت الأمور على سيف الدين سنقر، وتحزَّبَت عليه العساكر وقاتلوه، وجرَت بينهم حروب كثيرة، انتصر في آخِرِها وقتل جماعةً من الأكراد والأتراك، وحَبَس جماعة، وصَفَت له اليمنُ. ثم مات بعد أربع سنين.
هو السلطان غياث الدين محمود بن السلطان الكبير غياث الدين محمد بن سام الغوري, صاحب غزنة والغور وفيروزكوه, وهو مِن كبار ملوك الإسلام، اتَّفق أن خوارزم شاه علاء الدين هزم الخطا مرات، ثم وقع في أسرِهم مع بعض أمرائه، فبقي خوارزم شاه يخدُم ذلك الأمير كأنَّه مملوكه، ثم قال الأميرُ للذي أسرهما: نفِّذْ غلمانك إلى أهلي ليفتَكُّوني بمال. فقال: فابعث معهم غلامَك هذا ليدُلَّهم، فبعثه ونجا علاء الدين بهذه الحيلة، وقَدِمَ، فإذا أخوه علي شاه نائبه على خراسان قد هم بالسلطنة، ففزع منه، فهرب خوارزم شاه إلى غياث الدين محمود، فبالغ في إكرامه. لما سلَّم خوارزم شاه هراة إلى خاله "أمير ملك" سنة 605، وسار إلى خوارزم، أمره أن يقصد غياث الدين محمود بن غياث، وأن يقبِضَ عليه وعلى أخيه علي شاه بن خوارزم شاه، ويأخذ فيروزكوه من غياث الدين، فسار أميرُ ملك إلى فيروزكوه، وبلغ ذلك إلى محمود، فأرسل يبذُلُ الطاعة ويطلُب الأمان، فأعطاه ذلك، فنزل إليه محمود، فقبض عليه أمير ملك، وعلى علي شاه أخي خوارزم شاه، فسألاه أن يحمِلَهما إلى خوارزم شاه ليرى فيهما رأيَه، فأرسل إلى خوارزم شاه يعرفه الخبَرَ، فأمره بقتلِهما، فقُتلا في يوم واحد معا بغيًا وعدوانًا، واستقامت خراسان كلها لخوارزم شاه، وغياث الدين محمود هو آخر ملوك الغورية، وقد كانت دولتُهم من أحسن الدول سيرةً، وأعدَلِها وأكثَرِها جهادًا.
هو المَلِكُ القاهر عزُّ الدين مسعود بن أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي بن آقسنقر، صاحِبُ الموصل، توفِّيَ ليلة الاثنين لثلاثٍ بقِينَ من شهر ربيع الأول، وكانت ولايتُه سبع سنين وتسعة أشهر، وكان سبب موته أنَّه أخذته حمى، ثم فارقته الغد، وبقي يومينِ موعوكًا، ثم عاودته الحُمَّى مع قيءٍ كثير، وكربٍ شديد، وقلق متتابعٍ، ثم برد بدَنُه، وعَرقَ، وبَقِيَ كذلك إلى وسط الليل، ثم توفِّيَ، وقيل مات مسمومًا، وكان لما حضرته الوفاة أوصى بالملك لولدِه الأكبر نور الدين أرسلان شاه، وعُمُره حينئذ نحو عشر سنين، وجعل الوصيَّ عليه والمدبِّر لدولته بدر الدين لؤلؤًا، وهو الذي كان يتولى دولة القاهر ودولة أبيه نور الدين قبله، فلما قضى نحبَه قام بدر الدين بأمر نور الدين، وأجلسه في مملكةِ أبيه، وأرسل إلى الخليفةِ يطلب له التقليدَ والتشريف، وأرسل إلى الملوك، وأصحاب الأطراف المجاورين لهم، يطلبُ منهم تجديد العهد لنور الدين على القاعدةِ التي كانت بينهم وبين أبيه، فلم يصبِحْ إلَّا وقد فرغ من كل ما يحتاج إليه، وجلس للعزاء، وحَلَف الجند والرعايا، وضبط المملكة، وبعد أيامٍ وصل التقليد من الخليفة لنور الدين بالولاية، ولبدر الدين بالنظرِ في أمر دولته، والتشريفات لهما أيضًا، وأتتهما رسلُ الملوك بالتعزية، وبذل ما طلب منهم من العهود، واستقَرَّت القواعد لهما. ثم تغلب بدر الدين لؤلؤ على الموصِلِ، وملكها 40 سنة، وكان من قبلُ نائبًا بها ثم استَقَلَّ بالسلطنة وتلَقَّب بالملك الرَّحيم.
أول هذه السنة وصلت سرية للريِّ من التتر من عند مَلكِهم جنكيزخان، وهؤلاء غيرُ الطائفة الغربية، وكان من سَلِمَ من أهلها قد عادوا إليها وعَمَروها، فلم يشعروا بالتتر إلا وقد وصلوا إليها، فلم يمتَنِعوا عنهم، فوضعوا في أهلها السيفَ وقتلوهم كيف شاؤوا، ونهبوا البلد وخَرَّبوه، وساروا إلى ساوة ففعلوا بها كذلك، ثمَّ إلى قم وقاشان، وكانتا قد سَلِمَتا من التتر أولًا، فإنَّهم لم يقربوهما، ولا أصاب أهلَهما أذًى، فأتاهما هؤلاء وملكوهما، وقتلوا أهلَهما، وخَرَّبوها، وألحقوهما بغيرِهما من البلاد الخراب، ثم ساروا في البلادِ يُخرِبون ويقتلون وينهَبون، ثم قصدوا همذان، وكان قد اجتمع بها كثيرٌ ممن سَلِمَ من أهلها، فأبادوهم قتلًا وأسرًا ونهبًا، وخرَّبوا البلد، وكانوا لَمَّا وصلوا إلى الريِّ رأوا بها عسكرًا كثيرًا من الخوارزمية، فكَبَسوهم وقتلوا منهم، وانهزم الباقون إلى أذربيجان، فنزلوا بأطرافِها، فلم يَشعُروا إلا والتترُ أيضًا قد كبسوهم ووضعوا السيفَ فيهم، فولوا منهزمين، فوصل طائفةٌ منهم إلى تبريز، وأرسلوا إلى صاحِبِها أوزبك بن البهلوان يقولون: إن كنتَ موافِقَنا فسَلِّمْ إلينا من عندك من الخوارزمية، وإلا فعرفنا أنك غير موافقٍ لنا، ولا في طاعتِنا، فعمد إلى من عنده من الخوارزمية فقتل بعضَهم وأسر بعضهم، وحمل الأسرى والرؤوس إلى التتر، وأنفذ معها من الأموال والثياب والدواب شيئًا كثيرًا، فعادوا عن بلاده نحو خراسان، فعلوا هذا وليسوا في كثرة، كانوا نحو ثلاثة آلاف فارس، وكان الخوارزمية الذين انهزموا منهم نحو ستة آلاف راجل، وعسكر أوزبك أكثرُ من الجميع، ومع هذا فلم يحَدِّثْ نَفسَه ولا الخوارزمية بالامتناع منهم.
بعد اغتيالِ سيف الدين قطز حار الأمراءُ فيما بينهم فيمن يوَلُّون المُلك، وصار كل واحد منهم يخشى غائلة ذلك، وأن يصيبه ما أصاب غيرَه سريعًا، فاتفقت كلمتُهم على أن بايعوا بيبرس البندقداري، ولم يكن هو مِن أكابِرِ المقَدَّمين، ولكن أرادوا أن يجرِّبوا فيه، ولقَّبَوه الملك الظاهِرَ، فجلس على سريرِ المملكة وحكمه، ودقت البشائِرُ وضُرِبَت الطبول والبوقات, وزعقت الشاووشية بين يديه، وكان يومًا مشهودًا ثم دخل مصرَ والعساكرُ في خدمته، فدخل قلعةَ الجبل وجلَسَ على كرسِيِّها، فحكَمَ وعدل، وقطع ووصل، وولَّى وعزل، وكان شهمًا شجاعًا, وكان أولًا لَقَّب نفسه بالملك القاهر، فقال له الوزير: إن هذا اللَّقَب لا يُفلِحُ من يلَقَّب به، تلقَّبَ به القاهرَ بن المعتمد فلم تطل أيامه حتى خُلِعَ وسُمِلَت عيناه، ولقب به القاهِرُ صاحب الموصل فسُمَّ فمات، فعدل عنه حينئذ إلى الملك الظاهر، ثم شرع في مَسكِ من يرى في نفسه رئاسةً مِن أكابر الأمراء حتى مهَّد المُلكَ لنَفسِه، ويُذكَرُ أن مولد بيبرس كان بصحراء القِبجاق, والقبجاق قبيلة عظيمة في الترك، وهو بكسر القاف وسكون الباء ثانية الحروف، أما بيبرس بسكون الياء المثناة من تحتها ثم فتح الباء الموحدة وسكون الراء والسين المهملتين ومعناه باللغة التركية: أمير فهد. أُخذ بيبرس من بلادِه وبِيعَ بدمشق للعِمادِ الصائغ، ثم اشتراه الأميرُ علاء الدين أيدكين الصالحي البندقداري وبه سمي البندقداري، ثم صادره منه المَلِكُ الصالح نجم الدين الأيوبي ثم أعتَقَه وجعله من جملةِ مماليكِه، وقَدَّمَه على طائفة الجمدارية- الجمدار حامِلُ ملابس السلطانِ- لِما رأى من فِطنتِه وذكائِه.
هو الأميرُ أبو عبد الله محمد بن يحيى بن عبد الواحد بن عمر الأمير المستنصر بن الأمير أبي زكرياء الهنتاتي البربري، الموحدي، ولي أبوه يحيى مدة ومات سنة 647 وهما بربريان من أتباع دولة الموحدين صاحبا تونس وأجل ملوكِ الغرب في زمانهما، كان جدُّه الشيخ الهنتاتي من العشرة خواص ابن تومرت، وكان محمد ملكًا مدبِّرًا شجاعًا، عاليَ الهمة، سائسًا، متحيلًا على بلوغ مقاصده، مقتحمًا للأخطار، كريمًا جوادًا، ذا غرام بالعمارات واللذات، تُزَفُّ إليه كلَّ ليلة جارية، وكان وليَّ عهد أبيه واتفق موت أبيه وهو غائبٌ عن تونس، يعني أبا عبد الله، فساق إليها على بغل في خمسة أيام ومات البغلُ وأسرع خوفًا مِن عَمَّيه، ثم لما تمكَّن قَتَلَ عمَّيه وأنفق في العرب الأموالَ واستخدمهم. أباد جماعة من الخوارج ظفر بجماعةٍ مِن أعيانهم وسجَنَهم، ثم أهلكَهم ببناء قبة عمل أساسها من ملحٍ وحبسهم بها، ثم أرسل الماء على أساسِها، فانردمت عليهم, وكانت أسلحةُ الجيش كلُّها في خزائنه، فإذا وقع أمرٌ أخرَجَها وفَرَّقَها عليهم وإذا فرغ من الحَربِ أعادها إلى الخزائن. ولم يكن لجنده إقطاع، بل يجمَعُ ارتفاع البلاد، فيأخذ لنفسِه الربعَ والثمُنَ ويُنفِقُ ما بقي فيهم في كلِّ عام أربع نفقات، توفي في أواخر هذه السنة وسَبَبُ موته أنه خرج إلى الصيد وحصل له من كثرةِ الحركة انزعاج وتغير مزاج، وزاد به الألم، فعاد إلى المدينة وهو ضعيف، فبقي على ذلك مدة أيام إلى أن توفي، وله من العمر اثنان وخمسون سنة.
توجَّه الأميرُ حُسام الدين طرنطاي نائبُ السُّلطة على عسكرٍ كثيرٍ لقتالِ الأمير شمسِ الدين سنقر الأشقر بصهيون، وسَبَبُ ذلك أنَّ السُّلطانَ لَمَّا نازَل المرقب وهي بالقربِ من صهيون، لم يحضُرْ إليه سنقر الأشقر، وبعث إليه ابنَه ناصرَ الدين صمغار، فأسَرَّها السلطانُ في نفسِه، ولم يمكِّنْ صمغار من العودِ إلى أبيه وحَمَله معه إلى مصر، واستمَرَّ الحالُ على ذلك حتى هذه السنة، فسار طرنطاي ونازل صهيونَ حتى بعث الأشقر يطلُبُ الأمانَ فأمَّنَه، ونزل سنقر إليه ليسَلِّمَ الحصن، فخرج طرنطاي إلى لقائِه ماشيًا، فنزل سنقر عندما رآه وتعانقا، وسار سنقر إلى مخيم طرنطاي، وقد خلع طرنطاي قباءَه وفَرَشه على الأرض ليمشيَ عليه سنقر، فرفع سنقر القباءَ عن الأرض وقَبَّله ثمَّ لَبِسَه، فأعظم طرنطاي ذلك من فِعلِ سنقر، وشَقَّ عليه وخَجِلَ، وأخذ يعامل سنقر من الخدمة بأتمِّ ما يكون، وتسَلَّمَ طرنطاي حصن صهيون، ورتَّبَ فيه نائبًا وواليًا وأقام به رجالًا، بعد ما أنفق في تلك المدَّة أربعَمائة ألف درهم في العسكر الذي معه، فعتب عليه السلطانُ، ثم سار طرنطاي إلى مصر ومعه سنقر الأشقر حتى قَرُب من القاهرة، فنزل السلطان من قلعة الجبل، وهو وابنُه الملك الصالح علي، وابنُه الملك الأشرف خليل، وأولاد الملك الظاهر، في جميعِ العساكر إلى لقاءِ سنقر الأشقر، وعاد به إلى القلعةِ، وبعث إليه الخِلَع والثيابَ وحوائِصَ الذَّهَب والتُّحَف والخيولَ، وأنعم عليه بإمرةِ مائة فارس وقَدَّمَه على ألف، فلازم سنقر الخِدمةَ مع الأمراءِ إلى سابع عِشْرِي شهر رجب، وخرج السلطان من قلعة الجبل سائرًا إلى الشام، فأقام بتل العجول ظاهِرَ غَزَّة.
في يومِ الأربعاءِ حادي عشر المحرم خُلِعَ المَلِكُ النَّاصِرُ بن قلاوون، وكانت أيَّامُه سَنةً واحدةً تَنقُصُ ثلاثةَ أيام، لم يكن له فيها أمرٌ ولا نهيٌ، بل كل ذلك بيَدِ السلطان الملك العادل زين الدين كتبغا المنصوري الذي كان في مُدَّة سلطنة الملك الناصِرِ هو القائِمَ بجميع أمور الدولة، وليس للناصرِ معه تصرفٌ البتة، ثمَّ إنه أخذ في أسباب السُّلطةِ بعد قتل الشجاعيِّ المنافِسِ الأوَّل لكتبغا، ولَمَّا دخل المحرم انقطع في دارِ النيابة وأظهَرَ أنَّه ضعيفُ البَدَنِ، وباطِنُ أمْرِه أنه يريد أن يقَرِّرَ أمورَه في السَّلطنةِ، فخرج إليه الناصِرُ وعاده، فلما كانت فتنةُ المماليك، جلس في صباحِ تلك الليلة بدارِ النيابة وجمَعَ الأمراء وقال لهم: قد انخرق ناموسُ المملكة، والحُرمةُ لا تتِمُّ بسَلطنةِ الناصِرِ لِصِغَرِ سِنِّه، فاتَّفَقوا على خَلعِه وإقامة كتبغا مكانه، وحلفُوا له على ذلك، وقَدِمَ إليه فرس النوبة بالرَّقَبة الملوكية، ورَكِبَ من دار النيابة قبل أذان العصرِ من يوم الأربعاء حادي عشر المحرم، ودخل من باب القلعةِ إلى دار السلطانيَّة، والأمراء مشاةٌ بين يديه حتى جلس على التخت بأبَّهة الملك، وتلقَّب بالملك العادل، ويُذكَرُ أن أصله من التتار من سَبْيِ وَقعةِ حمص الأولى التي كانت في سنة 659 أيَّام الملك الظاهرِ بيبرس بعد وقعة عين جالوت، وكان من الغويرانية، وهم طائفةٌ من التَّتر, فأخذه الملكُ المنصورُ قلاوون وأدَّبَه ثم أعتَقَه، وجعَلَه من جملة مماليكِه، ورقَّاه حتى صار من أكابِرِ أمرائه. وهو من خيارِ الأمراء وأجوَدِهم سيرةً ومَعدلةً، وقصدًا في نصرةِ الإسلامِ.
هو تاجُ الدين الشيخُ حسن بزرك بن حسين بن أقبغا بن أيلكان التتري، سِبطُ أرغون بن أبغا بن هولاكو بن طولون بن جنكيزخان ملك التتار صاحب " الياسق " والأحكام التركية، وهو والِدُ أويس، وكان يقال له حسن الكبير؛ تمييزًا له عن حسن بن تمرتاش, وهو أوَّلُ حُكَّام آل جلائر, كان حَسَنٌ الكبير زوجَ خاتون بغداد بنت الجوبان، فلم يزل بوسعيد إلى أن طلقها وأخذها منه قهرًا وأبعده، فلما مات بوسعيد عاد فمَلَك بغداد وأقام بها وجرت له مع التتارِ حروبٌ كثيرة ومع أولاد تمرتاش النصر فيها, ووقع في ولايته على بغداد الغلاءُ المفرط حتى بيع الخبزُ بصنج الدراهم، ونزح الناس عن بغداد، وقام هو بالمُلكِ أحسَنَ قيامٍ، ونشر العدل إلى أن تراجعَ الناس إليها، ولما كان في سنة 749 توجَّهَ إلى تُستَر ليأخُذَ من أهلها قطيعةً قَرَّرها عليهم فأخذها وعاد فوجد نوَّابه في بغداد قد وجدوا في رواق الغزر ببغداد ثلاثة قدورٍ مثل قدور الهريسة طول كل جبٍّ منها نحو ذراعين ونصف، والثلاثة مملوءة ذهبًا مِصريًّا وصوريا ويوسيفا وفي بعض سكة الناصر البغدادي، فيقال: جاء وزن ذلك أربعين قنطارًا بالبغدادي، ومات الشيخ حسن في سنة 757 وكان سياسيًّا وحكيمًا، فلم يُعلِنْ نَفسَه سلطانًا في العراق بل أعلن ولاءه لسلطان المماليك في مصر؛ لِيَضمَنَ حمايتَهم له من أي عدوان قد يتعرض له من المغول المجاورين لدولته من جهة الشرق، وكانت مدته سبع عشرة سنة، ثم قام بالأمر بعده ابنُه أويس بهادر خان خلفًا له.
في ثاني ذي القعدة ورد البريدُ من حلب ودمشق بأن ألقان أحمد بن أويس صاحب بغداد، لما توجه إلى بغداد واستولى عليها، كان لقرا يوسف في مساعدته أثر كبير؛ فعندما تمكَّن قَبَض على كثير من أمراء دولته وقتَلَهم، وأكثَرَ من مصادرات أهل بغداد وأخذ أموالهم، فثار عليه من بقي من الأمراء، وأخرجوه منها، وكاتبوا صاحب شيراز أن يحضرَ إليهم، فلحق ابن أويس بقرا يوسف بن قرا محمد التركماني صاحب الموصل، واستنجد به، فسار معه إليها، فخرج أهل بغداد وكسروهما بعد حروب، فانهزما إلى شاطئ الفرات، وبعثا يسألان نائب حلب أن يستأذن السلطان في نزولهما بالشام، وأن الأمير دمرداش استدعى الأمير دقماق نائب حماة إلى حلب، وخرجا في عسكر جريدة يبلغ عددهم الألف، وكبسا ابن أويس وقرا يوسف، وهما في نحو سبعة آلاف فارس، فاقتتلا قتالًا شديدًا في يوم الجمعة رابع عشرين شوال، قتل فيه الأمير جاني بلث اليحياوي أتابك حلب، وأُسِر دقماق نائب حماة، وانهزم دمرداش نائب حلب، وصار إلى حلب ولحقه بعد أن افتَكَّ نفسه بمائة ألف درهم وَعَدَ بها، وأن سودون بن واده -القادم من مصر إلى حلب بالبشارة بقدوم السلطان إلى مصر سالِمًا- بعث المائة ألف إليهما مبعثًا إليه: إنَّا لم نأت محاربين وإنما جئنا مستجيرين، ومستنجدين بسلطان مصر، فحاربنا هؤلاء فدفَعْنا عن أنفسنا، فكتب إلى نائب الشام بمسير عساكر الشام جميعًا، وأخذ ابن أويس وقرا يوسف وإرسالهما إلى مصر.
كان رحيل تيمورلنك عن دمشق في يوم السبت ثالث شعبان من هذه السنة واجتاز على حلب وفعل بها ما قدر عليه ثانيًا، ثم سار منها حتى نزل على ماردين يوم الاثنين عاشر شهر رمضان من السنة، ووقع له بها أمور، ثم رحل عنها، وأوهم أنه يريد سمرقند، يورِّي بذلك عن بغداد، وكان السلطان أحمد بن أويس قد استناب ببغداد أميرًا يقال له فرج، وتوجَّه هو وقرا يوسف نحو بلاد الروم، فندب تيمور على حين غفلة أمير زاده رستم ومعه عشرون ألفًا لأخذِ بغداد، ثم تبعه بمن بقي معه ونزل على بغداد، وحصرها حتى أخذها عنوةً في يوم عيد النحر من السنة، ووضع السيف في أهل بغداد، لما استولى على بغداد ألزم جميعَ من معه أن يأتيَه كل واحد منهم برأسين من رؤوس أهل بغداد؛ فوقع القتل في أهل بغداد وأعمالها، حتى سالت الدماء أنهارًا، حتى أتوه بما أراد، فبنى من هذه الرؤوس مائة وعشرين مِئذنة، فكانت عدة من قُتِل في هذا اليوم من أهل بغداد تقريبًا مائة ألف إنسان, وقيل: تسعين ألف إنسان، وهذا سوى من قُتِل في أيام الحصار، وسوى من قُتِل في يوم دخول تيمور إلى بغداد، وسوى من ألقى نفسَه في نهر دجلة فغرق، وهو أكثر من ذلك! قال: وكان الرجل المرسوم له بإحضار رأسين إذا عجز عن رأس رجل قطع رأس امرأةٍ من النساء وأزال شعرَها وأحضرها، قال: وكان بعضُهم يقِفُ بالطرقات ويصطاد من مَرَّ به ويقطع رأسَه، ثم رحل تيمور عن بغداد وسار حتى نزل قراباغ بعد أن جعلها دكًّا خرابًا.
هو العلامة الفقيه المحدث القاضي الشاعر الأديب قاضي القضاة محبُّ الدّين أبو الوليد محمد بن محمد بن محمود بن غازي ابن أيوب بن الشِّحنة محمود، والشِّحنة جدُّه الأعلى محمود، الشهير بابن الشِّحنة التُّركي الأصل الحلبي الحنفي، وأسرة آل الشحنة المشهورين بحلب من قبيلة ثقيف، وظهر منهم علماء أجلاء. ولد أبو الوليد سنة 749، وحفظ القرآن العظيم وعدة متون، وتفقَّه وبرع في الفقه، والأصول، والنحو، والأدب، وأفتى ودرّس، وتولى قضاء قضاة الحنفية بحلب، ثم دمشق، إلى أن قبض عليه الظَّاهر برقوق، وقدم به إلى القاهرة، ثم أُفرِجَ عنه ورجع إلى حلب، فأقام بها إلى أن قبض عليه الملك الناصر فرج سنة 813 لقيامه مع جماعةٍ على الناصر، ثم أفرج عنه فقدمَ القاهرة، ثم عاد إلى دمشق بصحبة الملك الناصر سنة أربع عشرة، فلما انكسر الناصر وحوصر بدمشق ولَّاه قضاء الحنفية بالقاهرة، فلم يتمَّ؛ لأنه لما أزيلت دولة الناصر أعيد ابن العديم لقضاء الدِّيار المصرية، واستقرَّ ابن الشِّحنة في قضاء حلب ودرس بدمشق. قال ابن حجر: "كان كثير الدعوى والاستحضار، عالي الهمَّة، وعمل تاريخًا لطيفًا فيه أوهام عديدة، وله نظم فائق وخط رائق" له ألفية رجز تشتمل على عشرة علوم، وألفية اختصر فيها منظومة النَّسَفي وضم إليها مذهب أحمد. وله تآليف أخرى في الفقه، والأصول، والتفسير. توفي بحلب يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الآخر. ومحب الدين هو والد أبي الفضل
أخذ الأميرُ صارم الدين إبراهيم بن رمضان طرسوس, وصيَّرها في طاعة السلطان المؤيد، ولكنه لم يسلِّمْها، بل جعل الخطبة للسلطان، وفي هذه السنة قدم الأمير إبراهيم بن رمضان، وابن عمه حمزة بن أحمد بن رمضان، وسائر أمراء التركمان الأوحقية، في جمع كبير، ومعهم أم إبراهيم بن رمضان، وأولاده الصغار في خمسمائة من أمرائه وأقاربه وأزلامه، فقام السلطان لهم، وخلع على إبراهيم وعلى أخيه، وحلف التركمان على الطاعة، وخلع عليهم نحوًا من مائتي خِلعة، وألبس إبراهيم بن رمضان الكلوتة، وأنعم عليه، وعلى جماعته، ثم تقرر الحال على أن الأمير قجقار نائب حلب يتوجَّه بمن معه إلى مدينة طرسوس، ويسير السلطان على جهة مرعش إلى الأبلستين، ويتوجه مصلح الدين إلى ابن قرمان بجوابه، ويعود في مستهل جمادى الأولى بتسليم طرسوس، فسار مصلح الدين صحبة نائب حلب إلى طرسوس، وكان الأمير قجقار نائب حلب لما توجه إلى طرسوس، قدم بين يديه إليها الأمير شاهين الأيدكاري متولي نيابة السلطة بها، وقد بعث ابن قرمان نجدة إلى نائبه بطرسوس الأمير مقبل القرماني، فلما بلغ مقبل مسير عساكر السلطان إليه، رحل من طرسوس وبعث إلى شاهين الأيدكاري يخبره برحيله، فدخل شاهين طرسوس وقد امتنع مقبل بقلعتها، فنزل الأمير قجقار والأمير شاهين عليها، وكتب إلى السلطان بذلك، ثم في شهر رجب في السادس والعشرين كملت عمارة القصر بقلعة حلب، وجلس فيه السلطان واستدعى مقبل القرماني ورفاقه، وضربه ضربًا مبَرِّحًا، ثم صُلِبَ هو ومن معه.
لما رأى فرديناند الخامس ملك قشتالة أن المسلمين قد عجزوا عن أخذ الحامة ونصرة من فيها من الأسارى، وقع له الطمع في بلاد الأندلس، فأخذ في الاستعداد والخروج إليها. طلب فرديناند الخامس من أبي عبد الله محمد بن سعد الملقب بالزغل أمير مالقة إمضاء معاهدة يكون فيها أمير مالقة تابعًا لقشتالة، فرفض ذلك أمير مالقة، فقام ملك قشتالة بإعلان الحرب عليه, فلما كان جمادى الأولى من هذا العام خرج ملك قشتالة بحملة عظيمة، وقصد مدينة لوشة فنزل عليها بحملته، وكان قد اجتمع فيها جملة من نجدة رجال غرناطة حين سمعوا بخروجه إليها فلما قرب من البلد خرج إليه الرجال والفرسان فقاتلوه قتالًا شديدًا وردوه على أعقابه وقتلوا كثيرًا من النصارى وأخذوا لهم من تلك العدة التي قربوا بها من النفط وغيره من عدة الحرب، ثم إن الأمير أبا الحسن علي بن سعد أمدهم بقائد من غرناطة يقود جيشًا من الفرسان في تلك الليلة فاشتدت عند ذلك عصبة المسلمين وقويت قلوبهم فلما أصبح الصباح ورأى النصارى الزيادة في جيش المسلمين مع ما نالهم من أول الليل من الهزيمة والقتل وأخذ العدة، داخَلَهم الرعب واشتد خوفهم فأخذوا في الارتحال عنهم، فخرج إليهم المسلمون فقاتلوهم قتالًا شديدًا، فانهزم النصارى وتركوا كثيرًا من أخبيتهم وأمتعتهم وأطعمتهم وآلة حربهم، وتركوا من الدقيق شيئًا كثيرًا فاحتوى المسلمون على جميع ذلك كله وانصرف العدو مهزومًا مفلولًا إلى بلده، ففرح المسلمون بذلك فرحًا عظيمًا، وكان ذلك في السابع والعشرين من جمادى الأولى.