قال خالدُ بنُ الوليدِ: لمَّا أراد الله عزَّ وجلَّ ما أَراد مِنَ الخيرِ قذَف في قلبي الإسلامَ وحضَرني رُشدي, وقلتُ قد شَهِدتُ هذه المواطِنَ كُلَّها على محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم فليس مَوطنٌ أَشهدُه إلَّا أَنصرِفُ وأنا أَرى في نَفْسي أنِّي في غيرِ شيءٍ وأنَّ محمَّدًا سيَظهرُ، فلمَّا خرَج رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الحُديبيةِ خَرجتُ في خيلِ المشركين فقمتُ بإزائِه في عُسْفانَ وتَعرَّضتُ له، فصلَّى بأصحابِه الظُّهرَ أمامَنا فهَمَمْنا أن نُغِيرَ عليه فلم نُمَكَّنْ منه, فصلَّى بأصحابِه صلاةَ العَصرِ صلاةَ الخَوفِ فوقع ذلك مِنَّا مَوقِعًا، وقلتُ: الرَّجلُ ممنوعٌ. فافْتَرقنا, فلمَّا صالح قُريشًا بالحُديبيةِ, ثمَّ دخَل رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم مكَّةَ في عُمرَةِ القَضاءِ طَلبَني فلم يَجِدْني، وكتَب إليَّ كِتابًا فيه: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم أمَّا بعدُ، فإنِّي لم أَرَ أَعجبَ مِن ذِهابِ رَأيكِ عنِ الإسلامِ وعَقلِكَ, ومِثلُ الإسلامِ يَجهلُه أَحدٌ؟. ثمَّ سأل عَنِّي, فقِيلَ: له يأتي الله به. فقال: ما مِثلُه جَهِلَ الإسلامَ, ولو كان يجعل نِكايتَهُ مع المسلمين على المشركين كان خيرًا له، ولَقَدَّمْناهُ على غَيرِه. فلما جاءَني كِتابُه نَشَطْتُ للخُروجِ، وزادني رَغبةً في الإسلامِ، وسَرَّني سُؤالُه عَنِّي, فلمَّا أَجمعتُ الخُروجَ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لَقِىيتُ عُثمانَ بنَ طلحةَ فعَرضتُ عليه الإسلامَ فأَسرعَ الإجابةَ، فخرج معي حتى انتهينا إلى الهَدةِ فوَجدْنا عَمرَو بنَ العاصِ بها, فقال: مرحبًا بالقومِ. فقُلنا: وبِكَ. قال: إلى أين مَسيرُكُم؟ قُلنا: الدُّخولُ في الإسلامِ، واتِّباعُ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم. فقال: وذاك الذي أَقدَمني. فاصْطحَبْنا جميعًا حتَّى دخَلنا المدينةَ, فلَبِسْتُ مِن صالحِ ثِيابي ثمَّ عَمدتُ إلى رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم, وقد أُخبِرَ بِنا فَسُرَّ بقُدومِنا, فما زال يَتَبَسَّمُ حين رآني حتَّى وَقفتُ عليه، فسَلَّمتُ عليه بالنُّبُوَّةِ فرَدَّ عليَّ السَّلامَ بوَجْهٍ طَلْقٍ، فقلتُ: إنِّي أَشهدُ أن لا إلَه إلَّا الله، وأنَّك رسولُ الله. فقال الحمدُ لله الذي هَداك، قد كنتُ أَرى لك عَقلًا رَجَوْتُ أن لا يُسْلِمَكَ إلَّا إلى خيرٍ. قلتُ: يا رسولَ الله قد رأيتَ ما كنتُ أشهدُ مِن تلك المواطنِ عليك، فادعُ الله يَغفِرُها لي. فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: الإسلامُ يَجُبُّ ما كان قَبلَهُ.
سُمِّيَتْ حَجَّةَ الوَداعِ؛ لأنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وَدَّعَ النَّاسَ فيها، ولم يَحُجَّ بعدَها، وسُمِّيَتْ حَجَّةَ الإسلامِ؛ لأنَّه عليه السَّلامُ لم يَحُجَّ مِنَ المدينةِ غيرَها، وسُمِّيَتْ حَجَّةَ البَلاغِ؛ لأنَّه عليه السَّلامُ بلَّغَ النَّاسَ شَرْعَ الله في الحَجِّ قَولًا وفِعلًا، ولم يكنْ بَقِيَ مِن دَعائِمِ الإسلامِ وقَواعِدِهِ شيءٌ إلَّا وقد بيَّنَهُ عليه السَّلامُ، فلمَّا بيَّنَ لهم شَريعَةَ الحَجِّ ووَضَّحَهُ وشَرحَهُ أَنزلَ الله عزَّ وجلَّ عليه وهو واقِفٌ بِعَرفةَ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]. وعندما أَعلنَ الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم عَزمَهُ على الحَجِّ في هذا العامِ قَدِمَ المدينةَ بَشَرٌ كَثيرٌ، كُلُّهُم يَلتَمِسُ أن يَأْتَمَّ بِرسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ويَعملَ مِثلَ عَملِهِ. وخرَج مِنَ المدينةِ لِخمسٍ بَقِينَ مِن ذي القَعدةِ. وقد وقعَت للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في مَسيرِهِ هذا ورُجوعِهِ أَحداثٌ كَثيرةٌ.
مُنِعَ أهلُ الكرخ في بغداد من النَّوحِ وفِعلِ ما جَرَت عادتُهم بفعله يومَ عاشوراء، فلم يَقبَلوا وفعلوا ذلك، فجرى بينهم وبين السُّنَّة فِتنةٌ عظيمة قُتِلَ فيها وجُرِحَ كثيرٌ من الناس، ولم ينفَصِل الشَّرُّ بينهم حتى عبَرَ الأتراك وضربوا خيامَهم عندهم، فكَفُّوا حينئذ، ثم شرع أهلُ الكرخ في بناء سورٍ على الكرخ، فلمَّا رآهم السنَّةُ من القلَّائين – صَنعَتُهم القَليُ- ومَن يجري مجراهم، شرعوا في بناءِ سُورٍ على سوق القلَّائين، وأخرج الطائِفتانِ في العمارةِ مالًا جليلًا، وجَرَت بينهما فِتَنٌ كثيرة، وبَطَلَت الأسواق، وزاد الشَّرُّ، حتى انتقل كثيرٌ من الجانب الغربي إلى الجانِبِ الشرقيِّ فأقاموا به، وتقدَّمَ الخليفة إلى أبي مُحمَّد بن النسوي بالعبور وإصلاحِ الحالِ وكفِّ الشَّرِّ، فسَمِعَ أهل الجانب الغربي ذلك، فاجتمع السُّنَّةُ والشيعة على المنعِ منه، وأَذَّنوا في القلَّائينَ وغيرِها بحيَّ على خيرِ العمل، وأَذَّنوا في الكرخ الصلاةُ خَيرٌ من النوم، وأظهروا الترَحُّمَ على الصحابةِ.
هو جمالُ الدين أبو محمَّدٍ عبدُ اللهِ بنُ يوسُفَ بنِ أحمد بن هشام الأنصاري الحنبلي النحويُّ. وُلِدَ وتوفِّيَ بمصر, كان بارعًا في عدة علوم، لا سيما العربية؛ فإنه كان فارِسَها ومالِكَ زِمامِها، وعُدَّ مِن كبار أئمَّةِ النحو، وله فيه الأبحاث العجيبة، والنكات الغريبة، والأنظار الدقيقة، حتى قيل عنه: أنحى مِن سيبويه, وهو صاحِبُ الشَّرحِ على ألفية ابن مالك في النحو، المسمى أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، وشرح أيضًا البردة، وشرح بانت سعاد، وكتاب المغني، وله شذور الذهب في معرفة كلام العرب، وله قَطْر الندى وبَلُّ الصَّدى، والإعراب وقواعد الإعراب، وغير ذلك، وكان أولًا حنفيًّا ثم استقَرَّ حنبليًّا وتنَزَّل في دروس الحنابلة. توفِّيَ في ليلة الخامس من ذي القعدة، ومات عن بضعٍ وخمسين سنة، ودفن بعد صلاة الجمعة بمقابر الصوفيَّة خارج باب النصر من القاهرة.
حصل في السماء تغييرٌ عند طلوع الشمس وعند غروبها؛ ففي آخر صفر ليلة خمس وعشرين وست وعشرين منه، صار في السماء والأرض نورٌ قريبٌ من نور القمر، واستمَرَّ إلى آخر الشهر، فلما كان سابع ربيع الأول صار قَترٌ في السماء وتغيرت الشمسُ، وفي أول العشر الأواخر من هذا الشهر ظهرت الشمسُ مِن المشرق خضراءَ كأنَّها قطعةُ زجاج وصارت تلك الخُضرةُ في الجدران والأرض، وحسبها الناس كسوفًا! وفي هذا الشهر صار في الأُفقِ حُمرةٌ زائدة بعد غروب الشمس وقبل طلوعها، واستمَرَّ أيامًا، وشوهِدَ قبل انفلاق الصبح حمرةٌ بادية من جهة الشمال ليس من جهة الفجر نحو ثلاثة أيام، وفي النصف من هذا الشهر بعد صلاة المغرب ظهر من الأفق حمرةٌ عظيمة من جهة الجَدْي، ثم سارت إلى المغرب وأضاءت الأرض والجدران، واخضرَّت واحمَرَّت، حتى ظن الناسُ أن الشمس لم تغرب. وفي ربيعٍ الثاني في أوله اجتمع من السياراتِ خمسةٌ في برج الأسد (الشمس والقمر، والمريخ وزحل وعطارد).
تُوفِّي الأميرُ بدرُ بن عبد العزيز آل سعود رحمه الله نائبُ رئيسِ الحرسِ الوطنيِّ السعودي السابقُ. وقد شارَك في عددٍ من الوُفود واللِّجان بالمملكة، ورافقَ الملكَ فيصلَ بنَ عبد العزيز في زياراتِه الرسميَّةِ لبعضِ الدُّول العربية والإسلامية. وعُيِّن وَزيرًا للمُواصَلات عامَ (1381هـ-1961م)، وأصدر الملكُ فيصلٌ أمْرَه بتعيينِه نائبًا لرئيس الحرس الوطنيِّ في (3/11/1387هـ) الموافِقِ (1967م). وشارَك في وَضعِ خُطَطِ تطويرِ الحرسِ الوطنيِّ والإشرافِ عليها وتنفيذِها. وللأميرِ مُشاركاتٌ ثقافيةٌ، ورياضيَّةٌ، واجتماعيةٌ أُخرى، سواءٌ رسميةٌ أو خاصةٌ؛ فقد كان نائبًا لرئيس مجلس إدارة نادي الفُروسِيَّة، ورئيسًا للَّجنة العليا للمِهرجان الوطني للتُّراث والثَّقافة، ورئيسَ هيئةِ الإشرافِ على مَجَلَّة الحرس الوطني العسكريَّة. وقد أُقيمت صلاةُ الجنازة عليه بجامِعِ الإمام تركي بن عبد الله بمدينة الرياض.
المَلِك عبد الله بن عبد العزيز آلُ سعود هو الابنُ الثاني عشر من أبناءِ المَلِك عبد العزيز الذُّكور، وهو سادِسُ ملوكِ المملكة العربيَّة السعودية، وأُمُّه هي فَهدَة بنتُ العاصي بن شريم الشمري. وُلِد في عام (1924م) بمدينة الرِّياض، وقد نَشَأ في كَنَفِ والِدِه المَلِك عبد العزيز، واستفاد من مدرسَتِه وتَجارِبه في مجالاتِ الحُكْم والسِّياسةِ والإدارةِ والقيادةِ، عُيِّن قائدًا للحرسِ الوطنيِّ عامَ (1962م). وقام بزيادةِ عدد قوَّاتِ الحرسِ الوطنيِّ وتجهيزِها بأحدثِ الأسلحة. نُصِّب مَلِكًا في يومِ الإثنين (26 جُمادَى الثانية 1426هـ) الموافقِ (1 أغسطس 2005م) خَلَفًا للمَلِك فهد بن عبد العزيز آل سعود. تُوفِّي رحمه الله عن عمر يُناهِز التِّسعين عامًا، ودُفِن في مقبرةِ العود بعد أن صُلِّي عليه في جامِعِ الإمامِ تركي بن عبد الله عَقِبَ صلاةِ العصرِ من يومِ الجمعة.
هو الشيخُ، الإمامُ، القُدوَةُ، المُجتَهِد، شيخُ الإسلامِ، أبو إسحاقَ إبراهيمُ بن عليِّ بن يوسفَ الفيروزاباذي الشِّيرازيُّ، الشافعيُّ، الأشعريُّ, نَزيل بغدادَ، قِيلَ: لَقَبُه جَمالُ الدِّينِ، وُلِدَ سَنةَ 393هـ في قَريةِ فيروزباذ من قُرَى فارس، وقِيلَ: هي مَدينَة خوارزم، وهو شيخُ الشافعيةِ في عَصرِه, ومُدَرِّسُ النِّظاميَّةِ ببغداد، تَفَقَّه بفارس على أبي عبدِ الله البَيضاوي، ثم قدم بغداد سَنةَ خَمس عشرة وأربعمائة، فتَفَقَّه على القاضي أبي الطَّيِّبِ الطَّبريِّ، وبَرَعَ على يَدِه، وصار مُعيدَهُ، وكان يُضرَب المَثَلُ بفَصَاحَتِه وقُوَّةِ مُناظَرتِه. وسَمِعَ الحَديثَ من ابنِ شاذان والبرقاني، وكان عابِدًا وَرِعًا، مُتواضِعًا، ظَريفًا، كَريمًا، جَوَادًا، طَلْقَ الوَجْهِ، دائِمَ البِشْرِ، مَليحَ المُحاوَرَةِ، زاهِدًا، جاءَتهُ الدُّنيا صاغِرةً، فأَبَاهَا، واقتَصرَ على خُشونَةِ العَيْشِ أيامَ حَياتِه. كان كَبيرَ القَدْرِ مُعَظَّمًا مُحتَرمًا إمامًا في الفِقْهِ والأُصولِ والحَديثِ، وفُنونٍ كَثيرةٍ. رَحلَ الناسُ إليه من البلادِ، وقَصَدوهُ، وتَفَرَّدَ بالعِلمِ الوافرِ مع السِّيرَةِ الجَميلةِ، والطَّريقَةِ المَرْضِيَّةِ. قال السَّمعانيُّ: سَمعتُ جَماعةً يقولون: "لمَّا قَدِمَ أبو إسحاقَ نيسابور رَسولًا تَلَقَّوهُ، وحَملَ إمامُ الحَرمَينِ غاشِيَتَهُ، ومَشَى بين يَديِه وقال: أَفتَخِرُ بهذا". وكان عامَّةُ المُدَرِّسِينَ بالعِراقِ والجِبالِ تَلامِذتَهُ وأَتباعَهُ, وكان يُنشِد الأَشعارَ المَلِيحَةَ، ويُورِدُها، ويَحفَظ منها الكَثيرَ. قال محمدُ بن عبدِ المَلِكِ الهمذانيُّ: حَكَى أبي قال: "حَضرتُ مع قاضي القُضاةِ أبي الحَسنِ الماوردي عَزاءً، فتَكلَّم الشيخُ أبو إسحاقَ واجلا وأَجادَ، فلمَّا خَرَجنا، قال الماورديُّ: ما رَأيتُ كأبي إسحاقَ! لو رَآهُ الشافعيُّ لتَجَمَّلَ به" قال خَطيبُ المَوصِل أبو الفضلِ: "حَدَّثنِي أبي قال: تَوجَّهتُ من المَوصِل سَنةً إلى أبي إسحاقَ، فلمَّا حَضرتُ عنده رَحَّبَ بي، وقال: مِن أين أنت؟ فقلتُ: من المَوصِل. قال: مرحبًا أنت بَلدِيِّي. فشاهدتُ من حُسْنِ أَخلاقِه ولَطافَتِه وزُهدِه ما حَبَّبَ إليَّ لُزومَه، فصَحِبتُه إلى أن مات" له مُصنَّفاتٌ كَثيرةٌ نافعةٌ، كـ((المُهَذَّبِ)) في المَذهبِ، و((التنبيه))، و((النكت في الخِلاف))، و((اللمع في أصول الفقه))، و((التبصرة))، و((طبقات الشافعية)) وغيرِ ذلك، تُوفِّي لَيلةَ الأَحدِ الحادي والعشرين في دارِ أبي المُظَفَّرِ ابنِ رَئيسِ الرُّؤساءِ، وغَسَّلَهُ أبو الوَفاءِ بن عقيل الحنبليُّ وصَلَّى عليه ببابِ الفردوس من دارِ الخِلافةِ، وشَهِدَ الصلاةَ عليه المُقتدِي بأَمرِ الله، وتَقدَّم للصلاةِ عليه أبو الفَتحِ المُظفَّر ابنُ رَئيسِ الرُّؤساءِ، ثم صُلِّيَ عليه مَرَّةً ثانيةً بجامعِ القَصرِ، ودُفِنَ ببابِ إبرز في تُربَةٍ مُجاورةٍ للناحيةِ.
هو أَصْحَمَةُ بنُ أَبْجَرَ مَلِكُ الحَبشةِ، والنَّجاشيُّ لَقبٌ له ولمُلوكِ الحَبشةِ، ومَعْنى: أَصْحَمَةَ: عَطِيَّةُ، وقِيلَ: عَطِيَّةُ الله، وقِيلَ: عَطاءٌ.
تَوَلَّى الحُكمَ بعدَ مَوتِ عَمِّهِ، وبعدَ سَنواتٍ مِن حُكمِهِ وانْتِشارِ عَدْلِه أَسلمَ في عَهدِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأَحسنَ إلى المسلمين الذين هاجَروا إلى أَرضِه، قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم لأَصحابِه عن النَّجاشيِّ: لو خَرجتُم إلى أرضِ الحَبشةِ فإنَّ بها مَلِكًا لا يُظْلَمُ عنده أحدٌ، وهي أرضُ صِدْقٍ، حتَّى يَجعلَ الله لكم فَرَجًا. ولمَّا ماتَ صلَّى عليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بالمدينةِ صَلاةَ الغائِبِ، فعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نَعى لهم النَّجاشيَّ صاحِبَ الحَبشةِ، في اليَومِ الذي مات فيه، وقال: «اسْتَغْفِروا لأَخيكُم». وعن جابرٍ رضي الله عنه: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم حين مات النَّجاشيُّ: «مات اليَومَ رَجلٌ صالِحٌ، فقوموا فصَلُّوا على أَخيكُم أَصْحَمَةَ».
بعَث النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أبا بكرٍ أَميرًا على الحَجِّ بعدَ انْسِلاخِ ذي القَعدةِ لِيُقيمَ للمسلمين حَجَّهُم -والنَّاسُ مِن أهلِ الشِّركِ على مَنازِلهم مِن حَجِّهِم- فخرَج أبو بكرٍ رضِي الله عنه ومَن معه مِنَ المسلمين، وقد بعَث عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلِيًّا رضي الله عنه بعدَ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه لِيكونَ معه، ويَتوَلَّى علِيٌّ بِنَفْسِه إبلاغَ البَراءةِ إلى المشركين نِيابَةً عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لِكونِهِ ابنَ عَمِّهِ، مِن عَصَبَتِهِ، قال أبو هُريرةَ: بعَثَني أبو بكرٍ في تلك الحَجَّةِ في مُؤَذِّنين يَومَ النَّحْرِ، نُؤَذِّنُ بمِنًى: أن لا يَحُجَّ بعدَ العامِ مُشركٌ، ولا يَطوفَ بالبيتِ عُريانٌ. قال حُميدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ: ثمَّ أَردَفَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلِيًّا، فأَمَرهُ أن يُؤَذِّنَ ببَراءَة. قال أبو هُريرةَ: فأَذَّنَ مَعَنا علِيٌّ في أهلِ مِنًى يَومَ النَّحْرِ: لا يَحُجُّ بعدَ العامِ مُشرِكٌ، ولا يَطوفُ بالبيتِ عُريانٌ.
أقلعت مراكِبُ من ديار مصر فيها التجار ومعهم الأمتعة الكثيرة؛ لنصرة إخوانهم في الشام، فوقع عليها مراكب الفرنج، فأخذوها وغنموا ما مع التجار وأسروهم، فسار جماعة من أهل حلب إلى بغداد مُستنفِرين على الفرنج. فلما وردوا بغداد اجتمع معهم خلق كثير من الفقهاء وغيرهم فقصدوا جامع السلطان واستغاثوا، ومنعوا من الصلاة وكسروا المنبر، فوعدهم السلطان بإنفاذ العساكر للجهاد، وسيَّر من دار الخلافة منبرًا إلى جامع السلطان. فلما كان الجمعة الثانية قصدوا جامع القصر بدار الخلافة ومعهم أهل بغداد، فمنعهم حاجب الباب من الدخول، فغلبوه على ذلك، ودخلوا الجامع وكسروا شباك المقصورة، وهجموا إلى المنبر فكسروه، وبطلت الجمعة أيضًا، فأرسل الخليفة إلى السلطان في المعنى يأمره بالاهتمام بهذا الفتق ورَتْقِه، فتقدَّم حينئذ إلى من معه من الأمراء بالمسير إلى بلادهم، والتجهُّز للجهاد، وسيَّرَ ولده الملك مسعودًا مع الأمير مودود، صاحب الموصل، وتقدموا إلى الموصل ليلحق بهم الأمراء ويسيروا إلى قتال الفرنج، وانقضت السنة وساروا في سنة خمس وخمسمائة.
تولى الخلافةَ المستعصمُ بالله وهو آخر خلفاء بني العباس ببغداد، وهو الخليفة الذي قتله التتار بأمر هلاكو بن تولي ملك التتار بن جنكيزخان، سنة 656، وآباؤه ثمانية نسقًا وَلُوا الخلافة لم يتخلَّلهم أحد، وهو التاسِعُ، ولما توفي أبوه بكرةَ الجمعة عاشر جمادى الآخرة استدعي هو من التاج يومئذ بعد الصلاة، فبويع بالخلافة، ولقب بالمستعصم بالله، وله من العمر يومئذ ثلاثون سنة وشهور، وقد أتقن في شبيبته تلاوة القرآن حفظًا وتجويدًا، وأتقن العربية والخطَّ الحسن وغير ذلك من الفضائل، وكان مشهورًا بالخير مشكورًا مقتديًا بأبيه المستنصر بالله جهده وطاقتَه، وكان القائمُ بهذه البيعة المستعصمية شرف الدين أبو الفضائل إقبال المستنصري، فبايعه أولًا بنو عمه وأهله من بني العباس، ثم أعيان الدولة من الأمراء والوزراء والقضاة والعلماء والفقهاء ومَن بعدهم من أولي الحَلِّ والعقد والعامة وغيرهم، وجاءت البيعةُ من سائر الجهات والأقطار والبلدان والأمصار، وخُطِب له في سائر البلدان.
لما انهار حكمُ الدولة السعودية على يدِ إبراهيم باشا ودُمِّرَت الدرعية، كَثُر في نجد الاختلافُ والاضطراب ونَهْب الأموال وقَتْل الرجال، وتقدم أناسٌ وتأخَّر آخرون، يقول ابن بشر: "قلتُ: وانحل فيها نظامُ الجماعة والسَّمع والطاعة، وعُدم الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر، حتى لا يستطيعَ أحد أن ينهى عن منكرٍ أو يأمُرَ بطاعةٍ، وعُملَ بالمحرَّمات والمكروهات جهرًا، وليس للطاعاتِ ومَن عَمِلَ بها قَدْرٌ، وجُرَّ الرباب والغناء في المجالس وسُفت الذواري على المجامع والمدارس، وعُمرت المجالس بعد الأذان للصلاة، واندرس معرفةُ الأصول وأنواع العبادات، وسُلَّ سيف الفتنة بين الأنام، وصار الرجل في جوف بيته لا ينامُ، وتعذرت الأسفار بين البلدانِ، وتطاير شَرَرُ الفتن في الأوطان، وظهرت دعوى الجاهلية بين العبادِ، وتنادَوا بها على رؤوس الأشهادِ، فلم تزل هذه المحن على الناس متتابعةً حتى أتاح الله لها نورًا ساطعًا وسيفًا لمن أثار الفتن.. تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود.
تُوفِّي وليُّ العهدِ السُّعودي الأميرُ سلطان بن عبد العزيز آل سعود رحمه الله في نيويورك. وكان الأميرُ سلطان قد غادر المملكةَ إلى الولايات المتحدة للعلاجِ، وصُلِّي عليه بعد صلاةِ العصرِ يومَ الثلاثاء الموافقَ (27 من ذي القَعدة)، في مسجد الإمامِ تركي بن عبد الله بمدينة الرياض. وكان قد بدأ حياتَه السياسيَّةَ بتولِّي إمارةِ مِنطَقة الرياض عامَ (1947)، وعُيِّن وزيرًا للزراعةِ والمياهِ عامَ (1953) ثم المُواصَلاتِ عامَ (1955). وعُيِّن وزيرًا للدِّفاع في أكتوبر عامَ (1962)، ثم عُيِّن نائبًا ثانيًا لرئيسِ مجلسِ الوُزراء، بالإضافة إلى مسؤوليَّتِه كوزيرٍ للدِّفاع. وبعد وفاةِ الملك فهد عُيِّن وليًّا لعهدِ أخيه الملكِ عبد الله ونائبًا أولَ لرئيسِ مجلسِ الوزراءِ مع احتفاظِه بمَنصبِ وزيرِ الدفاع. وكان أوَّلَ ظُهورٍ له في مَحفِلٍ دوليٍّ بعد تولِّيه ولايةَ العهدِ خلالَ اجتماعاتِ الجمعيَّةِ العامَّةِ للأُمم المتَّحدة، حين ألقى كلمةَ بلادِه أمامَ الجمعيَّةِ في (15 سبتمبر 2005).
جهز الملك العادِلُ بن الملك الكامل جماعة من الأمراء، وعدة من العساكر بديار مصر لتأخذ دمشق، وقدَّم الملك العادل إلى الملك الجواد نائبِه على دمشق رسولًا بكتابٍ فيه أنَّه يعطيه قلعةَ الشوبك وبلادها، وثغرَ الإسكندرية، وأعمال البحيرة وقليوب، وعشر قرى من بلاد الجيزة بديار مصر، لينزِلَ عن نيابة السلطة بدمشق، ويحضُرَ إلى قلعة الجبل، ليعمَلَ برأيه في أمور الدولة، فلما وفى ذلك أوهمه نائبُه عماد الدين قلج من أنه متى دخل مصر قبض عليه الملك العادل، فامتنع من تسليم دمشق، فبَرَز الملك العادل من القاهرة يريد دمشق، آخر ذي الحجة، ونزل بلبيس، فخاف الملك الجواد، وعَلِمَ عَجْزَه عن مقاومة العادل، فبعث إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل صاحب حصن كيفا وديار بكر يطلبُ منه أن يتسَلَّمَ دمشق، ويعوِّضَه عنها سنجار والرقة وعانة، فوقع ذلك من الملك الصالح أحسَنَ مَوقِعٍ، وأجابه إليه، وزاده الجديدة، وحلف له على الوفاء، ورتَّب الملك الصالح ابنَه الملك المعظَّم توران شاه على بلاد الشرق، وألزمه بحصنِ كيفا، وأقام نوابًا بآمد وديار بكر، وسَلَّم حران والرها وجميع البلاد للخوارزمية الذين في خدمته، وطلب نجدةً من الأمير بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، وكان قد صالحه فبعث إليه بدر الدين نجدةً، وسار الملك الصالح من الشرق يريد دمشقَ، فقطع الملك الجواد اسم الملك العادل من الخطبة، وخطب للملك الصالحِ نجم الدين أيوب، وضرب السكَّةَ باسمه، ودخل الصالحُ إلى دمشق في مستهَلِّ جمادى الأولى، ومعه الجواد بين يديه بالناشية، وقد نَدِمَ الجواد على ما كان منه، وأراد أن يستدرِكَ الفائت فلم يقدِرْ، وبعث الصالح إليه بردِّ أموال الناس إليهم، فأبى وسار، وكان قد وصل مع الصالح أيضًا الملك المظفَّر صاحب حماة، وقد تلقَّاه الجواد، فكان دخوله يومًا مشهودًا، فاستقَرَّ في قلعة دمشق، وخرج الجوادُ إلى بلاده، فكانت مدةُ نيابته دمشق عشرة أشهر وستة عشر يومًا، فلما استقَرَّ الملك الصالح بدمشق سار المظفر إلى حماة، وقدمت الخوارزمية، فنازلوا مدينةَ حمص وهو معهم مدةً ثَّم فارقوها بغير طائلٍ، وعادوا إلى بلادهم بالشَّرقِ، وفي أثناء ذلك تواترت رسلُ المظفَّر صاحب حماة إلى الملك الصالحِ يستحِثُّه على قصد حمص، وكتب الأمر من مصر يستدعيه إلى القاهرة، وتعِدُه بالقيام بتصَرُّفه، فبرز الملك الصالح من دمشق إلى البثنية، وكانت الخوارزميَّة، وصاحب حماة، على حصار حمص، فأرسل المجاهدُ أسد الدين شيركوه مالًا كثيرًا فرَّقه في الخوارزمية، فرحلوا عنه إلى الشرق، ورحل صاحِبُ حماة إلى حماة، وعاد الملك الصالحُ إلى دمشق طالبًا مصر، وخرج منها إلى الخربة وعيَّدَ بها عيدَ الفطر، وعسكَرَ تحت ثنية العقاب، وقد تحيَّرَ فلا يدري أيذهب إلى حمص أم إلى مصر، وما زال بمعسكره إلى أول شهر رمضان، فعاد إلى دمشق وتقَدَّمَ إلى الأمير حسام الدين أبي علي بن محمد بن أبي علي الهذباني، أن يرحَلَ بطائفة من العسكر إلى جينين، فرحل، ولم يزل هو تحت عقبة الكرسي، على بحيرة طبرية، إلى آخرِ رمضان، فلما وردت الأخبارُ بحركة الملك الصالح إلى القاهرة، خرج من أمراء مصرَ سبعة عشر أميرًا في عِدَّة كبيرة من أتباعهم وأجنادهم، وخلقٌ مِن مُقَدَّمي الحلقة والمماليك السلطانية، وساروا يريدون الملك الصالح بدمشق، واضطربت مصر اضطرابًا زائدًا، وخرج فخر القضاة بن بصاقة في الرِّسالة إلى الملك الصالح من الكرك عن الناصر داود بأنَّه في نصرة الملك الصالح ومعاونته، ويسألُه دمشق وجميعَ ما كان لأبيه، فلم تقَعْ موافقة على ذلك، فسار الناصر إلى الملك العادل، ونزل بدار الوزارة من القاهرة، ليعينَه على محاربة أخيه الملك الصالح، فقَدِمَ في ذي الحجة الصاحبُ محيي الدين بن الجوزي برسالة الخليفةِ إلى الملك الصالح، ليصالِح أخاه الملك العادل فأجلَّ الملك الصالح قدومه إجلالًا كثيرًا، ومع ذلك فإنَّ كُتُب الأمراء وغيرهم تَرِدُ في كل قليل على الملك الصالح من مصر، تعِدُه بالقيام معه، وأنَّ البلاد في يده، لاتفاق الكلمةِ على سلطنتِه.